مفاعل تشرنوبل مثالاً للأضرار التي يمكن أن تنجم عن انصهار جزئي للمفاعلات النووية، وذلك لتوافر المعلومات الحديثة. ولا نشك في أن أضراراً لا تقل أهمية سوف تظهر إلى العالم قريباً عن حجم الدمار الناجم عن حادثة مفاعلات فوكوشيما – دايتشي في اليابان إثر هزة 11/3/2011، بل هناك توقعات أنها سوف تكون أعظم!
انتشرت غيمة الإشعاعات بعد حادثة تشرنوبل حول مناطق معينة في العالم، إذ لوحظت بعض آثارها في شرقي أوروبا تحديداً، حينما هطلت أمطار ملوثة بالإشعاعات النووية، فتلوث الماء والعشب الأخضر غذاء الحيوانات المختلفة، التي في أغلب الظن أنها قد وصلت إلى أجسامنا جميعاً، وذلك من خلال اللحوم والمنتوجات الزراعية والصناعية المستوردة، فضلاً عن أن غيمة الإشعاعات أسهمت في تلويث واسع لموائل التنوع الحيوي في الطبيعة.
ألا ينبغي لهذه المخاطر، بما في ذلك كلفة العلاج البدني والنفسي والتعطل عن الإنتاج وتلويث البيئة الطبيعية والتنوع الحيوي فيها وتهديد استقرار الدولة، أن تضاف إلى سعر الطاقة المنتجة من المفاعلات النووية؟ وإذا فعلنا ذلك فتصبح الطاقة النووية أكثر أنواع الطاقة تكلفة على الإطلاق.
وقد عولج مئات الآلاف من الأشخاص في الاتحاد السوفياتي السابق من الذين تعرضوا للإشعاعات، وما زالت الحالة الصحية للمصابين غير واضحة تماماً. وفيما يلي بعض الإحصائيات عن الأضرار التي نجمت عن كارثة تشرنوبل:

موقع كارثة تشرنوبل النووية- أوكرانيا 1986

تخبرنا أحدث تقارير الأمم المتحدة عن نتائج كارثة تشرنوبل النووية، حيث قضى بالسرطان أو بات على وشك الموت 3,940 شخصاً، فيما أصيب نحو 586,000 شخصاً بالتلوث الإشعاعي، من ضمنهم 200,000 من العمال الذي أسهموا في تنظيف الموقع، بالإضافة إلى 116,000 شخصاً من الذين تم إخلاؤهم من المناطق المحيطة بالمفاعل، فضلاً عن إصابة 270,000 نسمة آخرين؛ وقد تعرضت للتلوث مناطق شاسعة تقدر بنحو 200,000 كيلومتر مربع(3)، أي أكثر من ضعف مساحة دولة كالأردن.
وإذا عقدنا مقارنة بين المصابين بالإشعاعات الناجمة من حادثة تشرنوبل والأضرار الناجمة عن الاشتغال بالأسبست، فإننا نجد أن نحو 250,000 – 400,000 حالة وفاة من أمراض متعلقة بأضرار الأسبست، كسرطان الرئة ومرض Mesothelioma ومرض Asbestosis، سوف تحدث خلال 35 سنة القادمة(4)، وقد منعت أوروبا صناعة الأسبست بينما أضرار تشرنوبل أكثر من ضعف أضرار الأسبست ولم تشرع أوروبا في حظر الطاقة النووية بعد!
هذه الإصابات المتوقعة من الأسبست على المدى الطويل هي في الاتحاد الأوروبي فقط، فلماذا منع الاتحاد الأوروبي الاشتغال بالأسبست منعاً باتاً عام 1999، علماً بأن تعدين الأسبست بدأ عام 1879، بينما لم تـُمنع المفاعلات النووية من العمل بعد، بالرغم من أن أعداد إصابات حادثة تشرنوبل وحدها زادت عن أعداد المصابين بأضرار الأسبست، وبالرغم من أن الاشتغال جدياً بالطاقة النووية بدأ خلال الحرب العالمية الثانية فقط؟
وهذا يذكرنا بالحوادث النووية التي لوثت الأرض بالإشعاعات النووية منذ الستينيات، مثل حادثة احتراق السفينة الفضائية Sky-up عام 1964 خلال عودتها إلى الأرض، وتلتها حادثة السفينة الفضائية Cosmos عام 1978، ثم غرق الغواصة النووية قرب سواحل النرويج عام 1989، وغرق أخرى بعد اصطدامها بسفينة في المحيط الهادي عام 1998 وغيرها الكثير من الحوادث العالمية. إذن، إن الصناعة النووية مفتوحة على مخاطر لا حدود لها(5)، وفي الوقت نفسه تتحكم بها شركات عالمية لها نفوذ كبير.
فضلاً عن الحوادث النووية المتوقع حدوثها لا محالة، هناك مخاطر التخلص من النفايات النووية، كاليورانيوم المشع، الذي ما زالت المنشآت الخاصة قاصرة عن الاحتفاظ به لآلاف السنين في ملاجئ محصنة أو في طبقات جيولوجية عميقة، كما أن مناطق التخلص من النفايات النووية غير محدودة تماماً وتلجأ بعض الدول إلى القرصنة ودفنها في الدول الفقيرة أو في أعماق البحار.
هذا فيما يتعلق بأحوال النفايات النووية حول العالم والتلوث الإشعاعي الذي يصاحبه والتسمم الكيميائي الذي تنشره بين الناس عبر الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي، ولكن، ماذا بشأن مخاطر المحطات النووية، هل هي نفسها آمنة؟
وفقاً لتقرير مؤسسة الحماية من الإشعاعات النووية IRSN، وفي عام 2008، زادت نسبة الحوادث الأمنية والبيئية في المواقع النووية بمقدار 56 % مقارنة بعدد حوادث عام 2005 (من 131 حادثة عام 2005 إلى 205 حادثة عام 2008)(6). فعلى سبيل المثال، في منشأة سوكاتري Socatri في موقع Tricastin، تسرب 20 م3 من السائل المشع خارج مستودعات الوقود؛ انساب بعض الوقود مع خطوط تصريف مياه المطر فيما تسرب البعض الآخر في داخل التربة(7).
وقد تسربت مياه مشعة أيضاً من محطة نووية يابانية بعد زلزال اليابان عام 2007، وهي محطة كاشيوازاكي النووية، كما تسربت كميات كبيرة إلى البحر بعد هزة 11/3/2011 من مفاعلات فوكوشيما – دايتشي، كما تسربت غازات وعناصر مشعة بعد انصهار قلب المفاعل وانخفاض منسوب مياه تبريد قضبان اليورانيوم، فوجدت عناصر كاليود المشع والسيزيوم 137 في قاع البحر وعلى التربة المحيطة بالمفاعلات.

Post a Comment

Previous Post Next Post