نشأة النظرية البنائية :
شهد المجال
التربوي في أواخر القرن الماضي تطوراً كبيراً
في التربية العلمية نتج عنه تحول
كبير في البناء المعرفي لدى المتعلم حيث يذكر الخليلي (1995م : 255) أنه في
العشرين سنة الماضية شهد البحث التربوي تحولاً من التركيز على العوامل الخارجية
التي تؤثر في التعلم مثل متغيرات المعلم (شخصيته ، حماسة ، تعزيزه) المدرسة،
المنهج ، إلى العوامل الداخلية أي ما يجري بداخل عقل المتعلم مثل معرفته السابقة ،
المفاهيم السابقة الخطأ ، دافعيته للتعلم ، أنماط تفكيره ، أي الانتقال من التعلم
السطحي إلى التعلم ذي المعنى وقد واكب ذلك التحول ظهور ما يسمى بالنظرية المعرفية
مثل النظرية البنائية وإحلالها محل النظرية السلوكية .
ونظراً للاهتمام المتزايد في عمليات
التعليم والتعلم ، فقد ظهرت العديد من النظريات التي اهتمت بالتعليم وبتفسير آلية
التعلم والنمو المعرفي ، وقد صنفت هذه النظريات في صنفين حددتهما فايزة الكيلاني (
2001م : 2- 3 ) في التالي : الأول ويضم تلك النظريات التي اهتمت بدراسة السلوك
الظاهري للمتعلم ، وتعرف بالنظريات السلوكية ، والتي يرى أنصارها أن العملية
التعليمية تحدث نتيجة مؤثرات خارجية تؤدي إلى استجابات من قبل المتعلم ، والتعلم
بالنسبة لهذه النظريات هو تعديل في سلوك الفرد ، أي أن هذه النظريات تهتم بالسلوك
الظاهري للمتعلم ، ولا تهتم بما يحدث داخل عقل المتعلم . ومن هذه النظريات نظرية
سكنر، وبافلوف، وثورندارك، ونظرية جانييه . أما الصنف الثاني من النظريات ، فهو
الذي يضم تلك النظريات التي اهتمت بدراسة العمليات العقلية التي تحدث داخل عقل
المتعلم ، وتعرف بالنظريات المعرفية، فقد اهتمت هذه النظريات بالبنية المعرفية
للفرد ، ولم تركز على سلوكه الظاهري . ومن أهم هذه النظريات النظرية البنائية ،
والتي عرفت التعلم بأنه عملية نشطة لبناء المعرفة ، وهو عملية بحث يقوم فيها
المتعلم على إيجاد علاقة بين الجديد الذي صادفه وبين ما كان لديه من مفاهيم. وملخص
هذه النظرية كما ذكر زيتون وزيتون ( 1992م : 48 ) أن عملية اكتساب المعرفة تعد
عملية بنائية تتم من خلال تعديل المنظومات أو التراكيب المعرفية للفرد ، من خلال
آليات عملية التنظيم الذاتي ( التمثل والمواءمة ) وتستهدف تكيفه مع الضغوط
المعرفية .
وتهتم
النظرية البنائية بالإجابة عن السؤال الآتي : كيف تكتسب
المعرفة ؟
هذا السؤال شغل عقول الكثيرين من
الفلاسفة والعلماء لمدة تزيد عن (2000) سنة ، ويعود السبب في ذلك كما تذكر أمة
الكريم أبو زيد (2003م : 25) إلى أن هذا السؤال على درجة من الصعوبة، بحيث أن
النظريات المتعاقبة في اكتساب المعرفة لم تكن قابلة للتحقق من خلال الاختبارات
العلمية، فقد اهتم العديد من الفلاسفة بهذا السؤال بشكل تقليدي .
نشأت النظرية البنائية منذ فترة ليست بالقصيرة،
حيث يذكر زيتون وزيتون (1992م : 15-17) إن
لها جذور عميقة في الماضي، حيث إن أفكار النظرية البنائية لم تبدأ من فراغ أو من
نقطة الصفر، فهي ليس نبتاً نما فجأة في مجال المعرفة، ولكنها وإن كانت جديدة إلا أن
مقاطعها ليست غريبة على الآذان، فقد قام مؤلفون بإعادة تجميعها وتنسيقها وبنائها
في صيغة جديدة أمثال : فيكو Vico، وجـون ديوي John Dewey
وجان بياجيه Jean
Piaget وجلاسر سفيلد
Glassersfeld، وغيرهـم.
وبرغم أن الحركة البنائية قد ظهرت في مجال
تدريس العلوم مع مقالة دريفر Driver وإيسلي Easley إلا أنها كفلسفة عامة لها تاريخ طويل حيث تذكر منى عبـدالهادي
وآخـرون (2005م : 359 – 360) ، فقد بدأت مع آراء الفيلسوف الإيطالي جيامبتستيا
فيكو Giambattista Vico والذي يرى أن الله هو خالق العالم، وبذلك فهو أحق أن يعرفه ، وما
يستطيع أن يفعله الأفراد هو أن يبنوا أفكارهم عن العالم ، وعقل الإنسان لا يعرف
إلا ما يبنيه بنفسه، وبذلك تختلف الأفكار من فرد إلى آخر .
وتنطلق البنائية من ثلاثة مصادر تاريخية حددها
تاج الدين وصبري (2000م : 67- 68) في
التالي : المصدر الأول فلسفي مؤداه أن النظرية العامة للمعرفة يمكنها تزويدنا
بخلفية تساعدنا في الوصول إلى نظرية تربوية نوعية ( خاصة ) وتطبيقها ، والمصدر
الثاني هو انعكاس الخبرة من ذوي المهن كالأطباء والمحامين والمعلمين وغيرهم ، على
هؤلاء الذين ينشدون مساعدتهم، والتعلم منهم ، أما المصدر الثالث فهو مجتمع البحث
الوظيفي الذي استهدف ميلاد النظرية والتطبيق على نحو أكثر ارتباطاً وتماسكاً ،
والنظرية البنائية بمعناها المعروف الآن لها جذور تاريخية قديمة تمتد إلى عهد
سقراط ، لكنها تبلورت في صيغتها الحالية على ضوء نظريات وأفكار كثير من المنظرين
أمثال : أوزبل ، وكيلي ، وبياجيه ، وفيجوتسكي وغيرهم .
وبإلقاء
الضوء على لمحة تاريخية عن البنائية يمكن الإشارة إلى ذلك كما ذكر عبد الرزاق
(2001م : 17) في التالي :
- إن
مؤشرات البنائية يمكن إيجادها من خلال أعمال كل من سقراط ، وبليتو وأرسطو حيث
تحدثوا جميعاً عن تكوين المعرفة .
- بعد
ذلك جاء سانت أجستين Sant
Augstine الذي ذكر أنه من أجل البحث عن الحقيقة على الناس البحث عن الخبرة
الحسية مما آثار الكنيسة عليه في ذلك الوقت .
- وفيلسوف
أكثر حداثة هو جون لوك الذي قال : " أنه لا يمكن لمعرفة أي فرد أن تجاري
خبراته " .
- أما
كانت Kant
فأوضح أن التحليل المنطقي للأشياء ، والأفعال يؤدي إلى نمو المعرفة وأن المشاهد
التي يمر بها الفرد تؤدي إلى معرفة جديدة .
- أما
الفيلسوف الرئيسي واضع اللبنات الأساسية للبنائية فهو بياجيه Piaget
.
ويجمل زيتون
وزيتون ( 1992م : 46-47) تصور بياجيه عن التعلم المعرفي كما يلي :
التعلم المعرفي هو بالدرجة الأولى عملية تنظيم
ذاتية للتراكيب المعرفية للفرد وتهدف إلى مساعدته على التكيف ، بمعنى أن الكائن
الحي يسعى للتعلم من أجل التكيف مع الضغوط المعرفية الممارسة على خبرة الفرد خلال
تفاعله مع معطيات العالم التجريبي، وهذه الضغوط غالباً ما تؤدي إلى حالة من
الاضطراب أو التناقضات المعرفية لدى الفرد ، ومن ثم يحاول الفرد من خلال عملية
التنظيم الذاتي بما تشمله من عمليتي المماثلة والمواءمة استعادة حالة التوازن
المعرفي، ومن ثم تحقيق التكيف مع الضغوط المعرفية .
ونظرية بياجيه في
التعلم المعرفي تمثل الملامح العامة لمنظور البنائية السيكولوجي عن المعرفة
واكتسابها بها وموجز هذه النظرية " أن عملية اكتساب المعرفة تعد عملية بنائية
نشطة ومستمرة تتم من خلال تعديل في المنظومات أو التراكيب المعرفية للفرد من خلال
آليات عمليات التعلم الذاتي ( التمثيل والمواءمة ) وتستهدف تكيفه مع الضغوط المعرفية
البيئية " .
وتعد النظرية البنائية من أهم الاتجاهات
التربوية الحديثة التي تلقى رواجاً واسعاً واهتماماً متزايداً في الفكر التربوي
والتدريسي المعاصر ، حيث يذكر العقيلي (2005م :260) إنها نظرية جديدة في التدريس
والتعلم تقوم على فكرة التدريس من أجل الفهم ، واعتماد الطالب مركزاً للعملية
التعليمية ؛ أي أن التدريس البنائي مبني على مبدأ أن الطالب متعلم نشط وإيجابي ،
أما المعلم فهو مدرب وقائد لعمليات التعلم .
ويؤكد فون جلاسر سفيلد (VonGlassersfeld,1990,p102-116) أن النظرية البنائية اكتسبت اهتماماً
كبيراً في السنوات الأخيرة ، واهتم منظروها بكيفية اكتساب المعرفة ومفهوم التعلم
لديهم مفعم بأفكار بياجيه ، حيث يعتبره معظم منظري البنائية الذين جاءوا بعده واضع
مبادئها الأساسية بمنظورها السيكولوجي حول اكتساب المعرفة.
إرسال تعليق