المنهج التجريبي وتطبيقاته عند علما ء المسلمين.
إن المنهج التجريبي، أو منهج الاستقراء والتجريب، هو المنهج الذي ينتقل فيه الباحث من الجزء إلى الكل، أو من الخاص إلى العام، فهو يسير متدرجا في التعميم حتى يصل إلى حكم عام أو قضايا كلية، وهو يقوم في كل خطواته على الملاحظة والتجربة واستقراء الجزئيات الواقعية، والمقايسة بينها حتى يصل إلى القوانين العامة.
ويعد المنهج التجريبي العملي لدى المسلمين، بمثابة الرفض والطرح للمنهج الصوري عند أرسطو، وكان بحق مفتاح النهضة العلمية في مجال العلوم الطبيعية -على وجه الخصوص- لأن موضوعاته هي الوقائع الخارجية المشهودة، فهي لا تقتنصن من العقل - كما في المنهج الصوري عند اليونان-، ولكنها تفرض نفسها من الخارج على العقل، ثم يقوم العقل بتفسيرها وتحليلها واستقراء جزئياتها واستنباط القوانين العامة منها، ويعد المنهج التجريبي عند المسلمين هو الباعث الحقيقي للنهضة الأوربية الحديثة، وهذا ما يشهد به المنصفون من أبناء هذه الحضارة، تقول المستشرقة ((زيفرد هونكة)): [إن أثمن هدية قدمها العرب لأوربا هي: منهج البحث، الذي لولاه لبقيت أوربا في همجيتها] (1).
_____
(1) شمس العرب تسطع على الغرب ص: 401.


وينبغي على أبناء المسلمين -من ضحايا الغزو الفكري، وأسرى الهزيمة النفسية- أن يعوا ذلك جيدا، وأن يفيئوا إلى ذاتيتهم الإسلامية، ويستعيدوا عزهم المفقود.
أما عن خطوات المنهج التجريبي:
فهي كثيرة، ويختلف العلماء فيما بينهم في الأخذ بها، لكن خطواته الأساسية تتمثل في أربع خطوات هي:
1 - الملاحظة والمشاهدة، أو الرصد والتتبع لتصور الظاهرة موضوع البحث.
2 - وضع الفروض لتفسير الظاهرة، بحيث يتجاوز الباحث مرحلة الوصف إلى مرحلة التفسير وبيان الروابط بين الظاهرة وغيرها، ويضع من الفروض ما يمكن أن يكون تفسيرا لهذه الظاهرة أو ذلك الحدث، ويقوم الباحث بتصفية هذه الفروض، واستبعاد ما لا يصلح منها، حتى لا يبقي لديه إلا فرضا واحدا يصلح تفسيرا للظاهرة، وهو ما يعرف عند المسلمين ((بتنقيح المناط)) أو دليل السبر والتقسيم، وقد سماه (فرنسيس بيكون) بمنهج الحذف والاستبعاد.
3 - التجريب: حيث يقوم الباحث باختبار صحة الفرض الذي ترجح لديه من حيث تلازمه مع الظاهرة أو الحدث في كل الأحوال وجودا بوجوده وعدما بغيابه، وهو ما يعرف ((بالدوران)) عند الأصوليين، والدوران -كما يقول الإمام القرافي-: ((عين التجربة، وقد تكثر فتفيد القطع، وقد لا تكثر فتفيد الظن، فقطع الرأس مستلزم للموت حتما، والموت مظنون


بالسم)) (1).
والخطوات الثلاث السابقة تشكل في مجموعها مرحلة أولى في المنهج التجريبي وهي ما يطلق عليها ((مرحلة التحليل)) ثم تليها مرحلة ثانية وهي ما تعرف ((بمرحلة التركيب)) أو ((مرحلة التقنين)) والتي تتمثل في الخطوة الرابعة وهي:
4 - تقنين النتائج الجزئية: بحيث تجمع هذه النتائج الجزئية المتناثرة، ويصاغ منها قانون كلي تبني عليه المعارف، وهكذا يصبح العلم الحسي الجزئي أساسا للحكم العقلي الكلي لأن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية ولا سبيل إلى صدق القضية الكلية في مجال الطبيعيات إلا من خلال التجريب للجزئيات المحسة المشاهدة، مثل قوانين: الجاذبية، والنسبية، والطفو وغيرها.
وبعد عرض خطوات المنهج التجريبي نسوق عدة ملحوظات ينبغي الاتجاه إليها:
الأولى: أن الدراسات التجريبية لم تعد قاصرة على مجالات العلوم الطبيعية في العلوم الإنسانية وفق معايير وضوابط دقيقة لدراسة مختلف الظواهر الإنسانية، وقد أعلن (وليم فونت) في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي عن إنشاء أول مختبر علمي لدراسة الظواهر النفسية، وبذلك دخلت الظواهر النفسية المتعلقة بأحد العلوم الإنسانية إلى المعمل، وانتشر على إثر ذلك البحث بوصفه بحثا علميا يتناول دراسة مختلف الظواهر الإنسانية، وأصبح ما يعرف بالتغير
_____
(1) مناهج البحث عند مفكري المسلمين ص: 101 ((مرجع سابق)).


التابع، والتغير المستقل في دراسة الحالات؛ وقد عارض كثير من العلماء تطبيق المنهج التجريبي -بإطلاقه- على العلوم الإنسانية لأنها تختلف في طبيعتها عن العلوم الطبيعية، وأثاروا إشكاليات كثيرة في وجه تطبيق المنهج التجريبي في مجال العلوم الإنسانية (1).
الثانية: أن العلم الآن يتجه إلى الاتساق المعرفي العام، بمعنى أنه بين الحقائق بعضها ببعض، ولا ينظر إلى الحقائق المجزأة على أنها علم، وإن كانت توصف بأنها من ضروب المعارف، فالعلم في مفهومه الحديث، يعد تراكما للمعرفة المتسقة، وأنه بدون الاعتقاد بوجود اتساق داخلي في عالمنا هذا فإنه يستحيل قيام العلم، إذ إن العلم هو محاولة لاكتشاق هذا العالم، ومعرفة العلاقات فيه، بما فيها من تداخل واتساق، يقول العالم الفرنسي ((هنري بون كاريه)): ((إن العلم معرفة لا تتعلق بالأشياء أو الظواهر في ذاتها بل هو إدراك ما يربط بين هذه الأشياء والظواهر من علاقات)) (2).
وكأن العلم في مفهومه العام يتجه إلى التصور والتجريد، ولم يعد قاصرا على النشاط في المعامل والمختبرات، وإنما أصبح يشمل كل نشاط يهدف إلى دراسة العلاقات بين الظواهر المختلفة، وإيجاد القوانين التي تحكم هذه الظواهر، وأصبحت معرفة الآلاف من الحقائق الجزئية عن الطبيعة، دون إدراك الروابط التي تنظمها في مجموعة من القوانين، لا يمكن أن يطلق عليها وصف العلم (3).
_____
(1) راجع في ذلك كتاب ((أسس الفلسفة)) ص 69 - 72 د. توفيق الطويل.
(2)، (3) راجع في ذلك مذكرة (قاعة البحث) د. عمر عودة الخطيب ص 59 - 60.


الثالثة: أن صياغة القوانين الكلية من خلال الجزئيات المستقرأة هو منهج علماء المسلمين والذي استلهموه من روح القرآن الكريم في قوله تعالى: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23)} [الفتح].
حيث بين الله سبحانه وتعالى أن السنة الجارية في حالة معينة أو جزئية معينة هي سنة عامة لسواها من نوعها.
وهذا ما قرره علماء المنهج العلمي في الغرب تحت صيغة ((المسلمات العلمية)) ويقصدون بها: الأمور المسلمة لدى الباحث وهي في جملتها أمور مشاهدة ومدركة لا مجال للريب فيها، وهي تنقسم إلى نوعين: مسلمات عامة، ومسلمات خاصة:
فالمسلمات العلمية العامة: تتعلق بالبحث في ذاته مثل.
1 - ((مسلم الحتمية)): ويعنى هذا المسلم: أن كل شيء في ظواهر الكون محكوم بقانون، أو هو في حقيقته نتاج بدون سبب، حتى الظواهر الاجتماعية وقد دخلت مفاهيم جديدة على قانون ((السببية))، تخالف ما كان شائعا من قبل، فأصبح مفهوم ((المتغير المستقل)) بديلا عن مفهوم ((السبب))، ومفهوم ((المتغير التابع)) بديلا عن ((المسبب أو النتيجة))، فإذا قلنا: الحديد يتمدد بالحرارة، فإن الحرارة هي ((المتغير المستقل))، والتمدد هو ((المتغير التابع)).
2 - ((مسلم الاضطراد)): ويعنى هذا المسلم: أن ما حصل في الماضي يمكن أن يحصل في الحاضر، وأن الأشياء تقع بشكل متكرر، ووفق نظام معين ثابت وهو ما يعنى: الاضطراد في وقوع الحوادث.


3 - ((مسلم الوضعية)): ويعنى هذا المسلم: الحسية في المعرفة، حيث إن العلم يعتمد في بدايته على الحواس، فهي نقطة الانطلاق، ثم يأتي بعد ذلك دور المنطق الوضعي، أي أن المعرفة تحتاج بالإضافة إلي إطلاقها من المشاهدات الحسية إلى الخبرة الإنسانية والعمل الذهني من أجل الوصول إلى القوانين العامة والكلية.
أما المسلمات الخاصة: فهي تتعلق بالطبيعة البشرية للباحث، فهي تدخل في نطاق العملية الإنسانية وهي تتمثل في:
1 - ((مسلمة صحة الإدراك)): وتعني أن حواس الإنسان أدوات صالحة للوصول إلى المعرفة، لكنها مهما بلغت من القوة فهي قصيرة المدى، وعرضة للخطأ والخداع ولهذا توجب على الباحث أن يكرر ملاحظاته ليتأكد مما أدرك، وليضمن عدم تعرضه للخطأ. 2 - ((مسلمة صحة التذكر)): وتعني هذه المسلمة أن لدى الإنسان قدرة على استخدام المعارف المختزنة في ذاكرته، وبما أن قدرة الإنسان على التذكر محدودة فيجب عليه أن يسجل مباحثه ونتائجه ويأخذ بالحيطة ما أمكن تلافيا للنسيان.
3 - ((مسلمة صحة التفكير والاستدلال)): وتعني هذه المسلمة أن الإنسان لديه القدرة على استخدام تفكيره والانتقال من المقدمات إلى النتائج، وحيث إن تفكير الإنسان قد يكون عرضة للخطأ لأي سبب من الأسباب كأن يستخدم مقدمات خاطئة، أو يستخدم طرق استدلال غير ملائمة لمجال بحثه، فيجب عليه إذن: أن يفحص مقدماته، وأن يختار طرق استدلاله على أساس من قواعد


المنطق السليم والمنهج السديد.
وقد أوجز علماء المسلمين هذه المسلمات الشخصية فيما يسمى ((بضرورة التثبت)) وعدم التسرع في إصدار النتائج قبل تمحيصها، وقد استلهموا ذلك من توجيهات القرآن الكريم حيث يقو تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بحهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (6)} [الحجرات]؛ ويقول تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (36)} [الإسراء].
الرابعة: بيان السبق الإسلامي في تطبيقات المنهج التجريبي:
فقد سبق أن بينا الريادة الإسلامية في وضع قواعد المنهج العلمي والتي تبرمجت على نحو متكامل عند علماء الأصول على يد الإمام الشافعي -رضي الله عنه -في كتابه ((الرسالة)) ومن جاء بعده أمثال القرافي والشاطبي وغيرهم، حيث قام الاستقراء لديهم على قاعدتين:
العلية -أي أن لكل معلول علة-، والاضطراد في وقوع الحوادث- أي أن العلة الواحدة إذا وجدت تحت ظروف متشابهة أنتجت معلولا متشابها، وهما اللتان [أي القاعدتان السابقتان] أقام عليهما ((جون استوارت مل) سنة 1873م)) المنهج الاستقرائي التجريبي بعد ذلك في الحضارة الغربية، وما نريد إبرازه في هذه النقطة الرابعة هو سبق المسلمين في تطبيق قواعد المنهج التجريبي في ميدان العلوم الطبيعية وذلك من خلال نموذجين من أعلام المسلمين في هذا الميدان، وهما:
_____
(1) راجع في هذه المسلمات مذكرة (قاعة بحث) ص 55 - 58 - مرجع سابق -.


الحسن بن الهيثم، وجابر بن حيان، وسنعرض خطواتهما في البحث مع الإشارة إلى خطوات المنهج الحديث في الغرب على سبل المقابلة لندرك مدى السبق والعمق العلمي للمسلمين في هذا الميدان.
يقول ابن الهيثم (1) في كيفية الإبصار مبينا المسلك الذي يسلكه في بحثه ومحدد الخطوات التي يسير عليها، والترقي فيها خطوة إثر خطوة: [ونستأنف النظر في مباديه ومقدماته، ونبتدىء في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، وتميز خواص الجزئيات، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حالة الإبصار، وما هو مطرد ولا يتغير، وظاهر ولا يشتبه من كيفية الإحساس، ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التدرج والترتيب، مع انتقاد المقدمات، والتحفظ في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في جميع ما تميزه وننتقده طلب الحق لا الميل مع الآراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاق، وتنحسم بها موارد الشبهات.] (2).
وقد أبرز الأستاذ مصطفى نظيف، -في كتابه القيم ((الحسن بن الهيثم وبحثه)) - آراء ابن الهيثم العلمية ومنهجه الفذ الذي جمع فيه
_____
(1) هو أبو علي الحسن بن محمد البصري، ولد بالبصرة وتوفى بالقاهرة سنة 411 هـ، ويعد الحسن بن الهيثم أكبر عالم رياضي وطبيعي في العصور الوسطى ولا تزال لآرائه ونظرياته في الرياضيات وفي البصريات مكانتها حتى الآن، ومن أشهر كتبه: الأصول في الهندسة، والمناظر في الفيزياء.
(2) نقلا عن مناهج البحث عند مفكري المسلمين ص 270 د. علي سامي النشار.


بين الاستقراء والقياس، وجعل الاستقراء وتتبع خواص الجزئيات في الواقع المشاهد أساس البحث، وأقام ذلك على أساس التجربة والتي سماها بالاعتبار، والنظر بشئ من التمحص في النص السابق لترى تكامل خطوات المنهج التجريبي عند ابن الهيثم والذي سبق به الغرب بعدة قرون، وإليك البيان:
1 - وضع المبادىء والمقدمات السابقة في ميدان بحثه تحت التمحيص، وعدم التسليم بها مطلقا أو رفضها مطلقا، وإنما وضعها تحت منظار التحقيق، حيث يقول [ونستأنف، النظر في مباديه ومقدماته].
2 - حدد النظر في الفروض العلمية من خلال الاستقراء وتتبع خواص الجزئيات وذلك عن طريق الملاحظة والمشاهدة، والقيام بالتجارب لاستبعاد ما لا يراه صالحا وذلك من خلال ((السبر والتقسيم))، أو ما أسماه فرنسيس بيكون: بمنهج الحذف والاستبعاد، يقول ابن الهيثم [ونبتدىء في البحث باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، وتميز خوص الجزئيات، ونلتقط ما يخص البصر في حالة الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير، وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس.].
3 - استخدم ابن الهيثم القياس المؤسس على الاستقراء من أجل تجميع النتائج والترقي بخطوات البحث، يقول [ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدرج والترتيب].
4 - ثم يصل ابن الهيثم إلى مرحلة تقنين النتائج وتركيبها


مراعيا التحري والنقد، ومتحفظا من الغلط والأوهام في النتائج عن طريق الإحصاء الشامل والمراجعة الدقيقة لكل خطوات بحثه حتى يكون على يقين من أنه لم يغفل شيئا في موضوعه، وأنه أخضع كل شيء للنقد والتحري، كما تشير إليه بقية الفقرات في النص المذكور، وما ذكره ابن الهيثم عن التحري وتجنب الأوهام العارضة للنفس [ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في جميع ما نميزه وننتقده طلبا للحق لا الميل مع الاراء]. هو عين ما سبق بيانه من قواعد المنهج العلمي والتي سميناها بالمسلمات الشخصية، والعلمية.

Post a Comment

Previous Post Next Post