كيف اكتشفت ظاهرة الانحباس الحراري
ربما يكون العالم الفرنسي جوزيف فوريير J. Fourier هو أول من اكتشف ظاهرة
"الانحباس الحراري" أو ظاهرة "البيت الزجاجي" أو ظاهرة
"الدفء الكوني"، وذلك في عام 1824، ثم شرع في إجراء دراسات واختبارات
على هذه الظاهرة العالِم سفانتي أرهينيوس Svante Arrhenius في عام 1896، ودرس
ظاهرة امتصاص الغازات في الجو للأشعة تحت الحمراء (الموجات الحرارية Heat waves) وإعادة إبتعاثها إلى
الأرض من جديد، وبخاصة الغازات الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري، وتحديداً غاز
ثاني أكسيد الكربون، والتي تؤدي إلى رفع درجة حرارة الأرض.
وقد ساهمت دراسة الغلاف الجوي لبعض الكواكب
القريبة من الأرض، ككوكب المريخ، في فهم هذه الظاهرة. أما مع رحلات
"أبوللو" إلى الفضاء فبدأت تصل، منذ الستينيات للقرن الماضي، صوراً
للأرض. وكانت أول صورة للأرض في تمامها البيضاوي قد وصلتنا في عام 1972، فاكتمل
تصور العلماء لهذا الخطر الداهم.
كي نستطيع استيعاب عملية الانحباس الحراري
يجب فهم طبيعة الإشعاع الشمسي وعناصره من حيث صفته الموجية وعلاقته بالحرارة،
فالطاقة الشمسية هي عبارة عن أمواج كهرومغناطيسية Electromagnetic Waves تتألف من كثرة من
الأطوال الموجية، فمنها ما هو ضمن مدى رؤية العين البشرية ويُعرف بالأشعة المرئية Visible Light ذات الطيف الذي يمتد
من اللون الأحمر إلى البنفسجي Violet. وهناك الموجات الأقصر التي تعرف بالأشعة فوق
البنفسجية Ultra Violet
Light وما دونها أشعة إكس وجاما. أما الأطول فتعرف بالأشعة تحت الحمراء Infra Red Radiation،
وهي الموجات الحرارية الميكروويف Microwaves، ثم أمواج الراديو
أطول هذه الموجات جميعها.
إن الأشعة المرئية تمثل جزءاً ضئيلاً للغاية
من مجموع الأطوال الموجية للإشعاع الكهرومغناطيسي، وتتميز بقدرتها على اختراق
طبقات الغلاف الجوي دون مقاومة تذكر، كما تستطيع بالطريقة نفسها اختراق زجاج النوافذ
للوصول إلى الداخل، على عكس الأشعة تحت الحمراء التي لا تمتلك القدرة على ذلك.
تستمد الأرض حرارتها من أشعة الشمس فيما تفقد
بعضها إلى الفضاء الخارجي بحيث تحفظ تلك الخصوصية نوعاً من الاتزان الحراري على
الكرة الأرضية، أما بعض هذه الحرارة فيتم حجزه في الغلاف الجوي، إذ يعمل بخار
الماء في الغلاف الجوي وكذلك غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان وغازات أخرى على
صد كميات من هذه الأشعة الحرارية في جو الأرض أو امتصاصها؛ فيما تتسرب كميات منها
إلى الفضاء الخارجي البارد.
تساهم الغازات الدفيئة في إعادة ابتعاث
الموجات الطويلة من أشعة الشمس المنعكسة عن الأرض إلى الفضاء الخارجي، فيما يتم
امتصاص الموجات الحرارية الأقصر وإعادة ابتعاثها بالإشعاع صوب الأرض. هذه القوة
الابتعاثية المشعة Radiative
Force للغازات الدفيئة تقاس بالواط للمتر المربع الواحد (W/m2)
وترتبط بعلاقة لوغرثمية مع زيادة كمية الغازات، وهذا يعني أن زيادة نسبة الغازات
لا تستوجب بالضرورة زيادة الانحباس الحراري بالنسبة ذاتها، بل يتصاعد الأثر بمعدل
أقل.
وبما أن القوة الابتعاثية للحرارة عن طريق
الإشعاع ترتبط بعلاقة ما تعتمد بصورة أساسية على الفرق بين درجة حرارة الجسم المبتعث
ومحيطه مضروبة بالقوة الأسية الرابعة(15)
10 Ae [(Ts)4 – (To)4]×Q= 5.673
حيث: Q
كمية الطاقة بالواط للحرارة المفقودة بالإشعاع
A
مساحة السطح المشع
e
قيمة الابتعاثية للسطح المشع
Ts درجة حرارة الجسم
To درجة حرارة الهواء المحيط
فإن هذا يعني أن الابتعاث الحراري للموجات
الحرارية تحت الحمراء تكون أعظم بكثير بالقرب من الأرض منها كلما ابتعدنا عنها.
وسبب ذلك هو ارتفاع درجة حرارة الهواء القريب من الأرض وانخفاضه كلما اقتربنا من
الفضاء الخارجي، وهذا يفسّر عدم ابتعاث الموجات الحرارية في طبقات الغلاف الجوي
البعيدة عن الأرض نتيجة تدني درجة الحرارة، إذ يقتصر ابتعاثها على الموجات الطويلة
دون غيرها، وهي موجات غير حرارية.
وبناءً عليه، فإن غاز ثاني أكسيد الكربون،
مثلاً، يمتلك خاصية حجز الأشعة تحت الحمراء، فيعمل بذلك عمل اللوح الزجاجي الذي
يسمح بدخول الأشعة الضوئية إلى حيز مغلق ويمنع في الوقت نفسه تسرب الموجات
الحرارية بعد انعكاسها عن الأسطح الداخلية للفناء الداخلي.
إرسال تعليق