مراتب القدر وأدلتها :
مراتب الإيمان بالقضاء والقدر -أربعة:
 العلم – الكتابة – المشيئة – الخلق.
المرتبة الأولى: علم الرب - سبحانه وتعالى- بالأشياء قبل كونها:
ومن الأدلة القرآنية ما قاله -سبحانه وتعالى- في رده على الملائكة حينما قال لهم:  {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ونحن نسبح وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون} (البقرة: 30) تأمل الآية: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون}.

وقال تعالى في إثبات علمه السابق لكل شيء: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ويعلم ما في الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} (لقمان: 34) ثم قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} (لقمان: 34).

وفي (الصحيحين) عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول الله، أفرأيتَ مَن يموت منهم وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)).

وفي حديث الاستخارة قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- :  ((اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب... الحديث)).

المرتبة الثانية: كتابته لها قبل كونها :
الكتابة وهي أن الله -سبحانه وتعالى- كتب في اللوح المحفوظ كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِين} (الأنبياء: 105، 106) والزبور هنا: جميع الكتب المنزلة من السماء لا تختص بزبور داود، والذكر: أم الكتاب الذي عند الله -عز وجل- والأرض: الدنيا، وعباده الصالحون: هم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-. هذا أصح الأقوال في هذه الآية.

والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته: ((كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كلَّ شيء))، رواه البخاري.

وقال تعالى في إثبات كتابته لكل ما هو كائن إلى يوم القيامة:  {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِين} (يس: 12) فجمع بين الكتابين؛ الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم، والكتاب المقارن لأعمالهم، جَمَعَ بينهما في هذه الآية.

   المرتبة الثالثة: مشيئته له :
والقرآن الكريم والسنة المطهرة أثبتَا مشيئةَ الله الكاملة الشاملة العامة المطلقة؛ فمثلًا قول الله -تبارك وتعالى-: {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد} (البقرة: 253)  . فهذه آية واحدة ذُكرت فيها المشيئة مرتين.

فنوح -عليه السلام- يقول لقومه: {إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء} (هود: 33) وإمام الحنفاء وأبو الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- يقول لقومه: {وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} (الأنعام: 80) وقال الذبيح إسماعيل لأبيه مثبتًا مشيئة الله -عز وجل-: {سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين} (الصافات: 102) وقال خطيب الأنبياء شعيب لقومه: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا} (الأعراف: 89) وقال يوسف الصديق -عليه السلام- لأبيه وإخوته: {ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِين} (يوسف: 99) وقال قوم موسى له: {وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُون} (البقرة: 70). ثم خاطب الناس جميعًا فقال: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ} وقال سبحانه: {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء} (البقرة: 284).

وفي (صحيح البخاري) من حديث أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء))

وفي (البخاري) أيضًا في قصة نومهم في الوادي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها حين شاء)) وهذا جزء من حديث طويل رواه البخاري في كتاب "التوحيد" من صحيحه، تحت باب في المشيئة والإرادة: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} (الإنسان: 30) .

وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرِصْ على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))، والشاهد من الحديث: ((ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل))

كما أخبر -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في البخاري وغيره، أخبر عن سليمان بن داود: ((أنه قال: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأةً، كل واحدة تأتي بفارس يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف عليهن جميعًا،  فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشِق رجل، وايم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فِرسانًا أجمعون)).

 المرتبة الرابعة: خلقه لها:
فهو الخالق، وما سواه مربوب مخلوق، قال تعالى: {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} (الرعد: 16) وقال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيم} (الحجر: 86) وقال: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} (الأنعام: 1) وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون} (الأنبياء: 33). ومن ذلك قول الله -تبارك وتعالى-: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون} (الصافات: 96) وقال سبحانه: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُر} وقال تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير} (فاطر: 11).

وروى الترمذي في سننه: ((أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله، أرأيتَ ما نعمل فيه أمر مبتدع أم مبتدى، أو فيما فرغ منه؟ فقال: فيما فرغ منه يا ابن الخطاب، وكل ميسر؛ أما مَن كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد علم الله -عز وجل- أهل الجنة من أهل النار؛ لأنه هو خالق أفعالهم، فقد روى البخاري عن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه- قال: ((قال رجل: يا رسول الله، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم، فقال: فلِمَ يعملون؟ قال: كل يعمل لما خلق له أو يسر له)).

Post a Comment

Previous Post Next Post