تاريخ ظاهرة الاحتباس الحراري:
زاد الحديث في الآونة الأخيرة عن ظاهرة الانحباس الحراري وأصبحت شائعة في أدبيات الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، لذلك، سوف نسعى إلى توضيح بعض جوانب هذه الظاهرة (ظاهرة الانحباس الحراري أو الدفء الكوني، أو التغيّر المناخي، أو ظاهرة البيت الزجاجي) وأبعادها التاريخية.
اقترح المستشار فرانك لونتز Frank Luntz على إدارة الرئيس بوش استخدام مصطلح "التغير المناخي" كبديل لمصطلح "الانحباس الحراري" أو "الدفء الكوني" لتلطيف وقع الظاهرة النفسي على العالم، ربما لأن مصطلح "التغير المناخي" ينطوي على فكرة التغير نحو البرودة أيضاً.
لقد خلق الإنسان بيئة اصطناعية من صنعه عبر تاريخه القديم والحديث على سطح الأرض، منذ عشرات الألوف من السنين، حين اتخذ المستوطنات الدائمة مقراً له وأقام السدود والمشاريع الزراعية والمائية وغيرها.
ويمكننا العودة إلى نشاطات الإنسان الزراعية قبل 8000 عام، عندما بدأ الإنسان يزيل الغابات للاستخدامات الزراعية والتوسع فيها؛ نتيجة استقرار الإمبراطوريات القديمة وضمان أمنها وحاجتها المضطردة إلى المواد الغذائية وتوافر الأيدي العاملة الزراعية، وقد تعمق ذلك الضرر قبل نحو 5000 عام عندما بدأت زراعة الأرز في آسيا والتي تساهم في إطلاق بعض الغازات الدفيئة، وبخاصة غاز الميثان.
ولا تقل عملية قطع الغابات أهمية عمّا سلف من أضرار، ويعتقد بعض العلماء أن التغير المناخي الذي حصل في حوض البحر الأبيض المتوسط منذ قرون، وما زال كذلك حتى يومنا هذا، يعود إلى قطع الغابات في الفترة الواقعة بين 700 قبل الميلاد إلى نهاية القرن الميلادي الأول، وذلك بهدف بناء السفن وآلات الحرب والحصار وإنشاء الأبنية ولاستخدامه كوقود. وتمثل الفترة التاريخية الأخيرة العصر التي نهضت خلاله الحضارات في سورية واليونان وبلاد الرومان. ونحن نعلم اليوم أن أشجار الأرز في لبنان تنحصر في رقعة ضيقة أشبه بالمحمية منها بالغابة.
كما واجهت الأرض في العصور الوسطى، ولغاية القرن الثالث عشر فترة دفء مناخي، أطلق عليها فترة الدفء الرومانية Roman Warm Period، ثم دخلت بعد ذلك في عصر جليدي مصغـّر استمر حتى مطلع القرن التاسع عشر، حينما بدأت ترتفع درجة الحرارة منذ ذلك الوقت.
ولكن فترة الدفء المناخي لم تمنع دخول الأرض في فترات صقيع وبروده مرتفعة، ودليل ذلك تجمد نهر الفرات في عام 608 للميلاد، ثم بعد انقضاء فترة دفء في القرن الثامن، تجمد نهر النيل عام 829 للميلاد(12).
وهناك دلائل تشير إلى أن نهر التايمز في لندن كان يتجمد سنوياً في فترات متفاوتة، حيث كانت تقام "مهرجانات الجليد" فوقه. وقد كانت السنوات 1680 – 1700 شديدة البرودة في أوروبا، كذلك كان العقد الواقع بين 1810 – 1820، وبخاصة في عام 1816 التي لم ترَ أوروبا فصلاً للصيف في ذلك العام(13).
وعلى الأرجح أن تكون أسباب التغير المناخي في العصور الوسطى والحديثة (قبل القرن التاسع عشر) من فعل التغيرات في النشاطات الإشعاعية على سطح الشمس، ومن فعل تغير مدار الأرض حول الشمس وحول نفسها. إذ يؤكد العلماء أن نتائج مراقبة شدة الإشعاع الشمسي عبر آلاف السنين تشير إلى تزايد شدة الطاقة الشمسية المنبعثة من الشمس عبر العصور، وهناك مؤشرات أيضاً على ضعف شدتها في فترات ما، كفترة العصر الجليدي المصغـّر التي تلت ارتفاع درجة حرارة الأرض في العصور الوسطى المظلمة.
أدت التغيرات المناخية إلى صعود الحضارات واندثارها، فإن تجمد أجزاء من نهر النيل في عام 829 للميلاد كان مؤذناً بفترة تدني درجة حرارة على صعيد عالمي، وقد تزامن مع انهيار حضارة المايا في أمريكا الوسطى والتي تقع على خط العرض نفسه تقريباً. ومع مطلع القرن العاشر بدأ العالم يشهد ارتفاعاً في درجة الحرارة، فبدأ الثلج يذوب في المضيق الذي يفصل النرويج عن آيسلندا، فبدأ الاستيطان في آيسلندا نحو ذلك التاريخ خلال فترة الدفء المناخي(14).
ومع نهاية القرن الحادي عشر بدأ الطقس يميل إلى البرودة وحدثت أعاصير وفياضانات واجتاحت الأمراض أوروبا، فبدأ النزوح الشهير خلال حروب الفرنج في نهاية القرن الحادي عشر. وقد تزاحم المهاجرون إلى الشرق في القرن الثالث عشر حيث ازدادت البرودة ودمرت المحاصيل الزراعية في أوروبا، واستمرت البرودة حتى نهاية القرن الخامس عشر (ويمكننا ربط ذلك باكتشاف العالم الجديد والدوران حول رأس الرجاء الصالح).
نحو عام 1520 بدأ الدفء المناخي يسود العالم، واستمر لغاية عام 1640، ثم عادت الدورة مرة أخرى حيث بدأ البرد يشتد منذ عام 1640؛ وقد سجلت أرقاماً قياسية لتدني درجة الحرارة بين عامي 1680 – 1700، ووصلت الموجة الباردة أوجها عام 1816 عندما لم يتمتع الأوروبيون بالصيف فتم الانتقال من الربيع إلى الخريف دون المرور بفصل الصيف.
ثم بدأت دورة جديدة من الدفء المناخي في العالم استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر، تبعتها فترة باردة حتى عام 1925، ومنذ ذلك الوقت يتوقع بعض العلماء أن تستمر الدورة الدافئة حتى عام 2010، حيث يتوقع أن تعود بعد ذلك الدورة الباردة من جديد، وربما تمتد إلى عام 2110 ولكن ذلك لا يعني أن البرودة ستشتد كثيراً، لأن تلويث الأرض قد رفع من درجة حرارة هذا الكوكب وسوف يستمر في ذلك خلال القرن الحادي والعشرين.
بدأت التغييرات المناخية الأهم بتأثير من نتائج الثورة العلمية الكبرى في القرن السابع عشر، عندما بدأ الإنسان يحيط بقوانين الطبيعة ويحلم بالسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لمصالحه ورفاهيته. وقد هيّأت الاكتشافات العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر وما بعدهما، فضلاً عن التكنولوجية في نهاية القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر، ليصبح القرن التاسع عشر تحديداً عصر الثورة الصناعية الكبرى الأولى التي قامت في مطلع القرن على الفحم الحجري والمحرك البخاري، والثورة الصناعية الكبرى الثانية التي قامت في نهاية القرن نفسه على النفط والكهرباء والمحرك ذي الاحتراق الداخلي، والذي سمح للإنسان بالتجول في العالم واكتشافه ونهب موارده الطبيعية، بوتيرة متسارعة تعاظمت بشكل رهيب قياساً باكتشاف القارة الأمريكية في نهاية القرن الخامس عشر، ونهب خيراتها من الذهب والفضة وتسخير سكانها لخدمة النهضة الأوروبية آنذاك.
لقد عمل الإنسان الحديث منذ ذلك العهد الصناعي على إحداث تغييرات هائلة في باطن الأرض، وعلى سطحها وفي غطائها النباتي وثروتها الحيوانية وفي مياهها وهوائها وتربتها، فأقام المشاريع الزراعية والمائية والإنشائية والبنى تحتية، من طرق وسدود وخدمات متنوعة، ومشاريع صرف صحي وأماكن تجميع للنفايات، كما قام بقطع الأشجار وتجريف التربة وحرق الوقود الأحفوري واستنزاف الموارد الطبيعية، الأمر الذي أدى إلى تغيير معالم البيئة الطبيعية وتلويثها، وتهديد الموائل الطبيعية التي كانت مأهولة بالتنوع البيولوجي الهائل في الطبيعة والمستقر فيها منذ مليارات السنين، والذي أخذ يتناقص بالتدرج، حيث باتت تنقرض بعض أنواع الحياة في الطبيعة بوتيرة متسارعة.
ويؤدي تزايد عدد السكان وارتباطه بنمط الإنتاج الاستهلاكي، وتعاظم التصنيع والزراعة وتربية المواشي والعبث بالطبيعة، واشتداد الحروب وتطور الصناعات العسكرية والتكنولوجية الأخرى، وصناعة الوقود العضوي من المحاصيل الزراعية ونحو ذلك، إلى تدمير الموائل الطبيعية بغرض توسيع الرقع الزراعية والرعوية، وحرق بقايا الزراعة، واستخدام الأدوية والأسمدة الكيميائية، وإنتاج اللحوم ومشتقات الألبان من مزارع الحيوانات بسرعة كبيرة تفوق معدلات نموها الطبيعي، وتطوير الغذاء المعدّل جينياً، وتغيير أنماط غذاء المزارع المنتجة للـّحوم، وبغرض التعدين وبيع الأخشاب والتدمير العبثي للكثير منها بفعل الحرائق للاستحواذ على الأراضي وعلى الأخشاب كمصدر وقود، وبخاصة في الدول الفقيرة.
كما يرافق مفهوم "التقدم" الذي يهيمن على الوعي الرأسمالي العالمي تدني أحوال الموائل الطبيعية الجمالية، من حيث تدني الخصوبة في التربة وزيادة التبخر منها وانحسار التنوع البيولوجي فيها، وتقطيع أوصال الموائل عن بعضها البعض، وتنامي ظاهرة التصحر، وازدياد ملوحة التربة نتيجة الري والزراعة المكثفة والتغير المناخي، وتدمير الموائل الطبيعية، والتصحر، وقطع الأشجار، وإقامة السدود المائية، والصيد الجائر، والرعي الجائر، الذي ينجم عنه انجراف في التربة وتعكير لمياه الأنهار والبحيرات وتلويثها وما إلى ذلك.
وقد نجم عن ذلك كله مختلف أنواع التلوث وظواهر البيئة الاصطناعية التي أشادها الإنسان، مثل: التلوث الضوضائي، التلوث الإشعاعي، تلوث الماء، تلوث الهواء بالغازات والمواد العالقة، اضمحلال طبقة الأوزون، وظاهرة "الانحباس الحراري"، أو ظاهرة "البيت الزجاجي"، أو ظاهرة "الدفء الحراري"، وهي مسميات للظاهرة نفسها.

Post a Comment

Previous Post Next Post