منطق العلاقة الترابطية بين الفيزياء والرياضيات عند أينشتاين          

لطالما عارض اينشتاين كون الرياضيات علما ضروريا وأساسيا يشرح النظرية الفيزيائية  ولكن وجهة نظره تبدلت في حزيران عام   1933  حيث ألقى محاضرة لهلبرت سبنسر في جامعة أكسفورد تدور حول وصف منهج الفيزياء النظرية وصرح حينها قائلا: "وإذا بعد كل ما تقدم أن من الصحيح كون البناء البديهي للفيزياء النظرية لا يمكن استخراجه من التجربة بل يجب أن نخترعه بحرية ولا يجب ان نكون متفائلين بالوصول الى الطريق الصحيح وسأكون هنا صريحا في ان هناك طريقا صحيحا ويمكننا ان نجده فتجربتنا تبرر لنا الاعتقاد بأن الطبيعة هي أدراك لأبسط الأفكار الرياضية.أنا مقتنع أننا نستطيع اكتشاف البناء الرياضي الخالص بالوسائل وكذلك القوانين الرياضية التي ستكون الحل لفهم الظواهر الطبيعية... التجربة ستبقى بالطبع المعيار الوحيد لرفد الطبيعيات بالبناء الرياضي لكن سيبقى المبدأ الخلاق في الرياضيات"(1).
مثل هذا ا لتصريح السابق من اينشتاين لم يكن مجرد كلام شفاه بل وصف فعلي لمنهجه الحالي فيما يخص البحوث الفيزيائية ومنذ عام 1922 ولبقية حياته العلمية عمل جاهدا في صياغة حقول نظرية موحدة لتكون أساسا لجميع العلوم الطبيعية، وهذا ما حدث فعلا وقد أثمر نتائج جزئية وقليلة لم تقربه ضمن المجتمع الفيزيائي بل جعلته غريبا عنها فقد كان الاعتقاد السائد والمهيمن في المجتمع الفيزيائي في العلاقة الوطيدة بين الفيزياء والرياضيات.
ليس لأحد ان يشك في أن أينشتاين نفسه وقبل عام 1920 كان من المعارضين بشدة هذا الاتجاه السابق فحين كان طالبا جامعيا وفي بداية حياته الجامعية كان يرى دائما في الرياضيات بأنه علم غير رصين وهي أداة في خدمة ألأفكار الفيزيائية والمعرفة الرياضية ضرورية كأداة في الأغراض المباشرة للعمليات الفيزيائية وأيضا كان حتى لا يثق كون المعرفة الرياضية كافية ودقيقة مما أدى إلى نفوره من هذا المنهج لاعتقاده بأنه يتعارض مع العلوم الطبيعية في عدة مواضع ومن خلال الأمثلة التي سجلها وساقها ونستدل بهذا الشأن من خلال ما كتبه الى فليكس كلاين (Felix Klein ) في عام 1917 في تعامل فليكس الرياضي مع المعادلات المتعلقة بالنسبية العامة (GTR  ) يقول اينشتاين فيها: "يبدو لي أنك بالغت في تقديرك ووجهة نظرك فالتقدير سيكون حاضرا حين يكتمل الموضوع  ويصاغ بشكل نهائي ولكن في النهاية  ستفشل وستكون بحاجة للكشف العلمي"(2).
كان هذا في معرض رده حول عدم الاعتماد الكامل على القوانين الرياضية وأقول بأن التغير الجوهري السابق في نظرة اينشتاين لم يكن على سابق عهدة  وخصوصا بين عام 1912 إلى عام 1915 بالتحديد بعد طرح الصيغة الرياضية لنظرية للجاذبية ولعل هذا التغير في فكره نتيجة تفاعلات معقدة في العلاقة بين الرياضيات والفيزياء والذي يبدو للكثير أنها متشابكة بين بعضه البعض ولذا فان اينشتاين لقي صعوبة لكي يفصل كل على حدة ولعل أكثر ما أبهر اينشتاين هو التطبيق غير المتوقع لهندسة ريمان (Riemannian geometry) وأيضا حساب المتجهات لكل من جورجيو رتشي وتوليو ليفي (T. Levi)(3).
وعلى الرغم من هذا الانبهار السابق لآينشتاين لم يغير من وجهة نظره إزاء الرياضيات ألا عندما التحق بكوتنجن حيث هلبرت ومينكوفسكي اللذان كان لهما الأثر الأكبر في فكر اينشتاين وسنوضح ذلك لاحق. 

Post a Comment

أحدث أقدم