اختلاف الفقهاء في الوضوء
:
اختلف علماء الأمصار هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا بعد اتفاقهم على
اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}
ولقوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات" الحديث المشهور. فذهب
فريق منهم إلى أنها شرط، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وداود. وذهب فريق
آخر إلى أنها ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري. وسبب اختلافهم تردد الوضوء بين
أن يكون عبادة محضة: أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها،
وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة
مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه
من العبادتين، ولذلك وقع الخلاف فيه، وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة، والفقه أن ينظر
بأيهما هو أقوى شبها فيلحق به.
المسألة الثانية
اختلف الفقهاء في غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء، فذهب قوم إلى
أنه من سنن الوضوء بإطلاق، وإن تيقن طهارة اليد، وهو مشهور مذهب مالك والشافعي. وقيل
إنه مستحب للشاك في طهارة يده؛ وهو أيضا مروي عن مالك
المسألة الثالثة
اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في الوضوء على ثلاثة أقوال: قول إنهما
سنتان في الوضوء، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقول إنهما فرض فيه، وبه قال
ابن أبي ليلى وجماعة من أصحاب داود، وقول إن الاستنشاق فرض والمضمضة سنة،
المسألة الرابعة اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء
لقوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم} واختلفوا منه في ثلاثة مواضع: في غسل البياض الذي بين
العذار والأذن، وفي غسل ما انسدل من اللحية، وفي تخليل اللحية، فيكون في المذهب في
ذلك ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة والشافعي: هو من الوجه. وأما ما انسدل من اللحية،
فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة ولا الشافعي في أحد قوليه؛
وسبب اختلافهم في هاتين المسئلتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين، أعني هل
يتناولهما أو لا يتناولهما وأما تخليل اللحية فمذهب مالك أنه ليس واجبا، وبه قال أبو
حنيفة والشافعي في الوضوء، وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك؛ وسبب اختلافهم في
ذلك اختلافهم في صحة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية والأكثر على أنها غير
صحيحة مع أن الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام ليس في شيء
منها التخليل.
-المسألة الخامسة
اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء لقوله تعالى
{وأيديكم إلى المرافق} واختلفوا في إدخال المرافق فيها؛ فذهب الجمهور ومالك والشافعي
وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها، وذهب بعض أهل الظاهر وبعض متأخري أصحاب مالك والطبري
إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل
المسأله السادسة
أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه. فذهب مالك
إلى أن الواجب مسحه كله، وذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه
هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين، وأما أبو
حنيفة فحده بالربع
المسألة السابعة
اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا
أسبغ، وإن الاثنين والثلاث مندوب إليهما، لما صح "أنه صلى الله عليه وسلم توضأ
مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا" ولأن الأمر ليس يقتضي إلا الفعل
مرة مرة، أعني الأمر الوارد في الغسل في آية الوضوء، واختلفوا في تكرير مسح الرأس
هل هو فضيلة أم ليس في تكريره فضيلة. فذهب الشافعي إلى أنه من توضأ ثلاثا ثلاثا يمسح
رأسه أيضا ثلاثا، وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره؛
المسأله الثامنة من تعيين المحال
اختلف العلماء في المسح على العمامة، فأجاز ذلك أحمد بن حنبل وأبو ثور
والقاسم بن سلام وجماعة، ومنع من ذلك جماعة منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة، وسبب اختلافهم
في ذلك اختلافهم في وجوب العمل بالأثر الوارد في ذلك من حديث المغيرة وغيره
"أنه عليه الصلاة والسلام مسح بناصيته وعلى العمامة" وقياسا على الخف، ولذلك
اشترط أكثرهم لبسهما على طهارة، وهذا الحديث إنما رده من رده، إما لأنه لم يصح عنده،
وإما لأن ظاهر الكتاب عارضه عنده، أعني الأمر فيه بمسح الرأس، وإما لأنه لم يشتهر
العمل به عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الآحاد وبخاصة في المدينة على
المعلوم من مذهب مالك أنه يرى اشتهار العمل، وهو حديث خرجه مسلم، وقال فيه أبو عمر
بن عبد البر إنه حديث معلول، وفي بعض طرقه أنه مسح على العمامة ولم يذكر الناصية،
ولذلك لم يشترط بعض العلماء في المسح على العمامة المسح على الناصية، إذ لا يجتمع
الأصل والبدل في فعل واحد.
إرسال تعليق