الموافقون للدعوة النجدية
مع مخالفة الحركة:
كثير من المجددين و
دعاة التغيير و العمل بالسنة كانوا يوافقون دعوة ابن عبد الوهاب و يرونها إحياء
لدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية و منهاج السلف، لكنهم استنكروا تسارع النجديين في
التكفير و سفك دماء الناس و استحلال أموالهم.
فمن هؤلاء جماعة من
الحنابلة المعظمين لابن تيمية و ابن القيم، مثل جملة من تلاميذ الإمام السفاريني
المتوفى سنة 1180 رحمه الله. كابن سلوم الذي ألف «مختصر لوامع الأنوار البهية»
للسفاريني، و هي عقيدة سلفية، بل إن السفاريني نفسه ألفها للنجديين لكن ليس عندي
أي خبر يبين موقف هذا الإمام من الحركة النجدية، و قد توفي و هي لازالت في حروبها
الأولى، و لا أظنه إلا من هذا القسم.
و من هؤلاء ابن فيروز،
الذي كان من كبار الحنابلة لكنه كان مواليًا للعثمانيين، فكفره النجديون و كادوا
يقتلونه ففر للعراق ، و أظنه من الأحساء شرق الجزيرة العربية.
و من هذا القسم أيضًا
من غير الحنابلة الإمام السيد محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله المتوفى
سنة 1182ﻫ، فإنه أول أمر نصر الإمام محمد بن عبد الوهاب و قال فيه قصيدة طنانة
مطلعها:
سلامـي علـى نجـد و مـن
حـل فـي نجـد
و إن كـان تسليمـي
مـن البعـد لا يجـدي
ثم مدح الدعوة و شيخها
و أنهم أعادوا للدين شبابه و نصروا التوحيد و أهله فكانوا على منهاج النبي e، و صنف رسالته «تطهير الاعتقاد عن درن الإلحاد»
و هي شديدة، كأنه لا يقول بالعذر بالجهل البتة.
غير أن الصنعاني رجع
ذلك لما جاءه مربد التميمي و حدثه عن مبالغة النجديين في سفك الدماء، و قال قصيدته
الشهيرة التي مطلعها:
رجعـت عـن الـذي قلـت
فـي النجـدي.
و قد أنكر النجديون
رجوعه و كذبوا نسبة تلك القصيدة إليه، و صنف في ذلك سليمان بن سحمان الخثعمي،
المتوفى سنة 1349ﻫ، رحمه الله تعالى، كتابه «تبرئة الشيخين من الكذب و المين».
غير أن قصيدة الصنعاني شرحها هو نفسه و نقل عنها و عن شرحها الشوكاني ثم صديق حسن
خان رحمهما الله تعالى.
و ذكر هذا التراجع
الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني المتوفى رحمه الله سنة 1382ﻫ في «فهرس
الفهارس» عند ترجمة الصنعاني. فالله أعلم بحقيقة ذلك.
و من هؤلاء أيضًا
الإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله المتوفى سنة 1250ﻫ، فإنه ترجم للأمير محمد
بن سعود، رحمه الله، في «البدر الطالع» فمدح دعوة ابن عبد الوهاب، رحمه
الله، و ذكر أن النجديين أرسلوا رسائل لإمام اليمن يدعونه إلى طريقتهم و نصرتها، و أنها رسائل مليئة بالعلم موافقة للسنة
و أن الذين ردوا على الشيخ لم يأتوا بشئ و ملأوا كتبهم بالجهل. و أن البلاد التي
دخلت تحت طاعتهم ألزم أهلها بالصلاة و إقامة شعائر الدين، و غير ذلك من الأمور
الحسنة الطيبة.
لكنه استنكر تسارعهم في
التكفير و سفك الدماء على ما أخبره عنهم بعض من قدم من الحج.
ثم قرأت ترجمة الشوكاني
في كتاب «هجر العلم و معاقله باليمن» للقاضي محمد بن علي الأكوع اليماني
المتوفى قريبًا، رحمه الله تعالى، فذكر أن الشوكاني استنكر على الأمير عبد العزيز
بن محمد بن سعود تساهله في سفك الدماء، و كتب له رسالة ينصحه فيها، و كتب قصيدة في
ذلك.
و كذلك فعل عالم عسير
محمد بن أحمد الحفظي الشافعي، فقد استنكر ما عليه المقاتلون النجديون من غلو في
التكفير حتى إنهم ليكفرون الناس ليغنموهم و يأخذوا أموالهم، و كتب بذلك للأمير عبد
العزيز بن محمد بن سعود.
أما أهل الحديث في
الهند، فتارة يوافقون النجديين و تارة أخرى ينكرون عليهم غلوهم. و قد كتب الأمير
السيد صديق حسن خان، رحمه الله تعالى، رسالة بين فيها أن أهل الحديث لا يعدون
النجديين منهم، كما نقل ذلك عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف حفظه الله في كتابه «دعاوى
المناوئين لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب».
غير أن صديق حسن خان في
كتبه الأخرى مثل «الدين الخالص» و غيره يمدح ما فعله النجديون من
تحطيم الأضرحة و المشاهد المبنية على القبور، كما أنه استقبل جملة من طلبة العلم
النجديين الذين درسوا على يديه و على يد كبار أهل الحديث في الهند مثل الإمام
السيد نذير حسين الدهلوي، رحمه الله تعالى، و غيره.
و آخرون من أهل الهند
كتبوا يردون على أعداء الدعوة كما سنبينه في محله بحوا الله تعالى.
و ممن انتقد الحركة
النجدية علامة العراق السيد محمود شكري الآلوسي المتوفى سنة 1346ﻫ، مع أنه مدح
الدعوة و أهلها و دافع عنهم في كتابه «تاريخ نجد»، لكنه انتقد الأمير عبد
العزيز و خلفه الأمير عبد الله بن سعود في خروجهم على الدولة العثمانية، و معاركهم
و تسرعهم في سفك الدماء. و أظن أن هذا ليس رأيه لوحده بل هو رأي آل بيته كلهم،
لأنهم كانوا معروفين بحب السنة و البحث عن كتب ابن تيمية و ابن القيم و أمثالهما،
مع الولاء للدولة العثمانية.
مثل جدهم الإمام المفسر
أبي الثناء محمود الآلوسي المفسر المفتي صاحب «روح المعاني» و ابنه نعمان خير الدين الذي صنف كتابه الجليل «جلاء
العينين في محاكمة الأحمدين» في الدفاع عن ابن تيمية، و كان من تلاميذ صديق
حسن خان، توفي سنة 1318ﻫ، رحمه الله تعالى.
و مما يجدر ذكره ههنا أن
والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضًا كان مخالفًا له، و كذلك أخوه سليمان بن عبد
الوهاب الذي صنف في الرد عليه كتاب «الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية »
و هو كتاب ركيك. و قد أثبت عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى، في كتابه
«مصباح الظلوم في الرد على من تكلم في الشيخ الإمام» أنه رجع عن ذلك و عاد
لمناصرة أخيه.
كما أن آل الشطي،
حنابلة دمشق، جميعًا كانوا منحرفين عن الحركة النجدية معادين لها، مع تعظيمهم لابن
تيمية و أصحابه.
و كذلك مفتي الحنابلة
في الحرم المكي ابن حميد النجدي ثم المكي، صاحب كتاب «السحب الوابلة على أضرحة
الحنابلة» تعمد ألا يذكر أحدًا من أتباع الحركة النجدية، إلا شيخه الإمام عبد
الله أبا بطين، مفتي نجد، و ذلك لأنه شيخه، و لكونه كان إمامًا في العلم، مع أنه
أحد كبار أئمة الدعوة النجدية المدافعين عنها المؤيدين لها بالمؤلفات و الفتاوى.
رحمه الله تعالى.
هذا، و ممن أظهر نوع
تأييد للدعوة النجدية سلطان المغرب، العالم الشريف أبو الربيع سليمان بن محمد بن
عبد الله العلوي، رحمه الله تعالى. فإن أمير النجديين كتب له رسالة في بيان
دعوتهم، لما دخلوا الحرمين، و لعله عبد العزيز بن محمد بن سعود، فأرسل لهم وفدًا
بقيادة العلامة حمدون بن الحاج السُّلمي رحمه الله، و قد نظم قصيدة في مدح دعوة
النجديين، و لما لقوا الأمير في المدينة المنورة، صلى الله على صاحبها و آله و
سلم. سألوه عن دعوتهم؟
فقال: مذهبنا هو مذهب
إمامكم مالك بن أنس رحمه الله حيث قال: «الاستواء معلوم و الكيف مجهول و
السؤال عنه بدعة». ففرحوا بهذا الجواب و سروا به.
و قد ذكر ذلك أبو
العباس أحمد بن خالد الناصري، رحمه الله تعالى، في «الاستقصا في تاريخ المغرب
الأقصى» و أظهر رضًا عن دعوة النجديين. و
قد كان السلطان سليمان، رحمه الله، معروفًا بحب السنة، و اشتهر عنه خطابه الذي
ينهى فيه عن إقامة المواسم للصالحين الأموات. و كذلك كان الناصري ميَّالاً للسنة
شديد الإنكار على القبوريين، و كلامه في ذلك قوي في أول كتابه «الاستقصا».
Post a Comment