المغرب؛ كان خارج نطاق الخلافة العثمانية، وكان سلاطينه يرون أنهم هم خلفاء المسلمين، لحيازتهم النسب القرشي الذي هو شرط في الخلافة، خلافا للأتراك.
ولما وقع سلطان المغرب عبد الحفيظ بن الحسن بن محمد بن عبد الرحمن العلوي عقد الحماية مع فرنسا سنة 1330، كان من شروطه: الحفاظ على الشريعة الإسلامية واحترامها، وأنها تحت نظر السلطان الذي هو أمير المؤمنين.
لكن النصارى أعداء الله كما قال الله تعالى عنهم وعن سائر أصناف الكفار: ﴿إنهم لا أيمان لهم ﴾، فإنهم بمجرد ما استتب لهم الأمر عطلوا الحدود، غير أنهم تركوا المحاكم تحكم بمقتضى مشهور مذهب الإمام مالك في سائر الأمور.
وكان كثير من أهل البوادي والجبال من العرب والبربر في جاهلية جهلاء، ويحكمون بأعرافهم الجاهلية، فأراد الفرنسيون، دمرهم الله تعالى، أن يحدثوا فتنة في البلاد بين العرب والبربر فاستحدثوا "الظهير البربري" سنة 1350هـ، الذي يجيز لمناطق البربر الخروج عن الشرع والتحاكم لأعراف الجاهلية. فقام العلماء ومعهم رجال الحركة الوطنية، وأغلب قادتها من العلماء الشباب، و اشتد نكيرهم على ذلك واعتبروه نقضا لمعاهدة الحماية.
ولما استقل المغرب سنة 1376هـ عن فرنسا، تقرر توحيد المحاكم المتفرقة بين محاكم مدنية وعسكرية، مغربية وفرنسية، تحت محكمة واحدة لها قانون واحد، فاحتدم النقاش بين تيارات علمانية داخل الحركة الوطنية تنادي باقتباس قانون علماني مثل القانون الفرنسي، وأخرى إسلامية تنادي بالعمل بالشريعة الإسلامية، وأنه لا استقلال حقيقي دون الرجوع للشرع.
فكان أن أمر السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) بإنشاء لجنة من العلماء تكتب مدونة للقانون مستمدة من الفقه الإسلامي، فلما أنجزت قسم الأحوال الشخصية أوقف عملها!.
ولما مات السلطان سنة 1380هـ، قرر خلفه الحسن بن محمد بن يوسف (الحسن الثاني) تطبيق قانون فرنسي وإلغاء عمل لجنة العلماء.
وقد استنكر ذلك جماعة من كبار العلماء، مثل: محمد الباقر الكتاني، ومحمد بن عبد الرحمن العراقي، وعلال بن عبد الواحد الفاسي، وألف كتابه "دفاعا عن الشريعة". وأنكر ذلك آخرون مثل: "رابطة علماء المغرب" وجماعة من علماء الحركة الوطنية. لكن صيحاتهم ذهبت في مهب الريح.
ولما ألزم القضاة بأحكام القوانين المخالفة للإسلام، وأمروا بخلع لباس العلماء والزموا بلباس الرهبان الأسود؛ استقال محموعة من العلماء من عملهم، ومنهم المهدي العلوي، رحمه الله تعالى، أحد علماء السنة في الرباط.
غير أنه والحق يقال؛ لم يكن للعلماء موقف قوي صارم إزاء هذه المصيبة، لضعفهم وانقسامهم وحب العديد منهم للدنيا وافتتانهم بها، وتغلب العلمانيين على مقاليد الحكم وسيطرتهم على عقول الناس بنضالهم وسياستهم.

Post a Comment

أحدث أقدم