التحاكم إلى القانون الوضعي
هذه المسألة من أعظم ما ابتلي به المسلمون في القرون الأخيرة، لما في ذلك من إماتة ثلاثة أرباع الدين بتعطيل أحكام القرآن الصريحة، والسنة المطهرة الصحيحة، ولم يبتل المسلمون بهذا الأمر هكذا في غالب ديارهم وجميع أحكامهم منذ بداية الإسلام إلى عصورنا الأخيرة. ولكن كان بعض ملوك الجور يتجاوزون الشرع بما يسمونه «سياسة» فيردعهم العلماء ويبينون لهم انحرافهم، على أن ذلك كان ضربا من الهوى والتأويل، ولم يكن قانونا تلزم به محاكم المسلمين، فإنه لم ينصب قط في ديار الإسلام قضاة يحكمون بغير شريعة الإسلام.
غير أن التتار لما احتلوا ديار المشرق الإسلامي حتى هدموا الخلافة العباسية سنة 656هـ، وقتلوا الخليفة رحمه الله تعالى، دخلهم الإسلام شيئا فشيئا، فالتزموا الصلاة والعبادات بعدما تكلموا بالشهادتين، لكنهم ما التزموا بسائر شرائع الإسلام في الدماء والفروج والمعاملات، وجهاد الكفار والولاء على الإسلام.
بل كانوا يحكمون بقانون جدهم "جنكيز خان" المسمى بـ "الياسق"، وهو جملة من الأحكام التي تخالف الشرع، وقد توافقه وتوافق غيره من الملل. وضعه لهم فالتزموه ووالوا من قام به ولو كان عدوا لله، وعادوا من خالفه ولو كان وليا لله تعالى. فهؤلاء هم الذين بين شيخ الإسلام ابن تيمية كفرهم لما هاجموا الشام زمن ملكهم محمود قازان سنة 699 وما بعدها، وانتصر عليهم في معركة "مرج الصُّفر" بظاهر دمشق، رحمه الله تعالى.
وكذلك كان كثير من أهل البوادي الأعراب يحكمون بأعرافهم الجاهلية وسواليفهم البدوية دون الرجوع لشرع ولا دين، فكان علماء المسلمين ينكرون ذلك أشد النكير.
وفي أواسط القرن الثاني عشر بدأ سلاطين الدولة العثمانية الذين كانوا يعدون خلفاء المسلمين ويحكمون ديار الإسلام من الجزائر إلى العراق، ومن البلقان إلى السودان، بدأوا يتأثرون بالحضارة الأوروبية حتى تجرأ السلطان محمود خان فاقتبس القانون الجنائي السويسري وطبقه في محاكم بلاده، وقررالمساواة بين سائر أفراد الشعب دون نظر لدينهم!!.
غير أن قوانينه هذه لم تسر على جميع أقاليم الدولة، إنما طبقت في محاكم بلاد الأناضول وما قرب منها. واستنكرها جماعة من العلماء. وكان ذلك سببا في قلاقل وفتن عظيمة.
لكن كان بعض السلاطين الصالحين يحاولون إرجاع الهيبة للشرع من جديد كما فعل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى، فإنه قاوم فكرة الدستور العلماني بشدة، وطرد الوفد اليهودي الذي ساومه على فلسطين، فكان جزاؤوه أن خُلع من الملك.
وكان نتيجة هذا كله: انتهاء الدولة العثمانية سنة 1344هـ، تماما، وإلغاء الخلافة على يد الطاغية كمال أتاترك لعنه الله.

Post a Comment

Previous Post Next Post