النظريات الليبرالية في الأجور:
تنطلق النظريات الليبرالية في الأجور من مبدأ الحرية الاقتصادية القائم
على أساس أن آلية السوق هي المنظم الوحيد للأسعار
والمحدد للنشاط الاقتصادي.
وتقوم هذه النظريات على عدم التفريق بين العمل وقوة العمل، وهي تعالج الأجر على أنه ثمن العمل الذي يبيعه العامل من صاحب العمل، وهكذا يرى الاقتصاديون الليبراليون أنصار الحرية الاقتصادية أن العامل يبيع كمية معينة من العمل
أي عدداً من ساعات العمل اليومية، مقابل أجر نقدي أو عيني يتفق عليه فردياً أو جماعياً مع صاحب العمل بحرية تامة أو بتدخل من الحكومة
أو المنظمات الأخرى ورعايتها.
ويختلف الاقتصاديون الليبراليون فيما بينهم حول عوامل تحديد الأجر، فقد
ظهرت عدة نظريات في هذا الشأن منها:
نظرية الحد الأدنى لمستوى المعيشة:
يرى أنصار هذه النظرية أن مستوى الأجور يتحدد بما يعادل قيمة المواد والحاجات الضرورية لمعيشة العامل في الحد الأدنى.
ويقولون إن حركة العرض والطلب في سوق العمل كفيلة بالمحافظة على الأجور مدة طويلة في مستوى الحد الأدنى للمعيشة اللازم للمحافظة على حياة العامل. وواضع أسس هذه النظرية هو الاقتصادي الفرنسي تورغو Turgot وتبناها في منتصف القرن التاسع عشر الاقتصادي والزعيم العمالي الألماني لاسال ودافع عنها وسماها «القانون الحديدي للأجور».
وبحسب هذا القانون إذا ارتفع مستوى الأجور عن الحد الأدنى
الضروري للحياة وتحسنت الحالة المعيشية للعمال فإنهم يميلون
إلى التزاوج فتكثر بذلك الولادات، ويزداد عدد العمال ويزداد بالتالي عرض العمل في السوق، مما يقود إلى انخفاض مستوى الأجور إلى الحد الأدنى الضروري للمعيشة أو حتى إلى أدنى منه مؤقتاً. ولكن الأجور لا يمكن أن تبقى مدة طويلة في مستوى أقل من الحد الأدنى الضروري للمعيشة لأن العمال
في هذه الحالة لا يستطيعون إعالة أسرهم فيحجمون عن الزواج
وتقل الولادات فينخفض عرض العمل في السوق وترتفع الأجور إلى مستواها السابق أو إلى أعلى منه.
وهكذا فإن حركة العرض والطلب في سوق العمل تجعل الأجور، في رأي أنصار هذه النظرية، تراوح في حركتها حول مستوى الحد الأدنى الضروري للمعيشة، أي ما يعادل قيمة المواد والحاجات الضرورية لمعيشة العامل.
نظرية إنتاجية العمل:
تنبثق هذه النظرية من النظرية العامة لتوزيع الدخل القومي في الاقتصاد الحر أو اقتصاد السوق،إذ تنطلق نظرية التوزيع من فرضية أثمان عوامل الإنتاج
التي تزعم أن كل من يشترك في الإنتاج يحصل على نصيب منه يعادل إنتاجيته
أي بمقدار إسهامه في تكوين ذلك الإنتاج. لما كان الأجر، بحسب أنصار هذه النظرية، هو ثمن العمل، فإن العامل يحصل على الثمن الكامل للعمل الذي يقدمه، ويتحدد مستوى الأجر مباشرة بإنتاجية العمل.
وقد وضع الاقتصادي الفرنسي جان باتيست ساي
Jean- Baptiste Say أساس نظرية إنتاجية العمل، إذ رأى في الأجر مكافأة على الخدمة الإنتاجية التي يقدمها العامل، وبالتالي فإن العامل
يحصل على أجر يعادل إسهامه في تكوين الإنتاج.
وفي أواخر القرن التاسع عشر حلت نظرية «القيمة - المنفعة» محل نظرية «القيمة - التكلفة»، وترتب على ذلك فهم جديد بأنه ليست للسلعة قيمة
إلا إذا كانت تحمل قيمة استعمالية نافعة ومطلوبة في السوق.
وليس لعوامل الإنتاج - والعمل أحد عوامل الإنتاج - إلا قيمة مشتقة من قيمة السلع التي تسهم في إنتاجها. وبالتالي فإن ما يحدد الأجور هو إنتاجية العمل،
أي ما يعادل نصيب العمل في تكوين الإنتاج.
وفي بداية القرن العشرين طور عدد من الاقتصاديين
ج.ب. كلارك J.B. Clark وفون فيزر Von Wieser وهانس ماير Hans Mayer هذه النظرية فقالوا:
إن ما يحدد الأجر ليس إنتاجية العمل بصورة مطلقة بل إنتاجية وحدة العمل الأخيرة أو الإنتاجية الحدية ، ويقول كلارك إنه في كل فروع
الإنتاج يمارس قانون المردود المتناقص عمله إذ يتزايد الإنتاج بمعدلات
أقل من تزايد العمل الحي المصروف في إنتاجه، وإنتاجية وحدة
العمل الأخيرة هي الإنتاجية الحدية للعمل
وهي التي تحدد مستوى الأجر فيميل الأجر إلى التطابق
مع الإنتاجية الحدية للعمل.
إرسال تعليق