السبت، 15 أبريل 2017

موقف تامر زكريا من السلطة

موقف تامر زكريا من السلطة
لعبت السلطة دوراً مهماً في تعميق مفهوم الاغتراب عند بطل زكريا، كما عبت الحياة الاجتماعية، والفكرية، والشعبية، والاقتصادية هذا الدور
من قبل.، وبخاصة بعد حرب حزيران إذ ازداد شعور الإنسان العربي بالانفصال عن مسرح الأحداث، وتعمقت الفجوة بينه وبين السلطة وتعمق الشعور بالعجز وفقدان القوة كذلك، فالدولة هي صاحبة القرار، ولاحق
للفرد في المشاركة في أ قرار تتخذه السلطة، لذا تعالت عليه وبدأ يشعر بالكبت وسلب الحرية في القول والعمل، والتخطيط، والمشاركة، والمعارضة.

ويصور زكريا الحالة التي وصل إليها الفرد من التمزق في علاقته مع السلطة فيضطر مواطن ما أن يبعث برسالة إلى  مدير الشرطة مفادها " من مواطن مثالي إلى  السيد مدير الشرطة ن خضوعاً لأوامركم، أرجو السماح لي أن أموت" ( ). فلا يعود قرار الموت بيد الخالق بقدر ما هو مسيطر عليه من رجال الدولة وفي ذلك تصوير ساخر لكل القوى التي سلبت الإنسان حريته في العيش أو اللاعيش، وهذه أقصى درجات سلب الحرية التي تتناسب عكسياً مع الاغتراب، فكلما قلصت حرية الفرد، تعمق شعوره بالاغتراب وفقدان الأمن.
ويذهب زكريا أبعد من ذلك فيقول: " في اليوم الأول خلق الجوع، وفي اليوم الثاني خلقت الموسيقا، وفي اليوم الثالث خلقت الكتب والقطط، وفي اليوم الرابع خلقت السجائر، وفي اليوم الخامس خلقت المقاهي، وفي اليوم السادس خلق الغضب، وفي اليوم السابع خلقت العصافير وأعشاشها المخبأة في الأشجار، وفي اليوم الثامن خلق المحققون فانحدروا توا إلى  المدن، وبرفقتهم رجال الشرطة والسجون والقيود الحديدية"( ). هذه هي أقطاب
حياة بطل زكريا التي يكررها في معظم قصصه، فقد أفرزت البرجوازية الصغيرة فرد زكريا، الذي يتمتع بثقافة جيدة، فيهوى قراءة الكتب وسماع الموسيقا، ويحب القطط والعصافير و الخضرة التي تعمق الانتماء وتثير لواعج الرومانسية، كما أنه فرد لا يستطيع أن يحب العمل، لأن العمل
 جزء من أدوات القمع والتقييد والاغتراب عن الذات لأنه يستخدم كشيء من الأشياء. ويهوى الجلوس في المقاهي والملاهي كنوع من الخلاص، فيضفي زكريا على هذه السمات صفة القداسة لأنه يرسم بدقة اغتراب بطله. إنها قصة الخلق والتكوين، فالله عز وجل خلق الكون في ستة أيام ثم استوى
على العرش في اليوم السابع لكن أقطاب الحياة عند فرد زكريا خلقت في سبعة

أيام وفي اليوم الثامن – خارج حدود الأسبوع – تأتي القوة الوحشية لتغتال العالم، وبذلك، تكون هذه القيود موجودة بوجود الخليقة، لذا، نراه ينطلق من رؤية فلسفية تقضي بجوهرية الشر وأزليته وربما انتصاره وبذلك، يكون الشر قد بدأ مع بداية الحياة، وبما أنه قد آمن بأزلية الشر والغضب والقهر، سيبقى الصراع المشوب بروح الاستسلام والخنوع قائماً حتى النهاية فلا ضرورة للثورة أو الاحتجاج لأنها تحتاج إلى  تحريك الطاقات الكامنة وتحويلها إلى  موقف إيجابي، فيقهر الفرد ويصبح سلبياً لا مبالياً نتيجة لانعدام الأمن والشعور بالعجز عن ممارسة أي فعل سياسي، فيستسلم وتقاعس عن أداء دوره ( ).
وعندما أحاط الأعداء بأسوار دمشق، صرخ الشعب مطالباً بالسلاح للدفاع عنها، إلا أن زعيمهم وجنوده يطلبون منهم عدم التدخل في تخصصات غيرهم، لأن الدفاع عن المدينة موكل إلى  الجنود وحدهم، لكن الناس لم يقتنعوا بذلك، وعندما لم يروا مبادرة الجنود الدفاعية أشهرت السيوف في وجوههم فقتل منهم من قتل، واعتقل من اعتقل على عندها لم يمهلهم العدو طويلاً فانقض على المدينة ودمرها( ).
لقد كان القهر الداخلي الذي أصاب الناس نتيجة محتومة للقهر الذي خلفته الهزيمة، فلاذ الناس بالصمت، ولم يكتسبوا جرأة في المقاومة إلا في قصة " النسيان"، وذلك عندما صاروا في مواجهة حتمية مع الموت، إذ تنبأ رجل غريب بأن أهل المدينة ينتظرهم موت محقق بعدما رأى أنه لم يبق
من الناس سوى اللحم والعظم، في حين صودرت إنسانيتهم، وعندما أدرك الناس ذلك امتنعوا عن دفع الضرائب غير مكترثين لعقاب الملك إلا أن طبيعة أفراد زكريا المقهورة التي لا يمكن أن تقتنص الفرص لتحقيق ذاتها، انسحبت

منذ القرار الأول. فلم تطل الجرأة على التمرد بعد أن قطع رأس الذي تنبأ بهذا النبأ، عندها نسي الناس الموت وازدادت الضرائب في خزائن الدولة( ).
لا يجد زكريا بداً من تخفيف حدة الصورة البشعة وذلك بإضفاء أسلوب السخرية اللاذع على المواقف . كما تعامل مع عقلية الرؤساء – بسخرية لاذعة – فصورها بأنها عقلية ساذجة سخيفة، لا تتخذ قراراتها وفق دراسة وتمحيص، بل إن معظم قرارتها الحازمة تأتي نزوة وعفوية. فما هو ذا السلطان يأمر بقتل جميع السجناء، لأن السجون قد امتلأت، في حين أن هناك أعداداً هائلة في الخارج تنتظر دورها، وذلك حرصاً منه على أموال الدولة كي لا يتكلف ثمن بناء جديد.
إن التعليق على هذه المواقف لا يزيد شيئاً في قوة السخرية من السلطة ومن جبن الناس مسلوبي الإرادة. فيستسلم أبطاله للخنوع والصمت أمام جبروت السلطة حتى الأطفال لا يملكون القدرة على المقاومة، فأولاد حارة السعدي فخورون بشجرة التين المنتصبة بالحارة، التي دأبوا على حراستها من أولاد حارة مرجان (العدو الخارجي) إلا أن الأولاد استيقظوا في أحد الأيام ليجدوا أن شجرة التين مسروقة، وتبين لهم أن الحارس الليلي الذي يحمل مسدساً هو سارقها، عندها ظلوا صامتين واستكانوا لقوة الحارس وجبروته ( ).
لقد سئل ذات يوم بطل قصة " في يوم مرح" من قبل رئيس المخفر إن كان لا يخاف الموت، فأجاب بأنه فعلاً لا يخافه، ولكنه عندما سأله إن كان لا يخاف الشرطة لاذ بالصمت، فلا جواب على سؤال معروف الإجابة مسبقاَ وإن لم تكن معروفة فهي محددة وثابتة ينبغي التسليم بها، فالفرد تعريه حالة من الخوف تجاه يخاف الشرطة لأنها رمز القوة الحالة في الوجود لشر أزلي هدفه القضاء على إنسانية الإنسان وقمعه. بذلك تتضح رؤية زكريا السياسية من خلال هذه القرائن التي تتسم بالعجز والذل.

قلنا سابقاً إنه ما من شك في أن نكسة حزيران عام 1967 قد تركت بصماتها على الأشكال الأدبية، فوجدت في الرواية مثلاً صدى عند إميل حبيبي ممثلاً في السياسة (سداسية الأيام الستة، والمتشائل)، وعند سعد الله ونوس في المسرح " حفلة سمر من أجل خمسة حزيران" كما أن في القصة القصيرة خير صدى لما لها من مرونة وقدرة على مواكبة الأحداث، والتعبير عنها وتجسيم الفوضى، فأصيب الأدباء بردة فعل عنيفة تجاه كل القيم والمفاهيم والأخلاق، وسحب كثير منهم الثقة بالقدرة الإلهية التي لم تتدخل لصالح الإنسان آنذاك، وشاعت تيارات جديدة في الأدب فمنهم من لجأ إلى  الوجودية، ومنهم إلى  الماركسية، أو السريالية، أو العبثية وغيرها، وقد عبر زكريا تامر عن رؤيته السياسية من خلا عدة مواقف ساقها على يد أبطاله، فقد اتفق عجوزان في قصة الأعداء (الأسرى) على كتابة عريضة موجهة إلى  الله عز وجل يلتمسان فها العون والمدد من أجل مقاتلة الأعداء، ولما طال الجواب تساءل أحدهم عن سبب رفض الله لهذا الالتماس؟ لذا عليه – عز وجل – أن يعفيهم من فريضة الصلاة إذا لم يبعث المدد (واحدة بواحدة)، إلا أن السؤال يتردد مرة أخرى ؛ وإذا رفض ؟ فيجيب الآخر باطمئنان وثقة " لا تخف إن الله سيعفينا من فريضة الصيام أيضاً "( ) لأنه غير قادر على إرسال المدد لمحاربة الأعداء. فتتضح الرؤية السياسية هنا بأن الأعداء لا يقهرون. حتى أن القدرة الإلهية لا تستطيع تقديم العون بل عجزت أمام القوى السياسية والقمعية، وفي هذا التعبير عن سوء الأحوال السياسية السائدة إبان الهزيمة.
وأشار زكريا في قصصه المليئة بالرؤية السوداوية وللامعقول إلى  أن كل أوجه المع التي تمارسها السلطة لا تنصب إلا على الفقراء، بينما الأغنياء لا يتعرضون لمثل ذلك ؛ لأن الأديب أراد أن يظهر مأساة الفقير الذي
يعيش بين فكي كماشة: السلطة السياسية من جهة والطبقة الغنية من جهة


أخرى، فالشرطي مثلاً في قصة " الشرطي والحصان" يستوقف رجلاً مسكيناً يجر حصانه المتعب عبر طريق كتب عليها ممنوع المرور، فيصر الشرطي على عودة الرجل وحصانه من حيث أتى. في حين تمر سيارة فخمة مسرعة دون أن يستوقفها الشرطي، لذا يزداد حنق الحصان (لاحظ تمرد العناصر غير الإنسانية) ويعبر عن ذلك بتمرده وثورته فيضرب الشرطي ويوقعه أرضاً إلا أنه يعدم في الساحة العامة أمام مشهد من الناس، عندها لم يتفوه أبو مصطفى بكلمة بل " تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي.
القانون يأمر الشرطي، فيطيع الشرطي، ويأمر الشرطي أبا مصطفى، ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر "( ) . فكل شيء منظم حسب القوانين التي ينفذها الفرد ويتمنى الفكاك منها إلا أنه يجب أن ينصاع لها – ولا خيار آخر له – مجرداً من مشاعره.
وكما أن الشرطي هو اليد الآلية التي تنفذ أوامر السلطة فيرى زكريا ان كان مسؤول يتسلم منصباً ما يتحول إلى  آلة جوفاء تنفذ كل ما يطلب منها،  لذا على المسؤول أن ينكر الشعب وينكر مصالحه حتى يظهر الولاء للسلطة. فالمعلم عمر القاسم الذي كان يعيش ببساطة مع أهل الضيعة في قصة " يا أيها الكرز المنسي"( ) والذي يطرد من الضيعة لأنه لم يهادن الآغا " رمز السلطة" يتبدل ويتكلف أخلاق المسؤولين حتى صار وزيراً، فيفرح أهل الضيعة لابنهم البار ويقررون زيارته ومعهم سلة من الكرز الذي يحبه إلا أنهم عادو خائبين موقنين أن عمر القاسم الذي يعرفون مات منذ زمن.
ولا ينجو العلم من قبضة الوزراء، فالوزير في قصة " التراب لنا وللطيور السماء"( ) يقنع السلطان بمساوئ اختراع الطائرة التي تحلق فوق الاعداء


وذلك لأنها يمكن أن تطير فوق قصره، وفي ذلك تآمر وخبث على السلطان وحاشيته، لذا يصبح العلم وتصبح المخترعات رمزاً للتخريب السياسي المرفوض.
مما لا شك فيه أن زكريا يتصدى في أدبه لتسلط الدولة القمعي عن طريق سرد ممارسات لا معقولة لتكون ملاذاً معوضاً لخيبة آمال المجتمع، لذا فهو إيجابي من خلال رصد المواقف السلبية للشخوص. فالسلطة الحاكمة لا تعجز عن تقديم كل إنسان للمحاكمة كما أنها لا تعجز عن تدبير التهمة المناسبة لكل فرد، وكثيراً ما يحاكم دون تهمة. ولا تعجز أيضاً عن استخراج الأموات من قبورهم لتعيد محاكمتهم من جديد، لذا تصبح الحياة والموت في نظر الفرد سواء، لأن الإنسان في كليهما يعيش في سجن كبير كما يراها مصطفى الشامي: " وفي تلك اللحظة كانت الأرض الجرداء والأرض الخضراء لهما سماء واحدة مصنوعة من قضبان فولاذية" ( )، ودلالة القضبان واضحة لا تخفى على أحد.
واستطاعت الشرطة كذلك إخراج عمر الخيام من قبره ومحاكمته بتهمة جديدة، كما استطاعت أن تؤول شهادة الشهود حسب مصلحتها، فالقاضي مثلاً رأى في حب عمر الخيام للكلمات تمرداً وذلك لأن المواطن الصالح يجب أمه والحكومة فقط، وفي قراءته لكتب الحب خروجاً على الأخلاق العامة لأنها في نظره كتباً جنسية، كما رأى بعد شهادة الصحفي الذي شهد بأن عمر الخيام لم يمدح الحكومة في أشعاره، أنه لا يحب الشعب، ويعد تعاونه مع الحزن تعاوناً مع جواسيس الطابور الخامس الذي يعمل على زعزعة الثقة بالسلطة المسؤولة( ).
وقد اعتبر زكريا أن السلطة تعنى بالقشور السطحية فقط، وتتناسى الجوهر الذي سبب في تمزق الإنسان واغترابه عن ذاته كنوع من الاستخفاف

بعقل الإنسان، فعبر عن ذلك بأسلوب متهكم، فالفرد جائع إلا أن الشرطة تقبض عليه بتهمة أنه يسير مقوس الظهر وفي ذلك إساءة لسمعة البلد ومظهرها، وترويج لإشاعات المرض والجوع، مع العلم أن بطل القصة يعترف لهم حقاً أنه مريض وجائع، إلا أنهم يتهمونه بمهاجمة القوانين، وأن يسير عابساً شاحباً، فيخبرهم لأنه بلا عمل، إلا أنهم يحذرونه من السير في الشارع، فيسير مسرعاً نحو البيت منكسراً مهزوماً، عندها يقبض عليه لأنه تثاءب في الشارع ويحكم عليه بالإعدام لأنه مواطن غير صالح ( ).
من ذلك اعتبر زكريا تامر أن الفرد مدان ومتهم دون سبب وجيه لأنه لا ضرورة لوجود سبب فمجرد وجوده في هذا العالم تهمة كبيرة.
ويتجسد ذلك في سؤال القاضي لأحد المتهمين " لماذا ولدت ما دمت بريئاً ؟ جئت إلى هذا العالم كي تهلك وستهلك دون احتجاج "( ). كما " لا
يوجد إنسان دون ذنب "( ) وتكفيه تهمة الوجود، لذا يبقى سليمان الحلبي
صامتاً أمام محاكمته كما ظل جوزيف. ك صامتاً في القضية( ) لكافكا من
قبل فاستغرب سليمان أن ينمو في أعماقه شعور بالذنب إلا أنه كان في الوقت نفسه شديد الاقتناع ببراءته( )، ويتعرض جوزيف. ك لمثل هذا الموقف فيطرح التساؤل نفسه " وأنا أستنتج هذا مع أنني متهم ولا أستطيع أن
أجد أدنى ذنب يمكن أن يكون السبب في اتهامي على أن هذا  شيء ثانوي،

والسؤال الرئيسي هو من الذي يتهمني؟ "( ). وبذلك فقد خضع كل من بطل كافكا وزكريا – لحظة الاعدام – إلى  الخنوع وعدم المقاومة لانعدام القوة المسبوقة بانعدام المغزى من المقاومة، التي تقع ضمن خيار واحد (الموت) والعجز المغلق باليأس المبرر كل ذلك، في حالة من الاغتراب التي يقنع الفرد من خلالها بأن لا ضرورة لمقاومة فاشلة منذ البداية.
وهناك الكثير من قصص تامر التي تعتبر تجسيداً لضعف الإنسان المهزوم ومعاناته النفسية والسياسية والاجتماعية، كما أن من أبرز الآثار السلبية للاغتراب هي تحول الإنسان عن طبيعته الأصلية واغترابه عنها فيتحول إلى  إنسان زائف أو سادي أو حيوان كما حصل مع عمر السعدي في قصة " النهر" ( )، والذي قبض عليه دون أن يقترف ذنباً، وبقي في الزنزانة حتى بات يتخيل أن الحارس الذي يحضر له الطعام ليس له لحم أو عظم، كما أن إحساسه بالغربة الذي ولدته الوحشة والوحدة قد تضاعف عندما استرعى انتباهه حركة يده في الهواء، إذ خامره إحساس بأن هذه اليد غريبة عنه، وكانت هذه هي الخطوة الأولى في فقد الإحساس بالذات كما أن نهايته كانت أشد وقعاً من أمثاله: سليمان الحلبي، وجوزيف. ك. إذ التفت حوله ذيول الغربة والوحشة فتجرد من إنسانيته متحولاً إلى  حيوان ينتظر ركلة الحارس بلهفة.
في كل ما أسلفنا تأكيد على أن كل ما يحيط بالفرد هو عدو له، وما العالم إلا عبارة عن مؤامرة كبيرة هدفها القضاء على الفرد وسحقه في بوتقة الجماعة الخانعة المجردة من كل إحساس ن حتى أن رجال الدين كانوا قد ساهموا في هذه المؤامرة فطوت السلطة السياسية رجال الدين تحت لوائها، وصار رجل الدين جزءاً من بطانة الحاكم، فكما أن جوزي. ك يشف عن واقع الكاهن الذي صدفه في إحدى الكنائس، وتبين له فيما بعد أنه يستدعي من قبل القاضي للمشاركة في معالجة قضيته، يكشف زكريا كذلك عن
رجال الدين الذين يقفون موقف العداء من العلم والعلماء، ويساهمون في


طمس شخصية الفرد باسم الدين، لذا فقد اعتبروا أن كل مستجدات العصر كفراً وإلحاداً وتصدوا للعالم الذي صنع طائرة لإنقاذ دمشق، كما اتهموه بالكفر والإلحاد لأن في هذا الاختراع تقليداً لما يخلق الله ومخالفة لمشيئته، وما كان من الجل ذي اللحية الطويلة (رمز رجل الدين المتطرف) إلا أن أشار قائلاً: " هذا ليس عالماً، إنه إبليس متنكر، يريد إغواءنا وإبعادنا عن ديننا"( ) فما كان من السلطان إلا أن أمر بإعدام العالم.
لقد تعمد زكريا أن يكشف عن الوجه المتطرف لرجال الدين والذي يعكس من خلاله ممارستهم السلبية تجاه الفرد، فرسم صورتهم – بدلالة اللحى الطويلة جداً (التطرف) – أنهم جهلة لا يفقهون شيئاً ملمحاً لذلك من خلال أحد رجال الدين الذي صرح أمام حاشية السلطان بأن إبليس يتجسد في الطابة التي اخترعها العالم للأطفال( )، ولم يكتف بوصفهم بالجهلة بل ينسب لهم الهزيمة الميتة التي حصلت في قصة " اللحى"( ) أمام تيمورلنك الغاشم.
لقد ساهم رجال الدين في تجسيد المواقف الانهزامية بمعاونة السلطة السياسية فدعو للخنوع وعدم المقاومة وفق مبدأ القضاء والقدر( ). فوقع في الحيرة بين حقيقة الدين الحنيف وتفسيرات رجاله الخاطئة له، ففقد الدين قداسته وضاع الفرد بين قهره وتمزقه.
وتجدر الإشارة إلى  أن رؤية زكريا تامر العامة تنبثق من مواقفه السياسية وآرائه، لذا فقد ظهرت آثار الرؤية السياسية في موقفه من المجتمع والسلطة الأبوية والمرأة، والمدينة، والتراث وغيرها إذ جاءت كل هذه المضامين لتخدم موقفه من السياسة لذلك لا نجد فضلاً للاستمرار في عرض موقفه من السياسة في باب مستقل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق