الاثنين، 5 يونيو، 2017

الحرص على هداية الناس

الحرص على هداية الناس
أنهينا الحديث في الحلقة الماضية عن صفة القدوة الحسنة و سنتحدث إن شاء الله تعالى في هذه الحلقة عن صفة الحرص على هداية الناس والحرص على هداية الناس من أهم الصفات الأساسية التي يلزم الداعية أن يتحلى بها, أما الدوافع والبواعث لحرص الداعية على هداية الناس فيمكن الحديث عنها في النقاط التالية:-
أولًا: عظم ثواب الداعي وعظيم مكانته, الذي يدعو الداعية على الحرص على هداية الناس هؤلاء يتطلب ولا يسعى إليه من حصول على ثواب الله وعظيم جزائه ذلك أن استشعار عظيم ثواب الله وعظيم منزلته لمن أعظم الدواعي والبواعث لدى الداعية للحرص على هداية الناس وتوجيههم إلى الخير, والداعية حينما يستشعر ذلك فإن هذا سيدفعه لبذل أقصى الجهد في سبيل هداية الناس وتحبيبهم إلى الخير, يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- عن الدعاة:" وهؤلاء خواص خلق الله وأفضلهم عند الله منزلة وأعلاهم قدرًا." وما ذلك إلا لأنهم من ورث عن النبوة العلم فهم يبلغون دين الله لأهله ,ومما يدل على عظم ثواب الداعي إلى الله وعظيم منزلته نصوص كثيرة في القرآن والسنة سنتعرض إلى بعض منها فيما يلي :-
أن الداعية خليفة الرسل ومن أتباع النبي يقول تعالى : ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: ١٠٨]؛ أي اتبع النبي في تبليغ هذا الدين هذا الدين هم ممن شرف بحمل ميراث النبوة وتبليغ رسالة الله لخلقه .
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- "فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسول الله وهو على بصيرة وهو من أتباعه ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله -أي على سبيل النبي -ولا هو على بصيرة -أعوذ بالله- ولا هو من أتباعه." فالدعوة إلى الله هي وظيفة المرسلين وأتباعهم -الله أكبر - هذا شرف عظيم يدل على مكانة هذه المهمة وهي دافع كبير من دوافع الحرص على هداية الناس أن يشرف الإنسان بمقام هذا المقام الذي هو مقام أتباع الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم- يقول:"وهي وظيفة المرسلين وأتباعهم وهم خلفاء الرسل في أممهم والناس تبع لهم, وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من توجيه السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس, وأما تبليغ السنن فلا يقوم بها إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم, فهم الصفوة وهم صفوة من اختاره الله لتبليغ دين الله وإيصاله إلى مستحقيه.
أيضًا من النصوص الدالة على ثواب الداعي إلى الله أن الداعي للخير له أجر مثل أجر فاعله, عن ابن مسعود قال: قال رسول الله :(من دل على خير فله مثل أجر فاعله)
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا, ومن دعا إلى ضلالة - انظر إلى الفيصل الكبير بين الدعوة إلى الخير والدعوة إلى الضلالة عياذًا بالله- ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيء.)
وفي المقابل الخَشية والخوف من أن يكون المرء داعية سوء -عياذًا بالله والله حكم عدل﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾[يونس: ٤٤] أيضًا مما يدل على ذلك أن الداعي إلى الله من أحسن الناس قولًا, يقول الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]أي أنه لا يوجد أحسن قول من الداعي إلى الله ولا نال هذه المكانة والشرف إلا لأنه يقوم بإبلاغ هذا الدين شرف هذه المهمة من شرف المُبلغ به الدين والدلالة على الله وعبادة سبحانه وبحمده, ويكفي من ذلك أن الله سخر مخلوقاته البرية ومخلوقاته البحرية لتستغفر لمعلم الناس الخير.
أيضًا من الدوافع والبواعث على عناية الداعية وحرصه على هداية الناس:
ثانيًا: الاقتداء بالنبي في حرصه على هداية الناس: فالنبي من سيرته أنه كان حريص وكان يسعى كثيرًا لأن يهدي الناس وأن يدلهم على الخير وأن يبلغ رسالة الله وأن يسعى إلى الهداية, وما موقفه من عمه أبو طالب عما ببعيد؟ كان حريص كل الحرص على أن يعرض عليه الدعوة إلى آخر مراحل حياته حتى في الرمق الأخير قبل موته كما أن النبي كان حريص كل الحرص على المحيطين به والأقربين وعشيرته الأقربين, وكان حريص أيضًا على المحيطين به ثم تتسع هذه الدائرة إلى أن تسع الناس جميعًا, وأن النبي مرسل إلى الثقلين إلى الإنس والجن وبلغ رسالة الله أتم وأكمل تبليغ الرسالة -بأبي هو وأمي- الذي أشهد في حجة الوداع وقال: (ألا هل بلغت اللهم فاشهد) فقد بلغ النبي أكمل البلاغ وأتمه بأبي هو وأمي .
إن الاقتداء بالنبي من الأمور التي دُعينا إليها إلا أن النبي كان حريصًا على هداية الناس ونحن تبعٌ لفعل النبي , فقال جل شأنه: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب:٢١ ] وإن مما يدل على ذلك ما يلي من هذه الشواهد :
الأول:حرص الرسول على هداية الناس وقد بيَّن الله في كتابه العزيز مدى حرص النبي على هداية المكلفين, وقد وصل الأمر به أن أتعب نفسه -بأبي هو وأمي- تعبًا شديدًا قال تعالى:- ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾[ الكهف: ٦ ]وقال جل شأنه ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر :8]؛ أي لا تهلك نفسك وتتعبها لأجل هؤلاء وليس هذا فيه نهي للنبي ولكنه من باب الشفقة والرأفة من الله على النبي لأنه كان حريصا على هداية المحيطين به .
الثاني: مما يدل على حرص النبي على الناس إرساله الرسل والمعلمين والدعاة من الدعاة إلى أقطار الأرض فقد أرسل النبي المعلمين والدعاة إلى أقوام كثيرين فقد أرسل على سبيل المثال: مصعب بن عمير إلى المدينة, وكذا أرسل معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعرى -رضي الله عنهما- إلى اليمن, والطفيل بن عمرو إلى دوس, وأبا أمامة إلى باهلة وغيرهم كثير.
الثالث: مما يدل على حرص النبي إرساله الرسائل إلى ملوك الأرض والقادة والزعماء والكبراء والوجهاء, فالناس يختلفون وتتفاوت منازلهم في هذه الدنيا وفي الآخرة كذلك وتتباين مكانتهم؛ ولذلك كان من حرص النبي على هداية الناس حرصه على صنف من أصناف المدعوين, وما ذلك إلا لمكانتهم بأن بهداية هؤلاء هداية لأتباعهم وأقوامهم من بعدهم وهذا لأجل منزلتهم وقدرهم عند الناس, فكان لهذه المكانة أساليب خاصة في إيصال الدعوة إليهم, إذ أنه أرسل النبي الرسائل والرسل إلى الملوك والقادة الذين لهم أثر على أقوامهم وحرصه هذا يدل على حرصه على هدايتهم ودعوتهم إلى الإسلام,
الرابع: من الشواهد ذهابه إلى الناس وغشيانه مواقعهم؛ أي لم يكتفي بحرصه الشخصي وإرسال الرسل إلى القادة إلى الملوك والسادة بل كان يمارس هذا الأمر بنفسه يغشى مجالس هؤلاء الأقوام, فكان يأتي مثلًا إلى سوق عكاظ وسوق ذي المجنة المشهور عند العرب, وكان يدعوا إلى الله ويبلغ رسالة ربه.
الخامس: مما يدل على حرص النبي أيضًا غشيانه مواقع هؤلاء المدعوين أفرادًا كانوا أو جماعات, إذ أنه كان يأتي الناس أفرادًا و جماعات في أماكنهم وأماكن تواجدهم ومنتدياتهم ومواقع تجمعهم ليدعوهم إلى الله ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: - عن شيخ من بني مالك ابن كنانة قال: رأيت رسول الله بسوق ذي المجاز يتخللها يقول:( يا أيها الناس قولوا: لا اله إلا الله تفلحوا ) قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى قال: وما يلتفت إليه رسول الله .
عن أنس قال قيل للنبي :"لو أتيت عبد الله بن أُبي فانطلق إليه النبي ."عبد الله بن أبي هو من عرف بنفاقه ولم يمنعه ذلك من أن يحرص النبي على أن يدعوه أيضًا للدين ولأن يترك هذا الأمر الذي قد ابتلى به عياذًا بالله.
ثالثًا: الشفقة والرحمة بالناس: أيضًا من الدوافع والبواعث حرص الداعية على هداية الناس شفقته ورحمته بهم, وما ذلك إلا لأن الداعي عرف حقيقة الإسلام وفضائله ومحاسنه فأحب أن ينقل ذلك إلى مدعويه, لعل الله أن يأخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم, ويسعى إلى إنقاذهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, وينقلهم من جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن التعاسة والشقاء والبؤس إلى السعادة والطمأنينة والرضا ومن الهلاك إلى النجاة لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر :8].
إن هذه الرسالة التي يحملها الداعية هي رسالة رحمه قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧], ولذا كان النبي من أشد الناس رحمة كما قال الله عنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة :128 ].
وفي الحديث عن أبي هريرة قال: (قيل: يا رسول الله ادع على المشركين -كان بعض الصحابة يطلبون منه الدعاء على المشركين الذين تجاوزوا في الطغيان وبلغوا من الأذى مبلغًا كبيرًا - قال إنى لم أُبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة.) الله أكبر النبي أرأف الأمة بالأمة الرحمة المسداة, وهذا من شفقته ورغبته في هداية الناس وقد تمثل النبي في صور عديدة ومواقف جسيمة وإن من أعظم المواقف التي تبين رحمة النبي بالمدعوين وشفقته عليهم ما جاء عن عائشة -رضي الله عنها-أنها قالت: (يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟)  هي تسأل النبي من أجل أن تعرف هل مر عليه يوم هو أشد عليه وطأة من يوم أحد ؟فشرع النبي يشرح لها ما حدث له عندما ذهب إلى الطائف رغبة في هدايتهم ودلالتهم على الخير, وما قد لاقاه من أذية أولئك الأقوام وإغراء السفهاء والصغار النبي حتى قذفوه بالحجارة فأدميت قدماه الشريفتان بأبي هو وأمي   يقول: (لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال لم يجيبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب - يعنى سار من الطائف إلى قرن الثعالب المشهورة الآن بقرن المنازل- فرفعت رأسي -أي السير كبير- فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمرني بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلم على ثم قال: يا محمد إنا الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت أن شئت أن طبق عليهم الأخشبين والأخشبان هما جبلان عظيمان في مكة جبل النور والجبل المقابل له فقال له النبي : بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له شيئًا) فهذه الشفقة في المدعوين يعنى فيها دلالة كبيرة في هذا النص النبوي الشريف قال ابن حجر -رحمه الله-:"وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي على قومه ومزيد صبره وحلمه
وهذا دعوة النبي للطفيل بن عمرو يستأذن النبي في دعوة قومه فيذهب إليهم لكنه لم ينل مطلوبه ولم يحقق ما رجاه فرجع إلى النبي وهو غضبان لما لاقاه منهم, ويطلب من النبي أن يدعو عليهم فلم يُجبه النبي إلى طلبه؛ لأنه رءوف رحيم وما كان منه إلا أن دعا لهم ثم أمره بالرجوع إليهم وأوصاه بوصية هي أحوج ما يحتاج الدعاة إلى الله حيث قال له:(وأرفق بهم)؛ لذا لأن الحرص على هداية الناس لابد أن يصطحب أيضًا بقضية الرفق, ولا يكون شفقتك عليهم مدعاة إلى أنك تغلظ عليهم أو تدعوهم بطريقة غير ملائمة, وسيأتي معنا الحديث عن الرفق واللين في مناسبة أخرى.إن إبداء الداعية الرحمة والشفقة على المدعوين والتصريح بها أدعى إلى الاستجابة لدعوته, إذ أن المدعو إذا رأى من الداعي الحرص عليه والرغبة في إنقاذه وهدايته فإن ذلك أدعى إلى القبول والتسليم بما جاء به الداعي, هذا مصعب بن عمير يقوم بدعوة أمه فيقول لها مظهرًا الشفقة والرحمة يقول:"يا أماه, إني لك ناصح عليك شفيق فاشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله." والداعي الرحيم تجده مستمرًا في دعوته لا يسأم من الرد والأعراض, والداعي المحروم من الرحمة الغليظ القلب غالبًا لا ينجح في دعوته ولا تجد الناس يقبلون عليه حتى إن كان ما يقوله حقًا وصدقًا؛ لأن من طبيعة الناس أنهم ينفرون من الغليظ الفظ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران :159 ] وإذا كان الداعية يتطلب منه أن يكون شفيقًا رحيمًا فإن ذلك لا يعني التنازل عن شيء من الدين أو المداهنة فيه أو كتمانه أو إخفائه وتغييره وتبديله.
رابعًا: كمال الإيمان لا يتم إلا بالحرص على هداية الناس وحب الخير لهم: ذلك أن من البواعث لحرص الداعية على هداية الناس معرفة أن إيمانه لا يكمل إلا إذا أحب من إخوانه ما يحب لنفسه, ففي الحديث عن أنس أن رسول الله قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ومن أعظم ما يحب المرء لنفسه الإيمان والهدى والفلاح والفوز برضوان الله , فإذا كان المرء يحب لنفسه فإن من الإيمان أن يحبه لغيره .
قال الإمام النووي -رحمه الله-:" معناه لا يؤمن الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة فالمراد يحب لأخيه من الطاعة والأشياء المباحات." ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في الحديث حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير فإذًا ربطه بالخير, هذا ما تيسر الحقيقة بيانه في هذه الحلقة وإلى الملتقى في الحلقة القادمة
المحاضرة التاسعة (الاعتزاز بالإسلام)
اليوم نشرع في الحديث عن صفة جديدة هي الاعتزاز بالإسلام. والاعتزاز بالإسلام أيضًا من الصفات المهمة التي ينبغي أو يلزم الداعية التحلي بها لأن الاعتزاز بهذا الدين مطلب شرعي وأيضًا فيه جانب دعوي في استمالة الآخرين والتأثير فيهم وترغيبهم بهذا الدين القويم, والعزة في الأصل نبين الآن ما يتصل بهذه الصفة في بيان مفهومها اللغوي: فنقول: إن العزة في الأصل من القوة والشدة والغلبة, تقول العرب: عَزَّ إذا صار عزيزًا, ومن أسماء الله تعالى المُعِز سبحانه وبحمده وهو الذي يهب العزة لمن يشاء من عباده ﴿وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون :٨] أي له العزة والغلبة سبحانه وبحمده, والمقصود بصفة الاعتزاز بالإسلام أن يكون الداعية مُظهرًا دينه مطمئنًا بإيمانه ظاهرًا وباطنًا, وليس معنى ذلك أن يكون الداعية متكبرًا جبارًا محتقرًا غيره بل إنما ينطلق من عِزةٍ في تواضع ومن ثبات على الحق في رفعة ولين ومن غير تخاذل ولا تنازل عن شيء مما يتصل بالدين
للاعتزاز بالإسلام مظاهر نأتي إن شاء الله للحديث عنها وهي جملة من المظاهر :
الأول: يعتز الداعية بإسلامه؛ لأنه سليم المعتقد حسن التوجه.
والثاني: الداعية يعتز بإسلامه؛ لأن أمته خير أمة أخرجت للناس .
الثالث: الداعية يعتز بإسلامه في أقواله وأفعاله .
الرابع: الداعية يعتز بإسلامه فلا يقلد الكفار ويحاكيهم .
الخامس: الداعية يعتز بإسلامه فلا ينتابه الخور والخجل .
السادس: الداعية يعتز بإسلامه فيبعث فيه الثقة والقوة والرفعة,
 نأتي لشرح كل نقطة مما قد ذكرناه الآن :-
أولًا: الداعية يعتز بإسلامه لأنه سليم المعتقد وحسن التوجه: وهذا فيه مدعاة إلى الثقة والطمأنينة بما لديك, , وحينما يعلم المرء بأن هذا الدين حق لا مرية فيه وأنه يهدي إلى سواء السبيل, وأنه يعلوا ولا يُعلى عليه ويعلم أن الله ناصرًا دينه ومُعز من أطاعه فإن ذلك باعثٌ على الاعتزاز بالإسلام وحينئذ فإن من أراد العزة والرفعة والغلبة فعليه أن يطلبها من مسديها سبحانه وبحمده, والذي من أسمائه جل شأنه المعز فهو يهب العزة لمن يشاء من عباده وهو مُعز من أطاعه ومُذل من عصاه قال تعالى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر :11]. وهذا ما جعل صحابة رسول الله أعز الناس بعد أن كانوا من أذلهم يقول عمر بن الخطاب : "إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام, فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله".
ثانيًا: أن الداعية يعتز بإسلامه لأن أمته خير أمة أخرجت للناس: و الداعي لهذا الاعتزاز هو الشعور بأن هذه الأمة أي الأمة الإسلامية الأمة المحمدية التي بعث بها محمد هي خير هذه الأمم التي أخرجت للناس.
إن الداعية إلى لله ينبغي له أن يعتز بدينه وبإسلامه من بين سائر الأمم وما ذاك إلا لأن أمته خير أمة أخرجت للناس قال :﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران:١١٠] وهذه الخيرية لها مقتضياتها وسببها وهو أن هذه الأمة آمرة بالمعروف, ناهية عن المنكر, داعية لله , مبلغة لدينه, قال النبى : ( أنتم توفون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله , وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عامًا -أي مصراع أبواب الجنة- وليأتين عليه يوم وله لكظيظ) أي مكتظ من الزحام ممن يدخله في هذه الجنة ويقصد به من هذه الأمة نسأل الله من فضله وكرامته.
ثالثًا: الداعية يعتز بإسلامه في أقواله وأفعاله: أيضًا من مظاهر الاعتزاز بالدين أو بالإسلام الداعية يعتز بإسلامه في أقواله وأفعاله؛ فلا يكون اعتزازًا صوريًا اعتزازًا فقط شكليًا وإنما أيضًا يكون اعتزازًا جوهريًا وأن يكون عزة داخلية تنعكس على تصرفات فلذا ينبغي على الداعية أن يظهر اعتزازه بإسلامه في أقواله وأفعاله دون بطر ولا أشر ولا خيلاء ولا اعتلاء وكبرياء على الآخرين؛ لأن الله تعالى يقول ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣ ] .
هذا عمير بن وهب لما دخل على رسول الله قال أنعم صباحًا أو عمت صباحًا كما تقول العرب وكانت هذه تحية أهل الجاهلية, فقال رسول الله معتزًا بشريعة الله التي شرعها لعباده: (قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة.) هذا الموقف للنبي فيه موقف دعوي, و تربوي, وموقف توجيه لهذا الصحابي, فقال عمير: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد
رابعًا: الداعية يعتز بإسلامه فلا يقلد الكفار ويحاكيهم: أيضًا من مظاهر الاعتزاز بالإسلام أن الداعية يعتز بالإسلام فلا يقلد الكفار ولا يحاكيهم, إن المسلم حينما يقوم بتقليد الكفار ومحاكاتهم فإن هذا يدل على إحساسه بالنقص وإتباعهم بالهوى والشهوة مما قد يسبب له الذل والهوان وحينئذ عليه أن يعيد النظرة في إسلامه ويقينه به فالله جل شأنه قال: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٩].فالإسلام يعلو ولا يُعلى عليه والمسلم له الرفعة والشأن دائمًا وأبدًا.
إن أولئك الذين يطلبون العزة من غير الله بتقليدهم للكفار والسير خلفهم يُخش عليهم من قول الله تعالى ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا﴾ [النساء :138-139 ] العزة في التقيد بهذا الدين والتمسك بأهدابه والتخلي عما عليه هؤلاء المخالفون, فليست العزةُ بالقوة المادية ولا بالمظاهر البراقة كلا بل تكون بقوة القلب وصدق العزيمة وتمكين الإيمان وثبات النفس, إذًا تكون العزة بقوة القلب وصدق العزيمة وصفاء العقيدة وتمكن الإيمان وثبات النفس على الحق.
خامسًا: الداعية يعتز بإسلامه فلا ينتابه الخور والخجل: ؛ إن المسلم على وجه العموم والداعية على وجه الخصوص عليه ألا يصاب بالخور والخجل مما هو متمسك به من أوامر الشرع وأحكامه وبخاصة فيما إذا كان أمام جمع من الناس في المحافل أو الأسواق أو المنتديات أو غير ذلك؛ لأن في مثل هذا الموطن قد يصاب ضعيف الإيمان بالخجل من رؤية الناس له فتجده مثلًا لا يصلى إلا مستخفيًا, ولا يُظهر شعائر الله إلا مستترًا وقد لا يلبس الزي إلا بمثل ما هم عليه من أزياء المخالفين حتى ولو كان هذا الزي مخالفًا للشرع عياذًا بالله, وبالتالي يكون ذلك سبب في ضعفه وتنازله عن مبادئه وفي هزيمته النفسية وفي ضعف ثقته بنفسه, ذلك على الداعية أن يشعر أن الله اصطفاه لخير الأمور فيتصرف تصرف المؤمن المسئول؛ الذي يعتز بدينه وإسلامه لأن الاعتزاز هو ضرب من ضروب الدعوة الصامتة  والداعية حينما يُظهر شيئًا من شعائر الدين فإن ذلك قد يكون سببًا في إسلام كثير من الناس, نقول: كم سمعنا من الأخبار الكثيرة التي يُظهر فيها الدعاة شعار الدين فيأتي من يسألهم عن أفعالهم وحركاتهم فيعلمونهم الحق ودين الله فيُسلِمُون بإذن الله تعالى, وإذا كان المخالف لا يخجل من لبسه ولا من أكله ولا شربه وربما اعتز بذلك -عياذًا بالله- من إظهار المنكرات وغير ذلك فإن المسلم من باب أولى وأحرى ألا يخجل من إظهار دينه ولا يستخفي به, وأن يبرز شعائر الإسلام فيما أُمر بالصورة الهادئة بالصورة المقبولة؛
السادس: الداعية يعتز بإسلامه فيبعث فيه الثقة والقوة والرفعة: المظهر الأخير من مظاهر الاعتزاز بهذا الدين هو أن على الداعية أن يعتز بالإسلام فيبعث فيه الثقة والقوة والرفعة, ذلك أن الشعور بالاعتزاز بالدين هو منطلق كبير من منطلقات الثقة أو ثقة الداعية بنفسه واعتزازه ورفعته ومكانته وأنه يسير على المنهج الحق والصحيح, وأنه يعلم يقينًا أن كل ما يمارسه ويقوم به من أعمال كله في مرضات الله وفيما أمره الله به, وأنه لا يعمل من الأعمال ما يخالف شرع الله فإنه يعمل هذا العمل بيقين وطمأنينة واستبشار بموعود الله له بالأجر الكبير والعمل على أن يكون هو الواثق بما عنده من عمل فيباشر الدعوة بكل ثقة واقتدار بعيد عن الضعف والخور أو الخضوع, ذلك أنه إذا كان الاعتزاز بهذه المنزلة أو تلك المكانة فإنه يبعث في الداعية الثقة والقوة والرفعة؛ ذلك لأنه يستمد قوته من قوة دينه ويستمد ثقته من ثقة دينه ويستمد رفعته من رفعة دينه الذي ارتضاه الله لعباده.
هذا ما تيسر ذكره فيما يتصل بجانب الاعتزاز بالإسلام وسيكون الحديث في الحلقة القادمة عن صفة اللين والرفق وهذه تحتاج منا حقيقة لنوع من الاستطراد سنتحدث عنه إن شاء الله تعالى في المحاضرات القادمة بإذن الله تعالى إلى ذلكم الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحلقة العاشرة(اللين والرفق)
اليوم إن شاء الله تعالى نتحدث عن صفة هي أيضًا غاية في الأهمية ولها مكانة كبيرة جدًا ينبغي على الداعية الاتصاف بها في جميع أحواله؛ في ممارسته للدعوة وسعيه الكبير في إيصال مراد الله لخلقه, هذه الصفة هي صفة (اللين والرفق) فنشرع في الحديث عن هذه الصفة بتعريف المقصود بالرفق: وهو لين الجانب بالقول والفعل, إذًا الرفق هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأيسر وهو ضد العنف والخشونة, ويمكن بيان المقصود بصفة اللين والرفق للداعية هو أن يكون الداعية لينًا هينًا لطيفًا بقوله وفعله وميسرًا على الناس بما لا يخالف الشرع ومداريًا لهم بما لا يصل إلى المداهنة التي تضيع الواجبات الشرعية,
ننتقل الآن للحديث عن أهمية الرفق في مسير الداعية ويتجلى أهمية تحلى الداعية بصفة الرفق في النقاط التالية:
أولًا: أن الله أمر المرسلين جمعيًا بالرفق واللين مع المدعوين: ويتضح ذلك من أمر الله موسى وهارون -عليهما السلام- بإلانة القول مع أكبر أعداء الله وهو فرعون الذي ادعى الألوهية وإذا كان هذا في حق موسى وهارون مع هذا الطاغية فرعون فمن باب أولى ما دون ذلك,فاستصحاب الرفق واللين من أهم ما يتصل بالداعية بعد قضية الإخلاص, وتـأتي بالمنزلة الثانية بعد الحديث عن الإخلاص والعلم.
إن مما يدل على أهمية الاتصاف بصفة الرفق أن الله سبحانه أمر موسى وهارون عليهما السلام بإلانة القول مع أكبر أعداء الله فرعون قال تعالى:﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه43 :44] يقول ابن كثير -رحمه الله- "هذه الآية فيها عبرة عظيمة وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار, وموسى صفوة الله من خلقه في حينه إذ ذاك ومع هذا أُمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين." يقول الإمام القرطبي -رحمه الله-:"القول اللين هو القول الذي لا خشونة فيه فإذا كان موسى أُمر بأن يقول لفرعون قولًا لينًا فمن دونه أحرى أن يقتدي بذلك في خطابه." يقول الإمام القرطبي:" فإذا كان موسى أُمر بأن يقول لفرعون قولًا لينًا فمن دونه أحرى أن يقتدي بذلك في خطابه وأمرٌ بالمعروف في كلامه."
ويقول أبو السعود -رحمه الله تعالى-  مبينا ثمرة تلك الصفة في تفسيره:" فإن تليين القول مما يكسر ثورة عناد العتاة ويلين عريكة الطغاة." إذا لم يكن التوجيه الرباني إلا لأن الله وهو الأعلم بخلقه يعلم سبحانه بعلمه الواسع أن إلانة القول فيها استمالة لهذا المدعو وتأثير, وأنها تكسر ثورة شر نفسه وعتوه وتُلين عريكته مع الداعي, ويكون أدعى في قبول ما سيأتي بعد هذه الإلانة من لقول.
هناك تعليق يسير فيما يتصل بجانب قصة موسى مع فرعون وهي أن أحد الوعاظ أتى لأحد الخلفاء( خلفاء المسلمين) ويُقال أنه أتى إلى المأمون فقال له: يا هذا إني قائل لك قولًا فمغلطه وكان المأمون -رحمه الله- رجل صاحب علم وفقه فقال: على رسلك يا هذا, فإن الله قد بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني قد بعث الله موسى وهو خير الناس إلى من هو شر منى وقال له:﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾[طه :44] وهذا الموقف يدل على أهمية وعناية الداعية ألا يكون فظًا ولا غليظًا ولا يتعالى على الخلق في نقله لدين الله وتوجيهه الخير لهم,
ثانيا: أن الله أمر نبيه بالمجادلة بالتي هي أحسن: نقول إن المحاورة والمجادلة للمدعوين تعد أسلوبًا من أساليب الدعوة, كما ذكرنا قبل قليل قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل:١٢٥] فالمجادلة هي أيضًا ركيزة من ركائز أساليب الدعوة الشهيرة المعروفة التي هي الحكمة والموعظة الحسنة التي هي بالترغيب والترهيب والمجادلة المُقيدة بالحسنى.
وإن من أهم الآداب التي تكون بالمجادلة بالتي هي أحسن قال تعالى ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت :46 ]أي بأرقى الأساليب وأجملها وأحسنها تأثيرًا في هؤلاء؛ لأنه أدعى إلى قبولهم, وهؤلاء أهل كتاب سماوي سابق عندهم من العلم, وقد وجهت لهم الرسالة التي اعتراها شيء من التحريف والتبديل فهم أقرب للحق كما وصفهم الله في محكم التنزيل يقول : ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل :125 ]
يقول الزمخشري -رحمه الله- في تفسيره:" يعني بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف؛
ثالثًا: مما يدل على أهمية الرفق في حياه الداعية هو أن الله أمر نبيه وأمر الناس عمومًا بالرفق: كما جاء في قوله تعالى:﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة :83 ]وقال الإمام القرطبي:"فينبغي على الإنسان أن يكون قوله للناس لينًا ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر والسُني والبدعي من غير مداهنة ومن غير أن يتكلم معه بكلام يُظن أنه يرضي مذهبه." فليست الدعوة إلى ممارسة الدعوة باللطف واللين أو بالتي هي أحسن دعوة إلى التخلي عن هذا الدين والتخلي عن أصوله وقواعده لا بل مع التمسك بكل هذا يُستصحب باللين لأنه أدعى لقبول, والرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه كما أخبر النبي وكما سيأتي معنا
رابعًا: التي تدل على أهمية الرفق واللين في حياة الداعية أن النبي أوصى دعاته بالرفق: ومن ذلك أن النبي قال للطفيل بن عمرو الدوسي (أخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم ) وما خصه النبي هذا الخصوص بعد هذا العموم إلا لأهمية هذا الرفق, وأن الرفق جماع الخير وأن الرفق باستصحاب عمل الدعوة من أهم الوسائل الضرورية والتي يلزم الداعية أن يُراجع نفسه فيها باستمرار وبصورة متواصلة حتى يكون لدعوته الأثر والقبول وأن يكون سائرًا على ما أمر الله به ورسوله ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة :83 ]وقول النبي للطفيل هي دعوة عامة لكل الدعاة من أول محمد إلى قيام الساعة (وقوله لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن في وصيته لمعاذ وأبي موسى -رضي الله عنهما- (يسرا ولا تُعسرا, وبشرا ولا تُنفرا, وتطاوعا ولا تختلفا) - وهي وصية دائمةً إلى قيام الساعة لكل الدعاة, وفي الحديث عن أبي موسى قال: "كان رسول الله إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره قال: ( بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا)
أيضًا مما يدل على أهمية هذا الرفق واللين أن للتحلي بالرفق آثارًا كبيرة ونتائج عظيمة منها جملة كبيرة جدًا من النتائج والآثار نأتي لعرض شيء مما يتصل بها في النقاط التالية:-
أن الرفق لا يكون في شيء من الدين إلا زانه كما جاء في الحديث عن عائشة -رضي الله عنها-زوج النبي أن النبي قال: ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزع من شيء إلا شانه) أيضًا من نتائج الرفق أن الله يعين على الرفق كما جاء في الحديث الله يعين على الرفق( إن الله تعالى رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه مالا يعين على العنف) فإذا كان شأن الداعية شأن الرفق كان الله معينه وناصره,
أيضًا مما يدل على عظيم نتائج وآثار الرفق واللين أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على ما سواه: كما جاء في الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي قال ( يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق مالا يعطي على العنف ومالا يعطى على سواه).
أيضًا من النتائج والثمار والآثار الخاصة بالرفق أن حصول الخير في الاتصاف بالرفق: كما جاء في الحديث عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ( من حُرم الرفق حرم الخير كله) أعوذ بالله أو من يحرم الرفق والخير وهذا الحديث حديث عظيم نقف عنده في هذه الحلقة ونكمل إن شاء الله الحديث فيما تبقى في هذه الصفة في الحلقة القادمة إلى ذلكم الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المحاضرة الحادية عشرة(مقتضيات صفة الرفق)
قلنا أن حصول الخير في الاتصاف بالرفق كما جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله : (من حُرم الرفق حُرم الخير أو من يُحرم الرفق يُحرم الخير) ونواصل فيما يتصل بمقتضيات هذه الصفة فنقول:
سادسًا:من أهداف هذه الصفة أن الرفق سبب في استمالة القلوب وعدمه سبب في نفورها وانصرافها, وتحدثنا عن شيء مما يتصل بهذا الأمر ذلك أن سبب النفور والانصراف أو نفور الأنفس سببها النفور والإعراض عن من يغلظ القول معها؛ ولذلك وجب على الدعاة إلى الله أن يتصفوا بصفة الرفق واللين.
وينبغي على الداعية أن يعلم بأن الناس غالبًا ما ينفرون من الفظاظة والغلظة والخشونة والعنف والقوة, ويألفون الرقة والدماثة واللين وحينئذٍ ينبغي للداعية أن يراعي ذلك في دعوته, يقول الشيخ عبد الرحمن الشيرازي -رحمه الله-:"وليكن من شيمته -يعنى المحتسب والداعي إلى الله - الرفق ولين القول وطلاقة الوجه وسهولة الأخلاق عند أمره للناس ونهيه فإن ذلك أبلغ في استمالة القلوب وحصول المقصود قال الله للنبي : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران :١٥٩] ولأن الإفراط في الزجر ربما أغرى بالمعصية, والتعنيف بالموعظة تمجه الأسماع."
أيضًا مما يدل على أهمية صفة الرفق أن بعض العلماء ذكر أن من لا تتوفر فيه صفة الرفق لا يكون أهلًا للاحتساب هذا اشتراط لبعض أهل العلم نقول:أنه مما يدل على أهمية صفة الرفق أن بعض العلماء ذكروا أن القيام بالاحتساب لا يمكن أن يكون إلا باستصحاب الرفق, يقول سفيان -رحمه الله-:"لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من مكان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر رفيق بما ينهى, عدل بما يأمر عدل بما ينهى, عالم بما يأمر عالم بما ينهى." هذه قاعدة رئيسة وركيزة أساسية في جانب الاحتساب, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:"فلابد من هذه الثلاث؛ أي العلم والرفق والصبر ذلك أن العلم قبل الأمر والنهي؛ أي لا يباشر المرء بأمر من الأمور أو نهي عن شيء من الأمور إلا ويعلم يقينًا حقيقة هذا الذي يأمر به أو ينهى عنه, والرفق معه أن يستصحب في أثناء الأمر أو أثناء النهي, ثم الصبر بعده لأنه قد يكون مظنة إلحاق الأذى به أو أذيته من هؤلاء الذين يُباشر عملية الأمر والنهي لهم."
ذلك لابد من العلم قبل الأمر والنهي والرفق مع الأمر والنهي, ثم الصبر بعده أي بعد الفراغ من الأمر والنهي وإن كان كل من الثلاث لابد أن يكون مستصحبا في هذه الأحوال, هذا يتصل بجانب الحديث عن أهمية الرفق واللين.
ننتقل الآن لصور من ممارسة النبي لهذه الصفة الكبيرة والجليلة وهي صفة الرفق واللين, سنتحدث في هذا الموضوع في ذكر جملة من الشواهد نختار منها مثلًا: رفقه بمن كان يده تطيش في الصحفة, ثم مثال آخر رفقه بالمرأة التي كانت تبكي عند قبر ثم لُطفه بمن تحدث في الصلاة, ثم رفقه بالأعرابي الذي بال في المسجد, ثم لينه بمن جاء يستأذن في الزنا, ثم رأفته بمن أصاب من امرأته قبل أداء كفارة الظهار.
أول هذه الشواهد من سيرة النبي وإمام الدعاة  وهو قدوتهم واستصحابه للرفق واللين في دعوته:
رفقه بمن كان يده تطيش في الصحفة: فقد روى الإمام مسلم عن عمر بن أبي سلمة يقول:"كنت غلامًا أي عمر بن أبي سلمة في حجر رسول الله أي في تربيته وتحت نظره وكانت يدي تطيش أي تنتقل في الصحفة أي إلى الأكل فقال لي رسول الله :يا غلام أنظر إلى لطفه بالصغير الذي كانت يده تنقل في وعاء الأكل من مكان إلى آخر, قال: (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك.) أنظر إلى رفق النبي في دعوته لهذا الصبي هذا اليتيم الذي كان في تربيته وتحت نظره, وفي الرواية الأخرى عن أبي داوود أن رسول الله قال له: (أدن مني فسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك.) هذا الموقف يدل على عظم النبي ولينه مع هذا الغلام.
المشاهد الثاني: رفقه المرأة التي كانت تبكي عند قبر لها أو قبر عزيز لها: فقد روى الإمام البخاري عن أنس بن مالك قال:مر النبي بامرأة تبكي عند قبر فقال: (اتق الله واصبري) قالت: "إليك عنى -لم تكن تعرف أنه النبي - فإنك لم تصبب بمصيبتي ولم تعرفه." كانت ما تعرف النبي , فقيل لها: إنه النبي , فأتت النبي فلم تجد عنده بوابين؛ أي إلى بيته فقالت: لم أعرفك فقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).
يقول العلامة العيني أثناء بيانه ما يستفاد من هذا الحديث:"فيه ما كان عليه من التواضع والرفق بالجاهل وترك مؤاخذة المصاب وقبول اعتذاره, وكيف كان أثر هذا التعامل من النبي اللطيف على المرأة نفسها." فلنقرأ ما رواه الإمام مسلم عن أنس بن مالك قال:"فلما ذهب النبي الكريم قيل لها: إنه رسول الله, فأخذها مثل الموت؛ يعني الخشية والرهبة أنها كيف تقول للنبي هذا وهي لم تكن قد عرفته, فأتت بابه إلى آخر الحديث." يقول الحافظ بن حجر في شرح قول أنس :"فأخذها مثل الموت؛ أي من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه خجلًا منه ومهابة إلا أنها عندما أتت النبي تلطف معها ولم يُعَنِّف عليها بشيء بأبي هو وأمي .
أيضًا من النماذج لرفقه ولطفه بمن تحدث في الصلاة وثمرة هذا اللطف: فقد روى الإمام مسلم عن معاوية بن الحكم السُلمي قال: بينما أنا أصلى مع النبي إذ عطس رجل من القوم إلى جنبي فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتوني، لكأني سكت، فلما صلى النبي فبأبي هو وأمي, هذا قول الراوي من الصحابة ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه , فو الله فبأبي هو وأمي فهو الله ما قهرني؛ أي ما عنَّف عليه ولا قهره ولا نهره ولا ضربني ولا شتمني قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن).
يقول الإمام النووي تعليقًا على الحديث الشريف:"فيه بيان ما كان النبي من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به ورفقه بالجاهل ورأفته وشفقته عليه وفيه التخلق بخلقه في الرفق بالجاهل وحسن تعليمه ولطفه وتقريب الصواب إلى فهمه.
ماذا كانت نتيجة هذا اللطف مع هذا الرجل؟ نقرأ بقية القصة إذ يحدثنا الرجل قلت: يا رسول الله, إني حديث عهد بالجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجال يأتون الكُهان, قال: (فلا تأتهم) قال: ومنا رجال يتطيرون قال: (ذاك شيء يجدون في صدورهم فلا يصدنهم) قال: قلت: ومنا رجال يخطون قال: (كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك) قد أثر الرفق في معاوية بن الحكم السُلمي وأدرك أن ما صدر منه كان بسبب قرب عهد بالجاهلية, فبدأ يستفسر عن أمور, هذا الدافع له ورفقه فتح المجال له إلى أن يستفسر عن أمور كانت شائعة في الجاهلية ليحذرها كي يتمكن من اجتنابها إن كانت محرمة بدل أن تظهر منه فيُنكر عليه, وليس هذا فحسب بل عزم على كفارة خطأ قد كان قد صدر منه إلى آخر هذا الحديث.
من الشواهد أيضًا رفقه بالأعرابي الذي بال في المسجد وأثر ذلك: فقد روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ : مَهْ مَهْ؛ أي ينهرونه ويريدون أن يصدوه عن مثل هذا الفعل, قال رسول الله : (لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ) فَتَرَكُوهُ حتى فرغ, ثم أن الرسول دعاه فقال له: (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ), هذا الموقف من النبي ماذا كان أثره؟ قال: فأمر رجل من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه؛ أي صبه على هذا الأمر.
إذًا الموقف لا يحتمل بهذا الأمر الكثير, قام البعض منهم كانوا يريدون أن يسحبونه أو يجرونه أو يصيحوا عليه أو يبعدوه, كل المسألة انتهت بإهراق دلو من الماء على هذه المخالفة, يقول الإمام النووي:"وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاءٍ إذا لم يأت بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا." كيف كان وقع هذا التعليم بالرفق على قلب الأعرابي؟ إنما نلحظه في قول الأعرابي الذي نقله الإمام بن ماجه عن أبي هريرة قال: فقال الأعرابي بعد أن فقه فقال: إلي بأبي وأمي فلم يؤنب ولم يسب فقال: سبحان الله يفدي أبويه على رسول الله قبل أن يخبر الناس بما قاله له ما الذي حمله على هذا؟ إنه التعليم المقرون بالرفق بفضل الله تعالى, إذًا كلما قُرنت أمور الناس بالرفق واللين كلما كان هذا أدعى لتعليمهم وتفقيههم وقبولهم للحق والدعوة.
أيضًا من الشواهد, وهي شواهد كثيرة للنبي في قضية الرفق واللين لينه بمن جاء يستأذن في الزنا: فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: إن فتى شابًا أتي النبي فقال: يا رسول الله, ائذن لي بالزنا فأقبل القوم عليه؛  لكن في معلم البشرية الخير النبي كان الأمر أيسر من ذلك بكثير, استصحب معه الرفق فعلم هذا الرجل؛ لأنه أتى جاهلًا وأراد أن يبين له الصواب فقال: (أدنه), إذًا القرب الجسدي له أثر وله تأثير, فدنا منه قليلًا فجلس فقال: (أتحبه لأمك؟) قال: لا, والذي جعلني فداك قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم, ثم قال:(أتحبه لابنتك أو تحبه لأختك أو لعمتك أو لخالتك؟) إلى آخر الحديث فلم يكن بعد ذلك الفتى لم يلتفت إلى شيء قال: فوضع يده عليه؛ أي هذا الشاب الذي جاء يستأذن بالزنا وقال: (اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه) فلم يقم بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء, انظر إلى نتيجة هذا الرفق واللين بهذا الرجل الجاهل الذي لم يكن يعرف فداحة ما كان يأمر به أو ما كان يتطلب أو يطلبه من النبي إلا أن الرفق أتى ثماره مع هذا الرجل, كيف أثر النصح والرفق واللين على هذا الشاب؟ لم يكن يلتفت الشاب إلى شيء بعد ذلك وهو الذي كان قد جاء يستأذن في هذه الفاحشة العظيمة الشواهد في هذا الأمر كثيرة.
إذًا ننتقل إلى آخر شاهد من هذه الشواهد وهو ملاطفته مع ثمامة بن اثال وأثرها: وهذه القصة باختصار أن ثمامة بن اثال أسر عند النبي وربط في سارية المسجد وكان النبي يمر عليه كل يوم فكان يعرض عليه الإسلام فكان يرد عليه ثمامة بن اثال في قصة شهيرة يقول: إن تقتل تقتل دم وإن تعف تعفو عن شاكر إلى آخر هذه الثلاث أيام كلما كان النبي يمر عليه يقول له نفس القول فقال : فكوا ثمامة في آخر هذه الأيام, فانطلق ثمامة إلى ماء آل فلان فاغتسل فيه ثم جاء النبي وقال يسأله عن الدين وعن الإسلام ثم أعلن إسلامه, انظر إلى حادثة فك هذا الأسير كيف أثرت على هذا الرجل وهو رجل عظيم عند قومه من أهل اليمامة من بني حنيفة وكان ملكًا وزعيمًا في هذا المكان إلا أن صنيع النبي معه برفق ولين كان سببًا في قبوله لهذا الدين واستمالته له .
أن الإطار العام في دعوة الداعية هي الرفق واللين باستمرار إلا في حالات يسيرة و صغيرة هي ثلاث حالات أختم بها:
المسألة الأولى: ما يتصل بهذه المسألة وهي الشدة في الانتقام لحرمات الله تعالى وإقامة الحدود, عند إقامة الحدود ليس من المعقول أن يُقال: نرفق بهذا أو كذا؛ لأنه أقام حدًا من الحدود لابد أن يُقام عليه وليس في هذه المسألة رفق أو لين, هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: عند ظهور عناد أو استخفاف بالدعوة عندما نشعر من المدعو أنه لا يستجيب للدعوة لجهل منه أو تقصير, وإنما هو يستخف بالدعوة ويعاند ويستكبر فإن هذا يصلح معه قضية الإغلاظ و قضية الشدة وترك الرفق واللين إلى ما سواه كما قال في محكم التنزيل﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت :46 ] الأصل المجادلة بالتي هي أحسن ثم يأتي الاستثناء ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت :46 ]؛ أي الذين استخفوا واستكبروا وعلموا حقيقة هذا الدين ومع ذلك يعاندون ويكابرون هؤلاء لا يصلح معهم إلا العدول عن الرفق واللين والغلظة معهم في جانب المجادلة.
النقطة الثالثة: التي يُستعاض بها أو يعدل فيها عن الدعوة بالرفق واللين إلى الشدة أو شيء من الغلظة هو الشدة عند بدور مخالفة الشرع لدى من لا يتوقع منه ذلك, إذا بدر الخطأ من شخص لا يتوقع منه هذا الخطأ إما لعلمه بهذا الأمر وعناده أو لمنزلته ومكانته عند قومه ولا يصلح له مثل هذا فينتقل المرء من الحديث معه باللين والرفق إلى الإغلاظ؛ لأنه لا يتوقع منه الوقوع في مثل هذا الخطأ, و نكمل إن شاء الله تعالى ما يتصل بالصفات الأخرى نبدأها بالتواضع في الحلقة القادمة وإلى لقاءٍ في الحلقة القادمة أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحلقة الثانية عشرة(التواضع)
اليوم نبدأ الحديث عن صفة جديدة هي لا تقل أهمية عما ما مضى من صفات هذه الصفة التواضع وهي من كبار هذه الصفات ومن أجلها وأعظمها والتي ينبغي للداعية أن يعنى بها ويتصف بها أثناء دعوته للناس وأثناء حياته جميًعا.
والتواضع من خير الخلال وأحب الخصال إلى الله وإلى الناس وهو موجب للرفعة في الدنيا والآخرة وباعث على التآلف ومحقق للحب والتواد, وقد أمر الله تعالى نبيه بأن يتواضع للمؤمنين فقال تعالى:﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] وبين أن ذلك من أسباب جمع القلب عليه فقال تعالى:﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران :159 ] إذًا ذاك كان من أسباب اجتماع قلوب المدعوين على رسول الله :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران :159 ] اللين هو جزء كبير من أجزاء التواضع هذه الصفة الجليلة العظيمة.
والتواضع: هو إلانة الجانب مع عزة النفس وإباء الضيم, ومن التواضع عدم الافتخار بالآباء والأجداد ومن التواضع عدم البغي والاعتداء, أيضًا ومن التواضع طيب الحديث والتبسم في وجه الناس والرفق بهم وعدم مؤاخذتهم بزلاتهم وتهدئة روعهم, إذا فزعوا, إذًا التواضع أن يمشي المؤمن بين الناس هونًا وأن يخفض جناحه لمن يلقاه, وأن يرضى أن يأكل ما حضر من طعام ويلبس ما تيسر له من اللباس, ويمتزج على من يتلقى من البشر دون كبر؛ أي يمتزج مع الناس ويداخلهم ويخالطهم وتلك المخالطة النافعة المفيدة التي ليس فيها ظلم ولا جور ولا بغي ولا عدوان, والنبي أثنى على الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم وقال: إنه خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم وهذه المداخلة مع الناس لابد أن تورثه أن يبتعد عن كل ما يدخله في عجب أو تساوره نظرة من استعلاء, ولقد جعل الله من أخص أوصاف تلك الأمة التي سيبعثها إذا شاء سبحانه أنها متواضعة فيما بينها شديدة على أعدائها يقول الله في وصف ذلك أي في صف المؤمنين:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [ المائدة: ٥٤] ولقد كان نبي الرحمة وهو قدوة الدعاة جميعًا قمة في التواضع -بأبي هو وأمي - مع جميع الناس مع جميع الخلق مع سيدهم أو رئيسهم ومرؤوسيهم مع غنيهم وفقيرهم وحسبنا أن الله تعالى خيره بين أن يكون نبيًا مَلِكًا أو نبيًا فحسب فاختار أن يكون نبيًا عبدًا, وهذا فيه دلالة كبيرة على عظم تواضع النبي وأنه بعيد كل البعد عن البطر أو الكبر أو الأشر وكان كثيرًا ما يعظ قومه ويقول: (لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وهذا هو الأمر الذي يضاد التواضع وهو الكبر, والكبر: كما بينه النبي هو بطر الحق وغمط الناس بطر الحق أي إنكاره وغمط الناس أي احتقار حقوقهم أو جحد حقوقهم أو منزلتهم هذا هو الكبر الذي ينافي صحيح التواضع, إذًا كان النبي يكثر من وعظ صحابته وقومه بأن يقول: (لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وعن الأسود -رحمه الله تعالى- قال:"سألت عائشة -رضي الله عنها- ما كان رسول الله يصنع في أهله؟ فقالت: كان يكون في أهله؛ أي في خدمة أهله أو في حاجتهم وإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة." وعن هشام عن أبيه قال:"سأل رجل عائشة -رضي الله عنها- قال هل كان رسول الله يعمل في بيته؟ قالت: نعم, كان رسول الله يخسف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بتيه".
إذًا هذه صور لوصف حال النبي في بيته تصفه لنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- كذلك من الأحاديث الدالة على عظم هذا الأمر أو هذه الصفة عن أنس قال: مر رسول الله على صبيان فسلم عليهم, إذًا كان من حال النبي أنه إذا مر في طرقات المدينة ورأى صبيانًا يلعبون أو يلهون فإنه يمر بهم ويسلم عليهم؛ أي السلام عليكم و رحمة الله وهذا يدل على صورة كبيرة من صورة التواضع التي كانت يتحلى بها النبي القدوة الذي أُمرنا بإتباعه والسير على منهاجه .
إذًا مما يدل على تواضعه أنه لا يستنكف من التَنَزُّل مع هؤلاء صغار السن أو الأطفال الذين يلهون أو يلعبون في الطرقات وإنما كان يتواضع لهم ويسلم عليهم وقد يقف ليجيب أحدهم على مسألة أو يجيب سائلًا منهم يسأل حاجة أو أمرًا من أمور الدنيا كما فعل النبي مع الجارية التي استوقفته في أحد سكك المدنية وسمع منها النبي حاجتها وقضى لها ما كانت تريد, وعن أنس بن مالك :"أن امرأةً كان في عقلها شيء أي تشكو شيئًا من القصور في عقلها فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة, فقال: (يا أم فلان انظري أي السكك شئتي حتى أقضي حاجتك فيها؛ يعني اختاري الطريق أو السكة التي تريدين أن أقضى لكي حاجتك فيها فخلا معها أي في هذا الطريق أو هذه السكة في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها) لأنه وقف معها استمع لما تريد وقضى لها ما رغبت النبي أن يقضيه لها, وهذا أيضًا يدل على دلالة كبيرة على تواضع النبي وأنه كان يتحلى بهذه الصفة ولا يتخلى عنها في أي حال من الأحوال بل كان -بأبي هو وأمي- مثالًا للتواضع ومثالًا لتطبيق ذلك في واقع حياته.
ومن النماذج أيضًا والصور أنه قد جاءه رجل يرتعد يوم فتح مكة؛ أي جاء النبي وهو في حال من الفزع وفي حال من الخوف وفي حال من الوجل رهبةً من النبي وخشيةً منه وخوفًا من مصيره الذي كان يتوقعه فقال رسول الله : (هون عليك, فإني لست بملك إنما ابن امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد.) أي أنا لست ملكًا أو ابن ملك وإنما أنا رجل من عامة الناس حتى أن أمي التي هي من قريش كانت تأكل القديد أي اللحم المقدد الذي يوضع ويُجَبَّس ثم يأكل نيئًا أو مطبوخًا وهذا فيه دلالة كبيرة على تواضع النبي وعن أبي هريرة عن النبي قال: (لو دُعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت) أي لو دعيت إلى وليمة أو عشاء أو غداء أو وجبة ليس فيها إلا ذراع أو حتى كُراع لأجبت لذلك ولم أستنكف ولم أتكبر وهذا فيه دلالة أيضًا على تواضع النبي (ولو أُهدى إلي ذراع أو كُراع لقبلت) أي أنني لا أستنكف من هذا وأتكبر وأقول أنا مثلًا يهدي إلي مثل هذا كان الأولى أن يُهدي إلي كذا وكذا, بل النبي لم يقبل هذه الهدايا ويجيب دعوة من دعاه حتى وإن كانت على أقل الأمور وأصغرها وكل ذلك فيه دلالة كبيرة على أن النبي كان يتحلى بصفة التواضع وهي ملازمة له .
ولقد أوحى الله تعالى إلى نبيه بضرورة تواضع الناس فيما بينهم وأن يبتعدوا عن الفخر والبغي, فعن عياض بن حمار قال:قال رسول الله : (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) وهذا فيه أمر ظاهرٌ جلي في بيان أهمية ومنزلة ومكانة التواضع والتحذير مما ينافي ذلك؛
وتواضع الأفراد رفعة لهم لا شك أن التواضع هو مؤدى أو نتيجته ستكون هي الرفعة والوصول إلى المنزلة العلية, فعن أبي هريرة أن رسول الله قال:(ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) وهذا الشاهد (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) أي رفع مكانته ومنزلته وحبب إليه الخلق وجعلهم ينظرون إليه نظر الإعجاب والشعور بأن له مكانة علية وأن له منزلة ملائمة كبيرة. والتواضع يُمَكِّن الدعاة من جمع الأنصار ويحببهم إلى الناس فيستمعون إليهم ويتأثرون بهم ويتأسون بأفعالهم, إذًاهذه نتائج التواضع فإنها تكون سببًا في تأثر المدعوين وقبولهم لدعوة هذا الداعية وتأسيهم بفعل هذا الداعية حتى يكونوا أيضًا ممن يتداول أمر التواضع فيما بينهم ويكون حال التواضع هو الحال السائد فيما بين هؤلاء جميعًا,
قد يُثار هنا سؤال هل التواضع فقط مع الرؤساء أو الكبراء أم أنه يشمل الكبراء وغيرهم ممن هو أدنى منهم؟ الحقيقة أن التواضع ينبغي أن يكون سجية مضطردةً مستمرةً مع جميع هؤلاء الأصناف؛ ؛ لأن مُؤدى ونتيجة هذا التواضع سيكون لا شك القبول والإذعان لهذه الدعوة والشعور بأهميتها ومن ثم يكون سببًا ذلك في أيضًا أن يتحلوا هم بهذه الصفة وتكون سجيةً لهم يتداولونها فيما بينهم وأيضًا يتداولونها فيما هو أبعد من ذلك.
ذكرنا من ذلك قول الله :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران :159 ] وأيضًا قول الله :﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الحجر:٨٨]بهذا نكون انتهينا من الحديث عن هذه الصفة في الحلقة القادمة سيكون حديثنا إن شاء الله تعالى عن لصبر والحلم وإلى ذلكم الحين أستودعكم الله
الحلقة الثالثة عشرة(الصبر والحلم)
هذه الصفة صفة عظيمة جليلة وكبيرة ويحتاج إليها الدعاة في كل أحوالهم وممارساتهم ألا وهي صفة الصبر والحلم.والصبر من تجلد الرجل أي الصبر على المصيبة ومن قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] والمقصود به أي الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع هذا فيما يتصف بجانب الصبر, أما الحِلم: وهو بالكسر كسر الحاء؛ أي العقل وتقول العرب: تأنى وسكن عند غضب أو مكروه مع قدرة وقوة وصفح وعقل, ومن أسماء الله تعالى الحليم سبحانه وبحمده وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد ولا يستفزه الغضب عليهم, إذًا الحلم هو أحد صفات أو أحد أسماء الله تعالى الحليم وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد ولا يستفزه الغضب عليهم.
والحلم يأتي بمعنى الطمأنينة وضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب هذا هو المقصود بالحلم, ومما ذكرناه قبل قليل يتبين أن الصبر والحلم معناهما متقارب, وهناك تقارب بين ما نعنيه بالصبر وما نعنيه بالحلم ولذلك جمع هذين المصطلحين بصفه واحدة فقلنا: صفة الصبر والحلم،والفرق بينهما أن الحلم أخص من الصبر, والصبر أعم من الحلم؛ حيث أن الحلم يخص ضبط النفس عند هيجان الغضب, بينما الصبر عام يشمل حبس النفس على الطاعات وكفها عن المعاصي والسيئات وضبطها عند المصائب والآفات .
هذا فيما يتصل في بيان ما المقصود بالصبر والحلم والتفريق بينهما وبيان أنهما يأتيان بمعنى متقارب, وقد ذكرت لكم فيما مضى قول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فيما يتصل بأخلاق الدعاة تحدثنا فيه عندما بيَّن الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها، ذكر منها -رحمه الله تعالى رحمة واسعة- قوله: أولًا: الإخلاص, وثانيًا: العلم وثالثًا: قال:" من الأخلاق التي ينبغي لك أن تكون عليك -أيها الداعية- أن تكون حليمًا في دعوتك رفيقًا فيها متحملًا صبورًا كما فعل الرسول ." ويُبيِّن موجهًا يقول:"إياك والعجلة وإياك والعنف والشدة, عليك بالصبر عليك بالحلم عليك بالرفق في دعوتك." وفي الحديث الصحيح يقول النبي :(اللهم من ولى من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فأشقق عليه, ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فأرفق به) أخرجه [الإمام مسلم في الصحيح].
ويواصل الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:"فعليك يا عبد الله أن ترفق في دعوتك ولا تشق على الناس ولا تنفرهم من الدين ولا تنفرهم بغلظتك ولا بجهلك ولا بأسلوبك العنيف المؤذي الضار, عليك أن تكون حليمًا صبورًا سلس القياد لين الكلام طيب الكلام حتى تُؤثر في قلب أخيك وحتى تُؤثر في قلب المدعو وحتى يأنس لدعوتك ويلين لها ويتأثر بها ويُثني عليك بها ويشكرك عليها, أما العنف فهو مُنفر لا مُقرب ومُفرق لا جامع." هذا مجمل ما ذكره الشيخ عبد العزيز بن باز في بيان الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها الداعية ضمن مؤلفه المفيد النافع المُسمى "الدعوة إلى الله تعالى وأخلاق الدعاة" وهو كتيب صغير عبارة عن محاضرة للشيخ عبد العزيز بن باز فيها النفع الكبير أنصح نفسي وإخواني باقتناء هذه الرسالة وهي رسالة صغيرة حجم ولكنها عظيمة النفع والفائدة.
أهمية الصبر للداعية ونقول: إن المرء عمومًا والداعية خصوصًا لا يمكن أن يستغني عن الصبر؛ لأن الصبر من الصفات المهمة والكبيرة التي يحتاج إليها المرء الداعية وغير الداعية, يحتاج إليها في أمور دينه وفي أمور آخرته ويحتاج إليها في شأنه كله ومن أعطي الصبر فقد أعطي من الخير الكثير وفي الحديث (وما أعطى أحدًا عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر) وفي الحديث الآخر (والصبر ضياء) وقال عمر بن الخطاب :" وجدنا خير عيشنا بالصبر." ويقول الحسن -رحمه الله-:"الصبر كنز من كنور الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده." وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-:"ما أنعم الله على عبد نعمة فينتزعها منه فعاضها مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيرًا مما انتزعه."وهذه الأحاديث والآثار تدل دلالة كبيرة على عظم فضل الصبر وجلالة أثره
وقد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا في القرآن الكريم وهذا فيه دلالة كبيرة على منزلة هذه الخصلة والصفة وعظيم مكانتها, وأن مما تتجلي فيه أهمية الصبر في النقاط التالية :-
1-إن الله ذكر الصبر في نحو تسعين موضعًا.
2- ذكر العلماء أن الصبر نصف الإيمان وأنه لا إيمان لمن لا صبر له وفي الحديث عن صُهيب قال رسول الله (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) وبين أهمية الصبر و عظمته في جانب الإيمان علي بن أبي طالب حيث قال:(ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, ثم رفع صوته ثم قال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له.)
3-إن مناط الأعمال كلها على الصبر؛ إذ الأعمال إما طاعة أو معصية, إما أن تكون عمل طاعة وهذا هو الخير الكبير وإما أن يكون -عياذًا بالله- عمل معصية فهو في حالة طاعة يحتاج إلى الصبر وفي حالة مدافعة المعصية يحتاج إلى الصبر,
4- إن صفة الصبر من الصفات الأساسية للداعية لأن الابتلاء بالنسبة لهم سنة من سنن الله ولو سلم أحد منه أي من الابتلاء لسلم الرسول أو الرسل عليهم السلام يقول الله :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾[العنكبوت3:2] إذًا الابتلاء هو سنة ماضية وسائرة ويلزم الداعية مع هذه السنة أن يكون على قدر هذه المنزلة التي بوأه الله إياها, فعليه أن يكون صابرًا في أداء الرسالة وأداء هذه الدعوة
في الحديث عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال:(الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل, فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبًا أشتد بلاءه, وإن كان في دينه رقة أبتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة) إذًا البلاء الذي يقدره الله فيصبر عليه هذا المُبتلى يكون عاقبة ذلك الأجر الكبير ومحو الخطايا والسيئات عنه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"ولابد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرفق ولابد أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى- هذا هو شاهد- فإنه لابد أن يحصل له أذى يتنوع هذا الأذى حتى يصل هذا البلاء إلى القتل كما حصل ذلك لجملة من أنبياء بني إسرائيل, بل قد ابتلى النبي بأن كاد اليهود أن يقتلوه عندما أرادوا أن يقذفوا عليه الحجر وحُذَّ رأس يحيى وقطع رأسه وفصل عن جسده هذا ابتلاء من الله ابتلى الله هذا النبي الكريم يحيى بن زكريا   .
أعود لقول شيخ الإسلام بن تيمية:" ولابد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرفق ولابد أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى فإنه لابد أن يحصل له أذى فإن لم يحلم ويصبر يُفسد أكثر مما يُصلح." نتوقف عند هذا يسيرًا ونقول:إنه ليس على جانب التحقيق بأنه قد يكون جانب من الدعاة من لا يصيبه شيء من الأذى بل يمضي في دعوته معززًا مكرمًا ذا حضرة ومكانة كما هو الحال لدُعاتنا وفقهم الله في هذه البلاد الطيبة الطاهرة.
إلا أنه لتعدد هذا البلاء وتعدد أصنافه من الأذى الصغير إلى ما هو أعلى من ذلك نقول: إنه كل الدعاة جملة قد يُصيبهم شيء من الأذى, والصبر لابد منه في حياة الدعاة فبه يتجاوز الداعية ما يقابله وما يعترضه من مزالق وعقبات ويتحمل ما يصيبه من أذى وبلاء .
5-إن عاقبة الصبر في الدنيا حميدة وفي الآخرة عظيمة وأثره في النجاح الداعي لا يُقدر بقدر قال تعالى:﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] وقال جل شأنه:﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] إذًا الصابر يعطيه الله أجر غير معدود كما ورد في الأثر أن الله يُجازي من فعل الصالحات بأن تنصب لهم الموازين فتُوزن هذه الأعمال فيعطون الجزاء الذي يوازي هذا العمل إلا شيئًا واحدًا وهو الصبر فإن الله يصب عليهم الخير والحسنات صبًا كما ورد في الأثر وما هذا الجزاء وما هذا العطاء إلا لعظيم هذه الصفة ومكانتها ومنزلتها ولزوم استصحابها للداعية في شأنه كله, يقول جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّـهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]
6-إن الصبر سببٌ في الفلاح والنجاة قال تعالى:﴿وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾[العصر3:1] إذًا يوصي بعضهم بعضًا بالتصبر والصبر على الأذى والصبر على طاعة الله والصبر عن معصية الله حيث جعل الله التواصي بالصبر سببًا في الخروج من دائرة الخسران عندما قال الله :﴿وَالْعَصْرِ  إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾[العصر 2:1] أي الإنسان نكرة في سياق العموم تدل على العموم؛ أي كل الناس في حال من الخسارة والخسران إلا هؤلاء المستثنين في هذه السورة العظيمة.
7-إن الصبر في سبب في رد كيد الكائدين ومما يدل على أهمية الصبر أن الصبر سبب في عدم إلحاق الضرر بالدعاة كما قال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّـهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾[آل عمران:١٢٠] هذا في بيان ما يتصل بأهمية الصبر سنأتي إن شاء الله في الحديث عن أنواع الصبر في الحلقة القادمة هذا ما تيسر ذكره في هذه الحلقة إلى لقاءِ قادم قريب إن شاء الله تعالى فيما يتصل بالحلقة القادمة أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المحاضرة الرابعة عشرة(أنواع الصبر)
كنا قد أنهينا الحديث في المحاضرة الماضية عن صفة الصبر تحدثنا فيها عن أهمية هذه الصفة ووعدنا لإتمام الحديث عن أنواع الصبر فنشرع في ذلك ونقول: قسم أهل العلم الصبر إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: هو الصبر على طاعة الله, والمقصود به أن المرء المسلم أو المكلف يحتاج إلى حال من اصطحاب الصبر عند طاعة الله أي عند القيام بالمأمورات فإنه يحتاج إلى الصبر والمصابرة؛ لأن بعض العبادات -كما نعرف- فيها نوع من المشقة كالحج مثلًا يحتاج إلى شيء من المصابرة والمجاهدة, الصوم أيضًا والإمساك عند المفطرات فيه حاجة إلى نوع من الصبر عن هذه الطاعة, المراد بالصبر على طاعة الله هو أنواع القربات والعبادات التي يتقرب بها الإنسان إلى الله وأكثر هذه العبادات ما افترضه الله على عباده كما جاء في الحديث القدسي(وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضه عليه, وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يصبر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها, وإن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه, وماترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته) انتهى الحديث في بيان أن القربات والطاعات تحتاج إلى نوع من الصبر على هذه الطاعات الصبر والمصابرة والمجاهدة على أداء هذه الطاعات, والداعية حين يصبر على فعل المأمورات فيؤديها على الوجه المطلوب وفق ما جاء به الشرع فإنه يكون بذلك قد حقق الصبر على طاعة الله.
ومن أعظم الطاعات والقربات التي يتقرب بها المرء إلى الله الدعوة إلى الله يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-:" قد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله وأنها من الفرائض."
النوع الثاني: من أنواع الصبر الصبر عن معصية الله ومحارمه ذلك أن الله يبتلي عباده بأمور عديدة وإن من أهم الأمور التي يبتلى الله بها عباده المحرمات والمحظورات من الذنوب والسيئات, والناس في ذلك إما متبع لشهوته وهواه وإما مخالف لذلك وحظوظ نفسه ومستجيب وطائع لما يُرضي الله, ومهما يكن فالمسلم عليه أن يصبر نفسه عما تهواه وتشتهيه مما حرمه الله وقد تكون النفس اعتادت على أمور مخالفة لأوامر الدين وحينئذ يظهر في ذلك مدى صبر الإنسان عنها وعظم استجابته داعي الحق, ثم أن الداعية يدعو الناس لفعل الأوامر واجتناب النواهي ويجتهد في تحذيرهم من المنكرات والأهواء والشهوات, وإذا كان كذلك فهو أولى من يتمثل هذا الأمر بل يسعى جاهداً في الصبر كما اعتاده أو سمعه أو شاهده من المعاصي والذنوب والخطايا و السيئات, ويستشعر دائمًا أن الجنة حفت بالمكاره والنار حفت بالشهوات .
النوع الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة إذًا هناك صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله ومحارمه والصبر الثالث والأخير هو الصبر على أقدار الله المؤلمة, والداعية حينما يقوم بالدعوة ويأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فإنه بذلك يخالف أهواءهم وشهواتهم وعاداتهم ومألوفاتهم, وإذا كان كذلك فإن الداعية في أمس الحاجة إلى خلق الصبر إذ أن سنة الله اقتدت أن يكون لأصحاب الدعوات أعداء يعادونهم ويمكرون بهم ويكيدون لهم ويتربصون بهم الدوائر, والداعية لا يستطيع الوصول إلى مراده غالبًا إلا إذا تحمل المكاره والمشاق وضبط نفسه في المصاعب والمهمات والداعية حينما لا يقابل ذلك بالصبر والتحمل والجلد فغالبًا ما تفشل دعوته ويضعف احتماله وقد لا يكون له أثر في مدعويه هذا فيما يتصل بأنواع الصبر.
مظاهر الصبر في حياة الدعاة أيضًا سنذكر عدد من الشواهد على هذه المسألة نبيّنها نقطة تلو الأخرى فنقول: من مظاهر الصبر في حياة الداعية أن الصبر في حياة الداعية يظهر في صور عديدة ومجالات متنوعة, وإن من مظاهر الصبر التي ينبغي أن يتحلى بها الدعاة إلى الله تعالى ما يلي : -
أولًا: تحمل الداعية سوء الأخلاق من المدعوين وعاداتهم وجحودهم وصدودهم وكيدهم ومكرهم والله تعالى يقول لنبيه : ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠ ] ويقول جل شأنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:17 ] إذًا هذه هي وصية لقمان الحكيم لابنه حيث يقول:﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:17 ] أتبع هذا الأمر بالصبر؛ لأنه مظنة أن يقع عليه شيء من الظلم والهضم من الآخرين فلزم معه التأكيد على الصبر ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:17 ]  وإذا كان الداعية لا يتحمل ما قد يلاقيه ويصيبه في سبيل الدعوة إلى الله فإن هذا مدعاة للانسحاب وترك القيام بالدعوة, والداعية لا يمكن أن يصل إلى غرضه إلا بالحلم والصبر, وأما إذا جعل همه الغضب والانتقام فإن هذا مدعاة لنفور المدعوين منه خصوصًا ومن الدعوة عمومًا .
ثانيًا: عدم الاستعجال في الوصول إلى ثمار الدعوة واستجابته المدعو وعلى الداعية أن يعلم أن مهمته البلاغ أما الهداية فبيد الله وحده تعالى يقول تعالى:﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس :٩٩] وإن رغبة الداعية وحرصه على هداية الناس تجعله أحيانًا يستعجل النتائج؛ أي يتطلب النتائج يرغب ويحب أن يرى نتائج هذا العمل الذي يقوم به من دعوة الناس ظاهرة له أو ظاهرة للعيان يقلبها ويطمئن إليها ويشعر بنوع من أداء هذه المهمة إلا أن تطلب هذا الأمر قد لا يكون في صالح الدعوة ولا في صالح الداعية, نقول: إن رغبة الداعية وحرصه على هداية الناس تجعله أحيانًا يستعجل النتائج ويرغب بتحقيق ما يسعى إليه في أقرب وقت؛ ولذا كان النبي يرشد أصحابه إلى عدم الاستعجال كما في حديث خباب قال:"شكونا إلى رسول الله وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة قلنا له: ألا تستنصر لنا, ألا تدعو الله لنا, قال: (كان الرجل فيمن كان قبلكم يُحفر له في الأرض فيُجعل فيه فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه, ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليُتِمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون. ) هذا فيه بيان شيء من مظاهر الصبر في حياة الدعاة إذ أن الاستعجال في النتائج دون النظر إلى الآثار المترتبة آفة كبيرة؛ لذا كان على الدعاة أن ينتبهوا وأن يحذروا من مزالقها وأن العجلة في قطف ثمار الدعوة قبل أوانها لا يتناسب مع الصبر الذي يجب أن يتحلى به الدعاة.
ثالثًا: الاستمرار بالدعوة والمداومة عليها دون كلل أو ملل ومن غير تذمر ولا تبرم ولا فتور, وليعلم الداعية أن طريق الدعوة طريق طويل وشاق ومحفوف بالمكاره والمصاعب؛ لذا كان لابد من الصبر على مواصلة الدعوة والاستمرار بها, وهذا نبي الله نوح مكث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا ومع ذلك لم يكل ولم يمل, إن اليأس والقنوط آفة من الآفات التي قد يصاب بها بعض الدعاة؛ لذا كان على الدعاة ألا يجعلوا لليأس والقنوط طريقًا عليهم لئلا يكون سببًا لمللهم وتذمرهم أو فتورهم ومن ثم انقطاعهم عن الدعوة هذا فيما يتصل بمظاهر الصبر في حياة الدعاة,
يتبقى لنا في جانب هذا الموضوع أي ما يتصل بالصبر والحلم بيان ما ينبغي أن ينتبه إليه دعاة الله في هذا الموضوع.
أولًا: أن الابتلاء إذا كان مما جرت به السنة الإلهية بالنسبة للدعاة فليس معنى ذلك أن يتعرض الداعية ويعرض نفسه للبلاء, بل عليه أن يدفعه ويتوقاه ما أمكنه ذلك وفي الحديث أن النبي قال (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) إذًا ينبغي للداعية ألا يعرض نفسه للبلاء ويقول: هذه حال الدعوة والدعاة أنهم يصابون للبلاء ثم يقحم نفسه بشيء من الأشياء أو أمر من الأمور التي يتصور أنه يحقق له قضية البلاء حتى يصبر عليها ليفوز بجزاء الله وإحسانه, بل ينبغي عليه أن يحمد الله على العفو والمعافاة وألا يكون متطلبًا للبلاء أو مقحمًا لنفسه فيه إذ أن الابتلاء صعب على النفس فلا يجوز الحرص عليه ولا الرغبة فيه؛ لأن فيه فتنة مجهولة
إن احتمال وقوع الأذى والضرر للداعية لا ينبغي أن يكون سببًا في تثبيطه وقعوده عن ممارسة الدعوة والقيام بواجبها كما لا ينبغي أن يسبب نفسه الأذى أو يسلك ما يكون سببًا في إيذائه, وأما إذا وقع البلاء فعليه أن يدفعه بكل الوسيلة مشروعة, ويتمثل الصبر الجميل مع الاستعانة بالله الذي بيده مقادير كل شيء .
ثانيًا: مما ينبغي أن ينتبه إليه الداعية إلى الله في هذا الموضوع أن هناك صنف من الناس من لا يزيده حلم الداعية إلا سفهًا وحُمقًا وطيشًا وحينئذٍ على الداعية أن يتعامل مع الناس كل بحسب حاله وبما يناسبه وبما يكف سفهه وطيشه, أُجمل ذلك الحقيقة في القول بأن الصبر صفة عظيمة من صفات الداعية التي يلزمه التحلي بها في سائر شئونه وعلى وجه الخصوص أثناء قيامة بالدعوة, ذلك أن الله ذكر الصبر في قرابة التسعين موضعًا, وأورده الله في سياقات كثيرة تدل على الحمد والثناء وأن العاقبة للصابر الجزاء الأوفى والأوفر من الله الذي يُجازي عباده على الخير ويوافيهم بجزيل الحسنات والصواب,
إذًا نقول أن النتيجة للصبر هو إقبال الناس واستماعهم وشعورهم أن هذا الداعي يدعو إلى الله على المنهج القويم و المنهج السليم عند انتفاء هذا سيكون هذا سبب في نفرة هذا المدعوين وعدم قبولهم وإذعانهم لهذا المدعو والبعد عن الاستماع إليه أو الأخذ منه, و الصبر كان من أجل صفات الدعاة والمرسلين.والله سمى أنبياءه من أولي العزم من الرسل وما ذلك إلا لعظيم صبرهم وتحملهم على أمور الدعوة, ولنا في رسول الله أسوة حسنة حيث كان صابرًا ومتحملًا لأذى قومه الذين اتهموه بالجنون واتهموه بالسحر واتهموه بالخرف واتهموه بأنه شاعر واتهموه بأنه كاهن ما كان من النبي إلا أنه صبر وكان على يقين أن العاقبة ستكون للحق وحملته؛ ؛ فشُج رأسه الشريف -بأبي هو وأمي- وأدمت عقباه ودخلت حلق المغفر في وجنتيه الشريفتين وكسرت رباعيته ووقع في الحفرة وألقي عليه سلا لجزور وكل ذلك والنبي يستصحب الصبر؛ لأنه يعرف أن الصبر عاقبته الخير والفلاح وعاقبته النجاة وعاقبته ستكون التمكين ذلك أن الصبر من هذه الخصال العظيمة التي تكون سببًا في إعانة الله وتوفيقه للدعاة. إن شاء الله تعالى سنتحدث عن صفة التضحية وأيضًا سنتحدث بعد ذلك عن الصفات اللازمة إلى ذلكم أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المحاضرة الخامسة عشرة(التضحية)
كنا قد أنهينا الحديث في الحلقة الماضية عن صفة الصبر والحلم واليوم إن شاء الله تعالى نستأنف الحديث عن هذه الصفات ونختم بآخر الصفات الأساسية وهي صفة التضحية. نقول: في ذلك إن الحق أبلج لكنه يحتاج إلى دعاة صادقين يحملونه طاهرًا نقيًا بغير شوائب إلى المحتاجين له من المدعوين وإن الدعوة الإسلامية تطلب من أتباعها أن يصرفوا أنفس أوقاتهم وأعز ما لديهم من جهد ووقت ومال في سبيل خدمة هذا الدين والدعوة إليه,
ولقد ضرب الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم- أروع الأمثلة في تضحيتهم لدينهم بأوقاتهم, بأموالهم, وحملهم لدعوتهم فلم يبخلوا بنفسٍ ولا مالٍ ولا جهدٍ ولا وقتٍ يقول تعالى: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّـهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم ﴾ [محمد :٣٨ ]عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت:"لما خرج رسول الله r إلى الهجرة وخرج أبو بكر t معه احتمل أبو بكرٍ ماله كله ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف فانطلق بها معه, قالت: فدخل علينا جدي -أي أبي قحافة- وقد ذهب بصره وقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه أي أنه لم يكتفي بنفسه وإنما يريد أن يلحق هذا بالمال الذي عنده قالت: قلت: كلا يا أبتاه إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا قالت: فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها ثم وضعت عليها ثوبًا أي قماشًا ثم أخذت بيده -أي بيد هذا الشيخ الكبير أبو قحافة- فوضع يده عليه وتحسسه ويلمسه فقال: لا بأس إذًا كان ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم ولا والله ما ترك لنا شيئًا هذا الحديث لأسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- ولكني أردت أن أُسكن الشيخ بذلك." انظر إلى عظيم التضحية في هذا الموقف الذي صنعه الصادق الصحابي الجليل أبو بكر الصديق الذي خرج مع النبي r في مهاجره واحتمل معه ماله رغبة في إنفاقه في سبيل الله U وهذا من عظيم التضحية التي كان يتصف بها أبو بكر t.
وجاء في هذا المعنى قول الله U: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة :٢٠٧ ] إذًا يشرى نفسه في سبيل مرضاة الله U هذه الآية نزلت في صهيب الرومي t فإنه أقبل مهاجرًا إلى رسول الله r فتبعه نفر من قريش؛ أي صهيب الرومي t وأرضاه لما أقبل مهاجرا للرسول r فتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته؛ أي تخلى عن دابته ومركوبه الذي كان يركبه وانتشل ما في كنانته؛ أي أخرج من كنانته سهمًا وأخذ قوسه وقال: لقد علمتم أني أرماكم أنتم تعرفون أنني من أكثركم دقة في الرمي وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي؛ أي بما في هذه الجعبة المملوءة بهذه بالسهام ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم أفعلوا ما شئتم فقالوا: لا نتركك تذهب غنيًا وقد جئتنا صعلوكًا, عندما أتيت إلينا كنت ضعيف الحال قليل ذات اليد وتريد أن تخرج من عندنا وأنت تحمل الأموال الكثيرة لا يكون لك هذا.
ما الموقف الذي نتصوره جميعًا هذا الرجل الصحابي الجليل الذي اشترى نفسه بهذا المال بهذا الحطام اشترى دينه رغبة في الحفاظ على هذا الدين والتمسك به, ماذا قال؟ فقالوا: لا نتركك تذهب غنيًا وقد جئتنا صعلوكًا ولكن دلنا على مالك نُخلي عنك وعاهدوه على ذلك ففعل, فلما قدم على رسول الله r نزلت الآية السابقة عندما خيروه بين أن يهاجر وأن يأخذوا المال قَبِل هذا الأمر فأنزل الله U قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة :٢٠٧]ماذا صنع النبي r عندما قدم إليه؟ فقال له رسول الله r: (ربح البيع أبا يحيى) وتلا عليه الآية, انتهى هذا الحديث وهو في الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي.
وعن صُهيب t قال:" لما أردت الهجرة من مكة إلى رسول الله r قالت لي قريش: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبدًا فقلت لهم: -الآن بدأت عملية المساومة- أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عنى أي تتركوني وسبيلي؟ قالوا: نعم, فدفعت إليهم مالي" فهو في أول النهار غني بأموال الدنيا وفي آخره فقير من هذا لكنه غني بغنى أعظم من هذا الغنى السابق وهو الإيمان الصادق الذي تجاوز في هذه المحنة وأدرك أنه لن ينفد ولن يهاجر إلى النبي r إلا أن يشتري نفسه ويشترى دينه بهذا المال الزائل.
ولذلك أثنى عليه النبي r وقال: (ربح البيع أبا يحيى) يقول:"فخلوا عنى فخرجت حتى قدمت المدينة فبلغ ذلك النبي r فقال: (ربح صهيب), وعن خباب بن الأرث t قال:"هاجرنا مع رسول الله r في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرُنا على الله فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير قُتل يوم أُحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه فقال رسول الله r: (ضعوها مما يلي الرأس واجعلوا على رجليه الإذخر) والإذخر نبات في الحرم طيب الريح يستخدمه العرب عادة في تغطية القبور أو ما شابه ذلك إذًا فالإذخر حشيش معروف طيب الرائحة, تتمة الحديث يقول: ومنا من أينعت له ثمرته فهو يُهدى بها
وعن أنس بن مالك tأن عمه أنس بن النضر t لم يشهد مع رسول الله r بدرًا قال: فشق عليه قال: أول مشهد شهده مع رسول الله r غيبت عنه وإن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله r ليُريَن الله ما أصنع قال: فشهد مع رسول الله r يوم أحد قال: فاستقبل سعد بن معاذ t فقال له أنس t: يا أبا عمرو أين؟ فقال: واهًا لريح الجنة أجده من دون أحد قال: فقاتلهم حتى قُتل قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة أو طعنة أو رمية قال: فقالت أخته أي عمة الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه أي بإصبعه ونزلت هذه الآية ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب:٢٣].قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه -رضوان الله عليهم-
وحينما أشتد الوطيس يوم بدر قال رسول الله r :(قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) قال أنس بن مالك t راوي الحديث:عُمير بن الحُمال النصاري قال t: يا رسول الله أجنة عرضها السماوات والأرض؟ قال:( نعم) قال: بخٍ بخ فقال رسول الله r: (ما يحملك على قول بخ بخ )قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها -في رجاء أن أكون من أهل هذه الجنة- قال:( فإنك من أهلها) فأخرج تمراتٍ من قرنه أي من جعبته وجعل يأكل منها ثم قال ونظر إليها قال: لإن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل."
هذه نماذج من نماذج الصحابة y التي تبين مقدار التضحية التي يقدمونها والفداء الذي يقدمونه كل هذا في سبيل رفعة هذا الدين وإعزازًا لمنزلته, لكن هناك شيء من الاحتراز ينبغي أيضًا أن نقف معه ليس المقصود بالتضحية هو المفهوم العام أو المغلوط عند البعض وهو التضحية غير منضبطة, التضحية التي لا تنطلق من أساس صحيح وسليم بل هي من الأهواء ونزغات الشيطان ما يسميها البعض شيء من التضحية وهي أبعد ما تكون عن التضحية بل هي ضرب من ضروب السفه والشطط والانحراف أو الغلو و التطرف والضلالة -عياذًا بالله- بل التضحية هي ما كانت موافقة لما جاء به النبي r وأصحابه وما كانت لرفعة هذا الدين وعلو شأنه ومنزلته, موافقًا بذلك ما كان عليه صحابة رسول الله r ويبعد كل البعد عن كل ما يشوه صورة هذا الدين أو يجعله سببًا في أن يلصق به ما ليس منه كما هو الحال في اتهام الدين الإسلامي بأنه دين العنف أو دين الغلو أو دين التطرف أو دين الإرهاب أو غير ذلك, وكل ذلك لم يكن ينتج إلا من تلك التصرفات الفردية أو غير المنضبطة التي يُقدم عليها بعض الجُهَّال والمنحرفون والضلال والتي تكون أو قد تكون سببًا في أن يرى البعض أن هذا شيء من الدين والحقيقة أنه أبعد ما يكون عن الدين
ومن أبرز صور التضحية في جانب الدعوة هو التضحية بالوقت وبذل النصح للآخرين وبذل المدى وكف الأذى والسعي في الإصلاح بين الناس ومحاولة إصلاح أوضاع المحيطين بالإنسان.
وأولى الناس بذلك في جانب التضحية هم الأقربون وهم الأولى بالمعروف من الأبناء والزوجات والأهلون, ومن صور التضحية أيضًا التي يُعنى بها الدعاة أو يلزم الدعاة أن يُعنوا بها جانب التضحية في المال؛ لأن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى جوانب دعم وتيسير تفتقر في كثير من  الأحيان لوجود الدعم المالي المنضبط, كذلك أيضًا محاولة التضحية ببذل العلم والدعوة إليه وتعليمها الناس, وهذا بإتاحة الفرصة للراغبين في التعلم أو التفقه بأن يستطيع الداعية أن يمنحهم هذا الشيء وأن يعطيهم وأن لا يتحجج بحجج واهية بعيدة عن محاولة بذل الخير للغير, هذا فيما يتصل بجانب الدعاة على وجه الخصوص لكن التضحية فيما يتصل بعامة الناس لا شك أنها أوسع وأرحب وأعظم من ذلك بكثير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق