الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المثاقفة

المثاقفة

المثاقفة في الادب

التثاقف والمثاقفة

التثاقف

التثاقف في علم الاجتماع

مفهوم التثاقف

المثاقفة هي تفاعل بين الثقافات وتأثير  أو تأثر متبادل نتيجة الاتصال الحاصل بينها واحتكاك بعضها ببعض.وهذا المعنى هو المعبر عنه بمصطلح acculturation في اللغتين الفرنسية والإنكليزية.وتتجلى مظاهر هذه المثاقفة فيما تقتبسه ثقافة ما من غيرها من الثقافات وتعمل على استيعابه وتأصيله في كيانها حتى يغدو جزءا منه بعد أن كان في المنطلق طارئا على ذلك الكيان ووافدا عليه من الفضاء الخارجي. (1)

       ولا تقتصر مظاهر المثاقفة على جانب الأخذ والاقتباس فقط بل تتمثل كذلك في جانب البذل والعطاء الذي يمكن أن تؤثر به ثقافة ما في غيرها من الثقافات بحكم المخالطة والجوار أو بفضل رقيها وانتشارها وإشعاعها وذلك لان المثاقفة عملية مشتركة تقوم على مبدأي الأخذ والعطاء وان كانت مسالة التأثر والاستيعاب يمكن أن تحصل من جانب دون آخر كما يمكن أن تكون كلية أو جزئية.

        وتتحكم في عملية المثاقفة هذه عوامل متعددة ومتنوعة منها ما هو موضوعي واضطراري تقتضيه الحاجة والمصلحة وتستدعيه علاقات المجتمعات والشعوب فيما بينها ويجسده طموحها إلى النمو والتطور وحرصها على تحقيق توازنها مع الثقافات الأخرى.ومنها ما هو ذاتي واختياري يحدوه التطلع إلى ما عند الغير واستطراف ما عنده بحثا عن كل طريف وجديد كسرا للرتابة وميلا إلى التجدد والفرادة والتميز. كما تتحكم في هذه المثاقفة عوامل أخرى لا تتصل بالدواعي الحافزة عليها وانما تتعلق بالظروف الحافة بها وبسياق إجرائها وبالوسائل المستخدمة فيها وهي عوامل مؤثرة في طبيعتها وموجهة لسيرها ومحددة لسماتها وملامحها ومشكلة لخصائصها.

      وذلك لان المثاقفة يمكن أن تحدث في سياقات مختلفة ومتنوعة فتختلف وتتنوع باختلاف تلك السياقات وتنوعها فأوضاع المثاقفة بين كيانين اجتماعيين مستقلين ليست كأوضاعها بين الأقليات في كيان اجتماعي واحد وكذلك الشأن بين الجاليات والسكان الأصليين في بلد واحد. كما تتنوع المثاقفة وتختلف بتنوع الوسائل المعتمدة فيها واختلافها إذ هنالك مثاقفة مباشرة وأخرى بوسائط وليست المثاقفة بالوسائط البدائية والتقليدية كالوسائط المستحدثة والمستجدة.

عوائق المثاقفة


          إلا أن هذه الآفاق الواعدة التي أتاحتها العولمة لم تخل مع ذلك من أخطار على طبيعة المثاقفة نفسها بما تشكله من عوائق في سبيلها وما تقيمه دونها من حواجز أو بتحويل وجهتها والعدول بمسارها عن أهدافه المرسومة وتزييف حقيقتها وإجهاض رسالتها. وهي أخطار ناجمة عن المواقف الأيديولوجية لكل من أنصار العولمة ودعاتها وخصومها وعداتها على حد سواء.وتتمثل تلك الأخطار إما في الرفض المعلن للآخر أو في إرادة الهيمنة عليه وفي كلا الحالتين مصادرة للمثاقفة وقضاء عليها. وذلك لان كلا من الموقفين يدعي أصحابه الانفراد بالحقيقة ومن ثمة الانفراد بحق الوجود.

          فالرفض المبدئي و المعلن للآخر يعني الانطواء على الذات وإلغاء مبدأ المثاقفة بكل ما يعنيه ذلك الإلغاء من عزلة وانكفاء وانغلاق وما يستتبعه من جمود وتقهقر. وذلك لان التعويل والمراهنة على رصيد الذات وحده أو ما يسمى بالانثقاف enculturation لا يكفل وحده للحضارة الصمود والبقاء ولا يضمن لها التعايش مع غيرها من الحضارات لان التفاعل الثقافي هو الضامن لذلك التعايش وهو الضامن لذلك البقاء.وبناء على ذلك يعتبر رفض العولمة على أنها شر كلها ليس في صالح أحد مهما علا  شانه وإنما الصالح في مواكبة مساراتها وتعديله إن اقتضى الأمر بوعي وتبصر.

         وأما الهيمنة على ثقافة الآخر أو نزعة إخضاع سائر الثقافات لثقافة القطب الواحد كما هو الحال في عالم اليوم فإنها تخل كذلك بالمثاقفة إخلالا عظيما لان فيها قضاء على أحد طرفيها يؤدي إلى ضرب من الاختراق الثقافي المضر بالهوية الثقافية وبطبيعة الكيان الثقافي في حد ذاته. ولان فيها تنكرا أيضا لواقع التنوع الثقافي الذي يمثل كما سلف أن ذكرنا ركنا أساسيا من أركان المثاقفة. ولتلك الهيمنة الثقافية تجليات شتى وأشكال متنوعة سواء خلال الحقبة الاستعمارية أو بعدها ولكنها تستند في مجملها إلي استخدام القوة وتوظيف السلطة لإخضاع الأخر الثقافي.فكما وظفت في هذا المجال سلطة السلاح استخدمت سلطة المال وسلطة الإعلام للغاية نفسها.فلا مسوغ للحديث في مثل هذه الأوضاع عن المثاقفة وإنما عن ظاهرة أخرى مغايرة لها وان التبست على أذهان الكثيرين ونعني بها ظاهرة الغزو الثقافي.(10)

           فالمثاقفة والغزو الثقافي ظاهرتان مختلفتان ينبغي التمييز بينهما بجلاء وان كان معظم علماء الاناسة من الغربيين يغفلون هذا التمييز أو يتجاهلونه بحكم نظرتهم المركزية إن لم نقل العنصرية وموقعهم على الضفة الأخرى من العالم. فإذا ما كانت المثاقفة ظاهرة إيجابية لأنها طوعية تعتمد المشاركة وتجد في الاختلاف والتنوع الثقافي سبيلا لتبادل المنافع والخبرات و للتطور والنماء فان الغزو الثقافي ظاهرة سلبية لأنها قسرية تروم  تهميش الآخر الثقافي ودك أركان شخصيته القاعدية تكريسا لاستغلاله والسيطرة عليه.

           ولا يمكن للغزو الثقافي أن يفضي في الجملة إلا إلى إحدى نتيجتين إما إلى الصدام بين ثقافتين ورفض إحداهما للأخرى مما يؤول بآفاق التثاقف إلى الانسداد أو الانصهار في الثقافة الغازية مما يؤدي إلى المسخ والاستلاب وفقدان الهوية الثقافية la déculturation ولا يتعلق الأمر في كلا الحالتين بأي مظهر من مظاهر المثاقفة. إلا انه غالبا ما تلتبس بالمثاقفة في هذه الحال ظواهر أخري ليست من طبيعتها وان كان البعض
يخالها منها ومن أهمها ظاهرة التقليد.

           فالتقليد باعتباره تلقيا سلبيا لما عند الآخر هو مظهر من مظاهر الانسلاخ الثقافي وليس من المثاقفة في شيء لان الفعل فيه متأت من طرف واحد بينما يكتفي الطرف الثاني فيه بالانفعال وهو علامة ضعف ووهن وتقهقر وهزيمة في الطرف المنفعل وذلك مغزى قول ابن خلدون إن المغلوب مولع بتقليد الغالب ولذلك أخطاره وآفاته بدون شك لأنه إيذان بانحلال في الشخصية وبذوبانها في الآخر. وفي ذلك مدعاة إلى إدانة التقليد والمحافظة على المناعة الثقافية إذ لا مناعة بدونها لأي مجتمع ولا قدرة له على خوض غمار المثاقفة.

شروط المثاقفة

          ولعله من الضروري لدرء هذه الشبه ورفع هذه الالتباسات تركيز النظر على ضبط شروط المثاقفة وتحديد خصائصها حتى لا تظل هدفا للأوهام والمغالطات ومصدرا لردود أفعال في غير محلها. ومن ابرز تلك الشروط والأركان الاعتراف بواقع التنوع الثقافي وبالخصوصيات الثقافية وبالعلاقة العضوية والحميمة بين الثقافة والمجتمع مما يتعذر معه إخضاع ثقافة لأخرى أو دمجها فيها مادامت متحصنة بأصالتها ومحافظة على مناعتها  ومضطلعة بوظيفتها على قدم المساواة مع سائر الثقافات.

         ومن ابرز تلك الشروط أيضا المشاركة الطوعية والتفاعل السلمي إذ لا مثاقفة إلا بمشاركة إيجابية من كلا الطرفين عمادها حرية الاختيار وتلقائية المبادرة وسيادة القرار بعيدا عن التلقي السلبي وعن أجواء التوتر وضغوط الهيمنة مهما كانت أشكالها وصيغها وسواء أكانت مضمرة أو معلنة وذلك لان التثاقف لا يستقيم ولا يثمر إلا إذا كان نابعا من إرادة حرة ومن تطلعات متأصلة في الكيان الاجتماعي ولم يكن بمثابة تركيبة مصطنعة ومقحمة في ذاك الكيان قد تهدد وجوده في الآن وقد يرفضها مهما طال الزمان.

         إلا أن المبادرة والتلقائية والمحافظة على المناعة والتمسك بالخصوصية ليست وحدها الكفيلة بإنجاز مثاقفة سوية إذ لا بد من أن يتضافر معها عاملان أساسيان أولهما التكافؤ في الوسائل باعتباره الضامن للتوازن بين الأطراف المتدخلة لان احتكار تلك الوسائل والآليات من قبل طرف دون آخر من شانه أن يتسبب في انخرام ذلك التوازن وان يحدث خللا في عملية التثاقف ويفتح الباب على مصراعيه للتسلط والهيمنة. فالتحكم في الوسائل تحكم في الغايات وخنق للمبادرة وكسر للتلقائية وتهديد للمناعة والخصوصية.

         وأما العامل الثاني الذي لا تستوي المثاقفة بدونه فيتمثل في الوعي العقلاني ويقظة الضمير إذ بهما يتم التفاعل الخلاق واتقاء الانخداع والانزلاق وبهما يتسنى انتقاء الأصلح والأفضل والأسمى وفق معايير الخير والحق والجمال وطبق الإحساس بالمسؤولية إزاء الإنسان حيثما كان. وأما في غياب ذلك الوعي فيتعذر الحديث عن تثاقف حقيقي ويضحي من السهل الارتماء في متاهات التقليد الأعمى والانسياق وراء إرادة الآخر والخضوع لمشيئته. ذلك هو الدرس الذي يستخلص اليوم للاستفادة مما أتيح للمجتمعات البشرية من حظوظ المثاقفة وتلك هي العبرة التي نأمل من أجيالنا الراهنة القدرة على تمثلها والعمل بمقتضاها حتى يواصلوا مسيرتهم و يشقوا طريقهم على درب المستقبل بكل ثقة واقتدار.                                  

 

المثاقفة ظاهرة طبيعية


         ومهما تعددت أشكال المثاقفة وتنوعت أطرها فان أصول نشأتها تدل على أنها ظاهرة طبيعية قديمة قدم التاريخ وان لم تكن على مستوى واحد من الحضور والتجسد في مختلف الأحقاب التاريخية.إلا أن ذلك الحضور قد ظل قائما إن قليلا أو كثيرا حتى في المجتمعات البدائية وذلك لأنها ظاهرة طبيعية محايثة للوضع البشري وللوجود الإنساني. وتتمثل تلك المحايثة في خضوع ظاهرة المثاقفة لعاملين أساسيين من العوامل المشكلة لذلك الوضع وارتهانها بخاصيتين ثابتتين من خصائص ذلك الوجود. ونعني بهمها أولا تعدد المجتمعات البشرية وتنوع ثقافاتها عبر التاريخ وثانيا نزوع الكائن البشري نزوعا فطريا إلى التواصل مع غيره .وهاتان الحقيقتان هما اللتان تنهض عليهما المثاقفة مهما تنوعت أشكالها وتعددت أطوارها.وسيظل الأمر كذلك ما استمر التواصل الإنساني وما بقي التنوع الثقافي .

       فالمثاقفة لا تستوي ولا تستقيم دون تواصل بين أفراد النوع البشري وبين المجتمعات الإنسانية. والإنسان كائن تواصلي بالطبع أي منذ أن أدرك أن تواصله مع الآخر أمر ضروري لبقاء نوعه وان انطواءه على ذاته ورفضه للآخر ليس بالضرورة في صالحه بل من شانه أن يهدد كيانه ويجعله هدفا للفناء والاندثار. وقد نشا الوعي بهذه الحقيقة لديه لحظة إصغائه إلى صوت العقل وإقلاعه عن الاستجابة إلى نداء الغريزة وهي اللحظة التي سيطر فيها على ملكاته واستكمل بها فطرته وطبيعته الإنسانية. (2)

       وانطلاقا من هذا الوعي الذي حبر العلامة ابن خلدون في وصفه صفحات رائعة في مقدمة تاريخه (3) نشا الاجتماع الإنساني وبرزت المجتمعات المختلفة إلى الوجود ولكنها ظلت في حاجة أيضا إلى التواصل فيما بينها عبر عقد الصلات وربط العلاقات خدمة لمصالحها وكان الجوار الجغرافي بين تلك المجتمعات من الوسائل الأولى أو الوسائط المبكرة لإنجاز ذلك التواصل.ولم تكتف بذلك الوسيط الطبيعي فعملت على ابتكار وسائط أخرى ما انفكت تجتهد في تحسينها وتطويرها كلما تقدم الزمن وتطورت الثقافات. وكان من النتائج الحتمية لذاك المد التواصلي حدوث ظاهرة التثاقف أو المثاقفة بين المجتمعات الإنسانية.

      وبناء على هذا الواقع التاريخي لا نكاد نجد عند التأمل و إمعان النظر مجتمعا إنسانيا لم يعرف هذه الظاهرة أو استمر وجوده في غنى عنها فكل الثقافات قد استفادت من غيرها إن قليلا أو كثيرا وخاضت غمار تجربة المثاقفة في مرحلة ما من مراحل تاريخها. ولم يعد ثمة وجود اليوم لثقافة يمكنها أن تدعي الصفاء العرقي شانها في ذلك شان المجتمعات اللهم إلا ما شذ وندر من مجموعات نائية أخذت طريقها إلى الزوال الحتمي مؤكدة بذلك القاعدة في ضرورة الأخذ بالمثاقفة.

المثاقفة فعل حضاري


       لقد سبقت الإشارة إلى أن فعل المثاقفة هو إفراز طبيعي وشبه حتمي لفعل التواصل الإنساني أي لخروج الكائن البشري من طور التوحش الذي كان يعتبر فيه غيره عدوا وخصما ينبغي التخلص منه بإبادته والقضاء عليه إلى طور التانس الذي يعتبر فيه ذلك الغير شريكا وحليفا يتعين التعامل معه لضمان البقاء واعمار الكون. فكان ذلك التواصل منطلق التحضر البشري و الأساس الذي انبنت عليه المثاقفة لتسجل مرحلة أكثر تقدما ضمن مراحل التمدن الإنساني.

      وقد أثبتت التجارب التاريخية لمختلف الحضارات أن التفاعل الثقافي عامل أساسي من عوامل نموها وازدهارها وذلك بفضل ما يحدثه من إثراء وإخصاب لها وتنويع في روافدها وتنشيط وشحذ لقدراتها وإبراز لطاقاتها الكامنة وان المثاقفة تظل بمثابة السماد للتربة يقيها الجدب ويكسبها القدرة على مزيد الإنتاج والعطاء فهي  اللقاح الكفيل بابتكار مبادئ وقيم مستحدثة وإنجاب تصورات وخيارات جديدة اقدر على السمو بالوضع البشري وأنجع في تحقيق رقيه وفتح الآفاق العريضة أمام مستقبله. (4)

       كما أثبتت تلك التجارب أن المجموعات البشرية التي توخت سياسة الانزواء والانغلاق ولازمت الانطواء على ذاتها عبر الأحقاب المتتالية سواء أكان ذلك اختيارا منها أو اضطرارا قد ظلت مهما استمر بقاؤها عاجزة عن الصمود أمام الزمن وذلك لأنها دأبت على الاكتفاء بموروثها ومكتسبها وعلى  استهلاك قواها الذاتية واستنزاف رصيدها الحيوي ومخزونها القيمي فغدت فاقدة القدرة على التجدد لأنها لم تجد ما تجدد به نفسها من ذلك السماد الثقافي فأجدبت  وأصيبت بالجمود والعقم وكان مصيرها وقدرها الفناء والاندثار.

       وقد شملت المثاقفة مجالات متعددة وحساسة في حياة مختلف الحضارات وهي مجالات يمكن إجمالها في أربعة ميادين أساسية أولها عالم الأفكار والتصورات وما يجري فيه من تبادل للعلوم والمعارف وقد لعبت المثاقفة في هذا المجال دورا أساسيا في تمكين كل المجتمعات من الاستفادة من نتاج العقل البشري حيثما كان وتوظيفه في سبيل تنمية أوضاعها الحضارية ولولا ذلك لبقيت تلك المعارف حكرا على مجتمع دون أخر ولما تواصل بقاؤها ونموها عبر الزمن. فقد مثلت المثاقفة في هذا المجال صلة الوصل التي بدونها ما كان للإرث الحضاري الإنساني أن ينمو ويستمر بحكم التراكم وبفضل الجهد المشترك. (5)

 وثانيها مجال التواصل اللغوي إذ أثرت المثاقفة في اللغات والألسن وكانت ولا تزال سببا في نموها وتطورها واغنائها بالمصطلحات والمفاهيم الجديدة سواء بصورة مباشرة عن طريق الاقتراض اللغوي نتيجة المعاشرة والمخالطة أو عن طريق ترجمة الآثار المكتوبة من لغة إلى أخرى أو بفضل حركة التبادل التجاري وما ينتقل خلالها من رصيد لغوي عبر ما تحمله منتجاتها من تسميات ومن تعبير عن الخصائص والمواصفات.وبفضل هذه المثاقفة أصبحت اللغات اقدر على البقاء وعلى مواكبة العصر ومسايرة النمو الحضاري. ولا جدال في أن كل لغة هي مرآة لأوضاع مجتمعها وعنوان لتحضره ودليل على نصيبه من الرقي والتمدن. (6)

        وثالثها مجال الإبداع في الفنون والمهارات والخبرات إذ لكل مجتمع تجاربه ومكتسبا ته في هذا المجال لكن المجتمعات ليست على مستوى واحد من نضج تلك التجارب وجودة تلك المكتسبات ولذلك كانت المثاقفة بينها كفيلة بإفراز النتاج الأرقى والأنجع والأكثر طرافة وتميزا وبدفع المجتمعات إلى التنافس في مزيد تحسينه وتجويده واستنباط المناهج والآليات والوسائل والمعدات للبلوغ به إلى الأرقى والأجود والى ما من شانه ضمان المزيد من الرفاه للإنسانية وتحقيق السعادة للبشر في هذا الكون.

       ورابعها مجال التقاليد والعادات والأخلاق والسلوكيات إذ هو مجال أيضا للتأثر والتأثير بين المجتمعات بفعل المثاقفة بينها ويبدو ذلك واضحا فيما اقتبسته تلك المجتمعات من بعضها بعضا سواء على صعيد الغذاء والملبس والسلوك اليومي أو على صعيد طقوس الأفراح والأتراح.ويبدو أن ذلك الاقتباس قد كان في الغالب مستندا إلى اعتبارين هما أولا اعتبار المصلحة والاستحسان وثانيا اعتبار الذوق والمعطى الجمالي والبحث عن الطرافة والجدة وهي نزعات منغرسة ومتأصلة في النفس الإنسانية لأنها تجد فيها قوام حياتها وسعادتها.(7)

         تلك أهم مجالات المثاقفة بين الحضارات وهي تمثل كما هو واضح نسغ الحضارة وصميمها مما يدل على الوظيفة المركزية التي نهضت بها عملية المثاقفة في التقريب بين الحضارات وإحداث التفاعل بينها والعمل على تنميتها وتطويرها إذ أمكن لكل المجتمعات بفضلها أن تستفيد من نتاج العبقرية الإنسانية وان تشارك فيه وان يعم خيره الجميع كما أمكن أيضا لتلك المجتمعات أن تضع الأساس لحضارة كونية هي ثمرة الجهد المشترك لكل الشعوب والحضارات.

 

المثاقفة عبر التاريخ


           وعلى غرار هذا الفعل الحضاري الناجم عن ظاهرة المثاقفة كانت استفادة الحضارات اليونانية والفارسية والرومانية من حضارات الشرق القديمة إذ مكنتها المثاقفة من استخلاص موروثها الحضاري وتمثله واستيعابه والإضافة إليه كما أفادت تلك الحضارات بدورها الحضارة العربية الإسلامية وكانت من الأسباب الرئيسية لتألقها وازدهارها ثم أمكن للحضارة الغربية الحديثة بفضل فعل المثاقفة أن تؤسس نهضتها على ما استفادته من الرصيد الحضاري العربي الإسلامي
وهكذا أمكن الحديث اليوم عن حضارة كونية هي ثمرة ذلك الجهد المشترك وهي الحضارة المعاصرة التي يعيش البشر في ظلها اليوم وان كان أرباب النزعات والإيديولوجيات العنصرية يأبون الاعتراف بذلك.

      ويمكن القول بناء على ما سلف بان الحضارات تزداد تألقا وإشعاعا وتوسعا وانتشارا وترسخا واستمرارا كلما ازدادت حظوظها من المثاقفة ولذلك كانت الحضارات الكبرى عبر التاريخ هي التي استفادت أكثر من غيرها من هذه الظاهرة وعرفت كيف تستثمرها في تفجير طاقاتها الكامنة وتنمية قدراتها على الخلق والإبداع  وتوسيع نطاق تأثيرها وامتدادها مما أتاح لها الترقي إلى مستوى العالمية . في حين لم تغادر غيرها من الحضارات إطار المحلية وربما الهامشية لضمور حظوظها من تلك الظاهرة وانكفائها على ذاتها واكتفائها بموروثها فأصابها الجمود وآذن معينها بالنضوب وشحت بالعطاء ثم أدركها الفناء ولنا على ذلك في تاريخ الحضارات أكثر من مثال. (8)

       إلا أن ظاهرة المثاقفة عبر التاريخ بالرغم مما تبوأته من مكانة وأنتجته من رقي باعتبارها قيمة حضارية قد كانت تتسم بشيء من المحدودية بالقياس إلى مكانتها في عصرنا الحاضر. وتتمثل تلك المحدودية فيما اتسمت به من طابع ظرفي وتفاعل بطيء إذ كانت تحدث من حين لآخر وترتهن بأوضاع دون أخرى في غير تواصل واطراد كما أن حدوثها قد كان يستغرق زمنا طويلا يقدر بالأحقاب وذلك بسبب عدة موانع وعقبات من أهمها الحدود التي كانت قائمة بين العقائد والملل والأديان وتباعد الأقاليم الجغرافية النائية ومحدودية آليات الاتصال ووسائله فضلا عن فترات الصراع والصدام بين الشعوب في شتى المراحل التاريخية.

        وأما في وقتنا الراهن فقد أضحى لظاهرة المثاقفة شان آخر. فبعد أن كانت حالة طارئة على وضع دائم وبعد أن كانت فعلا يتطلب إنجازه ردحا من الزمن أضحت حالة دائمة لوضع قائم وفعلا يقع في الحين والساعة و يتم إنجازه كل لحظة. إذ لم يعد خافيا على أحد أننا نعيش مرحلة زالت فيها الحدود بين المجتمعات فغدت منفتحة على بعضها بعضا وولى فيها التقابل بين المنظومات الاقتصادية ليترك المجال لاقتصاد السوق وللنظام الرأسمالي وانتهى فيها الصراع بين الأيديولوجيات السياسية بانتهاء الحرب الباردة ليحل محله خيار الليبرالية والديمقراطية. وتقاطعت مصالح الشعوب بما جعلها أحوج إلى بعضها بعضا والى التكتل لمواجهة تحديات التنمية وكل الأخطار التي تهدد وجودها ومجالها الحيوي المشترك. ذلك هو الوضع الراهن الذي جعل من المثاقفة اليوم قدرا لا محيد عنه وظاهرة شاملة لكافة المجتمعات.

         ولا أحد يجهل اليوم أيضا ما أحدثته الثورة التكنولوجية والاتصالية والرقمية من تقارب بين الشعوب تقلصت معه حدود الزمان والمكان ونسجت بفضله شبكات من العلاقات بين الأفراد والجماعات حتى غدا العالم أشبه بقرية صغيرة تنتقل فيها المعلومة من أدناها إلى أقصاها بأسرع من لمح البصر ولم تعد تخفى عن أمة من أمر غيرها من الأمم خافية وما عاد بإمكانها أيضا أن تخفي شيئا من أمرها وان شاءت إذ أضحت للإعلام سلطة لا تدانى وبرز إلى الوجود مجتمع إنساني جديد أطلق عليه اسم مجتمع المعلومات أو مجتمع المعرفة. وقد تضافرت كل هذه العوامل الاتصالية مع العوامل الاقتصادية لتنشئ تيارا جديدا من العلاقات الدولية يبشر برؤية كونية ألا وهو تيار العولمة. (9)

         لقد هيأت كل هذه الضروف منذ العقد الأخير من القرن الماضي المناخ الملائم لتفاعل حقيقي وناجع بين مختلف الثقافات يستفيد منه جميعها في تنمية الذات وإثراء قدراتها وإخصاب طاقاتها وفي الإسهام الجماعي في بناء حضارة كونية تطمح إلى إسعاد الإنسان حيثما كان وتضمن التعايش بين كل الشعوب في ظل الحق والعدل والسلام وفي إطار التكافؤ والمساواة.وبناء على ذلك يمكن القول بان العولمة قد أتاحت فرصا ثمينة للمثاقفة لم تكن متاحة في سالف العصور بمثل ما اتسمت به في ظلها من توسع وانتشار ودوام ومن تطور ونجاعة في الوسائل والأسباب.

       


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق