الاثنين، 5 يونيو، 2017

ملخص الدروس

تتكون من ثلاثة أقسام: مدخل يتصل بعدة محاور:
المحور الأول: حول الحديث عن أهمية دراسة مقرر صفة الداعية
المحور الثاني: الخاص بهذا المدخل بالتعريف بصفات الداعية,
المحور الثالث: عن حاجة الأمة إلى الدعاة,
والقسمان الآخران: وهما الحديث المركز عن صفات الداعية سيكون في محورين:
المحور الأول: هي الصفات الأساسية أو الرئيسة, والقسم الثاني: سيكون في الحديث عن الصفات اللازمة,
الصفات الأساسية بجملة من هذه الصفات, هي تسع صفات نبدأها بقضية الإخلاص, ثم العلم, ثم بعد ذلك نشرع في الحديث عن القدوة الحسنة, بعد ذلك من صفات الداعية الحرص على هداية الناس, وأيضًا الاعتزاز بالإسلام, ثم الحديث عن صفة اللين والرفق, ثم الحديث عن صفة التواضع, ثم الحديث عن صفة الصبر والحلم, ثم ختمها بصفة التضحية, هذا فيما يتصل بالصفات الأساسية.
اماالصفات اللازمة, هناك أيضًا خمس صفات نحتاج لبيانها والحديث عنها في هذا المقرر: أولى هذه الصفات مراعاة أحوال المدعوين, ثم الصفة الأخرى وهي المخاطبة على قدر الفهم, ثم الإلمام بفنون القول والتبليغ, ثم بعد ذلك الحديث عن انتهاز الفرص ثم تختم الحديث عن الصفات اللازمة بصفة ترتيب الأولويات
المراجع  المرجع الأول:كتاب "جامع بين العلم وفضله" لابن عبد البر. والمرجع الثاني:كتاب "الدعوة وأخلاق الدعاة" لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى.المرجع الثالث: كتاب " صفات الداعية" للدكتور حمد بن ناصر العمر.هذا عرض سريع لما يتصل بهذا المقرر ونشرع -إن شاء الله تعالى- في الحديث عن:
أهمية دراسة مقرر صفات الداعية, أولى النقاط:
1-التأكيد على أن التحلي بهذه الصفات مطلب شرعي لعامة الناس وجملتهم, ومن باب أولى أن يتصف بها الدعاة وذلك كلٍ بقدر استطاعته, ولكن هذا يكون أمرًا في حق الدعاة هو أعظم وأجل وأكبر
2-: التأكيد على أن هذا المقرر يمثل جزءًا من إعداد الطالب الداعي وتكوينه,
3- الترغيب في التمسك بهذه الصفات والسعي المتواصل لتحصيلها؛
4- التي تبين أهمية دراسة هذا المقرر هو التعريف بصفات الدعاة ودراسته حتى نتمثلها في حياتنا الدعوية
المحور الآخر: وهو المقصود بصفات الداعية الصفات: هي جمع لصفة, وهي الاسم الدال على بعض أحوال الموصوف, وتعني هيئته وسماته التي يعرف بها وذلك نحو أنه طويل أو قصير أو عاقل أو غير ذلك من الصفات الكثيرة, , يقول الجرجاني في التعريفات, يقول:"الصفة هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات وذلك نحو كما ذكرنا قبل قليل طويل وقصير وعاقل وغيرها.", ويقول الأصفهاني:"والصفة هي الأمارة اللازمة بذات الموصوف."
إذًا هي في اللغة الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها, , والصفة: الحالة التي عليها شيء من حليته ونعته كالزينة التي هي قدر الشيء, والوصف قد يكون حقًا وقد يكون باطلًا, وهذا واضح جلي فقد وصف أنبياء الله من أقوامهم بصفات لا تليق بهم وقد يكون هذا من جانب الباطل الوصف بالباطل, يقول الله :﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـٰذَا حَلَالٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ﴾ [النحل :116] وقوله : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فيه تنبيه: على أن أكثر صفاته سبحانه وبحمده ليست على حسب ما يعتقده جملة من الناس الذين يقعون في قضايا التمثيل أو التشبيه أو التكييف أو غير ذلك؛ ولذلك يستدرك الله عليهم ويقول: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ﴾ [الروم:27 ]؛ أي لا تضربوا لله الأمثال فصفته ليست على حسب ما يعتقده جملة من الناس, والصفات التي نعنيها بهذا المقرر هي ما يتحلى بها الداعية ويتسم به من خلال أي صفات سواء أكانت: صفات أساسية أو صفات لازمة. هذا هو التعريف الذي قد نصطلح عليه بتعريف هذا المقرر
هذا فيما يصل بالصفات؛ أي مصطلح الصفات.
الداعية في اللغة: هو اسم فاعل على وزن فاعلة, وتقول العرب: دعاه يدعوه فهو داع له, والداعية صريخ الخيل في الحرب لدعائه من يستصرخه, ويطلق على المؤذن داعية أي الذي يؤذن بالصلاة؛ لأنه يدعو إلى ما يقرب إلى الله تعالى فإنه يقول: هلموا إلى إجابة نداء الله حي على الصلاة, حي على الفلاح؛ أي ائتوا لأداء الصلاة, وقد دعا فهو داع والجمع دعاة وداعون كقضاة وقاضون الدعاة لفظ عام يشمل دعاة الحق ودعاة الباطل كما جاء ذلك في قول الله على لسان مؤمن آل فرعون:﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١ ]
إذًا هناك دعوة إلى النجاة, وهناك دعوة أيضًا في الجانب الآخر الدعوة إلى الضلالة وإلى النار عياذًا بالله وفي قول الله حكاية عن مشركين: ﴿أُولَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّـهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١ ]إذًا كل من حمل فكرة ودعا إليها ونادى بها مطلقًا سواء كانت هذه الفكرة خيرًا محضًا أو شًرا محضًا فهو داعية في جانب اللغة,
أما في الاصطلاح: فإن الداعية هو كل مسلم مكلف اشتغل بهداية الناس وبدلالتهم على الله
إن كان على المنهج الصحيح والمنهج الصواب فإنه داعية إلى الله , والدعاة هم ورثة الأنبياء, فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم  وكان النبي يرشد المسلمين إلى ذلك فقال لأصحابه : (ألا ليُبلغن منكم الشاهد الغائب) وعن ابن عباس قال: قال رسول الله : (تسمعون ويُسمع منكم ويُسمع ممن يَسمع منكم).
إذًا دعاة الله هم سفراء الأمة المؤمنة إلى الناس يحملون أمانتها ويبلغون رسالتها والناس لهم تبع
وأيضاً يدخل في تعريف الداعية في الاصطلاح كل من الرسول والعالم المتخصص وطالب العلم وأيضًا المسلم العادي, ونخصص المسلم العادي بأنه يدعو بما يعلم ويعرف, داعية لما يعلم به قال (بلغوا عني ولو آية) وليس داعيةً مطلقًا يتحدث في مسائل العلم كلها بل يتحدث فيما يعرفه
إذًا من استقرأ نصوص الكتاب والسنة يجد أنها توجب الدعوة على هؤلاء جميعًا لكن هذا الواجب يتقسط فتجب الدعوة على الرسول وجوبًا تختلف درجته عن وجوبه على العالم, فبيان دعوة الرسول غيره من البشر من صلحاء الأمة ودعاتها جاء في قوله تعالى ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨ ]إذًا هذه الدعوة لابد أن تكون مقيدة بالبصيرة؛ والبصيرة: هي العلم المنافي للجهل, يبين أن أتباع الرسل هم الدعاة إلى الله وهم أهل البصائر, التي تكتسب العلم وتنطلق منه وتسعى إلى هداية الناس لرب العالمين, وأما بيان الدعوة لغير الرسل من البشر فيتبين ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت :٣٣] إن من رحمة الله بالبشر أنه كلما انحرفت البشرية يرسل الله إليهم نبيًا يجدد لهم أمر دينهم ويردهم إلى الجادة القويمة, وهكذا جاءت الرسالة الخاتمة قال الله تعالى" ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٤٤ ].
وبعد طي سجل الرسل -صلوات ربي وسلامه عليهم- بمحمد النبي الخاتم -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم- انقطاع الوحي من السماء جعل الله هذه مهمة إلى أتباعه وهم العلماء الربانيون الذين يدعون إلى الله ويبينون رسالاته يقول الله :﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة : 143] وعلى هذا فالأمة المسلمة مسئولة عن هداية البشرية ومستشهدة وموقوفة لتُحاسب عن تبليغ رسالة البشرية كما أن الأنبياء محاسبون, ومهمة الدعاة الأخذ بالأسباب وليس لهم أن يُحَاسبوا فالنتائج بيد الله فالذي خلق الأسباب هو الذي خلق النتائج والثمار, وهم كمن يتزوجوا لينجبوا ذرية قد يهبه الله إياها وقد يحرمه إياها. و لا ينبغي على الداعية أن يفكر هل سيقبل هذا المدعو دعوته أم أنه سيرفضها؟ بل عليه التفكير في مسئولية الدعوة, أما القبول للدعوة فمتروك لله الواحد القهار.
المحاضرة الثانية(حاجة الأمة إلى الدعوة )
نشرع الآن في الحديث في النقطة الثالثة لمدخل هذا المقرر:
وهو الحديث عن حاجة الأمة إلى الدعوة:
أن الدعوة هي التي تقوم بحمل هذا الدين إلى الناس وتبليغه وتبليغ دعوة الله لهم فهم أحوج ما يكونون لهذه الدعوة أكثر من حاجتهم كما قال الإمام بن القيم:"أكثر من حاجتهم إلى الماء والهواء." لأن الإنسان لا يستقيم حاله بدون الدين, قد يستغني عن الماء مثلًا مدة من الزمن لكن لا يستغني عن الدين وعن الحق طرفة عين
إذًا الناس على مختلف أجناسهم وألوانهم وأزمانهم وقوتهم وضعفهم بحاجة ماسة إلى الدعوة؛ أي للدعوة الإسلامية, وهم بحاجة إلى الدين القويم الذي ينظم حياتهم سواء ما يتعلق منها بالخالق أو بالمخلوقين بعلاقتهم بالخالق أو علاقتهم بالمخلوقين, وقد خلق الإنسان ويعتريه جوانب نقص كثيرة فليس كاملًا للعقل ولا للحواس؛ أي ليس كاملًا في عقله مستقلًا بذاته وإنما هو يحتاج إلى العلم، يحتاج إلى الدين, يحتاج إلى الدعوة، ومن ثم فإن مداركه ومعارفه مهما توسعت آفاقها فإنها تبقى قاصرة محدودة؛ ولذلك أرسل الله سبحانه الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأنزل الكتب السماوية لدلالة الناس وتسديد جوانب النقص عندهم,
وتعظم حاجة الأمة الحقيقة أو حاجة الناس إلى الدعوة عند تعاظم وجود الانحرافات, وجود الخطل والخطأ والوقوع فيما لا يرضي الله تعظم الحاجة إليهم فكلما وقع الناس في شيء من الانحراف في المعتقد أو في العبادة أو في الأخلاق والسلوك عظم الحاجة لهؤلاء الدعاة,
 والنبي ذكر( أن خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم سكت بعد ذلك) ولا يدري يعني راوي الحديث هل قال: الذين يلونهم؟ وذكر النبي أن الشر يتزايد عند الناس عند قيام الساعة ويتفاوتون في مثل هذا الأمر,
إذًا هذه الحقائق فيها هداية نافعة للناس والعمل بها مجتمعة يحصل به خير كثير ويُنفَى به شر عظيم ، هذا فيما يتصل بالمجتمع المسلم, لكن في غير المجتمع المسلم لا تُقْتَصَر حاجة غير المسلمين إلى الدعوة فحسب؛ أي أن هذه الدعوة ليست خاصة بغير المسلمين بمعنى أننا ندعو الكفار وندعو المشركين إلى الدخول في الدين فقط وإنما الدعوة أيضًا هي موجهة للمسلمين كما أنها موجهة إلى غيرهم يقول الله : ﴿اللَّـهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة :٢٥٧]
يقول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-:"ليس من الخافي على كل من له أدنى علم أو بصيرة أن العالم الإسلامي اليوم بل العالم كله في أشد الحاجة إلى الدعوة الإسلامية الواضحة الجلية التي تشرح للناس حقيقة الإسلام وتوضح لهم أحكامه ومحاسنه."
ولما كان الخير ليس فاعلًا متحركًا بذاته ولكنه مفهوم يطبقه ويحمله ويدعو إليه مخلوق آخر كان لزامًا لسيادة الحق أن يحمله دعاة مخلصون يصلون إلى من يحتاجون إليه ويدافعون عنه إذا ما اُنتقص يقول الله ﴿ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ اللَّـهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّـهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] يقول الله أيضًا: ﴿ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام :90 ]وحينما ختمت الرسالات برسالة محمد فُضلَت هذه الأمة الخاتمة على سائر الأمم لقيامها بواجب الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعنايتها بذلك يقول الله :﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [وعلى هذا كان لزامًا من إيجاد دعاة يحملون هذا الإسلام إلى الآفاق, فما قام دين وما انتصر مبدأ أو ساد إلا بالقيام بأمانة الدعوة وتصحيح المفاهيم الخاطئة عند الناس، وأعظم ما يقوم به الدعاة هو الدعوة إلى العقيدة الصحيحة إلى توحيد الله , ودلالة الناس إلى الله المعبود لا شريك له سبحانه هذه أعظم المهام التي يقوم بها الدعاة؛
تبرز حاجة الأمة إلى الدعاة وتتأكد في أمور ثلاثة:
أولًا: قصور العقل عن استقلاله بمعرفة الحق والصواب, فالعقل لا يمكن أن يستقل ليعرف الحق والصواب بنفسه وإنما يحتاج إلى هداية ربانية تعينه وتنقذه ليعرف الحق والصواب. والعقل مهما اتسع أفقه وامتدت مداركه فإنه لا يستطيع بلوغ المغيبات ومعرفتها على الوجه الصحيح وهذا معذور في ذلك؛ لأن مدارك الإنسان محدودة جدًا وقاصرة, كذلك فمن أين للإنسان أن يعلم بعقله أن الله خلق جنة لمن أطاعه، ونارًا لمن جحده وعصاه؟ إذًا العقل البشري لا يمكن أن يستقل بمعرفة مَهَمَة ووظيفة ما خلق له الإنسان ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هذه العبودية لا يمكن للعقل أن يستقل بها ويعرفها, لابد أن يكون هناك هداية ربانية تعينه على معرفة الحق والصواب وعلى معرفة الشر ليجتنبه
ثانيًا: يعظم حاجة الأمة إلى الدعاة لما تعانيها المجتمعات الإسلامية من دعوى وجود النقص وما يعتريها من القصور الذي يحتاج إلى تسديد ومن يقوم بهذا التسديد إلا العلماء والدعاة؟. إذًا الأمة المسلمة تتعرض اليوم إلى شيء من محاولة صرفها عن دينها وتشويه صورتها وشيء من هذا الأمر, الدعاة يحتاجون إلى بيان الحق وبيان الصواب ونفي هذه الشبهات عن هذا الدين وحملته؛ لأنهم العلماء الربانيون الراسخون والدعاة هم أقدر الناس على بيان الحق يقول الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢]الله سيتم نوره سبحانه وبحمده ولو كره المبطلون الكافرون الذين يعيقون انتشار دعوة الحق دعوة التوحيد ودعوة المنهج السليم,
ثالثًا: هو حمل النبوة والإعذار أمام الله .فميراث النبوة هو هذا الدين, فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا, وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر, عن كثير بن قيس قال:"كنت جالسًا عند أبي الدرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء, أتيتك من المدينة؛ مدينة رسول الله لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي قال: فما جاء بك تجارة ؟يسأله قال: لا, قال: ولا جاء بك غيره؟ قال: لا قال فإني سمعت رسول الله يقول:(من سلك طريقًا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقًا إلى الجنة, وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم, وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء, وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء.) وهذا هو الشاهد إذًا الدعاة ما هم إلا الذين اقتفوا أثر رسول الله في دعوة الأمم إلى الخير وهداية البشرية للصراط السوي, ويحسن بالداعية ألا يفكر في أن الناس هل يستمعون إلى دعوته ويقبلونها أم يرفضونها؟ قضية القبول أو الإذعان أو استماع الناس هذه قضية لا ينبغي أن يلتفت إليها الداعية البتة طالما أنه مطمئنٌ إلى أنه يسلك الدعوة إلى سبيل الله وطريقه القويم فإنه يسلك في هذا الطريق وإن خذله المستمعون, وإن تخلى عنه الأتباع؛ لأنه ليس من هدف الداعية وليس من هدف العالم الرباني أن يُكَثِّر حوله الأتباع وإنما هدفه أن يقيم حجة الله في الأرض, يستجيب كما أخبر سبحانه وبحمده إذًا الهداية منوطة بالله , وإنما هو دور الداعية هو تبليغ دين الله والسير على منهاج الحق بل ينبغي عليه أن يبذل كل ما يستطيع من جهد لاستمالة الآخرين وجذبهم إلى نداء الله, قد حكى القرآن الكريم رد كثير من الذين طلب إليهم أن يعرضوا الدعوة على أناس قد تحقق من مواقفهم الماضية أنهم لا يؤمنون أبدًا يقول الله :﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّـهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: ١٦٤] إذًا الإعذار أمام الله في بلاغ هذا الأمر
المحاضرة الثالثة  (الصفات الأساسية الملازمة للداعية)
ننتقل الآن إلى الحديث عن الصفات الأساسية: وعندما نقول الصفات الأساسية فإننا نعني بها أنها صفات ملازمة للداعية حال قيامه بالدعوة لا يكاد ينفك عنها, إذًا الصفة الأساسية من صفات الداعية هي: الإخلاص:
وهي أهمها وأعظمها والحديث  فالإخلاص في اللغة: هو الصفاء من الكدر والشوائب كما قال ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] إذًا صافيًا من الكدر والشوائب.
وفي الاصطلاح: هو التبري من كل ما دون الله تعالى, أن يكون مقصد الإنسان وهدفه هو الله وحده لا شريك له, أن يخلص لله , وأن يكون مقصده وهدفه وعمله كله لله لا يشرك فيه معه أحد سواه سبحانه وبحمده.
وقيل هو استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن, وهذا غاية الإخلاص
أيضًا مما قيل في جانب التعريف بالإخلاص, قيل: هو إفراد الحق سبحانه بالتعبد في الطاعة، وقيل هو تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين، وقيل: هو التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك، وقيل: هو نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، وقيل هو تصفية العمل من كل شوائبه وكل هذه المفاهيم تدور حول المعنى المقصود به أن يكون العمل خالصًا لله صافيًا من الأكدار والشوائب ألا يشرك فيه مع الله أحداً سواه، وأيضًا قيل: هو تخليص القلب من شائبة الشوب المُكَدِّر لصفائه, هذا ذكره الجرجاني في التعريفات.
والإخلاص هو روح كل عمل والأعمال التي يستعظمها الناس لا وزن لها عند الله إذا فقدت هذه الروح, والإخلاص أمر في أعماق القلب إذا قلنا أنه من أعمال القلوب لا يطلع عليه أحد إلا الله تبارك وتعالى ولكنه يتجلى في أمور عديدة وثمرته تبدو واضحة في مجال الدعوة.
إذًا كلما كان عمل الداعية يترسم منهج النبي ويسعى إلى قضية الإخلاص فإن دعوته تكون دعوة على المنهج السليم, المنهج الصحيح, المنهج القويم ويكون عاقبة هذا الأمر في الدنيا والآخرة خيرًا لهذا الداعية, إذًا هو لا يريد من دعوته عندما يبلغ دين الله لا يتطلب من هذا إلا رضا الله والإخلاص لله والقيام بواجب هذه الدعوة, فلا يريد أن يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة ولا يهم كثيرًا أن يكون مرفوعًا أو أن يكون مغمورًا بين الناس, ولا يبالي بنظرة الناس ولا بثنائهم ولا يسعى إلى كسب إعجابهم ومديحهم ولا يبغي في دعوته كسب المال الوفير.
ويتجلى الإخلاص في الداعية في أن يسر إذا تحقق الخير على يدي غيره كما يسر إذا تحقق على يديه, وعلامة الإخلاص القبول للدعوة والسعي لدوامها ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة حيث أعطى الدعوة كل ما يملك ولم يترك فرصة لم يستطيع فيها تبليغ دعوته إلا انتهزها ولم يكن يطلب جزءًا ولا شكورًا, ماذا يقول الله في وصفه؟ ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ﴾ [الشورى :23 ] إذًا لا أسألكم عليه أجرًا ويقول النبي: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ [هود :29 ] الذي دفعني لهذا هو مودتي لقرباكم أو حق القربة التي بيني وبينكم هو الذي دفعني؛ لأن ألح عليكم في هذه الدعوة فاستجيبوا لها وآمنوا بها, وقد جاءت نصوص شرعية كثيرة تأمر بالإخلاص وتشدد عليه من ذلك قوله تعالى:﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة :5] أي عمل من العبادة أو غيرها ينتفي عنه الإخلاص فإنه مردود على صاحبه -عياذًا بالله- ومن ذلك أعمال الدعوة, , فإذا قام الداعية بالدعوة ولم يستحضر مثل هذا الأمر فإنه قد يكون أشرك بالله معه غيره من مال أو منصب أو غير ذلك فإن هذا الأمر لا يكون خالصًا لله
يقول الله من النصوص الدالة على هذا المعنى: ﴿ قُلِ اللَّـهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ﴾ [ الزمر : 14 ]هذه في سورة الزمر ويقول :﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام162: 163] إذًا كل هذه الأعمال لابد أن تكون خالصة لله وما لم تكن كذلك فإنها تكون مشوبة بالشرك, مشوبة بالخطأ, مشوبة بما ينافي الإخلاص, وهذا سيكون مآله الرد وعدم القبول يقول : ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف :١١٠].
وهذا تكريس لهذا المفهوم وتوثيقٌ له ويقول :﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك :٢]قال الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى-:"هو أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل, وإذا كان صوابًا ولم يك خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا أن يجتمع فيه هذان الشرطان وبخالص أن يكون لله, يكون لله لا يكون لغيره سبحانه وبحمده, والصواب أن يكون على السنة على هدى النبي بما أمر به النبي ولا يكون أمرًا مبتدعًا أو أمرًا محدثًا -عياذًا بالله-وإلا فإنه سيكون مردود, إذًا لابد أن يجتمع هذان الشرطان؛ شرطا قبول العمل الذي بينه أهل العلم شرطا قبول العمل: أن يكون خالصًا لله . أن يكون صوابًا.
أيها الدعاة يا من تعدون أنفسكم أن تكونوا دعاة لابد أن تستحضروا قضية الإخلاص لله وأن يكون عملكم خالصًا لله وإلا فإنه سيكون هباءً منثورًا لا قيمة له, سيكون كمن يصوم ولا يكون من حظه في هذا الصوم إلا الجوع والعطش؛ لأنه ما كان خالصًا لله كما أخبر النبي (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) إيمانًا يعني إخلاصًا لله إيمانًا بأن الله هو الذي شرع هذا الأمر وأننا نتعبد بهذا الذي شرعه
وعن زيد بن ثابت قال رسول الله :(ثلاث لا يغل عليهم قلب امرئ مسلم:  إخلاص العمل لله , والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم) هذا الحديث حديث عظيم فيه بيان أن الإخلاص لابد أن يكون لله وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله :(إن الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم) الله ينظر إلى هذه القلوب وما في هذه القلوب غير لحظ الإخلاص لله أو عدمه -عياذًا بالله- فإنه هو الذي يطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور, وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري قال: (سُئل رسول الله عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) الذي يقاتل لأجل الله لا شيء آخر فهذا الذي يمكن أن يسمى في سبيل الله , ومن أبرز النصوص الشرعية من سنة النبي التي بينت أن مدار الأعمال على النية حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (إنما العمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
إذًا لابد أن يكون العمل خالصًا لله عندما تقوم أيها الداعية بالدعوة إلى الناس وتوجيههم لابد أن يكون عملك عملًا خالصًا له سبحانه لا تشرك به معه أحدًا سواه الله سبحانه وبحمده.
إذًا لهذا الإخلاص آثار وله ثمار من أبرز هذه الآثار والثمار :
أولًا: نكران الذات: أن يكون الداعية بعيد عن حظوظ النفس, فلا يكن همه نفسه, لا يكون مثلًا همه بروزه وتشجيع الناس له ومحبتهم أو شيء من هذا الأمر وحديثهم عنه ويكون هو حديث المجالس, بل يفكر في السعي في هداية الناس وإرشادهم إلى الحق قبلوا أم لم يقبلوا,
المحاضرة الرابعة مظاهر الإخلاص للداعية
نتحدث اليوم عما يتصل بمظاهر الإخلاص للداعية, وتبرز هذه المظاهر في الحديث عن ما يتصل بأن الداعية يريد بعمله:
أولًا: ابتغاء الأجر من الله والوصول إلى رضوانه: ليس الهدف له أن يكون له أهداف شخصية وإنما هو يريد أن يكون لله , فالداعية حينما يقوم بالدعوة إلى الله فإنه لا يريد بذلك جاهًا ولا ظهورًا ولا بروزًا ولا شيء مما يتصل بهذا الأمر وإنما هو يريد رضا الله والجنة, يقول : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت :٣٣]
ثانيًا: إيثار الحق: فمن مظاهر هذا الإخلاص إيثار الحق وتقديمه على النفس وعلى الآخرين, لأن الحق أحق أن يتبع والحق عزيز ولا يلتفت إلى ما يتصل بحظوظ نفسه وما يتصل بذاته فإنه سيدخل في ممر مظلم مدلهم يوصله في الأخير إلى سخط الله وأليم عقابه عياذًا بالله.
من نماذج ذلك الداعية إلى الله وسفير رسول الله : مُصعب بن عُمير فإنه قد آثر الحق على نفسه وعلى أمه, آثر الحق على نفسه حينما كان أترف وأنعم شباب مكة حتى أنه كان يُقال: إذا سار من طريق عُرف أنه قد سار في هذا الطريق من طيب ريحه , وكان مترفًا يلبس أحسن الثياب وينتعل أحسن النعل ويتطيب بخير الطيب وأشرفه, وكان معروفًا بهذا في مكة إلا أنه آثر الحق ودين الله ودعوة النبي على هذا النصيب من حظوظ الدنيا, وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب حتى قال فيه النبي : (ما رأيت بمكة أحدًا أحسن لمةً ولا أرق حلةً ولا أنعم نعمةً من مُصعب بن عُمير.) إذًا مصعب بن عمير كان في حال من النعيم الدنيوي يمكن أن نقيس أنه نعيم كبير ونعيم ظاهر, وهذا النعيم لأصحاب الأنفس الضعيفة سبب في أن يتعلقوا به ويتشبثوا به ولا يتخلوا عنه ويشعرون أنه استحقاق لهم ينبغي لهم ألا يتخلوا عنه لكن من لامس الإيمان شغاف قلبه يُؤثر كل هذا الأمر على أن يترك ما قد أمر به, وهذا حال مصعب وغيره من الصحابة -رضوان الله عليهم- وجملة من السلف, أولئك الذين تركوا هذا النعيم والترف وتركوا تلك الأمور في سبيل الوصول إلى الحق؛ و نعود إلى قصة مصعب أنه مع ذلك لما أسلم ترك كل هذا النعيم من أجل مرضاة الله والثبات على دين الله ولم يقف هذا الأمر على ذلك بل إنه حُبس وأُوذي ومع ذلك ثبت على دينه إيثارًا للحق على نفسه وعلى أهله فبقي أنه يعرف أنه على الحق وأنه لا بد أن يخلص لله هذا الدين وأن يصبر على هذا البلاء فانعتق من كل هذا النعيم الذي كان يعيش فيه وآثر الحق على هذا الأمر.
إن مصعب بن عمير قد اعترضته مجموعة من الابتلاءات؛ حيث أنه أصيب بالفقر, وهاجر إلى الحبشة فرارًا بدينه معترضًا على أهله وعشيرته, وذهب إلى المدينة وحيدًا فريدًا ليدعو إلى الله ولم ينظر إلى الدنيا وزخرفها ونعيمها ولم تكن أكبر همه بل آمن بالله فآثر ما عند الله ابتغاء مرضات الله, يقول خباب بن الأرت يقول:"هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله, فمنا من مات لم يأكل من أجره شيء منهم مصعب بن عمير, ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهدِبُهَا؛ أي يجنيها ويستثمرها ويستفيد منها, قتل يوم أحد -يعني مصعب بن عمير- فلم نجد ما يكفنه إلا بردة." لباس واحد, ومصعب بن عمير كان يتقلب في حلل كثيرة, قبل ذلك إنه خالص الإيمان عندما آمن بالله ربًا وبمحمد أنعتق من كل هذا الأمر وسار في هذا الطريق؛ يقول:" قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة"؛ وبردة منقوصة يقول:" إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي أن نغطي رأسه -أي بهذه البردة- وأن نجعل على رجليه الإدخر." نبات من نبات المدينة شجيرات صغيرة اسمها الإدخر كان يأخذها النبي وقد أمر أصحابه أن يأخذوا من هذه الشجيرات ليغطوا بها قدماه ." وهذا فيه دلالة على إيثار الحق وتقديمه على النفس والآخرين, وهذا مظهر من مظاهر الإخلاص العظيمة.
ثالثًا: الاهتمام بالدعوة والبذل لها مهما أمكن: من علامة الإخلاص أن يسعى الإنسان إلى العناية بهذه الدعوة وان تكون اهتمامًا رئيسًا وركيزًا من ركائزه؛ لأن تبليغ هذا الدين ودلالة الناس على الخير وإرشادهم إلى الحق فيه من الأجور الشيء العظيم ويكفي من ذلك قوله لعلي بن أبي طالب عندما سلمه الراية وقال له: (أمضي علي رسلك وادعهم إلى دين الله فلأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم ) خير لك من المال الكثير خير لك من كنوز الدنيا بهداية رجل واحد, نعم بهداية رجل واحد, هذه أجور عظيمة ويتحصل عليها الداعي عندما يخلص لله
رابعًا: الفرح والسرور أثناء القيام بالدعوة: نقول: إن من مظاهر الإخلاص أن يفرح الداعية ويسر في تحقيق الخير على يد غيره عندما يجد غيره من الدعاة يسعى للدعوة ويجد أن له ثمرةً وأنه سائر في طريق الدعوة سيرًا صوابًا صحيحًا سليمًا كما أمر به النبي فإنه يسر بذلك ويفرح ويدعو له به كفرحة فيما لا يتحقق على يديه شيء من هذا, وربما دعاه الإخلاص بالإلحاح إلى الدعاء لإخوانه في ظهر الغيب بالتوفيق والإعانة والتسديد والصواب لإخوانه من الدعاة, وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على الصدق مع الله والتخلص من حدود النفس وشهواتها.
خامسًا: إتقان العمل و إيجادته في كل الأحوال: من مظاهر الإخلاص إتقان العمل و إجادته في كل الأحوال ومهما كان الحال وما ذلك إلا لأن الإخلاص يكسب الداعية قوة معنوية يبعثه على بذل الجهد في إجادة العمل وإتقانه والدعوة إلى الله في نفس المخلص ليست بوظيفة تنتهي بانتهاء العمل والدوام وإنما هي شغله الشاغل وفكره الدائم في أي وقت وعلى أي حال فإذا كان الداعية مخلصًا لله ومراقبًا له فإنه سيسعى جاهدًا إلى إتقان عمله وإجادته,
سادسًا: عدم الاهتمام بما يقوله الناس من ثناء ومن ذكر أو مدح: لأن هذا من متطلبات الداعية الصادق المخلص مع الله أنه لا يبالي بما يقوله الناس, فالنفس قد تكون مجبولة على حب المدح والثناء والإطراء وشيء من هذا لكن الداعية هو الموفق والمسدد والمهدي إلى الخير هو من لا يبالي أو لا يتطلع إلى مثل هذا الأمر إن حصل فإن هذا إرادة الله ولا يتطلب أن يتطلع إليه, لكنه ما لم يحصل فليس هذا معناه أنك -أيها الداعية- لست مسددًا ولست موفقًا ولست بشيء من هذا؛ لأن حكم الناس ليس بالضرورة يكون حكمًا صوابًا صحيحًا, فقد يكون صوابًا حينًا لكنه قد يخطئ أحيانًا, ثم الداعية ينبغي له أن يعرض عن كل هذا الأمر ويعتني عناية كبيرة بأن يبلغ دين الله وفق ما جاء به النبي ثم لا يبالي بعد ذلك بالنتائج وما يقوله الناس, أما إذا بلغه شيء من الثناء والمدح فإن ذلك لعله يندرج تحت عاجل البشرى
آثار وثمار الإخلاص
 أيضًا يمكن أن نضيف لما سبق ذكره وهو الحديث يمكن أن تكون في خمس نقاط:
أولًا: الإخلاص سببًا في النجاة من ارتكاب الفواحش: قال الله تعالى في قصة يوسف حينما نجاه الله من فتنة امرأة العزيز: ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: ٢٤ ]
إذًا صرف عنه هذا السوء وهذا الفحشاء؛ لأنه كان ممن أخلص لله دينه وسعي إلى إخلاص العبادة لله وكان يراقب الله في السر والعلن,
ثانيًا: الإخلاص هو السبب في النصر أو السبب في تحقيق النصر: يقول : (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم )؛ أي ينصر الله هذه الأمة بالضعفاء وكلما ابتعدت الأمة عن أهوائها وشهواتها ونزعاتها يكون عملها خالصًا لله فإنها حرية بأن يغيرها الله وقد جاء في حديث النبي أنه قال: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).
ثالثًا: الإخلاص سبب في الابتعاد عن الإغراءات والأهواء والمصالح الشخصية: فالداعية حينما يقوم بدعوته قد تأتيه إغراءات تُثبطه  عن الدعوة أو تصده عنها, ولذا كان عليه أن يستسلم لتلك الإغراءات وليعلم أن ما عند الله خير وأبقى, ولنا في رسول الله وصحابته الكرام الأسوة الحسنة فقد حصل لهم من الإغراءات ما قد حصل إلا أنهم ثبتوا على المبدأ الذي يسيروا عليه ولم تغيرهم تلك الإغراءات, فهذا عبد الله بن حذافة عرضت عليه أنواع من الإغراءات إلا أن إخلاصه لله ويقينه بموعود الله جعله يثبت على دين الله ولم يلتفت إلى لذائذ الدنيا وطيب عيشها, قال له ملك الروم "هل لك أن تَنَصَر أو أن تَتَنَصَر وأُشركك في ملكي وسلطاني." أي أعطيك نصف هذا لملك, فماذا كان قول عبد الله بن حذافة وأرضاه؟ قالها في إيمان ويقين:"لو أعطيتني ما تملك وجميع ما ملكت الأرض على أن أرجع عن دين الله والرسول طرفة عين ما فعلت." إنه اليقين إنه الإخلاص لله في خِضَم المغريات والابتلاءات, إنه الإخلاص لله هو الذي يصنع الأفاعيل .
رابعًا: الإخلاص سبب لتفريج الكروب والهموم, فالحياة مملوءة بالهموم والداعية حين تأتيه الكروب والشدة فإن عليه أن يلجأ إلى الله ويتضرع إليه وحده لا شريك له لكشفها وتفريجها ولنا في سول الله الأسوة الحسنة, وعلى سبيل المثال لما اشتد كربه حينما ذهب للطائف نجد أنه لم ييأس ولم يقلق بل قال لزيد ( فإن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا وإن الله ناصر دينه ومُظهر نبيه), وهذا العلاء بن الحضرمي لما نفرت الإبل بما فيها ذَكَّر من معه بإخلاص لله حيث قال لهم:"أيها الناس ألستم المسلمين, ألستم في سبيل الله, ألستم أنصار الله؟ قالوا: بلى, فاستبشروا فوالله لا يخذل من كان في مثل حالكم, وهذا فيه إذكاءٌ لصفة الإخلاص الذي كان في قلوبهم, وفعلًا رجعت لهم إبلهم بما فيها فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه من.
آخر هذه الثمار هو, خامسًا: الإخلاص سبب في القضاء على الخلافات الشخصية, الاختلاف بين الدعاة أمر طبيعي ويسعى الداعية لأن يتخلص من هذه الخلافات فإن الهدف إذا كان لله سعى ليتخلص من هذه الخلافات يقول الله :﴿ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٤٦] ويقول :﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]؛ لذلك لزم على الدعاة العودة لله في إخلاصهم وتنقيته من كل الشوائب يسعى في ذلك الدعاة إلى الله جميعًا.
المحاضرة الخامسة (أهمية ومكانة العلم للداعية)
واليوم سنتحدث عن صفة أخرى لا تقل أهمية عن هذه الصفة التي يلزم الداعية الاتصاف بها والحرص عليها وهي العلم.والعلم لا يختلف اثنان على أهميته ومكانته وأنه هو الزاد الحقيقي للداعية, إذ الداعية عندما يقوم بالدعوة بلا علم فإنه يفسد أكثر مما يصلح, لكن الداعية الذي يُعنى بجانب العلم فإنه يدعو إلى ما يعلم به من الدعوة لتوحيد الله والدعوة إلى عبادته حق العبادة, والدعوة إلى عبادة الله بما شرعه سبحانه والتقرب إليه بأسمائه وصفاته التي بينها الله والحذر كل الحذر من كل ما يقدح ذلك من الطيش والشطط والغلو أو الجفاء أو غير ذلك.
أهمية العلم للداعية:فإن العلم من أهم ما ينبغي أن يتصف به الداعية فهو دليله في دعوته وهو الزاد الذي يبلغه لغيره من الناس في سائر أموره, , وأعظم ذلك العلم:  هو العلم بوحدانية الله , وأنه هو المستحق للعبادة دون غيره هو هذا من أعظم العلم, ويأتي بعد ذلك ما يتصل باستقامة دين الناس ومعاملاتهم, ولا يجوز للداعية أن يدعو إلا بما يعلم كما أن من أهم أسباب استجابة المدعو ثقته بالداعي وبعلمه هذه هي أعظم الأسباب التي تعين المدعوين على قبول الدعوة من هذا الداعية قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-:"وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه, ولابد من كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد يصل إليه السعي." قال تعالى:﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه :١١٤] قال القرطبي -رحمه الله تعالى-:" فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم." هذا التوجيه في بيان هذه الآية للإمام القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه :١١٤] ويقول:"ولولا الله ثم العلم لما كان للإنسان فضيلة."قال ابن قيم الجوزية -رحمه الله- "والإنسان إنما يتميز على غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان وإلا فغيره من الدواب والسباع أكثر أكلًا منه وأقوى بطشًا وأكثر جِمَاعًا وأولادًا وأطول أعمارًا, وإنما مُيز على الدواب والحيوانات بعلمه وبيانه, فإذا عدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب, وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم بل قد يبقى شر منهم)
وبالعلم يستطيع الداعية أن يعرف الحق من الباطل والحلال من الحرام والسنة من البدعة والحسنة من السيئة, ويفرق فيه بين السنة الصواب الصحيحة ويفرق به بين ما كذب به على النبي , أن يعرف السيئات وأن يعرف الحسنات؛ لأجل أن يدعو الناس للخير وينفرهم من الشر, كذلك كان حذيفة بين اليمان يسأل الرسول عن الشر عندما بَيَّن قال:"مخافة الوقوع فيه." فلذلك أن أيضًا العلم بطرائق الشرور وأسباب البدع ومسبباتها مدعاة إلى أن يُعان الناس لأن يكفوا عنها أو تُبين هذه الشبهة التي يقعون بها.
نعرف أننا نعيش في أزمنه يُكثر فيها بعض الشبه والشهوات ولا يمكن للحريص أو الساعي لهداية الناس ومحب الخير لهم أن يقوم بدحض هذه الشبه وبيانها والرد عليها, وكذا التحذير منها ودفعها والقضاء عليها إلا إذا كان عنده قدر من العلم بهذه الشبه وتفصيلاتها وأسبابها ونشأتها ومن قال بها؛ لأجل أن يكون قادرًا على أن يرد عليها, فبالعلم يرتفع الجهل وكلما كثر العلم وانتشر بين المدعوين فإن الشهوات تقل والشُبهات تنعدم بإذن الله, فإن دواء الشبهات هو العلم كما ورد في الأثر: أن دواء الشُبهات العلم ودواء الشهوات الإيمان,
نتنقل الآن لجزئية أخرى تتصل بفضل العلم, إن فضل العلم كبير وقدره عظيم في ديننا, ويكفي هذا الفضل أن يكون محركًا لمشاعر الدعاة وحافزًا لهم في تحصيل العلم وتحقيقه في واقع حياته يقول الله : ﴿ يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة:١١].
إذًا أصحاب الدرجات العلا هم أصحاب العلم, يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الفتح:"يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم ورفعه الدرجات يدل على الفضل." أي التفاضل في هذه الدرجات بحسب العلم؛ أي المراد به كثرة الثواب وبه ترتفع الدرجات, من أين تحصل؟ تحصل من هداية الناس إلى الخير وسعي هذا العالم الرباني الداعية إلى أن يدعو لما يقوم به من عمل أيضًا يدعو الناس إلى شيء هو يصنعه ولا يقع فيما قد حذر الله عنه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ﴾ [البقرة :٤٤].
والرفعة: تشمل الرفعة المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة, وحسن الصيت والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة." إذًا يرتفع العالم عن غيره ممن ليس لديه علم أو ممن هو أقل منه علمًا يرتفع درجة معنوية في الدنيا بعلو منزلته وحسن صيته, ويرتفع درجةً حسيةً في الآخرة بأنه يكون في منزلة ليست كمنزلة ممن هو أدنى منه في العلم يقول تعالى أيضًا في بيان فضل هذا العلم: ﴿شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] حيث استشهد الله بأهل العلم على أجل مشهود به وهو توحيده سبحانه وقرن شهادتهم بشهادته سبحانه وبحمده وشهادة ملائكته ويكفيهم بهذا فضلًا وشرفًا أن يكونوا يشهدوا مع الله ومع ملائكته أنه لا إله إلا هو سبحانه وبحمده يقول :﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر :٩ ] ونفى التسوية بين أهل العلم وبين غيرهم ممن ليس لديه علم, وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم وعن معاوية قال: قال رسول الله : (من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين) وهذا غاية العلم هو الفهم في الدين والتفقه فيه قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "مفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين فقد حرم الخير -عياذًا بالله-, وعن أبي موسى عن النبي قال: ( مثل ما بعثني الله به من الهدى و العلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقيةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير, وكانت منها أجاذب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم - علم بنفسه ثم سعى لتعليم الآخرين - ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.) وهذا الحديث ظاهر وواضح.
إذًا في بيان فضل العلم بوب الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بهذا الحديث تحت عنوان "فضل من عَلِمَ وعَلَّمْ" إذًا علمت لنفسك ولم تكتفي بل سعيت ليتعلم غيرك, يقول الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:"ضرب النبي ولما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام أي المطر الذي ينزل من السماء الذي يأتي في حال حاجتهم إليه, إذًا هم أحوج ما يكونوا لهذا الغيث, وكذا كان الناس قبل مبعثه فكما أن الغيث يحيي البلد الميت فكذا علوم الدين تحي القلب الميت, ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي يتنزل بها الغيث فمنهم العالم المُعَلم فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسه وأنبتت فنفعت غيرها ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه؛ أي الذي بذل جهده وانصرف وقته لأجل تحصيل هذا العلم غير أنه لم يعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع إنما كان هدفه ماذا؟ جمع هذا العلم, لكنه أداه لغيره كان هدفه ماذا؟ السعي في إبلاغ هذا الدين لغيره فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء حفظت هذا الدين حفظت هذا العلم وسعت إلى إيصاله للآخرين فينفع الناس به وهو المشار إليه إذًا لكنه أداه لغيره فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به وهو المشار إليه بقوله : ( نضر الله امرءًا سمع مقالتي فأداها كما سمعها), ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره فهو بمنزلة الأرض السبخة -عياذًا بالله- أو الأرض الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها ,وإنما جمع المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها, والله تعالى أعلم هذا آخر ما ذكره الإمام القرطبي شرحًا لهذا الحديث الآنف الذكر, إذًا اتضح لنا مما سبق هذا الفضل الكبير لهذا العلم ومنزلته ومزيته, يتبقى لنا إن شاء الله تعالى الحديث في المحاضرة القادمة حول العلم وشرط تحصيل العلم وغير ذلك, إلى ذلكم الحين نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
المحاضرة السادسة(أخلاق الدعاة وصفاتهم)
وقبل أن أبدأ في سرد مقتضيات جانب العلم لعلي أريد لكم ما قد ذكره سماحة الشيخ عبد العزيز بن بار في كتابه "الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة" تحدث فيه عن جملة من الصفات أو بيان الأخلاق والصفات التي ينبغي للدعاة أن يتخلقوا بها وأن يسيروا عليها, وذكر منها الإخلاص والعلم والصبر, لعلنا نقرأ أيضًا ما يتصل بالإخلاص وهي صفة قد تحدثنا عنها في الحلقات الماضية ثم نتم ذلك فيما يتقبل بجانب العلم الذي نحن في هذه الحلقة, يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-: "أما أخلاق الدعاة وصفاتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها فقد أوضحها الله جل وعلا في آيات كثرة في أماكن متعددة من كتابه الكريم ومنها:
أولا الإخلاص:وقد ذكرنا أن الإخلاص أمر مهم ينبغي للداعية أن يستصحبه في دعوته وفي شأنه كله يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-:" أولًا: الإخلاص, فيجب على الداعية أن يكون مخلصًا لله لا يريد رياء ولا سمعة ولا ثناء الناس ولا حمدهم, وإنما يدعو إلى الله يريد وجه الله, كما قال :﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ ﴾ [فصلت :٣٣], فعليك أن تخلص لله , الآن يوجه حديثه -رحمه الله تعالى- للدعاة فيقول:" عليك أن تخلص لله هذا أهم الأخلاق هذا أعظم الصفات أن تكون في دعوتك تريد وجه الله والدار الآخرة." ثم يستطرد فيقول:" ثانيًا: أن تكون على بينة في دعوتك, وهو ما يتصل بجانب العلم الذي تتحدث عنه في هذه الحلقة أي على علم, لا تكون جاهلًا بما تدعو إليه ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ﴾[يوسف: ١٠٨], فلابد من بصيرة وهي العلم." إذًا البصيرة هي العلم
:"ثالثًا: من الأخلاق التي ينبغي لك أن عليها أيها الداعية أن تكون حليمًا في دعوتك: ولعلنا نتحدث عن هذا الجانب فيما يتصل بالحديث عن صفة الحلم والصبر والتي سيأتي إن شاء الله الحديث عنها في مستقبلنا, ونواصل الحديث فيما يتصل بالمقتضيات؛ مقتضيات العلم ويمكن الحديث فيها في جملة من النقاط هي ثلاث نقاط:
الأولى: التبصر بموضوع الدعوة. والثانية: التبصر بأحوال المدعوين والثالثة: التبصر بكيفية الدعوة؛ أي بأساليبها وطرائقها ووسائلها, نقول
أولًا: من مقتضيات هذا العلم التبصر بموضوع الدعوة: وذلك أنه على الداعية البصير أن يكون عنده العلم الذي يؤهله للدعوة, والداعية الذي يغلب عليه الجهل ويدعو بما لا علم له به فإن ضرره بالغ على نفسه وعلى الدعوة, وفي هذا يوجه أبو موسى الأشعري الدعاة فيقول:"من علمه الله علمًا فليُعَلِمه ولا يقولن ما ليس له به علم فيكون من المتكلفين ويمرُقُ من الدين." هذا قول الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري وأرضاه.
والعلم بموضوع الدعوة يتطلب أمران هما ما يلي:
أولًا: أن يكون عند الداعية إلمام بأحكام الشريعة على وجه العموم: وذلك أنه حين نتحدث عن ضرورة تحلي الداعية بالعلم فإن ذلك لا يعني مطالبة الداعية بأن يكون عالمًا بجميع فنون العلم؛ أي العلم المطلق, العلم الكامل أي العلم الواسع, وإنما نطالبه بأن يكون عنده قدر من العلم يتمكن معه من تبليغ دين الله والدعوة إليه, كما أننا نطالبه بأن يكون عنده إلمام بقواعد وأصول وأسس العلم الذي يتحدث عنه, والداعية حينما يكون عنده إلمام وشمول بمباديء العلوم المختلفة فإن هذا أدعى لنجاحه وأقوال تأثيره وأدعى لثقة الناس بما عنده, كما أيضًا أنه على الداعية أن يستزيد من العلم بالأحكام الشرعية والعلوم المختلفة, وعليه أن يحرص أشد الحرص على أن يكون من العالمين المتفقهين بأحكام الدين وبخاصة مُدارسة كتاب الله وسنة رسوله
الاشتراط الثاني: أن يكون الداعية هو على علم بالأمر الذي سيدعو إليه على وجه الخصوص: أن يكون لديه إلمام ومعرفة بالأمر الذي يدعو إليه, فإنه مما يجب على الدعاة أن تكون دعوتهم فيما يدعون إليه مبنية على العلم, والبصيرة والداعية الذي يدعو الناس بما لا علم له به فإن هذا ضرره أكثر من نفعه -كما ذكرنا قبل قليل- والسكوت خير له من الخوض فيما لا يعلمه, وقد نهي الله عن التحدث بما لا يعلم قال تعالى:﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[ الإسراء: ٣٦]؛ أي لا تتحدث بما لا تعرف فإنك ستُسأل عن هذا الأمر, وقد حذر النبي من أولئك الذين يفتون بغير علم ففي الحديث عن النبي أنه قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يُقبض العلم بقَبضِ العلماء حتى إذا لم يبقى عالمًا اتخذ الناس رؤساء جُهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا), هذا الحديث حديث عظيم يبين ما يكون عليه حال الناس في آخر الزمان وأن العلم لا يُنزع من صدور الناس نزعًا واحدًا وإنما يُنزع بموت العلماء وأخذ الأرض من أطرافها؛ يعني هلاك العلماء وموتهم العلماء الربانيون طبعًا, فإن هذا أدعى إلى أن يتخذ الناس بدل هؤلاء العلماء أدعياء ممن يدعون العلم فيسألونهم فيفتنونهم فيضلونهم, يفتونهم بغير علم فيكون هؤلاء القوم سببًا في هلاك هؤلاء ومجانبتهم الصواب فيكون سببًا في ضلال هؤلاء وإضلالهم والآخرين, وقد أدرك خطورة هذا على ابن أبي طالب حينما قال:"إذا حدثتكم عن رسول الله فلئن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول ما لم يقل."
ثانيًا: النقطة الثانية الخاصة بمقتضيات العلم التبصر بأحوال المدعوين: اي لابد أن يكون أيضًا متبصرًا بأحوال المدعوين الذين يباشر الدعوة معهم, وأيضًا عليه أن يكون بصيرًا بأحوال ممارسة الدعوة بأساليبها ووسائلها.
إن من العلم التي ينبغي أن يتحلى بها الدعاة حتى يوصفوا بأنهم من السائرين على منهج النبوة ذلك أن الناس عمومًا أنه لابد لهم من العلم بأحوال من يدعونهم, ذلك أن الناس عمومًا يختلفون في دياناتهم ومذاهبهم وفي فكرهم وفي مستويات إدراكهم وفي منازلهم وفي نفسياتهم وفي طبائعهم و هناك نوع من التفاوت الكبير في علمهم وفي إدراكهم وفي فهمهم وفي أحوالهم الاجتماعية المختلفة من غنى وفقر وعظم المنزلة ودنوها إلى غير ذلك, فهذا التوصيف هو ما يسمى في علم الدعوة بأحوال المدعوين؛ أي معرفة حال المدعو, لأنه إذا عرف أو علم حال هذا المجتمع الذي يوجه إليهم الدعوة فإنه سيعرف كيف يُوصل ما يريد أن يدعوهم إليه,
وعلى الداعية أن يعرف أحوال وشأن من يرغب في دعوتهم كي ينزل كل واحد منزلته وقدره, وهذا أيضًا أمر مهم في إنزال الناس منازلهم وقد راعى النبي ذلك أعظم مراعاة وللدعاة لهم في رسول الله أسوة حسنة والداعية لا يمكن أن يراعي ذلك حتى يكون عنده علم بحال مدعويه وبشأنهم وبما يناسبهم ومما يشير إلى ضرورة مراعاة ذلك في دعوة النبي النماذج التالية :
الأول: سؤاله عن الوفد الذي قدم عليه, ففي الحديث أن وفد عبد القيس لما أتوا النبي قال: من القوم؟ أو من الوفد يسأل عنهم وهذا السؤال له مقتضى؛ لأنه إذا عرف حالهم أدرك ما الذي جاء بهم وما الذي يريدون وما الذي يحتاجون في أثناء دعوتهم قالوا: ربيعة أجابوا النبي في بيان حالهم قالوا: ربيعة قال: مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولاندامى, قال ابن حجر -رحمه الله تعالى- في قوله من القوم؟ دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه ليُعرَف فيُنزل منزلته اللائقة به.
الثاني: من النماذج مراعاة القوم في الموعظة, ففي الحديث عن عبد الله بن مسعود قال:"كان رسول الله يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا." كان النبي , كان يتحرى المناسبة الملائمة ليبعث بدعوته ولم يكن حاله كله تبليغًا بالموعظة للناس, وإنما كان يدعوهم بالقدوة والإقرار وغيرها من أساليب الدعوة. يقول:"كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا." فهذا أيضًا من معرفة أحوال المدعوين فلا يُكثر عليهم في الموعظة؛ لأن هذا مدعاة إلى السآمة وعدم قبول الحق الذي يأتي به الداعية.
الثالث: من النماذج أن النبي كان يتوخى في إرساله للدعاة من يمتاز بعلمه على أحوال البلد المرسل إليه؛ ولذلك نجد أن النبي يرسل بعض دعاته إلى أقوامهم, وما ذلك إلا لما عنده من العلم بحالهم وشأنهم ولا شك أن ذلك سيختصر عليه الطريق بل ويوجهه ويرشده إلى ما سيدعوهم إليه وإلى ما يحتاجونه وسيعينه على معرفة أصنافهم وأحوالهم ومن أولئك الصحابة الكرام الذين أرسلهم النبي ما يلي :-
-أبو موسى الأشعري : حيث يقول:"بعثني رسول الله إلى أرض قومي." لماذا النبي ينتقي من الصحابة أُناسًا ليرسلهم للدعوة؟ لأنه يعرف أن هؤلاء المبعوثون إلى هؤلاء الأقوام هم أعرف الناس بأحوال أقوامهم؛ ولذلك بعث بالصحابي الجليل أبى موسى الأشعري إلى قومه؛ لأنه هو أعرف بحال قومه وأعرف بما يحتاجون إليه وأعرف بالمداخل الملائمة والمناسبة لإبلاغ دعوة الله إليهم.
-أبو أمامة الباهلي : ويروي ذلك أبو أمامة فيقول:"بعثني رسول الله إلى قومي فانتهيت إليهم." أيضًا بعثه إلى قومه. -وعمرو بن مرة الجهني : حيث بعث النبي إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام, فكان النبي يختار من الصحابة من يرى ملائمته ومناسبته إرساله لها المجتمع لمعرفة أن هذا الداعي وأن هذا الصحابي هو أكثر الناس إدراكًا لحال هؤلاء القوم المدعوين والمداخل الملائمة إليهم وللمعرفة ما يحتاجون إلى معالجته من أمور الدعوة.
ثم نجد أن النبي أحيانًا يرسل من كان كثيرًا التردد على البلد الذي يراد دعوته ومن ذلك سليط بن عمرو حيث أرسله النبي إلى هوزة باليمامة يقول السُهيلي صاحب "السير" -رحمه الله-:"لأنه كان يتردد عليها ويختلف إليها." وعبد الله بن حذافة السهمي أرسله النبي إلى كسرى, يقول السُهيلي -رحمه الله-:"وإنما خص النبي عبد الله بن حذافة بإرساله إلى كسرى لأنه كان يتردد عليهم كثيرًا ويختلف إلى بلادهم فلأنه كان يعني ينتقل إلى هذا البلد ويصل هذا البلد بين حين وآخر فهو أعرف الناس بحال هذا البلد وبما يلائمه من طرائق وأساليب الدعوة
ثالثًا: التبصر بكيفية الدعوة: فبمعرفة وسائل الدعوة وأساليبها وطرائق تبليغها, نقول: إن القيام بالدعوة يتطلب من الداعية أن يكون عنده علم بكيفيتها أي بأساليبها ووسائلها و وسائلها حتى تُؤتي دعوته ثمارها ويكون لها شأنًا ذلك أن العلم بكيفية الدعوة أمر لازم للدعاة ينبغي إدراكه ومعرفته قال تعالى:﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾[النحل: ١٢٥] إذًا الله في هذا النص القرآني يبين أساليب الدعوة أو ركائز أساليب الدعوة الرئيسة والأساسية :﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ هذه هي الركيزة الأساسية والمظلة الكبرى في تبليغ دين الله , وهو الأسلوب الضخم والكبير, ثم الموعظة الحسنة وهي المقصود بها الترغيب والترهيب؛ الترغيب بالخيرات والترهيب من ما يضاده, والمجادلة بالتي هي أحسن التي هي المحاجة والحوار والجدال والمناظرة مع الخصوم, لكنه أيضًا قيدها برابط جد مهم لابد لطالب العلم أن يدركه وهو المجادلة بالتي هي أحسن لابد أن تكون بطريقة حسنة مقبولة لا يكون فيها تعنيف ولا تشديد ولا شيء من هذا الأمر,
وقد أوصى النبي معاذًا بالكيفية التي يجب أن يسلكها في دعوته وهذا أيضًا من السنة الصحيحة لذلك أوصاه عندما بعثه إلى اليمن فقال:( إنك ستأتي قومًا أهل كتاب - في أول هذا الأمر قال: إنك ستأتي قومًا أهل كتاب إذا وصف له حال هؤلاء المدعوون وهم من أهل الكتاب أي ممن أنزل الله كتابًا وهم أصحاب ديانة سابقة, وأصحاب هذه الديانة السابقة يحتاجون إلى نوع من الدعوة تتلاءم وطبيعتهم - فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله, فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم - وهذا فيه نوع من التدرج - فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب).
لعلي أختم هذه الحلقة في بيان عناية أئمة السلف -رضوان الله عليهم- في جانب العلم وقد كانوا يعنون في هذا الأمر عناية كبيرة, أنا سأعرض لكم شيئًا مما ذكره الإمام المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في كتابه "المختصر الميسر" ثلاثة الأصول, والذي كان يحفظه عامة الناس في هذه البلاد وغيرها.
يقول:"بسم الله الرحمن الرحيم أعلم رحمك الله أنه يجب عليك تعلم أربعة مسائل: فبدأ بالعلم, فقال: أعلم أي من جانب الحث أنه يجب عليك تعلم أربع مسائل :
الأولي: العلم؛ ولذلك بدأ بها لأهميتها ومكانتها ومنزلتها, ثم يبدأ يشرع في بيان هذا العلم وهو قوله وهو معرفة الله تعالى ومعرفة نبيه أي قال ومعرفة نبيه ومعرفه دينه الإسلام بالأدلة
الثانية: العمل به؛ أي بعد أن تعلم وتعرف فلابد عليك أن تعمل به. الثالث: الدعوة إليه.
الرابع: الصبر على الأذى فيه ثم يورد الدليل فيقول والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر1: 3]
قال الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى-: "لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" وقال البخاري -رحمه الله تعالى- باب العلم قبل القول والعمل والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾[محمد: ١٩] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل, ثم يستطرد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- فيقول:" اعلم -رحمك الله- أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث هذه المسائل والعمل بهن, ثم بدأ يشرع في الحديث من ثلاث المسائل, وهذا من عناية سلف هذه الأمة وأئمتهم أئمة الدعوة في جانب العلم والحديث عن العلم أنه في الحقيقة يطول ويعظم ولكنه يكفي من هذا ما ذكرنا هذا ما يتيسر ذكره في هذه الحلقة إلى الملتقى في الحلقة القادمة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المحاضرة السابعة (صفة القدوة الحسنة)
كنا أنهينا الحديث في المحاضرة الماضية عن صفة العلم واليوم -إن شاء الله تعالى- نشرع في الحديث عن صفة أخرى وهي: صفة القدوة الحسنة . و لعلنا نشرع في تعريف مفهوم هذه القدوة الحسنة.
فنقول: إن القدوة الحسنة: هي الأسوة, يُقال فلان قدوة حسنة, والأسوة ما يُتأسى به فيقتدي به في جميع أحواله وأفعاله, والاقتداء: طلب موافقة الغير في فعله, وقُيدت القدوة هنا بالحسنة لأجل ماذا ؟ أن يخرج القدوة غير الحسنة وهي القدوة السيئة؛ لأن الفعل أو المقتدى به قد يكون ممن يفعل الخير فيقتدي الناس به فيكون قدوة حسنة, وقد يكون مما يفعل السوء -عياذًا بالله- فيقتدي به بعض الجُهَّال فيكون قدوة سيئة؛  والمقصود بهذه الصفة -صفة القدوة الحسنة- بالنسبة للداعية أن يكون الداعية المسلم أسوة صالحة ومثال خير في أفعاله وفيما يدعو إليه خصوصًا أن يكون في سائر عمله قدوة حسنة سواء من التصرفات التعبدية أو حتى في التصرفات الحياتية؛ لأن الناس ينظرون إليه نظرًا لا ينظرونه في غيره من الناس فيما يتصل بغيره من الناس؛ لأنهم يرون أنه لا يصدر منه قول أو عمل أو تصرف إلا ويستند في هذا التصرف أو القول أو العمل إلى شيء قد أُمر به من شرع الله فالناس تقتضي لا شك بالأفعال, وفي أغلب الأحيان هم يقتدون بالأفعال أكثر من اقتدائهم بالأقوال.
هناك أنواع لهذه القدوة: وقد جاء في الإسلام ما يدل على أن القدوة تأتي على نوعين, النوعان هما: القدوة الحسنة أو القدوة السيئة.
الصنف الأول:ولهذا أمثلة وشواهد وأدلة نضرب عليها من القدوة الحسنة وهو ما نعنيه في هذه الدراسة قوله تعالى:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١],
ويقول سبحانه وبحمده: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ﴾[الممتحنة: ٤] وهذا فيه بيان بالقدوة الحسنة وخير من يمثل القدوة الحسنة وهم الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسلم, ويقول : ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ﴾[الأنعام: ٩٠], أي يأمرهم الله بالإقتداء بهؤلاء العظماء من الأنبياء والصلحاء
الصنف الثاني: من أنواع القدوة وهي القدوة السيئة -عياذًا بالله- وهي كل من يقتدي غيره به في السوء والشر –عياذًا بالله- مما يخالف هدي المصطفى كقول المشركين حينما دعتهم الرسل, ﴿وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾[الزخرف: ٢٣]؛ أي نحن على آثارهم نقتدي بهم وهذه من أسوء القدوات السيئة, إلا أن الإقتداء السيئ قد يتدرج أيضًا من قضايا الشرك وهي أعظمها وأشدها والكفر -عياذًا بالله- إلى الاقتداء في أقل الأمور وأصغرها مما يتصل بالمعاصي والأخطاء وغيرها وهذا مما حذر ونهى عنه الشرع أشد التحذير.
نتحدث الآن عن أهمية القدوة الحسنة للداعية,: إن للقدوة أهمية كبيرة في حياة الناس عمومًا وفي حياة الدعاة خصوصًا, ولذا كانت وصية الله لعباده في الاقتداء بنبي الأمة ورسولها :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ولعظم أثر القدوة وأهميتها في حياة الناس كان عمر بن الخطاب إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله, فقال:"إني نهيت الناس عن كذا وكذا-يصف ما قد نهاهم عنه- وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير؛ أي -نظر الطير الجارح- إلى اللحم وأقسم بالله لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أوقعت عليه العقوبة؛ لأنه مدرك أنه محل القدوة وأنه محل يأخذ الناس منه أمورهم يرون أنه محل الثقة فكل ما يصدر منه من قول أو فعل هو محل الرضا والقبول ومما يتجلى فيه أهمية القدوة الحسنة الداعية النقاط التالية:-
أولًا: الداعية القدوة قد يكون سببًا في هداية الناس وقبولهم للحق والهدى: كما ذكرنا قبل قليل أن الداعية يدعو بلسان حاله يدعو بلسان مقاله إلا أنه أيضًا يدعو بلسان حاله؛ أي بدعوته بالقدوة يقول في أفعاله وممارساته وسلوكه, قدوة صالحة وقدوة خير تكون سببًا في أن الناس يقبلون منه ما يدعوهم إليه.
إن للداعية القدوة أثر عظيم على نفوس الناس والمدعوين وحينئذٍ فإن تصرفاته وأقواله وأعماله وسيرته سيكون لها أثر عليهم إما سلبًا وإما إيجابًا, وإذا كان التأثير الإيجابي هو المراد وهو ما ينبغي أن يكون عليه الدعاة فإن هناك مع الأسف من هم خلاف ذلك, فتجد من الناس من يتأثر في انحراف دعوة دعاة وزيغهم -عياذًا بالله- لغيرهم من البشر كغيرهم من الناس يجوز أن يقع منهم الخطأ ولا معصوم إلا من عصمه الله تعالى وقد صور ابن القيم -رحمه الله تعالى- أولئك فسماهم بعلماء السوء, فيقول: "علماء السوء جلسوا على أبواب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم-أي بألسنتهم وأطراف ألسنتهم- ويدعونهم إلى النار بأفعالهم." يعني خالفت الأقوال الأفعال إلا أن الأفعال أبلغ لا شك من الأقوال, وهذا ما دعاهم إلى أن يصدوا الناس عن الخير -عياذًا بالله- يواصل الإمام ابن القيم القول فيقول:"فكلما قالت أقوال للناس هلموا قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له فهم في الصورة أدلاء." في الصورة العامة هم يدلون الناس على الخير لكن في الحقيقة وفي كنههم هم قطاع طرق -عياذًا بالله- كما وصفهم الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى .
ثانيًا: أن ذو القدوة الحسنة تتساوى أفهام الناس: ذلك أن مستويات الفهم لدى الناس تتفاوت وتتفاضل كل بحسب ما أعطاه الله وحباه, ونجد أن الجميع يتساوى أمام الرؤية بالعين مجردة عندما ينطق الداعية بقول فإن قوله قد يفهمه الناس ويغيب فهمه عن الآخر لكن عندما يتصرف تصرف فإن النظر والعين لا تكذب ستعكس ما قد يراه الإنسان من هذا الموقف.
والناس تتساوى أفهامهم عند القدوة لكنها تتباين وتختلف عند القول أو الكتابة أو غيرها من صنوف بذل العلم غير أن القدوة ناطق صريح وصادق لا يكذب, وإذا كان كذلك فإن القدوة ليكون أيسر وأسهل في إيصال المعاني التي يريد الداعية إيصالها للمدعوين؛ لذا قد ينتفع عامة الناس من السلوك والسيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الدروس والمحاضرات التي قد لا يفهمونها, فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال اتخذ النبي خاتم من ذهب فأتخذ الناس خواتم من ذهب فقال النبي : (إني اتخذت خاتمًا من ذهب فنبذه -أي تخلى عنه- وقال: إني لا ألبسه أبدًا فنبذ الناس خواتيمهم.) وهذا فعل عظيم الناس تتأثر كثيرًا بما تراه من أفعال.
قال ابن بطال حول هذا الحديث:"فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول." وقد بوب الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- على هذا الحديث بباب "الاقتداء بأفعال النبي " وينبغي على الدعاة أن يولوا ذلك عنايتهم وبخاصة أي ما يتصل بجانب القدوة وبخاصة فيما لا يفهم إلا بالتطبيق العملي والرؤية بالعين.
وقد أدرك أهمية ذلك على بن أبي طالب وبذلك نجده يعلم الناس سنة النبي في الوضوء فيجلس بعد صلاة الفجر بالرحبة؛ أي رحبة المسجد ويقول لغلامه: ائتني بطهور, فإن آتاه الغلام بإناء فيه ماء قال الراوي: ونحن جلوس ننظر إليه فعلمهم صفة الوضوء, ثم قال: هذا طهور النبي , فمن أحب أن ينظر إلى طهور النبي فهذا طهوره.
ثالثًا: سلوك الداعية القدوة سبب في تنشيط المدعو وشحذ همته: إن سلوك الداعية القدوة وتحليه بالفضائل والمحاسن يُعطي المدعو القناعة بأنه من الممكن الوصول إلى تلك الفضائل والمحاسن, فطالما أن الداعية استطاع أن يرتقي في منازل هذه الفضائل فإن المدعو يشعر أن هذا قدوة وصل إلى هذا الحد فأنا أيضًا على الطريق أستطيع الوصول إلى ما قد وصل إليه هذا الداعية, بل وقد ينشط المدعو في السعي إلى فعلها والتحلي بها, والنبي قد حفر الخندق مع أصحابه وهذا فيه دلالة على أنه كان يسعى أن يكون قدوة لأصحابه وقد كان سببًا في تنشيطهم وشحذ هممهم, فعن البراء قال:"كان النبي ينقل التراب يوم الخندق -بأبي هو وأمي- حتى أغمر بطنه أو أغْبَرَّ بطنه يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا
فأنزلن سكينة علينــــــــــــا
إن الأولى قد بغوا علينا   
         ولا تصدقنا ولا صلينا
وثبت الأقدام إن لاقينا
إذا أرادوا فــتـــــنة أبــــــــــيــــــــــنـا

ورفع بها صوته أبينا أبينا وهذا فيه نوع شحذ همة هؤلاء الذين يعملون مع النبي , ثم إن التأثر بالسلوك لا يقدر بقدر وقد لا يتبين له أثر إلا بعد حين.
رابعًا: أن تصرفات الداعية تحت نظر المدعوين: وهذه قضية مهمة جدًا, فسلوك الداعية وتصرفاته وأقواله وأفعاله نجدها مرصودة من قبل الناس, ونظرهم بالنسبة إليه نظر دقيق وحاد وقد يكون ذلك بعلم الداعية وقد لا يكون بعلمه وإحساسه إذا كان على الداعية أن يزن أعماله وتصرفاته طالبًا بذلك رضا الله قبل رضا المخلوقين, عليه أن يزن أعماله؛ لأن الناس ينظرون إليه بصورة حادة كما قيل: الناقد بصير هؤلاء ينظرون إلى الدعاة على أنهم القدوات هم من ينبغي لهم اللحاق بركبهم, وقد دعا ذلك داعية النبي معاذ بن جبل حينما أرسله إلى اليمن وكان رجلًا في رجله شيء من العرج صلى بالناس فبسط رجله فبسط الناس أرجلهم اقتداءً به, فلما صلى قال:"قد أحسنتم, ولكن لا تعودا فإني بسطت رجلي في الصلاة لأني اشتكيتها", إن أولئك نظروا لمعاذ بأنه الداعية القدوة فجعلوا تصرفاته وأعماله خير ممن يُحتذى ويُقتدى لذلك فعلوا مثل فعله ولكنه بين لهم سبب فعله: لئلا يأخذوا به في ذلك الأمر.
وقد أدرك عظم ذلك أيضًا الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري لذلك كان يحتاط مع الناس عمومًا ومع أهله خصوصًا, فعن أنس بن مالك قال: قال أبو موسى الأشعري :"جهزني فإني خارج يوم كذا وكذا فجعلت أُجهزه فجاء ذلك اليوم وقد بقي من جهازه شيء لم أفرغ منه فقال:يا أنس إني خارج, فقلت: لو أقمت حتى أفرغ من بقية جهازك, فقال: إني قد قلت لأهلي إني خارج يوم كذا وكذا, وإني إن كذبت أهلي كذبوني, وإن خنتهم خانوني, وإن أخلفتهم أخلفوني, فخرج وبقي من حوائجه بعض شيء لم يفرغ منه وكان هذا حرص منه؛ لأنه يعرف أنه تحت نظر ومتابعة المحيطين به من أهله والمدعوين.
خامسًا: أن للداعية القدوة أثر عظيم في نفوس مدعويه وقلوبهم وأعمالهم: ذلك أن الداعية حينما يكون محل اقتداء فإن له أثر وقد لا يستجيب المدعوون لقول الداعية وأمره طالما أنه لم يقم بفعل ما أمرهم به أو ترك ما نهاهم عنه, وهذا ما جعل صحابة رسول الله في صلح الحديبية يتأخرون عن أمره, وهذه القصة جد عظيمة.
ولابد الحقيقة وأن نقف معها وقفة يسيرة تتصل بجانب أن النبي عندما صالح كفار قريش في صلح الحديبية على أن يعود من عامه هذا ويأتي في العام القادم ليؤدي عمرته وذكروا تلك البنود التي كان سببًا فيها إجراء صلح الحديبية, عظم ذلك على بعض الصحابة وكيف أنهم قد ساقوا هديهم وقد خرجوا من المدينة ويريدون البيت يريدون العمرة لا يريدون القتال, هؤلاء وهؤلاء يريدون أن يصدوهم ويردوهم عنه, إلا أن النبي أمرهم أنه قد صالح هؤلاء وأن عليهم أن ينحروا هديهم وأن يحلقوا رؤوسهم وأن يعودوا إلى بلدهم ثم يعودوا من قابل لأداء هذه العمرة قضاءً إلا أن هذا الأمر عظم على بعض الصحابة ولم يستجيبوا, فدخل النبي مهموم على خبائه أو الخيمة التي نصبت له في الحديبية وكان فيها أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها وأرضاها- فقالت: مالك يا رسول الله؟, فأخبرها الخبر فقالت-وهذا يدل على ذكاء عظيم في هذه المرأة العظيمة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها –قالت: أخرج عليهم ولا تحدث منهم أحدًا وأنحر هديك وأحلق رأسك, فخرج فحلق رأسه ونحر هديه أمام هؤلاء الذين مانعوا في البداية عن هذا الصنيع فلما رءوا النبي شرعوا مباشرة, انظر إلى حال القدوة عندما رأوا النبي لم يكن بد منهم فاستجابوا مباشرة فنحروا هديهم الذي ساقوه معهم ثم حلقوا رؤوسهم حتى ذكر راوي الحديث أنه كاد يقتل بعضهم البعض؛ لأنهم كانوا يحلقون بصورة سريعة أو مستعجلة أو فيها شيء من عدم القبول والرضا التام, هذا موقف يدل على أن الداعية ينبغي له إدراك أن المدعوين يستجيبون للقدوة أكثر من استجابتهم للقول بصورة كبيرة, إن فعل النبي يدل على أن القدوة في هذا الأمر مهمة جدًا.
وهناك موقف آخر من مواقف القدوة تبين لنا عم أثرها على نفوس الأعداء, ففي شدة محبة أصحاب النبي له وتقديم محبته على محبة أنفسهم قال أبو سفيان لما كان كافرًا لزيد قبل إسلامه حين قدم ليُقتل:"ناشدتك الله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن مكانك فنضرب عنقه وأنك في آلك, فقال زيد: - - والله لا أحب محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالسٌ في أهلي." قال أبو سفيان:" ما رأيت أحدًا من الناس يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا .
"وكان يقال لخبيب يقول:"فو الله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمدا لا شيك بشوكة".ومما ينبغي التنبه له في جانب القدوة أن كثيرًا من المسلمين قد فرطوا في واجبهم وقصروا في التمسك بتعاليم الدين؛ لذا كان على الداعية أن ينبه الناس إلى أن الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر, فالإسلام كامل وتعاليمه صالحة لكل زمان ومكان والنبي قد أخبر أن من الناس من هو (غثاءٌ كغثاء السيل)؛ لأن كثيرًا ممن لم تصلهم الدعوة أو وصلتهم ولم يستجيبوا لها قد يتخذوا تصرفات المسلمين ذريعة لعدم إسلامهم؛ لذلك كان على المسلمين أن يبينوا للناس أن الإسلام شيء والمسلمين شيء وأنهم يختلفون بإتباعهم الإسلام, منهم من يسعى للكمال ومنهم من قصر ومنهم من فرط وضيع.وفي ذلك أيضًا التنبه له أن على الداعية ألا يعمل من أجل أنه قدوة ومن أجل نظر الناس له ومراقبتهم له ومتابعتهم له بل عليه أن يكون عمله خالصًا لله, ويتقي الله لأنه سيحاسب وإلى الملتقى في الحلقة القادمة لنتحدث عن صفة جديدة وهي ما يتصل بجانب الرفق واللين أو غيرها من الصفات إلى ذلكم الحين أستودعكم .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق