الاثنين، 5 يونيو، 2017

(قضية مراعاة أحوال المدعوين)



 (قضية مراعاة أحوال المدعوين)
كنا قد أنهينا بفضل الله الحديث في المحاضرة الماضية في تمام الكلام عن الصفات الأساسية, وكان آخر ما تحدثنا عنه بعد صفة الصبر والحلم صفة التضحية وبهذا نكون قد أتينا على كامل الصفات الخاصة بالقسم الأول وهو قسم الصفات الأساسية, وننتقل الآن إلى القسم الثاني والذي هو تحت عنوان الصفات اللازمة وسيكون إن شاء الله الحديث فيه ضمن خمس نقاط أو خمس صفات :- الأولى:- مراعاة أحوال المدعوين. الثانية:- المخاطبة على قدر الفهم. الثالثة:- الإلمام بشمول القول والتبليغ          الرابعة:- انتهاز الفرص. الخامسة:- ترتيب الأولويات
أولًا: قضية مراعاة أحوال المدعوين:, ونقصد بمراعاة أحوال المدعوين هو أن يكون الداعية على معرفة بحال البيئة الدعوية التي يريد أن يباشر الدعوة فيها؛فلابد أن يعرف تركيبتها السكنية والمجتمعية, فلابد أن يعرف ما يتصل بالظروف المحيطة بهذا المجتمع, لابد أن يعرف ماهية الانحرافات والمعاصي التي يرغب أو يريد أن يعالجها؛ لأنه إن لم يكن يعرف الداء لا يستطيع أن يصف الدواء أيضًا من معرفة أحوال هذا المجتمع أو المحيط الذي يريد أن يدعوه يستطيع أن يتبين ما هو المدخل المناسب والملائم للدخول لهذا المجتمع ودعوته؛ ؛ ليُباشر الدعوة على علم وبصيرة ويقين ويدرك أنه يقوم بإجراءات ملائمة ومناسبة لتصحيح هذه الأخطاء الموجودة في هذا المجتمع دون غيره.
وتتجلى أهمية ذلك في بعث الله تعالى الأنبياء والرسل -عليهم السلام-من بين أقوامهم وألسنتهم, إن الله اصطفى الرسل والأنبياء من ذوات هؤلاء الأقوام؛ لأنهم هم أعرف الناس بأقوامهم وانتدبهم؛ لأنهم هم الذين يتحدثون بألسنتهم ويعرفون أحوالهم ويعرفون صفة هذا المجتمع وما يشيع فيه من الأخطاء والأخطار التي يريد أن يصححها ويُقيم أودها, مع تأييد الله للمعجزات لهؤلاء الأنبياء التي تتناسب مع أحوال أقوامهم والنظر في أحوال هؤلاء الأنبياء وسيرهم -عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم- نجد مثلًا أن الله ابتعث مثلًا على سبيل المثال: نبي الله شعيب وأرسله إلى قوم ليقيم فيه التوحيد ويدعو إلى الدين القويم وتوحيد الله في العبادة, وعني هذا النبي الكريم بمعالجة تلك الأخطاء الموجودة في المجتمع فنجد أنه عني كثيرًا بمعالجة الأخطاء في التطفيف و المكايل وغير ذلك, فهذا لا شك أنه من مراعاة حال المدعوين؛ لأنهم وقعوا في هذا الخطأ وفي هذا التجاوز فهم يحتاجون إلى تصحيح هذا الخطأ لديهم.نجد أيضًا أن الله أرسل نوحًا إلى أقوام قد فشى فيهم الشرك فكان عالمًا وعارفًا بأحوال هؤلاء القوم وما يصلحها فكان يدعوهم, كذلك نبي الله إبراهيم كان أيضًا قد بُعث إلى قوم قد فشى فيهم الشرك, وكان حريصًا على تصحيح هذا الواقع عند هؤلاء القوم ودعوتهم إلى الجد في الصواب وإلى دين الله وتوحيده.
ننظر مثلًا إلى موسى بُعث في قوم فشى فيهم السحر وإغراء الناس بهذا السحر فكان الله بعث موسى لتصحيح هذا الواقع وإعادة الناس إلى الدين القويم وجادة الصواب فأيده بمعجزة من جنس ما قد برع فيه هؤلاء القوم وهو السحر فأيده الله بمعجزة العصى التي تتحول إلى حية, فكانت هذه المعجزة من جنس ما قد شاع عند هؤلاء القوم وحاول أن يصحح ما لديهم من انحرافات.
نبي الله أيضًا عيسى بن مريم بعث وأرسل إلى قوم اشتهروا وعرفوا بما يتصل بجانب الطب والتطبيب, فكانت معجزاته عيسى بن مريم من جنس هذا الأمر كان يحيي الموتى ويبرء الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيرًا بإذن الله إلى غير ذلك من تلك المعجزات؛ لأنه أراد أن يبين أن الله هو الأقدر وهو الأقهر في إيجاد هذه المعجزات التي تكون سببًا في أنهم يستجيبوا ويؤمنوا ويصدقوا هذا النبي المرسل والمبعوث إليهم, فهذا جانب من جوانب مراعاة أحوال المدعوين أن يخاطبهم المرء بما يفقهون ويدركون ويعرفون ألا يأتي إليهم بما لا يمكن لهم أن يعرفوه أو يدركوه.
إذًا نقول: إن النبي أمره الله بالقيام بالدعوة بعدة طرق تناسب ما كان عليه أحوال الأقوام الذين بُعث إليهم, فخاطب الناس على اختلاف مكانتم ومنازلهم وخاطب الفقراء وخاطب الأغنياء وخاطب الرؤساء وخاطب المرؤوسين, كان أيضًا يُعنى النبي بمخاطبة الأقوام بما يفهمون ويدركون, حتى أنه كان يخاطب الأقوام بألسنتهم ويعرف أنهم من العرب من يتكلم مثلًا لغات مختلفة عما كانت مشتهرة عند قريش كاللغة المشتهرة عند أقوام من حمير في تهامة عسير وغيرها فكانوا يتحدثون مثلًا أتى ساعي إلى النبي فكان يسأل عن الصيام في السفر, فكان يسأله هل أمن امبر امصيام في امسفر؟ فأجاب النبي باللغة التي يفهمها هؤلاء الأقوام وقد دونت السنة هذا الأمر أن النبي تحدث بهذا فأجابهم قال: (ليس من امبر امصيام في امسفر.) وهذه لغة مشتهرة عند العرب ويتحدث فيها أقوام من حمير ومن غيرها ومن القاطنين في تهامة عسير على وجه الخصوص ولازال يتحدث بعضهم في شيء من هذا الأمر, الشاهد في هذه القصة أو هذا الحديث عن النبي أنه كان يُعني بمحادثة الأقوام بما يفهمون وما يدركون ويكون سببًا في وصوله إلى ما يحتاج إلى وصوله إليهم.
لذلك من فقه الداعية ومعرفته ألا يأتي بالأقوام ليحدثهم بأي حديث كان وإنما لابد أن يعرف واقع هذا المجتمع أو حال هذه البيئة التي يريد أن يدعوها فإذا كانت بيئة غنى وتجارة فإنه مثلًا يعنى بالجوانب التي تتصل بجانب الغنى والتجارة كالحديث عن جانب الزكاوات وعن جانب أنصبة الزكاة وعن فضل الصدقة وغيرها, وإذا كان مثلًا أتى إلى وعلى الداعية أن يعي البيئة ويحدثهم بما يفهمون وما يدركون وما هم أحوج إليه ويتدرج معهم شيئًا فشيئًا فيما يحتاجون إليه من دعوة.والرسول خير قدوة للدعاة كان يهتم بأحوال المدعوين ويراعيهم؛ لذلك تجده ينشئ ما يريد أن يعظ الناس به من واقعة الحالة الذي هو فيه, لما أتاه أقوام من فقراء الأعراب مجتابي النِمَار كما ورد في الحديث ويُرى عليهم حال الفاقة والفقر أنشأ الرسول موعظة عندما صعد المنبر ونادى للصلاة جامعة, وحث الناس على الصدقة وإخراج الأموال ودفعها لمستحقيها حتى أصبح لديه كوماوان أحدهما: من الأطعمة, والآخر مما يحتاج إليه هؤلاء الفقراء حتى سُر النبي لما شاهد من هذا الموقف هذه الحادثة تدل دليلًا واضحًا على أن النبي كان ينظر إلى أحوال المدعوين وما يحتاجون إليه في أثناء دعوته, فهؤلاء يحتاجون إلى المال وإلى البذل وأولئك القوم يحتاجون لمن يرشدهم ويعينهم على حاجة إخوانهم فنشأ هذا الموقف الذي صنع النبي موقفًا دعويًا عندما شاهد هؤلاء ثم صعد على المنبر ونادى بلال بأن الصلاة جمعت فاجتمع الناس وصعد النبي وحدثهم بشأن هؤلاء القوم ومدى حاجتهم ثم رغَّبهم بالبذل والعطاء حتى تم معالجة مثل هذه الحادثة الطارئة, هذا يدل على أن النبي راعى أحوال المدعوين خير مراعاة.
إذًا لابد من التنوع في استخدام أساليب الدعوة بما يتوافق ويتواءم مع أحوال المدعوين, فما تدعو به مثلًا رئيس أو من هم علية القوم أو ممن سماهم القران الكريم الملأ يختلف قطعًا في أساليبه وطرائقه عن دعوة من دونه؛ فلكل ما يحتاج إليه من أساليب وطرائق, كذلك أسلوب الدعوة واستخدام هذه الوسائل؛ أنت تستخدم الوسائل الدعوية التي تلائم هذا المجتمع وهذا الحال الدعوي دون غيره, إذًا النبي ثبت من استخدامه اللين والرفق إلى جانب استخدامه الشدة بحسب المواقف, إذًا نقول: لابد من التنوع في استخدام اللين والشدة مع الناس, , فعلى سبيل المثال مثلًا: من يأتي إلى مجتمع يشيع فيه الشرك بأصنافه الشرك الأكبر والشرك الأصغر وغيره فإنه لابد إن كان من أصحاب الفقه في الدعوة أن يُعنى بجانب معالجة هذا الخلل الماثل بوقوع هؤلاء المدعوين بجوانب الشرك التي تحتاج إلى تصحيح وإعادتهم إلى جادة التوحيد النقي الصافي, إذا أتى مثلًا إلى مجتمع يشيع فيه الغلو مثلًا في جانب معين كالغلو في الصالحين أو الخطأ في التوصل أو شيء من هذا فإنه يُعنى في جانب تصحيح هذا الخطأ بصفة العامة أو بصفة خاصة تتصل بجانب مثلًا جانب الغلو في الصالحين وغيرهم, إذا انتقل إلى مجتمع آخر صافي العقيدة ونقي العقيدة ويعرفون الله حقيقة المعرفة ويعبدونه حق العبادة إلا أن لديهم أخطاء تتصل بجوانب العبادات كسنن الصلوات أو سنن الوضوء أو واجبات الوضوء أو غير ذلك مما ليس له صلة بجانب المعتقد, فإنه أيضًا مع عنايته بالعقيدة يُعنى بجانب تصحيح هذا الخطأ الوارد لديهم في جانب العبادات.
أيضًا في جوانب المعاملات إذا وجد في مجتمع ما من المجتمعات خطأ وخلل في البيوع مثلًا فإنه يكون حريص على معالجة هذا الخطأ وبيان الصواب فيه, إذا ذهب مثلًا إلى مجتمع لدعوته ووجد أن هناك خطأ في جوانب السلوك والأخلاق فإنه أيضًا يكون لديه عناية في معالجة هذا الخطأ والسلوك مع عنايته في جوانب ترسيخ العقدية وتقويتها وثبات الناس عليها, وهكذا إذًا الخلاصة في مثل هذا الأمر أن الداعي إلى الله يُعني بجوانب ما يحتاج إليه المدعوين, فإذا كان هذا المجتمع الدعوي في حالة من مثلًا الأخطاء التي تتصل في المعتقد فإنه يركز كثيرًا على الجوانب تصحيحات الأمر ثم ينتقل معهم شيئًا فشيئًا فيما تتصل بجانب العبادات ثم جانب الأخلاق والسلوك وغير ذلك.
مراعاة أحوال المدعوين من الصفات اللازمة المهمة للداعية والشاهد على هذا من سيرة النبي كثيرة فلما قدم إليه مثلًا ذاك الأعرابي الذي قال: أعدل يا محمد فإنك لم تعدل في العطاء, فالنبي تبسم معه مع أنه لا يستحق مثل هذا؛ لأن تصرفه كان تصرفًا أرعنًا لكن النبي أخذه بجهله ولم يعنف عليه في حينه إلا أنه حذر منه قال:(اخرج ...) إلى آخر الحديث, والنبي تسامح مع هذا الرجل الذي أراد قتله مثلًا عندما كان يستظل تحت الشجرة وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال : (الله), وتعامل معه بالحسنى مع شدة ما قد تصرف فيه مع النبي إلا أن هذا اللين قد نفع معه فكان سببًا في إسلامه.
النبي ينتقل من جوانب اللين إلى جانب الشدة فيما يتصل بمعالجة بعض الأخطاء مما لا يتوقع منهم الخطأ, فلما مثلًا معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ثم ينصرف إلى قوم في عوال المدينة فيصلى بهم فيأتي أحدهم لينقل للنبي هذه الحادثة, فالنبي يظهر شيئًا من عدم الرضا لمعاذ بن جبل ذاك الصحابي الجليل ويقول له:( أفتان أنت يا معاذ) هذا التنوع؛ لأن معاذ لا يتوقع منه مثل هذا الخطأ, فالنبي راعى حال معاذ كما أنه راعى حال ذلك الرجل الذي أرد قتله, فالمسألة هنا تتباين وتتنوع بحسب تنوع المدعو, إذًا فقد رفق النبي بالجاهل والصغير وبحديث عهد بالإسلام, وحديث عهد بالإسلام النبي يرفق به ويُعطي هؤلاء الأقوام عطاء من لا يخشى الفقر حتى أنه أعطى رجلًا مالًا بين جبلين من الدواب من الأغنام أو الإبل, فذهب إلى قومه مستبشرًا وقال: أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر, إذًا هذا العطاء مع هذا الذي تعلقت نفسه بالدنيا عطاء النبي كان سببًا في أن هذا الرجل يذهب ليدعو قومه ويخبرهم بما صنعه النبي هذا فيه شيء من مراعاة أحوال المدعوين.
ومن الأمثلة على ذلك استعمال الرفق مع عمر بن أبي سلمة حينما كانت تطيش يده في صحفة الطعام وهذا ما ذكرناه في الحديث عن صفة الرفق واللين, وأيضًا معاوية بن أبي الحكم السُلمي حينما تحدث في الصلاة, ومع الأعرابي الذي بال في المسجد, ومع الشاب الذي جاء يستأذنه في الزنا هذه كلها صور من صور تعامل النبي مع أحوال هؤلاء المدعوين بما يناسب معهم من حال, وقد شدَّ النبي مع من صدر منه ما لا يتوقع منهم ذلك لطول صحبتهم له ولعلمهم, ومن الأمثلة على هذا التنوع في مراعاة أحوال المدعوين: استعمال الشدة مع من تختم بالذهب؛ ذلك الصحابي الذي جاء للنبي وقد تختم بالذهب, ثم نزعه وقذف به على الأرض وقال:( يعمد أحدكم أن يضع جمرة في يده.) فهذا فيه نوع من الشدة؛ لأن النبي قد حذر من هذا, وقد سمع هذا الصحابي شيء من هذا الأمر.و أيضًا النبي هؤلاء الصحابة الذين مسحوا الأرجل أثناء الوضوء, وكيف تعامل مع الإمام الذي أطال في الصلاة كما ذكرنا قبل قليل, وكيف راعى أحوال المأمومين الذين يكدون في النهار ويتعبون ثم إذا جاءوا لصلاة العشاء إذا بهذا الصحابي الجليل يأتي إليهم راغبًا لهم في الخير ويصلي بهم فيطيل فيهم الصلاة إلا أن هؤلاء يعني قد أمضوا سحابة يومهم وهم يكدون ويعملون في مزارعهم أو حقولهم وهم في حال ليسوا في حال الإقبال الكبير حتى يصلوا صلاة مطولة, لابد أيضًا هذا مهم جدًا في حال الداعي إذا رأى من الناس نفرة وعدم قبول وارتياح للحديث فإنه يوجز في الكلام ويختصر ولا يطيل عليهم ليأخذ بقول القائل: حدث الناس ما رمقوك بأعينهم, فإن صرفوا أعينهم عنك ولم يستجيبوا لك فهذا فيه دلالة على عدم التواصل البصري وعدم الرغبة في الاستماع إليك, إذًا هذا ما أردت الحقيقة أبينه في هذه الصفة وهي صفة مهمة لاشك فيما يتصل بمراعاة أحوال المدعوين نواصل الحديث إن شاء الله عن بقية الصفات في الحلقات القادمة إلى ذلكم الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المحاضرة السابعة عشرة(الإلمام بفنون القول والتبليغ)
صفة أخرى مهمة أيضًا لابد أن يتحلى بها الداعية ويُعنى بها لأنها سبب وسبيل إلى أن يصل الداعية فيما يريد إيصال دعوته وتفقيه الناس وتعليمهم أمور دينهم ألا وهي :-
صفة (الإلمام بفنون القول والتبليغ).وهذا الأمر مهم جدًا وغاية في الأهمية من أن الداعية المهم أن يُباشر الدعوة ويدعو الناس بما يتوافق وفهمهم وإدراكهم وهذا لا يتأتى إلا بالإلمام بفنون القول والتبليغ الحسن, إذ أنه لا ينتهي على الداعية بمجرد الإفصاح عن الحقيقة هكذا مجردة ولكن لابد أن تكون مغلفة بغلاف من حسن القول, يقول الله ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة :83 ]لأن إحسان القول سبب وسبيل في قبوله والإذعان إليه والارتياح والاطمئنان به, بل يجب عليه أن يجعلها من الوضوح بمكان يتذوقها الكبار ويستطيع العوام أن يستسيغوها دون جهد وعناء.
ويكون بلسان فصيح بما يفهمه الناس وليس هذا على الإطلاق؛ لأن بعض المجتمعات تحتاج إلى أن تتحدث معها بطريقة اللسان الذي يفهمونه وهو العدول عن الحديث الفصيح للحديث باللهجة التي يعرفها ويتعلمها هؤلاء الأقوام,
إذًا المخاطبون ليسوا سواء الذي يدعونا لمثل هذا الأمر أن ندرك أن المخاطبون ليسوا على درجة سواء بل هناك فروق كالتي يُطلق عليها الفروق الفردية, وأحوال المدعوين ليسوا جمعيا على حال واحدة بل هناك التفاوت الكبير في جوانب كثيرة في جوانب اقتصادية وفي الجوانب الاجتماعية وفي جوانب الفهم والإدراك وفي جوانب العلم وفي جوانب الاجتماعية وغيرها كثير, وهذا ما يسمى بالتنوع أو تنوع بيئة الدعوة التي يتطلب معها أن يكون الداعية لديه قدرة على الإلمام بفنون القول والتبليغ الحسن.
إذًا المخاطبون ليسوا سواء, فإن هذا يتطلب منك أيها الداعية الحصيف الفقيه أن تدرك أنك لابد أن توجه لهؤلاء المدعوين ما يتواءم ويتناسب مع أحوالهم ومع مستوياتهم, قد يقول قائل: إذًا معنى ذلك أن الدعوة تتبدل وتتغير من حال إلى حال نقول: إن هذا صحيح مع ما ندركه أن الدعوة موجهة للجميع, يقول الله في وصف النبي : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]رحمة للناس جميعًا ليس لأُناس دون الآخر, لكن في طرائق التبليغ وتبليغ الدين ونشره للناس هناك حاجة لأن يكون هناك نوع من التباين في إيصال المعلومة؛ لأنك حينما تتحدث مثلًا مع العالم ليست هي ذات الطريقة التي تتحدث بها مع طالب العلم أو أنصاف المتعلمين أو حتى مع الجُهال؛ لأن كلًا له ما يتواءم معه ويتوافق مع فهمه وإدراكه, كذلك الموضوعات التي تطرقها مثلًا في الحديث مع الأسياد وعلية القوم, مع الملأ, مع الكبراء ليست هي ذات الموضوعات التي تتحدث فيها مع عامة الناس.
فالحديث مثلًا يختلف في حالة الفخر والرثاء والهجاء, كما أن التقريع والتبكيت يختلف أيضًا عن أسلوب التحبب و المؤانسة, هذه أساليب كثيرة من أساليب الدعوة وهو يختلف لاشك عن أسلوب التخويف, وكذلك يختلف عن أسلوب الترجي وهو من أساليب الدعوة التي هي الحكمة والموعظة الحسنة التي فيها الترغيب والترهيب والجدال بالتي هي أحسن لذلك لابد من كل أسلوب في القالب الذي يناسبه, لابد أن يتحدث الداعية مع المدعوين بما يتناسب مع هذه الحال وعلى هذا فأسلوب التقريع لابد له من كلمات قوية كأنما هي الرعد القاصف, هذا طبعًا يتصل في جوانب أداء هذا الأسلوب؛ لأنه عندما مثلًا لو نظرنا إلى النبي عندما صعد على الصفا وصاح وقال:(واصباحاه) قطعًا أنك عندما تحاول أن تتخيل مثل هذا الموقف للنبي , النبي لم يتحدث معهم بعبارة هادئة وكان يقول: (واصباحاه)؛ لأنه في التأكيد لم يستمع إليه أحد لكن صاح بأعلى صوته وقال: (واصباحاه) إلى آخر الحديث الذي أتى فيه وقال ذاك الذي كتب الله عليه الشقاء والتعاسه ألمثل هذا جمعتنا؟ تبًا لك ألمثل هذا جمعتنا؟ ونزلت فيه قوله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سورة المسد ]لأنه قال للنبي هذا القول....إن أسلوب النبي في هذا الأمر كان متبدلًا ومتغيرًا عندما صاح بأعلى صوته وقال: (واصبحاه) وأجتمع الناس من حوله قال: (يا فلان لا أُغني لك من الله شيئًا قل لا إله إلا الله, لا أغني لك من الله شيئًا, يافلان, يا عم رسول الله , يا عمة رسول الله , يا ابنة رسول الله قولوا لا إله إلا الله لا أغني لكم من الله شيئًا) كان يريد أن يوصل لهم, هذه الطريقة في أداء الدعوة كانت متباينة فيما يتناسب مع أصنافهم وأحوالهم ومع ظروف هذه الحادثة, بينما نجد مثلًا النبي في موقف آخر كان يتحدث بهدوء وبروية مثلًا عندما كان دخل على علي بن أبي طالب وابنته فاطمة الزهراء وجدهما قد أويا إلى فراشهما وقد غطيا أنفسهما فكان يحدثهم وقال: (أنا أدلكم على شيء مثلًا تقولوه إذا أويتم إلى فراشكم أن تقولوا كذا وكذا )
إذًا أسلوب أداء النبي في هذه الحادثة لاشك يختلف عن أسلوبه في تلك الحادثة وما ذاك إلا للتباين في الموقف الدعوي المختلف,
إذًا الداعية لابد أن يكون لديه قدرة وإدراك على أن يتنوع ويكون لديه الاستطاعة أن ينتقل من هذا الأسلوب مثلًا إلى الأسلوب يليه إلى أسلوب آخر ويتنوع, ليس هذا من التبدل في الأحوال المذموم بل هو من المراعاة الملائمة والمناسبة لأداء الدعوة حتى تكون أكثر تأثيرًا وقبولًا للمدعوين,
إذًا لكل أسلوب من هذه الأساليب ما يتواءم معه في طريقة الأداء؛ ولذلك قلنا لابد من الإلمام بفنون القول والتبليغ, بلاغة القرآن شاهدة في الحقيقة على مثل هذا الأمر واشتملت على أنواع الفصاحة والبلاغة, فإذا كان الحديث عن المكذبين رأيت العبارة القوية بارزة في هذا الأسلوب ويدل على ذلك صدر سورة الحاقة, وإذا كان الحديث عما أعد الله للمؤمنين تجد الكلمات السلسة العذبة بارزة في هذا الأسلوب ويدل على ذلك صدر سورة الإنسان, وفيما بين هذا وذاك تجد التدرج الكبير في جانب الوسط ربما تقرأ الآيات من كتاب الله تعالى فتجدها اشتملت على الأنواع كلها, تجد آية واحدة اشتملت على ترهيب وترغيب بل إن واحد في مكانه وسياقه هو آية في الحسن؛ لأنه كلام الله المجموع بين دفتي القرآن, عندما نطلب قضية الإلمام في القول والتبليغ فإن هناك أمور لابد منها ويحسن الداعية العناية بها والاهتمام وهي لها صلة كبيرة في جوانب الإلمام في فنون القول والتبليغ نتحدث عن ثلاث من هذه المسائل وهي أهمها:-
الأول: التحدث باللغة العربية الفصيحة، الثاني: الاقتصاد في القول بقدر الحاجة، الثالث: الابتعاد عن التفاصح, وكل واحدة من هذه تحتاج إلى أن نقف معها وقفة يسيرة نقول مثلًا:
أولًا: جانب التحدث باللغة العربية الفصيح: نركز عليه لأن هذا هو الأصل, هل هناك استثناءات؟ نعم استثناءات لمن يحتاج إليه في بعض المجتمعات التي لا تُتقن اللغة الفصيحة أو قد يتعثر عليها أو يكون عسيرًا عليها الفهم بهذه اللغة فلابد من التبسط معهم باللغة التي يفهمون ويدركون, نقول: التحدث باللغة العربية الفصيحة يرجع ذلك إلى أن مادة الدعوة وأساسها وموضوعها ومرتكزها كتاب الله وسنة رسول وهذان المصدران الوحيان من الله ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم4:3]كذلك السنة هي أتت بلسان عربي مبين, قال تعالى في وصف القرآن أيضًا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] فمن الإلمام بفنون القول والتبليغ تبليغ هذا الدين الذي جاء بهذه اللغة تبليغه بلغة فصيحة, وأن لا يدل الداعية على هذا أبدًا إلا في الاستثناءات الضيقة التي ذكرنا قبل قليل وليس هذا في القرآن والسنة وإنما تبليغ الناس شروح هذين المصدرين بما يستطيعوا أن يفهموا هذه اللغة العربية الفصحية.
ثانيًا: الاقتصاد في القول بقدر الحاجة: عن الحكم بن حزم الكُلفي قال:"وفدت إلى رسول الله سابع سبعة أو تاسع تسعة فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله زرناك فادعوا الله لنا بخير فأمر لنا بشيء من التمر, والشأن إذ ذاك دون؛ يعني أنهم لما أتوا النبي كان حال المجتمع الذي يعيش فيه النبي كان حالًا فيه من شظف العيش وقلته ما فيه يقول: والشأن إذ ذاك دون فأقمنا بها أياما", هؤلاء الذين وفدوا إلى النبي وزاروه بقوا فيها عند النبي أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله فقام متوكئًا على عصى أو قوس فحمد الله وأثنى عليه, كلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال:(أيها الناس إنكم لن تطيقوا أو لن تفعلوا كل ما أُمرتم به ولكن سددوا وأبشروا) هذا من الوجازة في الحديث النبي, وإن من الإعجاز الإيجاز من الإعجاز ومن أعظم الفصاحة أن أوتي النبي جوامع الكلم فيلزم الدعاة أن يكونوا على ما كان عليه النبي أي يوجزوا الحديث على مقدار ما يحتاج إليه المدعوين,
النبي كان يتخول أصحابه في الموعظة ومعنى أنه كان يتخول أصحابه في الموعظة أنه كان ينتقي لهم الوقت الملائم والحادثة الملائمة فيكون خير من يعالج هذا الأمر بعيدًا عن التطويل أو الإملال أو الشطط أو غير ذلك ألا يكون لنا في رسول الله أسوة حسنة؟
إذًا يلزم الدعاة أن يقتصروا في قولهم بقدر الحاجة وألا يطيلوا حتى لا يُملوا المستمعين ولا يشعروهم بشيء من الإملال, إذًا كان النبي يتخول أصحابه بالموعظة خشية السآمة
نتحدث عن النقطة الأخيرة ونختم بها حلقتنا وهي فيما يتصل بـ:
ثالثًا: بالابتعاد عن التفاصح: يعني من الإلمام في القول والتبليغ أن يكون الداعية لديه قدرة على الابتعاد عن التفاصح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:"كان كلام رسول الله فصلًا يفقه كل أحد." الله أكبر , إذًا كان النبي يتحدث بكلام مفصول مقطوع يعيه ويفقهه كل مستمع إليه, لا يسرد الحديث سردًا سريعًا ويهزه هزًا وإنما يتحدث حديثًا مجملًا مختصرًا يكون سببًا في معالجة ما يريد أن يعالج أو في بيان ما يريد أن يبين أو في ترغيب الناس في الشيء الذي يريد أن يرغبهم إليه.
ما كان يسرد الحديث سرد سريع وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال:(إن من أحبكم إلى وأقربكم منى مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا, وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم منى يوم القيامة الثرثارون المتشدقون والمتفيهقون قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) إذًا  على الداعية أن يبتعد كل الابتعاد عن التنطع بالكلام والتشدق بالحديث والثرثرة باللسان والتكلف بالفصاحة, وأن يكون كلامه فيما يحتاج إليه من حديث دون التوسع فيما سوى ذلك, هذا ما أردت بيانه في هذه الصفة في هذه الحلقة إلى أن نلتقي في حلقة قادمة لنتحدث عن بقية الصفات إلى ذلكم الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المحاضرة الثامنة عشرة(صفة انتهاز الفرص)
اليوم نشرع في الحديث عن صفة أخرى لا تقل أهمية وقد وعدتكم في الحديث عنها وهي ما يتصل بصفة انتهاز الفرص نقول في هذا الأمر:
قد سلك أنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام- مع أقوامهم طرقًا متعددة في عرضهم للدعوة سواء كان ذلك مع الملأ أو مع عامة الناس, كان ذلك بسبب رغبتهم في استجابتهم وقبولهم إلى ما يدعون إليه, ولنا في ذلك أسوة حسنة أي لنا في صنيع الأنبياء أسوة حسنة يقول الله : ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ يوسف:١١١ ]و الداعية اللبيب هو الذي يستفيد من هذه القصص (قصص الأنبياء) وتوظيفها ومعرفة ما يستفيده من هذه القصص في ممارسته للدعوة .وإن من المواقف الدعوية التي أبرزتها سورة يوسف ذلك الموقف الفريد الذي تبناه نبي الله يوسف مع صاحبي السجن في القصة المشهورة التي في سورة يوسف وفيها دلالة على قضية انتهاز الفرص, قبل أن أشرع في الحديث عن هذه القصة أبين أن انتهاز الفرص مما يلزم الدعاة العناية به, والمقصود به أنه في معرض الدعوة ومسير الدعوة يتحين  في كثير من الأحيان فرص نسميها فرص دعوية, , فرص لبث هذه الدعوة وتبليغ دين الله فيه هذه الفرص تتباين وليست لها مقدمات يُدرك المرء أن هذه ستكون فرصة أمامك في يوم من الأيام حتى تستمر هذه الفرصة لبيان دين الله , وإنما هي تأتي عرضًا لابد للداعية أن يعرف كيف يستثمر مثل هذه الفرص, وألا يجعل هذه الفرص تفوت عليه وإلا فإنه يكون قد أضاع فرص كان من الممكن أن يستثمرها في نشر الدعوة وإبلاغ دين الله .
نعود إلى قصة يوسف, وقصص الأنبياء قبل يوسف كثيرة فيما يتصل بجانب انتهاز الفرص, يعني نذكر مثلًا قصة إبراهيم في دعوة قومه عندما كان يحذرهم من الوقوع في الشرك وعبادة الأصنام وكان يحذر أباه من عبادة الأصنام ومن صناعتها؛ لأنه كان اشتهر آزر والد إبراهيم بصناعة هذه الأصنام وبيعها وشيء من هذا, فكان يتحين الفرصة الملائمة المناسبة ليعطي هؤلاء الأقوام درسًا في ماهية هذه الأصنام, فكان يحذرهم وينذرهم ويقول لهم: ﴿ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾[الأعراف: 59]ويقول لهم: هذه الأصنام لا تنفعكم ولا تضركم﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ﴾[الأنبياء: ٦٧]إلى غير ذلك من الطرائق التي كان يسلكها مع هؤلاء ترغيبًا وترهيبًا, ليلًا ونهارًا, وكان يدعوهم في كل شأنه إلا أن هؤلاء الأقوام قد ألفوها هذا الأمر يعني رأوا أن فيه سبيلهم وطريقهم الذي سار عليه من سبقهم من الآباء والأجداد.
إبراهيم رأي أنه لابد من انتهاز فرصة خروج هؤلاء القوم إلى عيدٍ لهم يجتمعون فيه ضحى يوم من الأيام فلما أرادوا الخروج قالوا: له ألا تخرج معنا فاعتذر منهم فقال: إني سقيم اليوم أنا أشكو من شيء لا أريد الخروج أو لا أستطيع الخروج, هذه الفرصة رأى أنها مواتية لنبي الله إبراهيم في إعطاء درس مفيد ونافع لهؤلاء القوم الذين تعلقوا بهذه الأصنام ليبين لهم ويبرهن لهم أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر؛ ولذلك عاد إلى هذه الأصنام ودخل المعبد وثم كسر وهشم هذه الأصنام وحطمها إلا كبير لهم,إلا كبير هذه الأصنام وضع الفأس بجواره فلما عادوا من شأنهم هذا إلى معبدهم هالهم ما قد رأوا من تكسير هذه الأصنام وتحطيمها ثم تساءلوا من الذي يستطيع أن يجرؤ على هذا الصنيع ؟ ثم ذكروا إبراهيم ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء٦٠] عندما قال:﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [الأنبياء : 57] نعود إلى شاهدنا في هذا الأمر في انتهاز الفرصة, لم تكن هذه الفرصة متاحة له في كل الأحيان لكن لما انصرف هؤلاء إلى مكان عيدهم الذي يجتمعون فيه وجد أن هذه فرصة مهمة جدًا ومفيدة أن يستثمرها في بيان عقيدة التوحيد النقية وأن الله هو المستحق للعبادة دون غيره من المعبودات كهذه الأصنام التي كان يتعلق بها قوم إبراهيم .
نوح كان يستغل الفرص المواتية لديه وأنبياء الله من بعد ذلك كانوا يستغلون الفرص في دعوة أقوامهم إلى الخير, من ذلك قصة يوسف التي سنعرض لها وهي فيها دلالة واضحة وشاهد صريح على استغلال الفرصة المواتية في بيان الدعوة وتبليغها يقول الله في محكم التنزيل:﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾[ يوسف: ٣٦] أي أُدخل مع يوسف هذان الفتيان لجرم قد أصابا أي وقعا فيه﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ [ يوسف: ٣٦] ما السبب في أنهم يبينوا هذا الواقع أو هذه الرؤية التي رأوها؛ لأنهم رأوا من هذا الرجل الصالح القابع في السجن ظُلمًا أن لديه قدرة على تعبير الرؤى, فكان لديه القدرة على تعبير هذه الرؤى فلما رأيا هاتين الرؤيتين أتيا إلى هذا الرجل الصالح النبي الطاهر المُطهر يسألاه عن هذه الرؤية, يقول حكاية عن هؤلاء في قصة يوسف : ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف : 36 ] لأجل أننا نراك من الرجال الصلحاء ومن المحسنين الذين يعبدون الله عبادة إحسان شرع يوسف في بيان حاله ثم أنتقل بعد ذلك لبيان ما يحتاج إليه من استغلال كبير للفرصة التي أتيحت له.
الآن وهو في السجن لا يوجد معه في السجن إلا بضع أُناس أو حتى قد لا يكون معه إلا هذان الرجلان اللذان أدخلا معه والسجان الذي يأتيه بما يحتاج إليه, هذه الصورة في المجتمع يترك فيها يوسف للدعوة إلى الله وبيان خطأ قومه الذين يقعون فيه من عبادة غير الله والإنصاف لغيره قال: إذًا بدأ في تعريفهم بأن الله أتاه تأويل هذا الحديث, تأويل هذه الرؤى, وأيضًا أعطاه الله معرفة ما سيأكلون وما يدخرون وما يأتيه من طعام إلا يعرف هذا الطعام وذلك مما أوحاه الله إليه, ولأجل هذا فذكر إعادة هذا الفضل للمتفضل المنعم سبحانه وبحمده يقول:﴿ذلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [ يوسف :37 ] أي مما أوحى إلي وعلمني ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [ يوسف :37 ].
بدأ الآن في بيان الحال التي ترك عليها قومه من أنهم لا يعبدون الله ويعبدون آلهة من دونه ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]ثم بين أن الله اصطفى من عباده أولئك الأقوام وهو تبع لهم يقول: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ ذكرهم ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ ثم شرع الآن في انتهاز الفرصة التي نتحدث عنها في أهمية انتهاز الفرص بالنسبة للداعية يقول الله حكاية يوسف : ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]إنما بيَّن حاله وشأنه ثم بين حال قومه يعني هؤلاء القوم الذين وُجد فيهم أولئك الناس الذين يعبدون غير الله , وبيان ما ترك عليه هؤلاء الأقوام واتبع ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب في بيان التمايز بين هذه المجتمعين شرع الآن في استمالة قلوب هذين الرجلين, هل ترون أن هذا المجتمع الأنسب أو ذاك هو الخير؟ أن هؤلاء هم الذين على الصواب أم من سواهم؟ وهكذا فكان يبين واقع ذلك المجتمع وواقع المجتمع الآخر ليتألف قلوبهم حتى يدركوا الصورة التي عليها هؤلاء, يقول الله حكاية عن يوسف : ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]هل حال هؤلاء القوم خير أم حال ما كان عليه إبراهيم وإسحاق ويعقوب؟ ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ  ﴾ [يوسف: ٤٠] وهذا فيه التفات في الخطاب بعد أن بين شأن أولئك القوم الذين أخطئوا, بدأ الآن يدعوهم مباشرة ويقول لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:40]
إذًا هذا هو الدين الصحيح والسليم الذي ينبغي عليكم أن تلزموه وأن تسيروا في ركابه وأن تتركوا ما دون ذلك عن الأرباب المتفرقة التي ينهاكم الله عنها ألا تعبدوا إلا إياه؛ أى لا تعبدوا إلا هذا الرب الإله الواحد الأحد مستحق العبادة دون غيره, ماذا صنع الآن؟ هذا الموقف انتهى؟ لالم ينتهي هناك تتمة ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف :40 – 41 ]ما جئتم تستفتون فيه أخبرتكم بنبأه لكن هل اكتفى يوسف بإخبار هؤلاء القوم بتأويل رؤياهم وتفسيرها وإلا  استغل هذا الموقف بشيء آخر؟
يوسف لم يُسرع في الإجابة, إذًا لم يبادر لهم في ما أتوا إليه وإنما هم قدموا إليه وسيعطيهم ما يريدون لكن لم لا يعطيهم ما يريدون ومعه ما قد يكون سببًا في استنقاذهم مما هم عليه من الوقوع في الكفر أو الشرك, ولو استغل هذه الفرصة في تضخيم شخصيته أمام أعينهما أو في كسب إعجابها أوفي نيل المصالح الذاتية بل يقدر لهما هذه اللفتة التي أتت من هذين الرجلين اللذان أعجبا بشخصية يوسف ويستخدمها في نشر الدعوة, وينفذ إلى الغرض من خلال الأسلوب الذي ينم عن أن الكلام الدعوي تفرع من صميم الحديث الذي بدأ فيه من أجل تأويل رؤياهما مما يدل على أمرين هامين:-
الأول: أنه ينبغي للداعية أن يترقب الفرصة المناسبة لنشر الدعوة, -
الثاني: مما يُستفاد يعني مما يدل على قصته يوسف أنه إذا أتاح الله له فرصة ما تلائم عرض الدعوة فلا يجوز له أن يدعها تضيع هدرًا بل يُبادر في استعمالها في أكبر غاية وأعظم هدف, عندما يكون للإنسان أو تسمح للإنسان فرصة من الفرص المواتية للدعوة التي لا يوجد فيها مُعيقات أو مؤثرات خارجية فإنه يلزمه أن يستغل مثل هذه الفرصة ولا يفرط فيها, وإن تركها فإنما هو مفرط ولم يقم بواجب الدعوة على وجهها السليم الصحيح
ونعود إلى سياقات القصة قبل قليل أنه كان سبب حبس الملك للرجلان أنه توهم أنهما تمالأ على سمه في طعامه وشرابه, وكان يوسف اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث وحسن السمعة وكثرة العبادة ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن ولما دخل هذان الفتيان تأنسا به وأحباه حبًا شديدًا وقالا له: والله لقد أحببناك حبًا زائدًا قال: بارك الله فيكما إنه ما أحبني أحد إلا دخل علي من محبته ضرر؛ أحبتني عمتي (امرأة العزيز) فدخل علي الضرر بسببها وأحبني أبي فأوذيت بسببه فقالا: والله ما نستطيع إلا ذلك, ثم أنهما رأيا منامًا فرأى الساقي أنه يعصر خمرًا ورأى الآخر وهو الخباز أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه.فقد استغل يوسف هذا الموقف لكونه صاحب هدف سام (هدف الدعوة) إبلاغ دين الله بهذا ننتهي في الحديث عن انتهاز الفرص إلى اللقاء القادم أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المحاضرة التاسعة عشرة  (ترتيب الأولويات من الصفات والموضوعات)
اليوم نتحدث إن شاء الله تعالى عن قضية جديدة أو محور جديد يتصل بصفة ترتيب الأولويات من الصفات اللازمة, وترتيب الأولويات من الأهمية بمكان بحيث يعرف الداعية أي الموضوعات المهمة التي يكون لها حق الأولوية ليبدأ بها في دعوته, ولا شك ولا ريب أن من أولى الأولويات هو تعبيد الناس لله رب العالمين.
فيُحسن بالداعية أن يُعنى بالأهم فالمهم فالأقل أهميه يتضح ذلك جليًّا في قول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "إن أول ما نزل منه أي من آي القرآن سورة من المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار."إذًا حتى تَنَزُّل هذا القرآن كان تنزيلًا يتناسب و حال هؤلاء القوم الذي يأتيهم هذا الدين لأول مرة فكان يتنزل القرآن تنزلًا يتواءم ويتوافق مع حال هؤلاء الأقوام وترتيبه للأولويات التي يحتاجون إليها.
تقول أم المؤمنين"إن أول ما نزل من القران سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناسُ إلى الإسلام- أي عادوا أو حبوا أو مالوا أو أرادوا هذا الدين- نزل الحلال والحرام, ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا, ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا.
إذًا حتى تنزل القرآن كان يتنزل مُنجمًا يتنزل بما يفهم منه التتابع في الأولويات التي يحتاج إليها الناس أو حتى أولويات في جوانب الدعوة, فبذلك القرآن أول ما نزل منه آيات من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا رُغب الناس في الجنة ورُهبوا من النار استعدت أنفسهم لتقبل الحلال والحرام ليبين لهم أن هذا ما تفعلونه جائز حلال وأن هذا الذي تفعلونه وتصنعونه مُحرم؛ ولذلك قالت أم المؤمنين: أنه لو نزل أول ما نزل لا تشربوا الخمر لقالوا: لا نترك الشرب, ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا نترك الزنا أبدًا, لكن لأن هناك مراعاة للأولويات تم أخذ شيء من التدرج شيئًا فشيئًا مع هؤلاء الناس حتى إذا استقر الإيمان في أنفسهم وانعقدت قلوبهم على محبة هذا الدين والإيمان به والإذعان له كان بعد ذلك بيان الحلال والحرام. إذًا قد أشارت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- إلى الحكمة في ترتيب التنزيل, وأن أول ما نزل من القرآن الدعوة إلى التوحيد والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر وللعاصي بالنار فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام, إذًا الدعوة إلى التوحيد أولًا ولا يُبدأ بالدعوة لغيرها وتصحيح العقدية هو الهدف الأسمى والأولى والأمر الذي يُبدأ به دون غيره؛
فلذلك على الداعية أن تكون دعوته ابتداءً للعقيدة لتوحيد لله وبيان أسمائه وصفاته وبيان أنه هو المستحق للعبادة وحده دون سواه.
أيضًا ينبغي أن يُعنى الداعية بتقديم ما هو أصل على ما هو فرع فيقنع الناس به ويحملهم على قبوله فإذا ما استقر في القلوب واستجابت له النفوس أنتقل إلى أبعد من ذلك من أمور متأسيًا برسول الله لينتقل بعد ذلك إلى معالجة ما هو فرع من السلوك العملي وهذا الأمر يتجلى في وصية النبي الكريم لى مبعوثه لليمن معاذ بن جبل حينما قال:( له إنك ستأتي قومًا أهل كتاب) فيبين أن أهل الكتاب هذه هي البيئة التي ستذهب إليها, وهذا فيه أيضًا مراعاة أحوال المدعوين الصفة التي ذكرناها آنفًا, وأهل الكتاب يحتاجون إلى طريقة في الدعوة هي تختلف وتتباين عما يحتاج إليه غيرهم, قال: (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا إلى أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) انظر كيف بدأ النبي بهذه القضية وهي قضية القضايا وأس الأسس ومرتكز الركائز جميعًا وهو توحيد الله ؛ توحيده في العبادة توحيده في أسمائه وصفاته إذًا هذا هو أس الأسس وأولى الأولويات أن يُدعى المدعوين إلى عبادة الله وعقيدته, ومن ثم بعد ذلك بعد أن يرسخ هذا الأمر ينتقل معهم إلى دعوتهم إلى العبادات وإلى السلوك وغير ذلك.نعود إلى الحديث فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ أي أطاعوا لك شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فأخبرهم انظر إلى التدرج أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة لم تقدم الصلاة على ما سبقها؟ لأن شهادة أن لا إله إلا الله وترسيخ العقيدة هي الأساس والأصل وإذا صلحت فإن ما دون ذلك هو تبع لها يقول: فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم).
إذًا بدأ في العقيدة وشهادة أن لا اله إلا الله ثم أنتقل إلى الصلاة ثم تتبعها بالزكاة (فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وليس من فقرائهم وترد إلى فقرائهم, فإن هم أطاعوا بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب) إذًا وضح النبي في هذا الحديث الأولويات التي ينبغي للداعية أن يُعنى بها.
يروي الصحابي الجليل أبو هريرة أن النبي قال:( الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا اله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان) إذًا هذا شأن الداعية أنه يُعنى بجانب فقه الأولويات, فلا يُلقي بدعوته جزافًا بلا مراعاة للأولى ولا اعتبار للأصلح, إذًا يراعي الأولويات مراعاة دقيقة بل عليه أن يرتب أموره في تبليغ دعوته فيأتي بالأهم ثم المهم بالأنفع ثم النافع مع مراعاة أحوال المدعوين والتدرج معهم والناظر إلى الشريعة الإسلام يجد أنها راعت الأولويات في التشريع الإسلامي حتى في التشريع الإسلامي والأحكام والفقهاء باستقرائهم عرفوا أن ترتيب الأولويات سنةً تشريعية فبنوا عليها قواعدهم الفقهية واحتكموا إليها فأحرى بأهل الدعوة اعتبار ذلك, فالشريعة تقدم الفرض على النافلة وهذا معلوم ومعروف, وتقدم النص على الاجتهاد وتقرر أن درء المفاسد مُقدم على جلب المصالح والمصلحة العام مقدمة على المصلحة الخاصة, ودرء الضرر العام قبل الضرر الخاص وأنه يجوز ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين مخافة ضرر أكبر وشر أخطر, وطلب العلم أولى من التنفل عند التعارض ومحاربة الشرك مقدم على غيره وهكذا.
هذه كلها أسس وقواعد ضمن القواعد الفقهية وغيرها يدل دلالة كبيرة على أهمية العناية بالترتيب الأولويات؛ ذلك أن الأولويات مهمة في حياة الداعية إلى الله تعالى كثيرة هي الواجبات المتعددة وعلى رأسها التوحيد فهو أول واجب على الخلق وأول ما يُدعى الخلق إليه, وقد بين النبي لمعاذ وأرضاه. النبي حينما يبعث أحد أو يرسل رسولا من عنده إلى أقوام فإنه يؤكد على أهمية تصحيح العقيدة والابتداء بها؛ لأنها هي السبيل إلى قبول العمل وقبول العمل له شرطان كما ذكرننا آنفًا :-
أولها: الإخلاص: وهو تصحيح العمل ألا يكون لله فيه شريك أن يكون العمل خالصًا لله ليس معه شريك وهذه هي غاية العقيدة التي يدعو إليها دعاة الحق, أن يصبر على ما أصابه في سبيل التمسك به, كما أن ترتيب الأولويات ما يكون في جانب الأخلاق والآداب
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في مؤلفه "مسائل التوحيد" يقول -رحمه الله تعالى-:" فيه البداءة بالأهم على المهم عند حديث (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) حديث معاذ بن جبل." يقول الإمام مجدد -رحمه الله تعالى-:" يكون فيه البداءة بالأهم على المهم."انتهى كلامه -رحمه الله تعالى- نعم الأهم يُبدأ به قبل المهم لابد أن يكون عندك معرفة بالأولويات لتبدأ بها أيها الداعية, إذًا الداعية الحكيم هو الذي يراعي الأولويات من جهة ويراعي عدم ملالة الناس من جهة أخرى.
عن شقيقٍ قال: كنا جلوسًا عند باب عبد الله بن مسعود ننتظره فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي فقلنا: أعلمه بمكاننا, كانوا يعني أتوا هؤلاء وبقوا عند بابه وانتظروا لأجل أن ينتظروا خروجه مثلًا ويسألونه ويستفيدوا منه ويستزيدوا منه علمًا, أعلمه بمكاننا فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله بن مسعود فقال: إني أخْبرَكم بمكانكم يعني إني أعرف أنكم كنتم هنا فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهة أن أملكم أن يصيبكم الملل مما أُحدثكم فيه, إن رسول الله كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا."
وتقول عائشة -رضي الله عنها- لابن السائب وهو قاص من أهل المدينة:" قص على الناس في كل جمعة فإن أبيت فاثنتين فإن أبيت فثلاثًا فلا تمل الناس هذا الكتاب؛ أي لا تجعلهم يملوا هذا الكتاب ولألفينك تأتي القوم وهم في حديث من أحاديثهم فتقطع عليهم حديثهم ولكن اتركهم فإذا جروك عليه وأمروك به فحدثهم؛ وذاك بسبب أن تتهيأ الأنفس وتكون لديها استعداد لتلقي الموعظة.
لنا في رسول الله الأسوة الحسنة فإنه كان يركز في دعوته خاصة المدعوين الجدد على العناية بترتيب الأولويات, من ذلك الحديث الذي رواه أنس بن مالك قال:" نُهينا أن نسأل رسول الله عن شيء فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال:(يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك, قال: صدق, قال: فمن خلق السماء, قال: الله )يعنى انظر هذا الأعرابي عندما أتي إلى النبي أخبره أن مبعوث النبي أتى إليهم وكان يقول كذا وكذا فأتي الأعرابي لأجل أن يتحقق من هذا الأمر وصحته؛ لأنه كان عنده شيء من التردد أو شيء من قبيل ذلك أو أراد التحقق واليقين من أن هذا قول من قول رسول الله فجاء يقول من البادية: (يا محمد أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك انظر حتى الأعرابي عندما أتي لسؤال النبي بدأ في قضية مهمة جدًا هي التي بدأ بها مبعوث النبي عندما أخبر أن النبي مرسل من الله وأنه أتى إليهم بدين الله , وأنه يأمرهم بعبادته فهذا يدل على أن هذا المبعوث كان لديه إلمام كبير بالأولويات فكان يبدأ بها دون غيرها ثم قال: (قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله, قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله, قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله, قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم أجابه النبي قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا) انظر إلى الأولويات والتدرج لم يذكر الصلاة أولًا وإنما ذكر ما هو أولى منها ويأتي البداءة به, وهذا الذي نعيده ونكرره أن على الدعاة العناية به وهو جانب تصحيح المعتقد قال: صدق, قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم, قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا انظر أيضًا إلى أمر التدرج المعتقد فالصلاة فالزكاة قال: صدق, قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم, قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا, قال: صدق, قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم, قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا, قال: صدق, قال: ثم ولى؛ أي انصرف قال بعد أن نهض وقام وقبل أن ينهي مجلسه قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص منهن, فقال النبي : لئن صدق ليدخلن الجنة).
هذا الرجل وهذا الأعرابي الذي أتى النبي يتحقق من هذا الأمر أراد أن يصف ما كان عليه هذا المبعوث فبين أنه أيضًا عُني بجانب ترتيب الأولويات, وهكذا ينبغي أن يكون عليه دعاة الإسلام جميعًا أن يُعنوا بجانب ترتيب الأولويات التي تحدثنا عنها في هذه الحلقة إلى الملتقى في الحلقة القادمة أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله ورحمة وبركاته.
المحاضرة العشرون (استثمار مستجدات الدعوة إلى الله).
اليوم ننطلق للحديث عن قضية لا تقل أهمية عما ذكرنا سابقًا هي استثمار مستجدات الدعوة إلى الله, وهذا الجانب هو قريب يعني بعض الشيء للصفة التي تحدثنا عنها مسبقًا وهي صفة انتهاز الفرص, هذه الصفة أيضًا في توظيف المستجدات في الدعوة إلى الله نقول: إنها لا تقل أهمية عما سبق وفيها تقارب بعض الشيء بينها وبين صفة انتهاز الفرص, ما الذي نعنيه بأهمية توظيف المستجدات في الدعوة إلى الله؟
نعرف أن بيئات الدعوة تختلف وتتباين كما أن أحوال الدعوة تختلف وتتباين؛ فهناك ظروف وأحوال ومستجدات لابد أن يكون الداعية على إلمام بها ووعي وإدراك لكيفية توظيفها واستثمارها واستغلالها لأجل الدعوة إلى الله ونشر هذا الدين بين الناس؛ يعني ممكن أن يكون من ضمن هذه الأمور:
ما يتصل باستغلال المناسبات: من توظيف المستجدات استغلال المناسبات, فنعرف يقينًا أن المستجدات ليست شيئًا مضطردًا مستمرًا باستمرار وإنما هو شيء حادث يحدث من حين إلى آخر ومن فترة إلى فترة, فإن الداعية المدرك العارف الفطن يحاول أن يوظف هذه المستجدات في الدعوة إلى الله كمثل الظروف والكوارث على سبيل المثال: عندما يحدث كارثة كالزلازل -أجارنا الله وإياكم-أو البراكين أو الفيضانات هذا مستجد في بيئة الدعوة, كيف يستطيع الداعية أن يستثمر أو يستغل مثل هذا الأمر؟ هناك عدة طرائق حقيقية تتصل بهذا الجانب وهو أن يستثمر أو يستغل مثل هذه الظروف في تقريب الناس إلى الله وتخويفهم وبيان أن هذه من الأمور أو الابتلاءات التي يبتلي بها الله عباده.
وأيضًا من استغلال المستجدات وتوظيفها في الدعوة حدوث الظواهر الطبيعية الآيات الطبيعية الكونية التي يُخوف الله عباده بها كمثل: الكسوف والخسوف هذه حدثت في عهد النبي وتحدث إلى زماننا, النبي صلى في هذه الصلاة وخطب في الصحابة من أتباعه وبين لهم هذا الأمر وشأن هذه الآية وأنها من آيات الله يُخوف بها عباده, فالنبي استثمر ووظف هذا المستجد الحادث الحاصل الآلي لأجل أن يدعو هؤلاء, وأيضًا تتباين هذه المستجدات من الظروف والكوارث والمناسبات والأحوال إلى استغلال المستجدات المعاصرة, وهذا الذي حقيقة أريد أن أركز عليه جيدًا في هذه الحلقة؛ لأن المستجدات التي تتصل بالمستجدات نوظفها في الجانب الدعوي والمستجدات الدعوية ومستجدات في وسائل الدعوة ومثلها المستجدات التقنية في وسائل الدعوة وغيرها, ونعرف يقينًا ونعرف جيدًا أن وسائل الدعوة أو الوسائل والأساليب هي أحد أركان الدعوة (الداعي والمدعو وموضوع الدعوة أو محتواها والوسائل وسائل الدعوة وأساليبها) فهذه الوسائل متجددة كما أخبر بذلك جمع من أهل العلم وهي اجتهادية يجتهد الداعية في استثمار الوسائل لأجل أن يُبلغ هذا الدين وأن يوصله لمستحقيه ومريديه.
إذًا لما كانت وسائل الدعوة متجددة في كل عصر ومواكبة هذا التجدد واستثماره من أوجب واجبات الدعاة إلى سيبل الله ودينه القويم فقد أجمع الراسخون في العلم على أن وسائل الدعوة اجتهادية غير توقيفية؛ يعني هذه المسألة مهمة جدًا لابد أن يعيها طالب العلم المتخصص في الدعوة أن وسائل الدعوة اجتهادية عليه أن يجتهد في وسائل الدعوة والوسائل والأدوات التقنية الشيء الذي يوصل به هذا الشيء .
أما بالنسبة لما يتصل بالأساليب وبالمحتوى فإن هذا الأمر قضية -موضوع الدعوة على وجه الخصوص- قضية توقيفية ليس للداعية مجال أن يبتكر ويجتهد فيها وإنما الوسائل اجتهادية, وأنا أذكر أنني سألت سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في مكتبه في الإفتاء عنهالأنه دار الحديث فيها زمنًا طويلًا في قضية الوسائل هل هي اجتهادية أم توقيفية؟ فسألته هل وسائل الدعوة توقيفية أم اجتهادية؟ فأجابني -رحمه الله تعالى- بأنها اجتهادية أي وسائل الدعوة اجتهادية, وقال بهذا القول جملة من أهل العلم.
إذًا من أبرز تلك الوسائل العصرية وهي كثيرة الحقيقة وسائل الدعوة كثيرة جدًا تتنوع من الوسائل المكتوبة إلى الوسائل التي تستخدم التنقية إلى الوسائل الرقمية إلى غير ذلك من الوسائل كالكتب مثلًا والإذاعة والتلفاز مثلًا وسائل الاتصال الشهيرة المعروفة التليفزيون والإذاعة والصحافة والكتابة وغيرها من التقنيات المعاصرة مثل: التقنية الرقمية الحاسب الآلي وما يتصل به من برمجيات وغيرها, ما أريد أن أركز عليه في استغلال المستجدات هي ما يتصل بالتقنيات المعلومات أو تنقية المعلومات على اختلافها ذلك أنها أثبتت تجربة نفعها الكبير في نقل الدعوة والتأثير بها؛ لأن هذه هي أوعية أشبه بالشيء الناقل للدعوة يعني مثل هذا الكوب الذي أمامي هو وعاء يحمل يومًا عصير واليوم الآخر ممكن تحمل فيه قهوة أو تحمل فيه ماء أو تحمل فيه ما شئت فهذا نسميه وسيلة نقل ينقل لنا ما نريد, الدعوة هي شيء حي متحرك يحتاج منا أن ننقله لا يمكن أن تبث وتنتقل الدعوة هكذا بنفسها لابد لها من ناقل, والناقل هو الداعية والداعية هذا يحتاج إلى وسائل معينة ومساندة له وهي الأدوات هذه الوسائل, وقلنا إن الوسائل تتعدد وتتنوع في كل عصر ومصر .
النبي في وقته استخدم كل الوسائل المتاحة في زمنه, فلذلك نجد النبي استخدم وسيلة المنبر كان يصعد على جذع نخل والصعود على جذع النخل كانت تُعد وسيلة من وسائل الإبلاغ, النبي استخدم خاتمًا كان يختم به كتبه التي كان يرسل بها إلى الملوك وإلى العظماء هذه وسيلة من الوسائل أيضًا في إيصال الدعوة, كان يستخدم الكتابة كان يكتب له الصحابة ما يريد أن يبعث به من كتب هذه الكتاب مثلًا يكون المرسل يتخذه وسيلة الكتابة وهكذا تتنوع هذه الوسائل إلى عصرنا الحاضر الذي كثرت فيه الوسائل وسائل الاتصال هذا إلى أن وصلنا إلى وسيلة مهمة جدًا وهي وسيلة تقنية المعلومات, وتقنية المعلومات هذه هي ناقل أصم ينقل الخير وأيضًا ينقل الشر فلازم الدعاة في هذا العصر أن يُعنوا عناية جيدة باستخدام هذه الوسيلة؛ لأنها ناقل كبير وأثبتت التجارب أن هناك انتشار كبير لهذه الوسيلة .وإن أشرف مهمة وأعظم شيء ممكن أن تقوم به هذه التقنية هو أن تنقل هذا الدين الحق للمتعطشين له والمتطلبين له فهذه الوسيلة وسيلة تنقية المعلومات من الأهمية بمكان أن يُعنى بها الداعية وتكون من استثماره واستخدامه للمستجدات في الدعوة.
إذًا توظيف تقنية المعلومات في الدعوة إلى الله يُبين الحاجة الملحة للتأكيد على أن من الأهمية توظيف الدعوة لكافة وسائل البلاغ الممكنة والمتاحة, ولعل من أيسرها في هذا العصر -عصر المعلومات- العناية بجملة وسائل الاتصال الفَعَّل ومن أوصلها انتشارًا وأكثرها فاعليه تقنية المعلومات ؛ لأنها تستخدم التطبيقات الكثيرة؛ الملتيمديا تستخدم تطبيقات مثلًا الصوت وتستخدم الصورة وتستخدم الفلاشات وتستخدم التحادث والتخاطب عن البعد الحي مثلًا وغيره, فهذا فتح كبير وهو أمانة أستودعها الله علينا نحن الدعاة والمتخصصون في الدعوة على استثمارها, لكن لهذا الاستثمار ضوابط لابد للداعية أن يعيها ويدرك شيئًا مما يتصل بها.
ولما كانت مهمة الدعوة إلى الله تعالى مطلقة غير مقيدة بزمان أو مكان فإن هذا يعنى ضرورة أن تنطلق الدعوة بموجب متطلبات العصر الذي تنطلق فيه, والتركيز هنا ينصب على الوسائل التي تُستخدم للتبليغ والوسائل وتتجدد وتتطور وتتغير بحسب التطورات العلمية والتقنية ..فهناك تواصل كبير بين هذه التقنية أي تقنية المعلومات والدعوة, بين الدعوة وتقنية المعلومات تواصل كبير, فالدعوة تسعى لاستثمار هذه التنقية والتقنية هي الحامل الذي يُفترض فيه أن يكون حاملًا أمينًا لهذه الدعوة, إذ أن الدعوة تتخذ من هذه التنقية وسيلة لها لأن تصل للمدعوين, وهذه التقنية تشرف بأن تكون الناقل لهذا الحق المبين توصله للمتطلبين له والمتعطشين إليه.
هناك ترابط كبير بين الانترنت والدعوة عندما نقول: تقنية المعلومات فإننا نعنى بها على وجه الخصوص الجانب المتصل بالانترنت, والانترنت هو إحدى تطبيقات هذه التقنية المعاصرة وهو يعنى من الأهمية بمكان أن يستغلها الدعاة لانتشاره الكبير, ولسهولة استخدامه الآن بين العامة والخاصة, ولتكلفته اليسيرة ولأنك تستطيع أن تتواصل عبر هذه التقنية مع عدد مهول وكبير من الناس, و هذه التقنية التي أصبحت في متناول الجميع ويمكن التعامل معها بكل يسر وسهولة عبر نقل الصوت والكلمة المسموعة والمكتوبة بالنص أو الاتصال المباشر مع أعداد كبيرة في آن واحد.
والانترنت هو التطبيق الأوسع والأكبر والأقوى فقد ضم كل تلك التطبيقات وتقنية المعلومات بين جنبيه فالنشر الالكتروني بكافة صوره ممكن أن ينطلق عبر هذه التقنية الرائعة والتي منها الرسائل المتعددة وتوظيف التقنيات الرقمية المختلفة وهذا كله يجمع بين الجذب والإفادة, وهذا يحتم على الدعاة إلى الله العناية بهذه التقنية من جملة وسائل الدعوة لعدة أسباب نذكر منها:
وجوب الدعوة واستخدام كل الوسائل المتاحة في هذا المجال وأنها وسيلة لها حكم الغاية, وغاية الدعوة هداية الناس وهي أمر مشروع بل مندوب إليه بل يكون واجبًا عينيًا في أحوال وهذه الوسيلة لها حكم الغاية.
من الأسباب أيضًا اجتماع وتنوع عدد الوسائل في وسيلة واحدة وهي الوسيلة العصرية فيها تنويع في الوسائل وجمع كثير منها وهذا فيه قدر من عدم إملال المتلقي المدعو وتشويقه وإفادته.
أيضًا من الأسباب سرعة الانتقال ووصول المعلومات أين كانت أو أين كان مصدرها ونوعها مع التميز بسعة الانتشار العالمي.
ومن الأسباب استغلال الفرص المتاحة فيها ومنها استخدام الوسائط المتعددة الأصوات والصور المتحركة والأفلام وهذا يتيح لك عرض الخطب والمحاضرات والأفلام والبرامج بالصوت والصورة.
من الأسباب أيضًا تبين أهمية هذه التنقية أنها تقنية غير مكلفة -كما ذكرنا قبل قليل- لأنها تخاطب إعدادًا كبيرة فيستخدمها جميع الفئات مختلف مشاربهم واتجاهاتهم واهتماماتهم مما يعنى أنه إذا أُحسن استثمارها كانت سببًا في وصول الدعوة إلى أكبر شريحة من المستهدفين بالدعوة الإسلامية.
أيضًا مما يبين أهمية هذه الوسيلة استخدام النخبة لهذه التقنية والإقبال الكبير عليها, أيضًا من الأسباب الاجتماع بين الزمان والمكان فهي متاحة طوال الوقت في أي مكان.
أيضًا من الأسباب يسر الاستخدام وسهولته.
ومن الأسباب تحقق خاصة التفاعلية بين المستخدمين بعضهم البعض وهو ما يوفر إمكانية رجع الصدى الاتصالي.
وأيضًا التطور المذهل في تطبيقاتها فهي في سباق مع الزمن وفي تسارع مُضطرب ومن أحدثها ما يمكن أن يُطلق عليه الربط الدعوى فقد أصبح بإمكانك أن تتصل بالشبكة من مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأدوات كحاسبات الجيب والهواتف النقالة والحاسبات الملبوسة كحواسب الساعات وغيرها وهذا ييسر لك التواصل المستمر مع تقنياتها وتداخلها في كثير من شئون حياتنا العامة والخاصة.
وبما أن الانترنت في أحوال كثيرة ليس وسيلة احتكاك مباشر بالناس فإن هذا الأمر -يعنى هذه إحدى مميزاته- يُعطى مرونة كثيرة للدعاة وهذا ملحظ جيد في انعدام المواجهة بين الداعي وجمهور المتلقين وبالتالي يستطيع الداعي التحكم في مشاعره وانفعالاته وضبطها, ثم ينبغي للدعاة عدم التركيز عليها يعنى هذا الحديث عن هذه التقنية ينبغي ألا يجعلنا نُغفل الجانب عن الوسائل الاتصالية الأخرى, فلا شك أن مثلًا هناك وسائل جدًا مفيدة كالتليفزيون بقنواته مثل قناة الجامعة مثلًا لدينا في غلاف الجامعة وغيرها من القنوات التي يمكن أن ينقل المرء من خلالها الخير للناس, فمع أهمية ما سبق يلزم الدعاة البعد عن التركيز على وسيلة دون أخرى,
هناك كما ذكرنا الاستثمار الأحوال الزمنية مثل مثلًا استثمار أوقات رمضان, إقبال الناس على الخير هناك أهمية في أن نستثمره مثلًا في أوقات الحج الناس مقبلون على الخير ودعوتهم تكون أيسر وأسهل وأرحب وأوسع, نقول يعنى هذه جانب مادي.
هناك جانب آخر يختلف في الجانب المعنوي من استغلال الظروف والأحوال المحيطة بالداعي لأجل أن يستثمرها خير استثمار كما ذكرنا في أول الحلقة الحديث عن مثلًا الظروف والكوارث والأوبئة يكون ظروف الناس في هذا المكان و الزمان ظروفهم تكون مهيأة للدعوة أكثر من غيرها, فيستطيع الداعية أن يستثمر هذا الأمر لأجل أن يقرب الناس لله أكثر وأكثر وأن يدعوهم إلى الخير أكثر ويقربهم إلى الله .
قد اكتفي بهذا الأمر فيما يتصل بتوظيف المستجدات هذا الحديث عن هذه الأخيرة؛ لأجل أن اختم هذا المقرر بحمد الله والثناء عليه أن أتم لنا هذا الأمر بتسجيل حلقات مقرر صفات الداعية,
نحاول الآن أن نعيد عليكم مفرداته حتى نكون على دراية بما قد مر علينا
كان المقرر مقسم إلى ثلاثة أقسام:-
المدخل وقسمين رئيسين, المدخل تحدثننا فيه بفضل الله عن أهمية دراسة مقرر صفات الداعية, ثم تحدثنا بعد ذلك عن المقصود بصفات الداعية وعن حاجة الأمة إلى الدعوة والدعاة, ثم انتقلنا إلى الحديث عن الصفات الأساسية وهناك صفات لازمة: تحدثنا في الصفات الأساسية عن تسع صفات بدأناها بأهمها وأولها وهو الإخلاص لله ثم تحدثنا بعد ذلك عن العلم ثم تحدثنا عن القدوة الحسنة بعد ذلك تحدثنا على الحرص على هداية الناس ثم كان الحديث عن الاعتزاز بالإسلام ثم بعد ذلك تحدثنا عن صفة الرفق واللين ثم بعد ذلك كان الحديث عن التواضع كصفة من الصفات الأساسية...ثم انتقلنا بعد هذا الأمر إلى الحديث عن الصبر والحلم ثم ختمنا الحديث عن الصفات الأساسية بالكلام عن صفة التضحية, بعد ذلك انتقلنا إلى الشق الأخر والجزء الثاني من الصفات وهو الصفات اللازمة تحدثنا فيه عن ست صفات بدأنا الحديث عن مراعاة أحوال المدعوين, ثم الحديث عن المخاطبة على قدر الفهم.
ثم انتقلنا للكلام عن الإلمام بفنون القول والتبليغ, ثم الحديث عن انتهاز الفرص, وبعد ذلك تحدثنا عن ترتيب الأولويات ثم ختمنا بالحديث في هذه الحلقة عن توظيف المستجدات في الدعوة إلى الله تعالى.
وبهذا نكون قد أتينا بفضل الله تعالى ومنته على كامل فقرات هذا المقرر من مبتداه إلى منتهاه في هذه الحلقة نسأل الله بمنه وكرمه وعظيم إحسانه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن ينفعننا بما علمنا وأن يعلمنا بما ينفعنا وأن يتجاوز عنا الخطأ والتقصير والنسيان وأن يجعلننا مباركين أينما كنا وأن يحسن ختامنا في أمورنا كلها وأن يوفقنا وييسر أمورنا جمعيًا .أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يجعلنا جميعًا من عبادة الصالحين الأتقياء وأن يجنبنا الشرور وأن يحفظنا بحفظه وأن يكلأنا برعايته وإلى لقاء قريب في مقرر آخر, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تم الانتهاء من الملخص بحمد الله وفضله يوم الجمعة الموافق 28/ذو لقعدة / من عام 1431هجرية
*وقد تم حذف المكرر فقط من كلام المحاضر جزاه الله خيرا ونفع بعلمه ...
دعواتكم بالتوفيق والسداد لنا ولجميع الإخوة الأخوات في أمور ديننا ودنيانا وان يرزقنا الله العلم النافع والعمل الصالح انه ولي ذلك والقادر عليه    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق