الأربعاء، 17 مايو، 2017

همية نهر دجلة والفرات بالنسبة للدول المطلة عليهما العراق سوريا تركيا

ايجابيات التعاون بين دول حوضي نهري دجلة والفرات :

أهمية  نهر دجلة والفرات بالنسبة للدول المتشاطئة عليهما العراق سوريا تركيا
يلعب نهرا الفرات ودجلة في الدول الثلاث دوراً كبيراً في التنمية الاقتصادية وخاصة الزراعية منها وان كان حجم هذا الدور يختلف من دولة لأخرى .

ففي تركيا يغطي حوض نهر الفرات سدس مساحة تركيا أي حوالي 78000 كم2، وهو يجود بحوالي سدس الموارد المائية السطحية التي تبلغ وسطياً 180 مليار م3/سنة ، وبأكثر من ربع الطاقة الكهرمائية المجدية اقتصادياً والتي تبلغ 120 ترا واط ساعي/السنة. أما حوض نهر دجلة فيحتل نسبة من مساحة تركيا ويقدم عشر مواردها المائية السطحية تقريباً و 14% من الطاقة الكهرمائية المجدية اقتصادياً . لهذا فإن الاستثمارات القائمة في الحوضين بما فيها مشروع الـ GAP تشكل قاعدة مادية رئيسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في تركيا .

أما في سورية فتعتمد التنمية الاقتصادية والاجتماعية اعتماداً أساسياً على مشاريع الري فيها نظراً لأن أراضيها تقع ضمن مناطق شبه جافة وجافة بشكل رئيسي، وبالتالي فإن مايزيد عن 90% من مجموع الأراضي السورية القابلة للزراعة يحتاج الى ري مستديم ضمانا لانتظام الزراعة واستقرار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتجنباً لتعرض الإنتاج الزراعي لتقلبات واسعة واضطراب كبير مما هدد دوماً بكوارث اقتصادية في مواسم القحط والجفاف، إذ أن نسبة كبيرة من السكان يعتمدون اعتماداً كلياً على الزراعة. وتقدر الأراضي القابلة للري في حوض الفرات استناداً الى دراسات تفصيلية تمت لهذه الغاية بـ 1040000 هكتار.

أما في العراق فقد قدرت وزارة الري في العراق أن نقص كل مليار م3 من المياه سيؤدي إلى خروج 62.5 ألف هكتار من الأراضي المروية من الزراعة داخل العراق. ونبين فيما  يلي بعض المعلومات عن الاستثمارات الزراعية والاحتياجات المائية في العراق :

    مساحة الاراضي القابلة للارواء 22 مليون دونم
    الاراضي المزروعة  12.5 مليون دونم في عام 2008 وهي تشكل 57.5% من الأراضي  القابلة للأرواء
    مساحة  الأراضي المستصلحة  4.3 مليون دونم
    الاحتياجات المائية للاستخدامات الزراعية  والبلدية  والصناعية  49 مليار  م 3 / سنة
    الاحتياجات المائية الإجمالية 70 مليار م 3 /سنة لتلبية مايلي :
-  الاستخدامات الزراعية  والبلدية والصناعية
-   المتطلبات  البيئية
-   متطلبات الطاقة
-   انعاش الاهوار

استنادا إلى ماسبق يتبين لنا الحجوم الكبيرة للاستثمارات التي تمت في الدول المعنية، ناهيك عن الخطط المستقبلية التي تبنتها تلك الدول من أجل تنمية تلك المناطق اعتمادا على مياه النهرين مما يدل على الأهمية المصيرية بالنسبة لكافة الدول المعنية، إذ يشكلان العماد الرئيس للتنمية الزراعية والتطور الاقتصادي وتغطية متطلبات الأمن الغذائي وتوليد الطاقة الكهربائية.

5-2 : أهمية التعاون بين دول النهرين
بداية لابد من الاشارة إلى أن منطقة حوضي نهري دجلة والفرات سوف تتعرض حتما لازدياد في الطلب على الموارد المائية لتلبية الاحتياجات التنموية المتزايدة في ظل التزايد السكاني، مما قد يتسبب في ازدياد التوتر بين الدول المعنية بموارد هذين النهرين، ناهيك عن التدهور البيئي الذي يمكن أن يتعرض له حوضي النهرين بسبب سوء الاستخدام وعدم وجود اتفاقيات تعاون واضحة لتجنب هذا التدهور، ولابد من التذكير هنا بالتوتر الذي حدث بين العراق وسوريا في سبعينات القرن الماضي عندما بدأت سوريا بملء بحيرة سد الفرات، وكاد أن يتطور الأمر إلى نزاع مسلح، وكذلك الأمر بين تركيا وسوريا عندما باشرت تركيا بملء خزان سد أتاتورك .

ولاشك أن عدم التوصل إلى اتفاقيات نهائية توضح حصة كل من الدول في مياه النهرين سيبقى يشكل مصدر توتر في المنطقة. ناهيك عن الاختلاف بين تعريف النهرين من قبل تركيا والدول العربية المعنية، إذ أن تركيا تعتبر النهرين أنهارا عابره للحدود وبالتالي فإن لها السيادة الكاملة على إدارة مياه النهرين في أراضيها، في حين أن سوريا والعراق تعتبران النهرين كأنهار دولية. وبعيداً عن التفسيرات هذه والتي تدخل في جدل فلسفي فإنه لايمكن لأحد أن ينكر الحقوق المائية للدول الثلاث في اقتسام مياه النهرين، هذه الحقوق التي تعود إلى مايزيد عن أربعة آلآف عام ولايمكن لها أن تنسى هكذا، إضافة إلى ماذكرناه أعلاه من حجوم الاستثمارات الكبيرة التي بذلت والمخطط لها من قبل الدول المعنية والتي تتم حتى الآن بصورة أحادية (  unilateral) والعدد الكبير من السكان الذين يعيشون في حوضي النهرين والذي يقدر بما يزيد عن 25 مليون إنسان( UNEP 2010 ). ومن المتوقع ان يتفاقم الأمر سوءا في المستقبل إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تأثير التغيرات المناخية المتوقعة على تصريف النهرين، حيث تشير الدراسات إلى أن منابع نهري دجلة والفرات ستتعرض إلى انخفاض في الهاطل المطري في حدود 20 إلى 30 % مما سيؤثر سلبا على الجريان السطحي، إضافة إلى تأثير ارتفاع درجات الحرارة نتيجة التغيرات المناخية وانعكاس ذلك على الهاطل الثلجي في مناطق الينابيع المغذية لكلا النهرين، ويبين الشكلان 18 و19 هذه التاثيرات. إذ أن ارتفاع الحرارة بمقدار خمس درجات سيؤدي إلى انحسار الغطاء الثلجي من 170000كم2 إلى 33000 كم2 ، كما سيؤدي انخفاض الأمطار إلى نقص التغذية للمياه الجوفية في مناطق تغذية ينابيع نهري دجلة والفرات بمقدار 10% وان انخفاض الهطول المطري بمعدل 25% سيؤدي إلى انخفاض تصريف النهرين بنسبة 42%  ( SMITH ,and al.2000  ).

في الحقيقة فإن التوصل إلى اتفاقيات عادلة ومنصفة بين الدول المعنية يتطلب تصفية النوايا والثقة المتبادلة في مصير مشترك، وهذا الأمر يجب أن يتم بمعزل عن المصالح الجيو- استراتيجية  إذ كما ذكرنا فإن المصالح الاستراتيجية لايمكن أن تلغي تاريخا مشتركا لشعوب المنطقة يعود إلى آلاف السنين، والنزاعات المسلحة لايمكن ان تفضي إلا إلى مزيد من الخراب والدمار لكافة شعوب الحوضين وحتى لتركيا التي تعتبر الأقوى من حيث القوة العسكرية والهيمنة، وحتى لو كانت دولة المنبع، إذ  أن نشوب أي صراع مسلح سيؤدي بالضرورة ليس فقط إلى الدمار وإنما سيكون له انعكاسات إنسانية واقتصادية من حيث تكاليف العدة والعتاد ودمار المنشآت والمشاريع الاقتصادية التي تم بناؤها لصالح شعوب المنطقة، ناهيك عن العداوات التي يمكن أن تنشأ بين الشعوب ويمكن أن تستغل من قبل البعض في صراعات تخرج عن الهدف الذي انطلقت من أجله  .

ووفقاً للمعلومات المتاحة فإن نقطة الخلاف الأساسية بين الدول العربية (العراق وسوريا) من جهة وتركيا من جهة ثانية فيما يتعلق بالتوصل إلى اتفاق نهائي هو أن تركيا تطالب بان يكون هناك إدارة متكاملة للنهر يتم في بدايتها إجراء حصر للأراضي الزراعية والاحتياجات المائية يتم في ضوئها تحديد الحصص، في حين أن الدول العربية تقول بأنه لا يمكن الحديث عن إدارة ناجحة وثابتة ومازالت دولتي المجرى الأوسط والأسفل لا تعلمان لتاريخه مقدار حصتهما من مياه النهرين من خلال اتفاقية نهائية بين الأطراف الثلاثة المعنية، وبعد أن يتم التوقيع على هذه الاتفاقية وحصول كل طرف بموجبها على حصته العادلة والمعقولة من مياه كل حوض، يتم تشكيل لجنة فنية مشتركة لإدارة كل حوض مشترك (دجلة والفرات) على حده نظراً لخصوصية كل منهما واختلاف ظروفه، وتكون مهام هذه اللجان كبيرة حيث يمكن بالإدارة الحكيمة والرشيدة تجنيب البلدان الثلاثة أي مخاطر طبيعية مثل الجفاف، الفيضان، وكذلك حسن الاستفادة من إيرادات النهر في الأوقات المناسبة وفقاً لخطط كل دولة بناءاً على طلبها.


وعلى الرغم من تحسن العلاقات السياسية بين الدول العربية وخاصة بين سوريا والعراق وتركيا،  وانعكاس ذلك على التبادل التجاري فيما بينها، فإن التفاهم مازال محدودا فيما يتعلق بالتوصل إلى اتفاق نهائي ومنصف لموارد مياه النهرين وحتى بين العراق وإيران، فإن  الجو الإيجابي السياسي فيما بينهما لم يسمح حتى الآن بالتوصل إلى أي اتفاق، وبالتالي فإن هذا الموضوع مازال يشكل بؤرة توتر بين الدول العربية المعنية وكل من تركيا وايران، ومازالت تركيا تتعامل مع الدول العربية بمياه هذين النهرين كصدقة تعطيها إلى الدول العربية. فعلى سبيل المثال عند زيارة الرئيس التركي غول إلى العراق في عام 2009 حيث كان الجفاف يسيطر على العراق - وافق على منح العراق كميات إضافية من نهر الفرات وصلت إلى 130م3/ثانية ( حوالي 4 مليار م3) إلا أن هذا الأمر توقف مع نهاية عام 2009 .

ولقد تم الاتفاق بين الدول الثلاث تركيا وسوريا والعراق على تشكيل لجنة عليا على مستوى وزراء المياه للتشاور، وعقدت هذه اللجنة اجتماعات عديدة ومع ذلك فمازال موضوع اقتسام مياه النهرين دون حل جذري، ومازالت تركيا تطالب بأن يتم إجراء تحديد سنوي للاحتياجات يتم من خلاله توزيع المياه بين الدول الثلاث وذلك بحجة أن الموارد المتاحة في النهرين لايمكن أن تغطي كافة الاحتياجات التي تطلبها كل دولة على حدة، أي أن تركيا تحاور على تشكيل إدارة مشتركة للنهرين تعتمد على تبادل المعلومات والرصد. أي بمعنى آخر فإن حصة كل من سوريا والعراق سوف تتبدل تبعا للاحتياجات ومدى كفاءة استعمال المياه بصورة خاصة في الزراعة. أي ان كلا من سوريا والعراق ليس بمقدورهما وضع خطط متوسطة وبعيدة المدى بالنسبة للتنمية في المنطقة. وفي الحقيقة فقد تقدمت تركيا (مقترح وزارة الخارجية التركية في عام 2004  ) بمقترح يعتمد على ثلاثة مبادىء تشمل تعظيم الاستفادة من المياه، والتوزيع المنصف، والاستخدام العقلاني لمياه نهري الفرات ودجلة. ولكن هذا المبدأ رفض من قبل سوريا والعراق عندما عرض لأول مرة في عام 1984 وبعدها في عام 1990 و1993 وكذلك في عام 2004

(Three-Staged Plan for Optimum, Equitable and Reasonable Utilization of the transboundary Watercourses of the Euphrates-Tigris Basin”)

من جهة ثانية لابد من الإشارة هنا إلى أن كافة التفاهمات التي تمت حول توزيع الحصص لا تأخذ بعين الاعتبار نوعية المياه، خاصة وأن جزءا كبيرا من مياه النهر تستخدم في الري سواء في تركيا أو في سوريا، وبالتالي فإنها تكون محملة ببواقي الأسمدة والمبيدات، إضافة إلى الملوحة المرتفعة وخاصة بعد استخدامها في الري ضمن الأراضي السورية التي تتميز بملوحة مرتفعة نتيجة انتشار الأملاح وخاصة الجص في تلك المناطق، وبالتالي فإن ما يصل إلى العراق من مياه نهر الفرات هو عبارة عن مياه مالحة يصعب الاستفادة منها في الري، حيث تشير بعض الإحصائيات العراقية إلى أن ملوحة مياه نهر الفرات عند دخوله الأراضي العراقية من سوريا تتجاوز 3 غرام بالليتر، وتزداد هذه الملوحة تدريجيا داخل العراق نظراً لمرور النهر في أراضي جصية، وبالتالي تصبح مياه النهر في العراق الأوسط غير قابلة للاستعمال. ولاشك أن هذا الموضوع سيؤدي أيضا إلى زيادة التوتر بين الدول، خاصة وان لدى العراق خططاً كبيرة للتنمية الزراعية بعد سنوات الحروب التي عانى منها .

وقد تم الاتفاق مؤخرا بعد تشكيل المجلس الأعلى السوري التركي للتعاون ( 2009-2010 ) على التركيز على إيجاد نقاط للتعاون والاتفاق والبناء عليها بدلا من التركيز على نقاط الخلاف، وقد يكون هنا موضوع التركيز على التشاور وتبادل المعلومات فيما يتعلق بتنظيم أعمال الرصد ومواصفات القياس (monitoring, norms, standards ) نقطة البداية لحوار بناء بين الدول الثلاث. فهذا الأمر يحد من الأضرار الناجمة عن تنفيذ الدول لمشاريع بصورة أحادية الجانب.

وأخيرا لابد من الاشارة إلى مبدأ هام وهي أن الدول تتعاون عندما تشعر بأن في هذا التعاون فائدة لها وأن التعاون سيجلب الفائدة للجميع سواء للبلد بحد ذاته أو للسكان المحليين، وبالتالي لابد من البناء على هذه المبادىء للتوصل إلى اتفاق يضمن الحقوق المائية للدول المشتركة في ذات المورد المائي. وفي الحقيقة فإن ضرورة التوصل إلى اقتسام نهائي لم يصل بعد إلى الدرجة الحرجة نظرا لأن تركيا مازالت تتمتع بموارد مائية جيدة لم يتم استنفاذها بعد، وهذا الأمر يمكن أن يحدث عند استكمال مشروع ري شرق الأناضول من جانب تركيا وازدياد الحاجات المستقبلية للري. هذا المشروع الذي صمم على نهر مشترك من أجل أن تستفيد منه تلك الدولة دون النظر إلى مصالح الدول في المجرى الأدنى ودون أن يكون هناك اتفاق مع تلك الدول .

من جهة ثانية هناك الكثير من التجارب على مستوى العالم التي يمكن الاقتداء بها والتي بدأت بالصراعات نتيجة الاجراءات الأحادية الجانب، إلا أنها انتقلت بعد ذلك للتنسيق ومن ثم التعاون وأخيرا التعاون المشترك من أجل تنفيذ مشاريع مشتركة. إن هذه السلسلة تتطلب بداية الإيمان بأن النزاع لايحل أي مشكلة وان الحوار هو الأساس في تلبية المصالح المشتركة، وأن مصالح شعوب المنطقة تتطلب هذا الحوار بعيداً عن التدخلات السياسية والهيمنة، فالشعوب في النهاية ومهما بلغت القوة العسكرية لا يمكن أن تقهر .


سادسا : الخلاصة والمقترحات

لقد عرفت مناطق مابين نهري دجلة والفرات بأنها كانت مهدا لحضارات عريقة عرفت فيها الزراعة والري منذ تلك الأزمنة الغابرة . وقد شكلت موارد النهرين في العصر الحديث أيضا مصدرا لتنمية زراعية لكافة الدول المعنية. ولقد تمازجت شعوب تلك المنطقة فيما بينها لتقدم للانسانية حضارة تشهد على عظمتها الأوابد التاريخية التي مازالت قائمة حتى الآن ومنها أنظمة الري والصرف في مدينة ماري الأثرية في شمال شرق سوريا .

لقد خضعت عملية اقتسام مياه نهري دجلة والفرات مابين الدول المعنية إلى عملية شد وجذب منذ منتصف القرن الماضي وهذا ما وضحته هذه الورقة، ومع ذلك ومع مرور كل هذا الزمن لم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاق نهائي يوضح حصة كل دولة من الدول المعنية في مياه النهرين ومازال هذا الأمر يشكل بؤرة توتر في المنطقة ويهدد بنشوب نزاعات قد تتطور إلى نزاعات مسلحة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، خاصة وأن كل دولة من الدول الثلاث وهي تركيا وسوريا والعراق قد أقامت العديد من المشاريع التنموية في المنطقة وصرفت في سبيل ذلك الأموال الطائلة، وهناك ما يزيد عن 25 مليون نسمة من الدول الثلاث يعيشون في منطقة النهرين، وفي الحقيقة قد يصل العدد إلى 50 مليون إذا ما أخذنا  بعين الاعتبار أن كامل الشعب العراقي الذي يصل تعداده إلى حوالي 30 مليون نسمة  يعيش من موارد النهرين. إضافة إلى ماسبق فإن الدراسات الحديثة تشير إلى أن التغيرات المناخية سوف تؤثر على مناطق منابع النهرين سواء من حيث الأمطار التي من المتوقع أن تنخفض بمعدل 20%، إضافة إلى  حدوث ارتفاع في درجات الحرارة، وكلاهما سيؤثران سلبا على موارد النهرين ويزيدان من تفاقم الأمر سوء ا في ظل التزايد السكاني في المستقبل .

وعلى الرغم من العلاقات الجيدة التي سادت في السنوات الأخيرة مابين الدول العربية المعنية وتركيا وكذلك مع إيران فإنه لم يتم حتى الآن التوصل إلى اتفاق نهائي حول اقتسام موارد النهرين بصورة عادلة ومنصفة ومازال هذا الموضوع يخضع لاجتماعات ومناقشات عديدة وخلاف واضح مابين الفرقاء حول طريقة تداول هذا الموضوع وهذا مابينته الورقة .

غير أنه ورغم هذه المماطلات من الجانب التركي والايراني فلابد للدول العربية المعنية أن تستمر في محاولاتها مستخدمة كافة الأساليب الممكنة ومن بينها العامل الاقتصادي وحتى السياسي، ولابد للدول العربية مجتمعة ومن خلال جامعة الدول العربية بالفعل وليس بالكلام أن تدعم تلك الجهود من خلال ممارسة مزيد من الضغوط على تركيا وإيران للتوصل إلى اتفاقيات منصفة حتى نجنب المنطقة مزيدا من النزاعات في المستقبل، فهذه النزاعات سوف تكون حتمية في حال عدم التوصل إلى اتفاقيات نهائية وذلك في ظل التزايد المستمر للسكان ومتطلبات التنمية المختلفة في كافة البلدان المعنية. ويجب أن لا نعوّل كثيرا على المجتمع الدولي في هذا الدعم إذا لم نتمكن نحن من تحديد رؤانا حول هذا الأمر والاتفاق على خطة عمل تكفل في النهاية التوصل إلى اتفاق مرضٍ وهذه الرؤية يمكن أن تبدأ من التركيز على توفير المعلومات الدقيقة عن الموارد المائية المتاحة في النهرين والاستثمارات، وتحديد الاحتياجات وتنفيذ الدراسات اللازمة لتحديد التغيرات المناخية المحتملة  ورفع كفاءة استعمال المياه في وحدة المتر المكعب من الماء وفي وحدة المساحة من الانتاج الزراعي. كلها نقاط يمكن للمحاور العربي أن يناقش فيها على أرض الواقع بدلا من الافتراضات والغيبيات التي لا تجد نفعا في مثل هذه المجالس ..
وقد يكون من المفيد البدء بشكل فعلي في وضع خطة عملية بالتشاور بين كافة الدول المعنية حول أسلوب الرصد وجمع المعلومات ( الكمية والنوعية ) على مدخل النهرين في كل قطر ( الحدود السورية –العراقية  والحدود السورية التركية والحدود الايرانية العراقية ) حتى لايكون هناك خلاف حولها عند مناقشتها ويكون الرقم المتحصل عليه موافقا للمواصفات العالمية. إن تنفيذ هذه المنهجية يمكن أن يساعد في إزالة الخلافات حول الأرقام والالتفات إلى مواضيع أكثر عمقا. ولاشك أن تنظيم اجتماعات دورية بين اللجان الفنية لتبادل المعلومات يفيد في تقريب وجهات النظر ويسمح بمعرفة بماذا يفكر الطرف الآخر مما يساعد في التوصل إلى نتائج مرضية خلال كل اجتماع. كما أن تنظيم اجتماعات دورية على مستوى الوزراء يساعد بدوره في استمرار التواصل وتقريب وجهات النظر والتنسيق  لتجنيب المنطقة أية نزاعات قد تؤدي إلى خسائر مادية وبشرية كبيرة، إضافة إلى ظهور العداوات بين شعوب عاشت لقرون طويلة في تفاهم تام .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق