الأربعاء، 12 أبريل 2017

المعجزة الحسيّة والمعجزة الفكريّة

الإعجاز




المعجزة: هي  كلّ أمر خارق للعادة يظهره الله على يد النبي تصديقاً له...؛ فالمعجزة خرق لما ألفه الناس بحيث يحكم العقل باستحالة حصول ذلك من بشر، فيكون حُصوله على يد بشر هو الدليل على أنّ المتصرّف في الأمر هو خالق الأمر، سبحانه وتعالى. من هنا تظهر سذاجة موقف الملاحدة المكذّبين، عندما يرون في تصديق المعجزة تصديقاً بالمستحيل، وكأنّهم عندما يُصدّقون بوجود الخالق جدلاً يفترضونه وجوداً بشرياً عاجزاً أمام قانون الطبيعة الصارم.
 المعجزة ضرورة عقليّة، أي أنّ العقل البشري لا يقبل غير المعجزة دليلاً قاطعاً على صدق نبوة النبي أو رسالة الرسول. وقد اقتضت رحمة الله تعالى بعباده أن لا يكلف البشر بتصديق أي نبي حتى يقيم الدليل على صدقه.

العلم وتوظيف القانون:
        يستحيل على الإنسان أن يخرق القانون الكوني، وهذا أمرٌ مُسلّم. ويمكن للإنسان أن يوظف القوانين الكونية، وهذا أمر قائم؛ فعندما نُطلق صاروخاً إلى الفضاء لا نكون بذلك قد خرقنا قانون الجاذبيّة، وإنّما نكون قد وظّفنا قانون رد الفعل، لأنّ قانون الجاذبيّة لا يتخلّف إطلاقاً، ولكن عندما يكون رد الفعل أكبر من الجاذبيّة فإنّ الصاروخ ينطلق بسرعةٍ تتناسب طردياً مع الفارق بين قوة الجاذبية وقوة رد الفعل. فالإنسان إذن يوظّف إمكانات الكون. ومن هنا فكلما فهمنا الكون أكثر استفدنا من إمكاناته أكثر... وهكذا في مسيرة صاعدة.

        معجزة موسى، عليه السلام، في شق البحر هي في ظاهرها خرق لقانون الاستطراق في الماء. وكل الظروف المحيطة بالحدث تؤكد أنّ الأمر لا يمكن أن يكون من فعل موسى، عليه السلام، وبالتالي يحكم العقل، على ضوء ذلك، بصدق ادّعائه للنبوة. وما قيل في حق معجزة موسى يُقال في معجزة عيسى، عليهما السلام، إذ إنّ إحياء الموتى هو خرق للمألوف، ولا يزال العلم يقف عاجزاً أمام هذا الأمر. ولو صحّ جدلاً أن نفترض إمكانية إحياء الموتى بعد أن يصل العلم أوجه، فإنّ العقل يجزم باستحالة ذلك في زمن عيسى، عليه السلام. وهذا يكفي لإقامة الحجة وإثبات النبوّة في حينه.

المعجزة الحسيّة والمعجزة الفكريّة:

        كانت معجزات الأنبياء والرسل قبل نزول رسالة الإسلام حسيّة. وعليه تكون المعجزة حُجة على من شاهدها. أما الذين لم يشاهدوها فيكفي أن تنقل إليهم بالتواتر المتّصل. وهذا يناسب الرسالات المؤقتة والمحدودة في الزمان والمكان، حيث لا داعي لاستمرار البرهان بعد انقضاء وقت الرسالة. أما الرسالة العامة وغير المحدودة في الزمان والمكان فينبغي أن يكون برهانها باقياً ببقائها ومستمراً باستمرارها. وهذا ما يفسّر كون القرآن الكريم معجزة عقليّة.
        معجزات موسى، عليه السلام، الحسيّة أثبتت أنّه رسول. ومعجزات عيسى، عليه السلام، الحسيّة أثبتت أيضاً أنّه رسول. وبذهاب الرسولين ذهب الدليل لعدم الحاجة إليه بعد انقضاء زمن الرسالة. في حين أنّ معجزة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، باقية، بل ومتصاعدة بتصاعد الوعي البشري، نظراً لكونها معجزة فكريّة.

        آمن أصحاب موسى، عليه السلام، لأنّهم شاهدوا المعجزة. وآمن أصحاب عيسى، عليه السلام، لأنهم شاهدوا المعجزة أيضاً. فما هو دليل ومستند المعاصرين من اليهود والنصارى اليوم؟! 

فروق بين المعجزة الحسيّة والمعجزة الفكريّة:
المعجزة الحسيّة:
1.    حُجّة على من عاصرها وشاهدها. أمّا من لم يشاهدها فهي حجة عليه في حالة ما إذا نقلت إليه بالتواتر، أي نقلها عدد من الناس يؤمن اتفاقهم على الكذب، ولكنها تبقى في مرتبةٍ دون حجة المشاهدة.
2.     تضعف حُجيّة المعجزة الحسيّة بمضي الزمن، وذلك نظراً لعدم توافر سلسلة النقل المتواترة، وهذا ما حصل في الواقع.
3.    المعجزة الحسيّة مرتبطة بالرسول، وبالتالي تذهب بذهابه.
4.    هي خرق للمألوف من سنن الكون الحسيّة.

المعجزة الفكريّة:
1.    المعجزة الفكريّة تخاطب العقل الذي يُحاكم الأمور، بما في ذلك الأمور الحسيّة.
2.    المعجزة الفكريّة حُجّة على من عاصر الرسول وعلى من لم يعاصر.
3.    تتصاعد حُجّيّة المعجزة الفكريّة بتصاعد الوعي البشري، لأننا نُدرك منها بقدر علمنا ووعينا وقوة إدراكنا.
4.    المعجزة الفكريّة غير مرتبطة بوجود الرسول، وتبقى موجودة بوجود الرسالة.
5.    هي خرق للمألوف في عالم الفكر والمعنى.

نظراً لكون القرآن الكريم معجزة عقليّة فكريّة، ونظراً للانفجار المعرفي في القرن العشرين، فقد تجلّت وجوه المعجزة القرآنيّة بشكل لم يسبق له مثيل في العصور الإسلاميّة السابقة؛ فهناك الآن: الإعجاز البياني بنظرات معاصرة، والعلمي، والغيبي، والتاريخي، والتشريعي، والتربوي، والعددي،...الخ.  [1]
 
 
مواضيع ذات صلة 
المعجزة الحسيّة والمعجزة الفكريّة:
ما هى المعجزة الخالدة
معجزات الرسول الحسيه
الفرق بين المعجزة الحسية والعقلية
المعجزات المعنوية للرسول
المعجزة الخالدة
المعجزة الخالدة الكبرى التي ايد الله تعالى بها نبينا محمد
معجزات الرسول الحسية والمادية
لماذا يعتبر القران الكريم معجزة خالدة

[1]. للمتابعة يمكن الرجوع إلى:
فكرة إعجاز القرآن الكريم، نعيم الحمصي،مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1980م
البيان في إعجاز القرآن، صلاح الخالدي،دار عمار، عمان، ط3، 1992م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق