الأربعاء، 12 أبريل 2017

بحث في التشريع الاسلامي

التشريع الإسلامي




الشريعة لغة: مورد الماء الذي يُقصَد للشرب، واستعملت بمعنى المذهب والطريقة المستقيمة، فالطريقة المستقيمة تشبه مورد الماء في أهميته ودوره في إحياء البشر.
الشريعة في الاصطلاح: كل ما شرعه الله تعالى لعباده في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات ... ثم ضاق هذا الاصطلاح فأصبحت الشريعة تُطلَق على الأحكام العمليّة التي جاء بها القرآن الكريم والسنّة الشريفة. وعليه فالدين يتألّف من عقيدة، وشريعة، أي من إيمان وعمل.
                   فالشريعة بمفهومها الواسع هي أعم وأشمل من مفهوم الفقه الذي يُعنى فقط بالأحكام العمليّة؛ كالشعائر التعبدية، والمعاملات. وسنتحدّث هنا عن الشريعة بمفهومها الضيّق الذي يرادف مفهوم الفقه.
          جاءت الشريعة لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، جاء في الآية 107 من سورة الأنبياء: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وجاء في الآية 179 من سورة البقرة: "ولكم في القِصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون".[1]


مقاصد الشريعة:
استقرأ العلماء أحكام الشريعة الإسلاميّة فوجدوا أنّ الشريعة جاءت لتحقق مصالح البشر في مستويات ثلاثة:
‌أ.        الضرورات: وهي الأمور التي لا تقوم الحياة إلا بها، وينتج عن فواتها الفوضى والفساد واختلال نظام الحياة. وتتلخص هذه الضرورات في المحافظة على أمور خمسة مرتبة حسب أهميتها: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وهذه الأمور الخمسة هي الأسس التي لا تقوم الحياة إلا بها. ويتم حفظ وتحقيق هذه الضرورات الخمس عن طريق:
1.    تشريع أحكام الفروض والسنن لتحقيق وحفظ هذه الضرورات.
2.    تشريع أحكام المحرمات والمكروهات لدفع المفاسد المحتملة، والتي يمكن أن تشكل خطراً على قيام هذه المصالح واستمرارها.
‌ب.    الحاجيّات: الأمور التي يحتاجها الناس في حياتهم، وإذا فاتت يقع الناس في شدّة وحرج، وتصبح الحياة صعبة.
‌ج.    التحسينيات: هي الأمور التي تجعل حياة الناس أكثر سهولة وأقوم نهجاً. وإذا فاتت لا يختل نظام الحياة ولا يصيب الناس الضيق والحرج، وإنما يفوتهم ما هو أفضل وأقوم وأكثر سداداً.

تطبيقات:
§        تشريعات من شأنها أن تحقق الضرورات الخمس.
§        تشريعات من شأنها أن تحقق الحاجيّات.
§        تشريعات من شأنها أن تحقق التحسينيات.



أولويّات:
رتّبت الشريعة الإسلاميّة الأحكام فقدّمت منها ما يُقصَد به تحقيق الضروريات ثم الحاجيّات ثم التحسينيات، وعند التعارض تقدّم الضرورات على الحاجيّات وتقدّم الحاجيّات على التحسينيات. فضرورة العلاج، مثلاً، تُجيز كشف العورة. وتُقدّم ضرورة المحافظة على الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم أخيراً المال. فالثبات في أرض المعركة واجب ولو أدّى إلى هلاك النفس لأنّ ضرورة المحافظة على المبدأ أهم من ضرورة المحافظة على النفس. ويجوز للمرأة أن تحدد النسل إذا كان الحمل يشكل خطراً على حياتها، لأنّ ضرورة المحافظة على النفس مقدّمة على ضرورة المحافظة على النسل. ويجوز للطبيب أن يُجري عمليّة جراحيّة في الدماغ بقصد إنقاذ حياة شخص ما وإن كانت هذه العمليّة ستؤدي إلى الإضرار بقواه العقليّة، لأنّ المحافظة على النفس مقدمة على المحافظة على العقل ... الخ.[2]
قضية للنقاش:
·        يجوز التلفظ بكلمة الكفر في حالة الإكراه على الرغم من أننا نقدم الدين على النفس.


مصادر التشريع:  تقسم مصادر التشريع إلى:
أولاً: المصادر الأساسية: وهي مصادر متفق عليها بين العلماء:
§       القرآن: وهو المصدر الأول من حيث ثبوته، حيث ثبت بالتواتر.
§       السُنّة: وهي المصدر الثاني من حيث ثبوتها، لأنّ منها المتواتر والصحيح والحسَن والضعيف.
§       الإجماع: وهو إجماع العلماء في عصر من العصور على حكم شرعي، وإذا خالف عالمٌ معتبر واحد لا ينعقد الإجماع. وهناك من العلماء من يقصر الإجماع على عصر الصحابة فقط.
وقد وقع الإجماع في عصر الصحابة على أمور كثيرة منها:                
عدم جواز الجمع في الزواج بين المرأة وعمتها أو خالتها. وأجمعوا على أنّ نصيب الجدّة في الميراث هو السدس إذا لم تُحجَب بمن هو أقرب منها كالأب. وأجمعوا على جواز قتال مانعي الزكاة. وأجمعوا على جمع القرآن الكريم في مصاحف.
§        القياس: وهو إلحاق أمر لا نص فيه ولا إجماع بحكم أمرٍ منصوص عليه أو مجمع عليه، وذلك لاتحادٍ بينهما في العلة، أي سبب الحكم.
مثال:
إذا قتل الوارث مورّثه حُرِم القاتل من الميراث، وذلك لورود نص في ذلك الحكم. وقد قاس العلماء على هذا الحكم الوارد في النص حكم الموصى له إذا قتل الموصي، لأنّ سبب حرمان الوارث موجود في الموصى له، فينبغي أن يتحد الحكم في الوارث والموصى له، لأنّ كل واحد منهما استعجل الشيء قبل أوانه فعوقب بحرمانه.[3]

ثانياً: المصادر التبعيّة: وهي مصادر مختلف في حجيّتها بين العلماء، ومن هذه المصادر:
1.    الاستحسان: العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي هذا العدول.
فإذا كان القياس إلحاق المسألة بنظائرها، فإن الاستحسان على العكس من ذلك، أي عدم إلحاق المسألة بنظائرها لوجود دليل يؤيد هذا الاستثاء.

أمثلة:
لا يضمن المؤتمن على المال إذا تلفت الأمانة عن غير تقصير من الأمين. وقد استثنى أبو حنيفة الأجير المشترك فجعله ضامناً للمال الذي هو أمين عليه، حتى ولو لم يُقصّر في حفظه. فلماذا كان هذا الاستثناء الذي استحسنه أبو حنيفة ؟
تعددت اليوم صور الأجير المشترك؛ فهناك الميكانيكي، وهناك المكوجي، وهناك الخبير في تصليح التلفزيونات... الخ، وهؤلاء يجب أن يضمنوا هلاك المال الذي هو أمانة في أيديهم لاعتبارات دعت إلى العدول عن القياس المقتضي أن لا يضمنوا، ومن هذه الاعتبارات:
‌أ.        الناس مضطرون إلى وضع أموالهم في أيدي هؤلاء، فعندما يكون في بلد ما عدد محدود من خبراء تصليح السيارات، مثلاً، فإنّ الناس مضطرون إلى الذهاب إلى واحد منهم بغض النظر عن أمانتهم.
‌ب.    هم يأخذون المال مقابل خدماتهم، على خلاف الأمين في العادة، فإنّه يكون متبرعاً.
‌ج.    عدم تضمينهم قد يُؤدّي إلى ضياع أموال الناس الذين تضطرهم حاجاتهم إلى وضع أموالهم عند هؤلاء.
    
2.    الاستصلاح أو المصالح المرسلة:
الاستصلاح: جلب المنفعة ودفع المضرّة.
من أجل توضيح المقصود بالمصالح المرسلة لا بد من تبيان موقف الشريعة الإسلامية من المصالح من حيث اعتبارها أو إلغاؤها:
‌أ.        مصالح اعتبرها الشارع وشرّع الأحكام من أجل تحقيقها والمحافظة عليها. فعندما حظر الإسلام السرقة وحدّ لها حدّاً فإنّما هو يتبنى مصلحة حفظ المال. وعندما يُشرّع الزكاة فهو يتبنى مصلحة مجتمعيّة راجحة.
‌ب.    مصالح لم يعتبرها الشارع لأنّ اعتبارها يؤدي إلى مفسدة أكبر من المنفعة المرجوة، أو يؤدي اعتبارها إلى تضييع مصلحة أكبر. فعندما يُحرّم الإسلام أنواع المقامرة المختلفة بما فيها أنواع اليانصيب فإنّه بذلك يلغي ما فيها من مصلحة محتملة وذلك لدرء مفسدة أكبر من المنفعة المحتملة.
‌ج.    مصالح لم يقم الدليل على اعتبارها أو على إلغائها، أي أنّ الشارع أطلقها وترك أمر اعتبارها أو إلغائها للبشر، وهي المصالح المرسلة.

وعليه فإنّ المصالح المرسلة هي: المصالح التي لم يرد في الشريعة ما يجعلها معتبرة، ولم يرد ما يجعلها ملغاة، وتُرك تقديرها للمجتهدين. فكل واقعة ليس فيها نص ولا إجماع ولا قياس يجوز للمجتهد أن يجعل لها حكماً مناسباً على ضوء غلبة المصلحة أو المضرة وفق ما قاده إليه نظره واجتهاده.
مثال: شرّع الإسلام الزكاة والصدقات، أما الضرائب فقد ترك أمر تشريعها وتقديرها للحاكم وفق المصلحة الغالبة للأمّة،. فإذا رأى ضرورة فرض ضريبة ما يصبح دفع هذه الضريبة واجباً شرعياً، هذا طبعاً عندما يكون الحاكم حاكماً شرعياً يمثل الأمة تمثيلاً حقيقياً. فالضرائب إذن هي مصلحة مرسلة، أي متروك تقديرها للحاكم إن شاء فرضها وإن شاء لم يفرضها.[4]

3.    العرف:
العرف: ما اعتاده الناس وساروا عليه في أمور حياتهم. فإذا كانت عادة لجميع أهل بلد ما، فهي العرف العام. وإذا كانت عادة لمدينة معينة أو طائفة من الناس كالتجّار، مثلاً، فهي العرف الخاص.
مثال:
باع تاجر مائة طن من الحديد، ولم يتفق مع المشتري على تكاليف النقل، ثم اختلفا بعد أيّام على تحديد الطرف المكلّف بالنقل، عندها نقوم بتحكيم عُرف التجار، فإذا قال التجار إنّ عادتنا أن يقوم المشتري بدفع تكاليف النقل يكون ذلك العرف حكماً ملزماً. وهذا معنى القاعد الفقهيّة المشهورة:"المعروف عُرفاً كالمشروط شرطاً "، أي إذا كان أمر ما عرفاً في بلد ما فإنّه يكون في حكم الشرط الذي يُشترط في العقد. وهذا يعني أنّ الشرط أقوى من العرف، فإذا تعارض العُرف مع حُكم شرعي منصوص عليه نقدّم عندها الحكم المستند إلى النص ويكون العرف عندها فاسداً.
مثال آخر:
كان عقد الزواج قديماً يتم مشافهة، ولم يكن يكتب في قيود رسميّة كما هو اليوم. وكان الحياء يدفع بعضهم إلى عدم ذكر مقدار المهر، فيتم الزواج من غير تقدير لقيمة المهر، ثم يكون بعد فترة، ولسبب من الأسباب، الاختلاف على مقدار المهر الذي لم يسمّ أثناء العقد. فالحكم الشرعي عندها أن يُلزم الزوج بمهر المثل من النساء، أي بعُرف البلد. أما في حالة تسمية المهر عند العقد فلا اعتبار للعُرف عند الاختلاف، بل يجب دفع المهر المُسمّى في العقد.

4.    الاستصحاب:
الاستصحاب هو: الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل حتى يقوم الدليل على تغيّر تلك الحال.
أمثلة:
§        إذا ثبت أنّ فلاناً من الناس قد تزوج فلانة، فإننا نحكم دائمًا بقيام الزوجيّة حتى يثبت الطلاق أو وفاة أحد الزوجين.
§        من كان على يقين بأنّه قد توضأ ثم شك بانتقاض وضوئه فالحكم عندها ببقاء وضوئه حتى يستيقن نقضه.
§        إذا ادعى عليك شخص بدين فعليه أن يُثبت ذلك، لأنّ الأصل براءة ذمتك من هذا الدين وتُستصحب البراءة ما لم يثبت العكس. أمّا إذا ثبت الدين في حق إنسان ثم ادّعى أنّهُ قضاه فعليه إثبات ذلك، لأننا نستصحب الحال التي كان فيها مديناً حتى يثبت أنّه قد  قضى الدين.


نصيحة:
                   إذا ادّعى عليك شخص بمبلغ من المال، وكنت تعلم يقيناً أنك قد أديت له ذلك المال، وطلبتْ منك المحكمة أن تُقسم اليمين، لأنّ المدّعي عجز عن إثبات الدين، فإياك أن تقسم على الصورة الآتية: " أقسم بالله العظيم أنني قد أديت المبلغ للمدّعي"، ولكن قل:" أقسم بالله العظيم بأنّ ذمتي بريئة من المبلغ الذي يدّعيه"، لأنّك إذا أقسمت بأنك قد أديت الدين تكون عندها قد اعترفت بأنك قد استدنت منه المبلغ المدّعى به، فتصبح مُلزَماً بإثبات أنك قد أديت الدين، واليمين لا يُشكّل إثباتاً. أمّا عندما تُقسِم بأنّ ذمتك بريئة من دَينه يكون عليه أن يُثبِت هذا الدين، لأنّ الأصل براءة الذمة.

5.    مذهب الصحابي:
اختلف العلماء في تعريف الصحابي. وما يهمنا هنا هو تعريف علماء أصول الفقه، الذين قالوا إنّ الصحابي هو من لقي الرسول، صلى الله عليه وسلم، مؤمناً به ولازمه زمناً طويلاً، وأخذ عنه العلم. فعندما ينقل عن أمثال هؤلاء فتوى أو قضاء، في مسألة لم يرد فيها نص ولا إجماع، فإنّ ذلك هو مقصدنا عندما نقول: مذهب الصحابي هو كذا وكذا...
لا خلاف بين العلماء بأنّ قول الصحابي حُجة في المسائل التي لا يقول فيها الصحابي برأيه، بل يكون قوله محمولاً على السماع من النبي، صلى الله عليه وسلم، كأن يقول الصحابي: السجود يكون هكذا، والركوع هكذا... الخ. وكذلك إجماع الصحابة هو حُجة أيضاً، بل إنّ إجماعهم متفق على حُجيّته بين العلماء الذين اختلفوا في إجماع غيرهم.
أما عندما يكون قول الصحابي عن رأي واجتهاد فالأرجح أنّ مذهبه ليس بحجة، لعدم قيام الدليل الشرعي على حجيّة قول الصحابي، ولأنّهم بشر يصيبون ويخطئون، ثم هم قد اختلفوا فيما بينهم في عدّة قضايا اجتهاديّة، حتى أنّ عائشة، رضي الله عنها، استدركت على بعض فتاواهم وأقامت الدليل على خطئها. وكذلك وجدنا أنّ التابعين قد خالفوا الصحابة في بعض فتاواهم.[5]

الاجتهاد:
إنّ قضيّة الاجتهاد هي من أبرز المسائل في الشريعة الإسلاميّة. وقد شجّع الرسول، صلى الله عليه وسلم، على الاجتهاد في المسائل التي لم ترد فيها نصوص صريحة قطعيّة. وقد رأى السلف الصالح في الاختلافات الاجتهاديّة نعمة ورحمة. بل إنّ ثراء الفقه الإسلامي يرجع إلى روح الاجتهاد التي بثها الإسلام في أتباعه منذ فجره، فهذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسأل معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن فقال له: "بم تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو"، أي لا أقصر في الاجتهاد. رواه أبو داود والترمذي والدارمي.
وجاء في صحيح البخاري ومسلم أنّ الرسول ، صلى الله عليه وسلم، قال بعد ذهاب الأحزاب عن المدينة:" لا يُصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يُرد منا ذلك. فَذُكِرَ للنبي، صلى الله عليه وسلم، فلم يُعنّف واحداً منهم".
بذلك يتضح أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، أقر الطرفين على اجتهادهما في فهم النص، لأنّ دلالة النص تحتمل ذلك؛ فبعضهم أخذ بظاهر النص فلم يُصلِّ. ومن أخذ منهم بالمفهوم من النص، وهو الإسراع في النفير، فصلى عندما وجد متسعاً للصلاة، بحيث لا يتعارض ذلك مع جاهزيته للنفير.
نشط الاجتهاد في عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. وحفظ لنا تاريخ الفقه أسماء الكثير من المجتهدين في هذه العصور الثلاثة. ومن حظي منهم بالتلامذة والأتباع حُفظ فقهه ودُوّن. ثم ما لبثت أن تبلورت صيغ مدرسيّة فقهيّة كان من أشهرها المذاهب الأربعة المشهورة، والتي سادت في العالم الإسلامي وكثر أتباعها والمقلدون لها، وأصبح الاجتهاد يستند إلى أصول هذه المذاهب، وبات تقليد أحد هذه المذاهب أمراً محتماً. وشيئاً فشيئاً أصبح الفقه يقتصر على فهم وحفظ ما هو موجود ومدوّن في كتب المذاهب. ولم يعد النظر في الدليل الشرعي  والاستنباط منه هو المسلك السائد بين العلماء، بل اكتفى العلماء بالتبحّر في معرفة ما ذهب إليه المجتهدون السابقون. ووجدنا الكثير من العلماء يعمدون إلى تلخيص الفقه المذهبي، وسميت هذه التلخيصات بالمتون، وما لبثت هذه المتون أن احتاجت إلى شروحات. أمّا الاجتهاد فقد أصبح تهمة، ووصل الأمر بالعلماء إلى أن يُفتوا بإغلاق باب الاجتهاد، وكأنّهم قد أصبحوا على قناعة بأنْ لا مجال للزيادة على ما جاء به العظماء من المجتهدين، ثم هم بذلك يهدفون إلى حفظ الدين من أدعياء الاجتهاد. وقد أدى مثل هذا الموقف إلى جمود الفقه الإسلامي وعدم قدرته على مسايرة الواقع المتطور.
لقد انعكست آثار مرحلة التخلف التي سادت العالم الإسلامي في القرون الأخيرة على كل جوانب الحياة بما في ذلك الجانب الفكري المتعلق بالفكرة الإسلاميّة، ومنها الجانب الفقهي. إلا أنّ الصحوة المعاصرة أعادت للفقه الإسلامي حيويته. ولا تزال التحديات المعاصرة تشكل الدافع الأساسي لإعادة النظر واستلهام نصوص الشريعة. ولم تعد المذاهب الأربعة الخيار الوحيد للفقيه، ولم يعد التمذهب ملزماً للعلماء في الفتوى. وأصبح التراث الفكري للأمة بمجموعها هو المنطلق الذي ينطلق منه المجتهد المعاصر دون أن يلتزم مذهباً بعينه. ولم يعد رأي الجمهور هو المقدم دائماً، بل أصبح الدليل الشرعي هو الأساس في القبول أو الرد. ومن اللافت أنّ الاجتهاد الجماعي بدأ يأخذ دوره بشكل أكبر من خلال صيغ مختلفة، منها: المجامع الفقهيّة، والندوات الفقهيّة، واللجان الفقهيّة. وتُعدُّ مثل هذه الصيغ اليوم بمثابة الضمانة لانضباط الفتوى ولقيامها على أسس سليمة. ولم يعد الفرد اليوم بقادر على أن يجتهد في كل أمور الحياة، لأنّ الحكم على الأشياء فرع عن تصورها، وليس بإمكان فرد اليوم أن يلمّ بكل شؤون الحياة وتفرّعاتها الهائلة. هذا في الوقت الذي اتسعت فيه مجالات الحياة، وتفرّعت فيه العلوم والاختصاصات، وتنوّعت صور المعاملات. وفي المقابل نجد أنّ التطور العلمي والمعرفي قد سهّل على المجتهدين سبل الاجتهاد، ومن ذلك:
1.    وسائل الاتصال الحديثة التي تُمكّن العلماء من الاجتماع، ومن تداول وجهات النظر عن قرب وعن بعد.
2.    وسائل الحصول على المعرفة والتوصّل إلى المعلومة، ومن ذلك برامج الكمبيوتر والإنترنت. فيستطيع المجتهد، مثلاً، أن يجمع كل روايات الحديث وما جاء فيها من أقوال، وأن يعرف ما يصح منها وما لا يصح، كل ذلك في دقائق معدودات.
3.    توفّر المراجع والمصادر، ومنها: الموسوعات الفقهية، الموسوعات الحديثيّة، وغيرها مما نجده في المكتبات وعلى صفحات الإنترنت.
4.    التطور الهائل في عرض المعلومة وتصنيفها وتسهيل الحصول عليها.[6]

التعريف الفقهي للاجتهاد:
عندما يُذكر الفقه يُذكر الاجتهاد. وفي الحقيقة لا يقتصر الاجتهاد على الجانب التشريعي، بل يشمل أيضاً الجانب العقدي، إلا أنّ الاجتهاد في الاصطلاح أصبح مقتصراً على الجانب التشريعي من الدين الإسلامي. ويُعرّف الاجتهاد في الاصطلاح بأنّه: بذل الجُهد في استنباط الحكم الشرعي العملي من أدلته التفصيليّة.
الحكم الشرعي العملي: يُقصد بذلك إخراج الجانب النظري العقدي، وبذلك يقتصر التعريف الاصطلاحي على الجانب التشريعي العملي.
الأدلة التفصيلية: القرآن دليل إجمالي، وكذلك السنّة. وفي الاجتهاد يكون الاستنباط من النص المعيّن، أي الآية أو الحديث. فعندما نقول إنّ دليل فرضيّة الصلاة هو القرآن الكريم نكون قد قدمنا دليلاً إجمالياً. ولنا أن نقول: أين ذلك في القرآن؟ فعندما يقال لنا: في قوله تعالى:"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"، نكون قد حصلنا على الدليل التفصيلي الذي يجعلنا نتحقق من صدق القول بأنّ القرآن قد فرض الصلاة.



الأحكام من حيث مصادرها: 
1.    أحكام مصدرها نصوص قطعيّة الثبوت قطعيّة الدلالة، وهذه ليست محل اجتهاد؛ كتحريم الربا والسرقة، وكفرض الصلاة والصيام والزكاة ...
2.    أحكام مصدرها الإجماع، وهذه أيضاً ليست محلاً للاجتهاد؛ كإجماع الصحابة، رضوان الله عليهم، على أنّ نصيب الجدة عندما لا تكون محجوبة هو السدس، وكإجماعهم على عدم توريث ابن الابن مع وجود الابن.
3.    أحكام مصدرها نصوص ظنيّة، وهذه محل اجتهاد.
4.    أحكام لم ترد فيها نصوص قطعيّة ولا ظنيّة، ولم ينعقد عليها إجماع، وهذه أيضاً محل اجتهاد.
مثال:
جاء في الآية 6 من سورة المائدة:"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلَِكم إلى الكعبين":
‌أ.        القرآن الكريم متواتر في نسبته إلى الرسول، عليه السلام. وعليه فهذه الآية قطعيّة الثبوت.
‌ب.    في الآية دلالات قطعيّة لا مجال للاجتهاد فيها. فوجوب غسل الوجه في الوضوء أمر قطعي لا مجال للاجتهاد فيه، وكذلك غسل الرجلين والأيدي، ومسح الراس.
‌ج.    وجوب مسح الرأس في الوضوء ليس محلاً للاجتهاد لأنّ النص قطعي الثبوت قطعي الدلالة على المطلوب. ولكن النص ظنّي في الدلالة على المقدار الذي يجب مسحه من الرأس. من هنا نجد أنّ العلماء قد اجتهدوا في تحديد المقدار؛ فقال بعضهم: الباء، في قوله تعالى:" برؤوسكمزائدة وعليه يكون المعنى: "وامسحوا رؤوسكم"، فيكون المطلوب مسح كل الرأس. وقال بعضهم: إنّ من معاني الباء في اللغة التبعيض، وعليه يكون المعنى: وامسحوا بعض رؤوسكم. وعند بعض هؤلاء يُجزئ مسح ربع الرأس. وقال بعضهم: إنّ من معاني الباء في اللغة الإلصاق، وعليه يكفي أن نلصق أكثر اليد بالرأس ثم نمسح.
وكما نلاحظ فإنّ كل المعاني محتملة، إلا أنّ بعض الاحتمالات أقوى من بعض؛ فالقول بأنّ الباء قد تزاد أحياناً في اللغة هو قول ضعيف، لأنّ القرآن الكريم فوق كلام البشر، وهو معجزة بلاغيّة، وبالتالي لا مجال للقول بزيادة الباء. وعليه يكون المعتبر من الأقوال هما الثاني والثالث.[7]

المجمع الفقهي الإسلامي:
قرر مؤتمر الفقه الإسلامي الثالث (دورة فلسطين القدس)، المنعقد في مكة عام 1401 هـ الموافق 1981م، إنشاء المجمع الفقهي. وتمّ المصادقة على الصيغة النهائيّة لمشروع النظام الأساسي للمجمع الفقهي الإسلامي في العام 1982م، وعقد المؤتمر التأسيسي للمجمع في مكة عام 1983م. وبانعقاد المؤتمر التأسيسي أصبح المجمع حقيقة واقعة باعتباره إحدى الهيئات المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، ومقره الأساسي في مدينة جدّة في المملكة العربيّة السعوديّة.
وقد نصت المادة الرابعة من النظام الأساسي للمجمع على أنّ المجمع يهدف إلى شد الأمّة الإسلاميّة لعقيدتها ودراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها اجتهاداً أصيلاً، لتقديم الحلول النابعة من الشريعة الإسلاميّة. ونصّت المادّة السادسة على أن يكون أعضاء المجمع من الفقهاء والعلماء والمفكرين في شتى مجالات المعرفة الإسلاميّة. ونصت المادة السابعة على أنّ لكلّ دولة من دول منظمة المؤتمر الإسلامي عضواً عاملاً في المجمع، ويجوز ضم أكثر من عضو عامل من الدولة الواحدة. ويحق للمجمع أن يضم إلى عضويته من تنطبق عليهم شروط العضويّة، من علماء وفقهاء المسلمين والجاليات الإسلاميّة في الدول غير الإسلاميّة.
ويشترط في العضو أن يكون ملتزماً بالدين الإسلامي عقيدة وسلوكاً، وأن يكون واسع الاطلاع في العلوم الإسلاميّة عامة والشريعة بوجه خاص، فضلاً عن معرفته بواقع العالم الإسلامي. ويشترط في العضو أن يكون متمكناً من اللغة العربية.
ويجتمع مجلس المجمع كل سنة مرّة، وعند الضرورة يتم عقد دورات استثنائيّة. وتكون اجتماعات المجلس قانونيّة بحضور ثلثي الأعضاء. وتصدر قرارات المجلس وتوصياته بالإجماع أو بأغلبيّة الأعضاء الحاضرين.
وقد شارك في المؤتمر التأسيسي 39 دولة إسلاميّة، مثّلها أكثر من 120 مشاركاً، بالإضافة إلى عدد من الدول والهيئات الذين شاركوا بصفة مراقبين.

الموسوعة الفقهيّة:
نبذة تاريخية:
في العام 1951م عقد مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي في باريس، وشارك في المؤتمر عدد من فقهاء العالم الإسلامي. وكان من توصيات هذا المؤتمر الدعوة إلى تأليف موسوعة فقهيّة تُعرَضُ فيها المعلومات الفقهيّة وفقاً لأساليب العرض الحديثة، ووفق الترتيب المعجمي.
في العام 1956م صدر جزء يتضمن نماذج من بحوث الموسوعة كتبها فقهاء من مصر وسوريا، ثم صدر في سوريا بعض الأعمال التمهيديّة. وفي مصر قامت وزارة الأوقاف عام 1961م باحتضان فكرة الموسوعة الفقهيّة، وصدر أول أجزاء الموسوعة عام 1967م.
ومع ظهور الحاجة إلى إنجاز الموسوعة احتضنت وزارة الأوقاف الكويتيّة هذا المشروع، وكان ذلك عام 1967م. وبدأ العمل على إخراج الموسوعة بأسلوب يناسب العصر؛ من حيث الصياغة والإخراج، ومراعاة التصنيف الحديث الذي يُسهِّل الحصول على المعلومات الفقهيّة بصورة واقعيّة وموثوقة.
والموسوعة تُسهّل العودة إلى الشريعة الإسلاميّة لاستنباط الحلول للمشكلات المعاصرة. وهي ايضاً وسيلة ميسرة للإلمام بأحكام الدين، والإلمام باجتهادات الفقهاء المعتبرين على مدى ثلاثة عشر قرناً. وبذلك يجتمع في الموسوعة الفقهيّة أصالة المضمون وغزارته، وسهولة الترتيب وجمال الإخراج.[8]

 مواضيع ذات صلة
 بحث في التشريع الاسلامي
بحث عن مصادر التشريع الاسلامي
كتاب تاريخ التشريع الاسلامي
مصادر التشريع الاسلامي
ملخص مادة تاريخ التشريع الاسلامي
تعريف التشريع الاسلامي لغة واصطلاحا
تلخيص درس مصادر التشريع
كتب عن مصادر التشريع الاسلامي
مصادر التشريع الاسلامي المتفق عليها

[1]. للمتابعة:
1.       المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط15، 1998م
2.       مصادر التشريع، عبد الوهاب خلاف، دار القلم، الكويت، 1970م
3.       ملامح المجتمع المسلم، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1996م
[2]. للمتابعة:
1.       نظرية المقاصد عند الشاطبى، احمد الريسوني، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط4، 1995م
2.       مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر ابن عاشور، تحقيق ومراجعة محمد الحبيب بن الخوجة، وزارة الأوقاف، قطر،2004م.
3.       نحو تفعيل مقاصد الشريعة، جمال الدين عطية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار الفكر دمشق، ط1، 2001م
4.       المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، يوسف حامد العالم، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط2، 1994م
[3]. للمتابعة:
1.  علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، دار الفكر، ط12، 1978م
2.  أصول الفقه، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، 1958م
3.  مصادر التشريع، عبد الوهاب خلاف، دار القلم، الكويت، 1970م
4.  مباحث في أصول الفقه الإسلامي، خليل أبو عيد، دار الفرقان، ط2، 1987م
[4]. للمتابعة:  ضوابط المصلحة، محمد سعيد رمضان البوطي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1977م
[5]. للمتابعة:
1.       المدخل إلى دراسة التشريع الإسلامي، محمد عوض الهزايمة و مصطفىنجيب، دار عمار، عمان، ط1، 1991م
2.       مباحث في أصول الفقه الإسلامي، خليل أبو عيد، دار الفرقان، ط2، 1987م
3.       علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، دار الفكر، ط12، 1978م
4.       المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقاء، ج1،  دار القلم، دمشق،  1998م             
[6]. للمتابعة:
1.       الاجتهاد ودور الفقه في حل المشكلات، مصطفى الزرقاء، جمعية البحوث والدراسات الإسلامية، عمان، 1982م
2.       دراسات في الفكر الإسلامي، إبراهيم زيد الكيلاني وزملاؤه، دار الفكر،  عمان، 1988م
3.       معالم الشريعة الإسلامية، صبحي الصالح، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1982م
4.       دراسات في الفكر العربي الإسلامي، محمود أبو عجمية وزملاؤه، دار الهلال، عمان، ط1، 1990م
 [7]. للمتابعة: 
1.       استنباط الأحكام من النصوص، أحمد الحصري، دار الجيل، بيروت، ط2، 1997م
2.       2.الاجتهاد ودور الفقه في حل المشكلات، مصطفى الزرقاء، جمعية البحوث والدراسات الإسلامية، عمان، 1982م
3.       علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، دار الفكر، ط12، 1978م
4.       المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقاء، ج1،  دار القلم، دمشق،  1998م
5.       قضايا إسلامية معاصرة، يوسف القرضاوي، دار الضياء، عمان، ط1، 1987م
[8]. الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ص51-71، ط4، 1993م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق