الجمعة، 14 أبريل 2017

سيميوطيقا الفعل والموضوعات

سيميوطيقا الفعل   والموضوعات

يقوم النموذج السيميوطيقي على دراسة النص أو الخطاب انطلاقا من المستوى الظاهري أولا، ومقاربته على مستوى السطح ثانيا، وتحليله على مستوى العمق ثالثا، بتقطيع النص إلى مقاطع سردية مرقمة بشكل متسلسل، أومعنونة بتيمات دلالية ووحدات وظائفية في شكل تواردات تشاكلية. وبعد ذلك، يتم تقطيع المقطع السردي إلى ملفوظات سردية متعاقبة في شكل جمل وعبارات سردية، فيتم دراستها  في ضوء المكون السردي  من جهة، والمكون الخطابي من جهة أخرى. ومن ثم، ننتقل إلى المستوى الدلالي والسيميولوجي بدراسة السيمات النووية والسيمات السياقية، وتحديد التشاكل السيميولوجي والدلالي. وبعد ذلك، يبين المستوى المنطقي بتحديد المربع السيميائي، واستخلاص علاقاته الثاوية، واستجلاء عملياته المضمرة.إذاً، ما مبادئ المقاربة السيميوطيقية نظريا وتطبيقيا؟ وما الخطوات المتبعة لتطويق المعنى وشكلنة الدلالة؟

المبحث الأول:  بنيـــة التجلــي

يتكون  النص في منظور المقاربة السيميوطيقية من ثلاث بنيات متكاملة: بنية التجلي(النص الظاهر)، والبنية السطحية، والبنية العميقة. ومن ثم، تعنى البنية الخارجية أو بنية التجلي بدراسة العتبات الموازية(العنوان- الأيقونات- الهوامش- المقدمات- الإهداء-المقتبس- كلمات الغلاف...) ، وتقطيع النص في ضوء مجموعة من المعايير السيميائية، كالمعيار المكاني( Toponyme) الذي يتمثل في تحديد الفضاءات المكانية المدمجة (بكسر الجيم)( Englobant )، والمدمجة (بفتح الجيم)( Englobé). وهناك المعيار الزمني الذي ينقسم إلى لحظات زمنية محورية: قبل- أثناء- بعد. وهناك أيضا المعيار السردي الذي يتمثل بدوره في ثلاث لحظات سردية: الاستهلال والعقدة والانفراج. وهناك كذلك المعيار الفاعلي Actorielالذي يحدد الفواعل والعوامل والشخوص الرئيسية والمساعدة، سواء أكانت فردية أم جماعية ، وخاصة تلك التي لها دور بشكل من الأشكال في تأزيم الحكي أو تشكيل السرد. فضلا عن المعيار الأسلوبي الذي يقوم على استحضار السجلات اللغوية والروابط والصياغة الأسلوبية والتعبيرية التي لها أهمية في بناء النص وشكلنته . ولا ننسى أيضا المعيار البصري أو الطيبوغرافي الذي يهتم بتقطيع النص إلى جمل وفقرات محددة في ضوء علامات الترقيم، أو اعتمادا على ثنائية الفراغ والامتلاء، أو استعانة بثنائية البياض والسواد. وهناك المعيار الدلالي أو الموضوعاتي القائم على استخلاص التيمات والموضوعات.  و في الأخير، يمكن الحديث عن معيار التشاكل السيميولوجي أو الدلالي الذي يرتكز على استخلاص مجموعة من التواردات التكرارية شكلا ودلالة [1].
وعلى أي حال، تحوي بنية التجلي ثلاثة مكونات أساسية إلى جانب العتبات هي: الزمان، والمكان، والفاعل. ومن هنا، ينقسم المكان إلى مجموعة من الفضاءات السيميائية، مثل:
1- المكان الأصل، وهو مكان الأنس أو المكان الحميمي.
2- مكان الاختبار الترشيحي أو المكان المجاور للمكان المركزي.
3- مكان الاختبار الحاسم أو ما يسمى باللامكان عند كريماص.
وعلى مستوى بنية الزمان، يمكن الاعتماد على تحليلات جيرار جنيت Gérard Genette)  )، بالتركيز على المدة، والترتيب، والتواتر، والاندماج واللاندماج الزمني. ويمكن ، على مستوى الشخصية أو الفاعل، الاستفادة من تعليمات فيليب هامون( Philippe Hamon).

المبحث الثاني:  البنيــــة السطحيــــة

تستند البنية السطحية إلى مكونين أساسيين: المكون السردي، والمكون الخطابي. يدرس المكون الأول الأفعال، والحالات، والتحولات، ومنطق الجهات، والبنية العاملية. في حين، يدرس المكون الخطابي الصور من جهة ، ويقارب الحقل المعجمي والحقل الدلالي والأدوار التيماتيكية التي يقوم بها الفاعل من جهة أخرى.

المطلب الأول: المكـــون الســـردي

بادئ ذي بدء، يقوم المعنى في النص أو الخطاب على الاختلاف. بمعنى أن المقاربة السيميوطيقية تحاول أن تستكشف بنية الاختلاف عن طريق وصفها ومدارستها والتعرف إليها. ودائما، ينبغي تحديد مختلف الاختلافات والتعارضات الضدية الموجودة بين العناصر السردية داخل المكون السردي. فحينما نريد دراسة تطور الشخصية،مثلا، علينا أن نبرز مختلف حالات هذه الشخصية من خلال تقابلها وتعارضها وتضادها داخل السياق النصي أو الخطابي. ومن ثم،  فلا معنى بلا اختلاف، وهذا يذكرنا بالاتجاه التفكيكي عند جاك دريدا (J.Derrida) الذي يؤمن كثيرا بفلسفة التفكيك و الاختلاف.
علاوة على ذلك، فالسردية (la narrativité)هي مجموعة من الحالات والتحولات التي يتعرض لها عنصر ما داخل نص أو خطاب ما. بمعنى أن السردية هي بمثابة تعاقب حالات وتحولات داخل سياق خطابي ما، تكون مسؤولة عن إنتاج المعنى. ومن هنا، فالتحليل السردي هو الذي يهتم برصد تلك الحالات والتحولات داخل النص السردي. ومن هنا، تدرس المقاربة السيميوطيقية النصوص السردية التي تتعاقب فيها الأفعال، والحالات، والتحولات.

الفرع الأول:  الأفعـــال والحالات والتحـــولات

قبل كل شيء، علينا التمييز في هذا الصدد بين الحالات والتحولات، حيث تتحدد الحالات بوجود فعل الكينونة أو فعل الحالة( كان الكاتب حزينا- لم يكن الكاتب حزينا)، أو بوجود فعل التملك (يمتلك الكاتب سيارة ثمينة- لايملك الكاتب سيارة ثمينة). أما التحولات فتتحقق بوجود فعل"الفعل"(اشترى الرجل أشياء ثمينة).
ومن هنا، يقوم التحليل السردي على التمييز بين ملفوظات الحالة وملفوظات الفعل، بالتوقف عند الكلمات والمفردات والعبارات والجمل في صيغها التعبيرية المختلفة داخل النص أو الخطاب السردي المعطى. ولايتم هذا على مستوى نص التجلي الظاهري(niveau de la manifestation)، بل على المستوى المشيد أو المؤسس بنيويا(niveau construit).
هذا، ويتكون ملفوظ الحالة من الذات (Sujet) والموضوع(Objet). وتكون العلاقة بينهما علاقة عاملية. ويعني هذا أن الذات ليست شخصية، وليس الشيء شيئا، بل هما أدوار وعوامل أو ما يسمى بالأدوار العاملية(actants ou rôles actantiels).  وقد يكون ملفوظ الحالة متصلا أو منفصلا على النحو التالي:
1- (الذات ٨ الموضوع). ويعني هنا علاقة الاتصال بين الذات والموضوع.
2- (الذات ٧ الموضوع). ويعني هنا علاقة الانفصال بين الذات والموضوع.
ويكون التحول بدوره منفصلا ومتصلا على الشكل التالي:
1- (الذات ٨ الموضوع)← (الذات ٧ الموضوع)؛
2- (الذات٧ الموضوع)← (الذات٨ الموضوع).
يلاحظ في المثال الأول أن هناك تحولا من ملفوظ الحالة المتصل إلى ملفوظ الحالة المنفصل.أما في المثال الثاني، فنجد تحولا من ملفوظ الحالة المنفصل إلى ملفوظ الحالة المتصل. وقد يكون ملفوظ الحالة مركبا، كأن يكون هناك موضوع واحد بالنسبة لفاعلين وعوامل متعددين. ففي قصة ( الرجل ذي الدماغ الذهبي) لألفونس دوديه[2]، يلاحظ أن هناك مقطعين سرديين، في المقطع السردي الأول: يملك الرجل الذهب. في حين، لايملك الآخرون شيئا. أما في المقطع السردي الثاني، لقد أصبح الرجل الغني فقيرا، حيث خسر كل نقوده، لأنه صرفها على والديه وصديقه وزوجته. ومن هنا، نرمز للشخص الأول بالفاعل الأول، ونرمز للأشخاص الآخرين بالفاعل الثاني على الشكل التالي:
حالة المقطع الأول:(ذ 1 ٨  مو)
                        (ذ2  ٧ مو)
                   أو:( ذ 1 ٨ مو٧ ذ2)
حالة المقطع الثاني: (ذ 1 ٧  مو)
                          (ذ2  ٨ مو)
                       أو:( ذ 1 ٧ مو٨ ذ2)
ومن هنا: ف (ذ3) ¹  ] ( ذ 1 ٨ مو٧ ذ2)© ( ذ 1 ٧ مو٨ ذ2)]
ويلاحظ أن هناك تنافسا حول الموضوع المرغوب فيه من قبل عاملين: عامل يخسر ذهبه، وعامل يستفيد من ذهب العامل الأول.أي: إن هناك ربحا وخسارة.
وعليه، فمن الأفضل - منهجيا- أن يصنف السيميوطيقي مختلف ملفوظات الفعل، فيرتبها بشكل متسلسل، سواء أكانت متصلة أم منفصلة، فيبين ملفوظات الحالة البسيطة وملفوظات الحالة المركبة.

الفرع الثاني: منطـــق الجهـــات أو الصيغ

لا يمكن للمرسل أن يكلف الذات أو الفاعل الإجرائي بتنفيذ الفعل، وإقناعه بأداء المهمة، والتعاقد معه على إنجاز الفعل إلا إذا توفر ذلك الفاعل على مجموعة من المؤهلات الكفائية، كالمعرفة، والقدرة، والإرادة، والوجوب. وهذه المؤهلات ترد في شكل أفعال وساطية، مثل:
1- الفتى يحب أن يتصدق بماله.
2- الفتى يريد أن يتصدق.
3- الفتى يجب عليه أن يتصدق.
4- الفتى يقدر على التصدق بماله.
نلاحظ أن الفاعل الإجرائي تتوسطه مجموعة من أفعال الوساطة التي تساهم في تعزيز تجربة الترشيح والتأهيل، لكي يخوض الفاعل الإجرائي والفاعل الوساطي تجربة الاختبار والإنجاز من أجل تحقيق الموضوع المرغوب فيه[3].
ومن هنا، فقد ميز كريماص بين أربعة أنواع من الملفوظات: الملفوظ السردي البسيط، والملفوظ الصيغي( يريد- يجب- يقدر- يعرف)، والملفوظ الوصفي(ملفوظ الحالة )، سواء أكان ذاتيا (بفعل الكينونة) أم موضوعيا(بفعل التملك)، والملفوظ الإسنادي الذي يحدد علاقة الذات بالموضوع.

الفرع الثالث: البرنامــــج الســـردي

يقصد بالبرنامج السردي(ب. س) تعاقب الحالات والتحولات التي تقوم على أساس علاقة الذات بالموضوع ، مع ذكر تحولاتها المختلفة والممكنة. ويعني هذا أن البرنامج السردي يحوي مجموعة من التحولات المبنية والمرتبة. أي : إنها مرتبة بطريقة سببية منطقية ، ومتسلسلة بشكل تعاقبي ممنهج ومنظم بدقة وصرامة. لهذا السبب، نستخدم مصطلح البرنامج. ومن ثم، فهدف التحليل السردي هو أن يصف تنظيم البرنامج السردي، وكيفية اشتغاله، والتعرف إلى طبيعة تسلسله المنطقي والسببي، وطريقة تنظيمه هيكليا وبنيويا.
هذا، ويتضمن البرنامج السردي (ب.س) أربع محطات أساسية متكاملة ومتضافرة سببيا ومنطقيا هي: التحفيز أو التطويع(manipulation) ، والكفاءة(compétence )، والإنجاز(performance)، والتقويم أو التمجيد( evaluation). كما يتكون من ثلاثة اختبارات: اختبار ترشيحي يدور حول الفاعل والمرسل، واختبار رئيسي يحصل فيه الصراع الفاصل بين الفاعل الإجرائي والفاعل المضاد، والاختبار التمجيدي تقع خلاله معرفة البطل الحقيقي ومكافأته.

الفرع الرابع:  الإنجــــاز

نعني بالإنجاز كل عملية إجرائية يقوم بها الفاعل الإجرائي بإنجاز تحويل لحالة ما. وهنا، نتحدث طبعا عن دور عاملي لا عن شخصية ما. ومن ثم، يتم التمييز بين فاعل الحالة والفاعل الإجرائي الذي يرتبط بعملية الفعل. وهنا، نتحدث عن ملفوظ الفعل. ونمثل لهذا بالطريقة التالية:
ف (ذ) ¹   ]٧مو)©(ذ٨ مو)]
وبتعبير آخر:
 فاعل (الذات) ¹   ](الذات ٧الموضوع)©(الذات٨ الموضوع)]
ويعني هذا أن الفاعل الإجرائي يقوم بتحويل حالة الانفصال إلى حالة اتصال، والعكس صحيح كذلك.فحرف الفاء يشير إلى الفاعل، أما السهم المشبع بالسواد، فيشير إلى ملفوظ الفعل. وهذا العمل يطبق على مختلف الملفوظات الموجودة في النص ، ولاسيما التي تسمى بملفوظات الحالة.

الفرع الخامس: الكفــــاءة

يقصد بالكفاءة السيميائية داخل البرنامج السردي مجمل الشروط الأساسية والضرورية لتحقيق الإنجاز الفعلي. ويعني هذا أن الفاعل الإجرائي لا يمكن أن يقوم بأدواره الإنجازية إلا بالاعتماد على مجموعة من المؤهلات الضرورية، سواء أكانت مؤهلات عقلية معرفية أم مؤهلات جسدية أم مؤهلات أخلاقية. ومن ثم، فالفاعل الإجرائي هو الذي يتمثل الواجب، ويمتلك الإرادة والقدرة ومعرفة الفعل المرشح له لأدائه ممارسة وتطبيقا. ومن هنا، ترتكز الكفاءة على أربعة مؤهلات صيغية: المعرفة، والقدرة، والإرادة، والواجب. وهنا، ينبغي أن نشير إلى أن الموضوع نوعان: الموضوع الرئيس(objet principal) المتعلق بموضوع القيمة، والموضوع الوساطي، أو ما يسمى كذلك بالموضوع الجهي(objet modal) المتعلق بموضوع الوساطة أو الجهة. ويعني هذا أن هناك إنجازا رئيسيا وإنجازا وساطيا أوجهيا أوكيفيا.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى وجود أنواع ثلاثة من الذات: ذات افتراضية وموضوع افتراضي، وذات محينة وموضوع محين، وذات متحققة وموضوع متحقق." إنها ثلاث حالات سردية، الأولى منها سابقة على اكتساب الكفاءة، والثانية تنتج عن هذا الاكتساب، والأخيرة تعين الذات، وقد قامت بالعمل الذي يصلها بموضوع القيمة، ويحقق بذلك مشروعها."[4]
وعليه، يقوم البرنامج السردي في جوهره على الإنجاز باعتباره مرحلة ضرورية لتحويل الحالات إلى أفعال إجرائية. ومن ثم، يستلزم الإنجاز الإجرائي منطقيا عملية الكفاءة، فلا يتحقق الإنجاز في غياب الكفاءة والمؤهلات الضرورية. كما يخضع الفاعل الإجرائي لتحفيز من قبل المرسل، مع إقناعه منطقيا ووجدانيا  بإنجاز مهمة. وأثناء أداء مهمته، سيخضع عمل الفاعل الإجرائي للتقويم والتقييم، وتأويل عمله وسلوكه إن كان ذلك إيجابيا أو سلبيا. ومن ثم، تسمى أخر مرحلة من مراحل البرنامج السردي بمرحلة التقويم أو التعرف. وهنا، يحضر المرسل كفاعل التأويل (agent d’interprétation) ليقوم مهمة الذات البطلة.

الفرع السادس:  التحفيــــز

نعني بالتحفيز أو التطويع حمل الفاعل الإجرائي على تنفيذ مهمة ما في ضوء المؤهلات والإمكانيات المتوفرة لدى الفاعل الذات. وغالبا، ما يكون التحفيز أو التطويع من قبل المرسل إقناعا وتأثيرا وشرحا. وتكون بين المرسل والفاعل الإجرائي عمليات تعاقدية، سواء أكان " العقد إجباريا (contrat injonctif) كأن يجبر المرسل المرسل إليه بقبول المهمة، وتكون العلاقة هنا علاقة رئيس بمرؤوس. وقد يكون العقد ترخيصيا (contrat permissif) كأن يخبر المرسل إليه المرسل بإرادته للفعل (الإرادة المنفردة)، فيكون موقف المرسل القبول والموافقة. وفي هذه الحالة، يعزم تلقائيا على الإنجاز والفعل. وقد يكون العقد ائتمانيا(contrat fiduciaire) يقوم فيه المرسل بفعل إقناعي يؤوله المرسل إليه، فإن كان الفعل الإقناعي كاذبا يكون الفعل التأويلي واهما مثلما يحدث غالبا عندما يخدع البطل. وبالنسبة لهذا الصنف من العمليات التعاقدية يقبل المرسل إليه خطاب المرسل، ولا يشك في صحته في جميع الحالات. والرسالة هنا تكون دائما ذات طبيعة كلامية، وتظهر هنا القيمة الإنجازية للخطاب."[5]
وهكذا، نستنتج أن التحفيز هو أول محطة في البرنامج السردي، وبواسطته يتحقق الإنجاز والتقويم.

الفرع السابع: التقويــــم

يأتي التقويم داخل البرنامج السردي بعد الاختبار الترشيحي، والاختبار الحاسم، والاختبار الممجد الذي تقع فيه معرفة البطل الحقيقي، ومكافأته إيجابا أو سلبا. ويعني هذا أن التقويم مبني على معيار الصدق والكذب، والتركيز على الفعل التأويلي وفعل المعرفة. ويعني هذا أننا نصدر أحكاما على فعل الفاعل الإجرائي في ضوء معرفة ما قام به من مهمات: فهل ماقام به هو عمل صادق أو كاذب أو واهم أو بقي سرا من الأسرار؟!! أي: نتحدث هنا عن البعد المعرفي بتقويم نتائج الأفعال في ضوء معيار الصدق والكذب. (صدق الحالات أو كذبها أو وهمها أو خفاؤها).
هذا، ويخضع التقويم للعلاقة التعاقدية المبرمة بين المرسل والذات البطلة . فالعقد" المبرم منذ البداية بين المرسل والمرسل إليه- (الذات) يوجه المجموع السردي، وباقي الحكاية يبدو ،إذاً، كتنفيذ له من قبل الطرفين المتعاقدين، ومسار الذات - الذي يشكل مساهمة المرسل إليه- يكون في نفس الوقت متبوعا بالتقويم التداولي( المكافأة) والمعرفي(الاعتراف) من قبل المرسل.
ونتيجة لذلك يكون عمل الذات مؤطرا بمقطعين تعاقديين: إقامته وإجازته واللذان يتبعان هيئة عاملية غير الذات: نقول بأنه يوجد بداية هيئة إيديولوجية للإعلان عن الحدث وفي النهاية هيئة جيدة لتفسيره ومماثلته مع الكون القيمي الذي تتحكم فيه."[6]
ويعني هذا كله أن التقويم هو تثمين لعمل الذات البطلة وتمجيد لمهماتها، أو قد يكون قدحا مشينا في ما قامت به من أفعال وأعمال لا ترضي المرسل في ضوء ما تم إبرامه من عقود مشتركة.

الفرع الثامن: ملاحظات تتعلق بالبرنامج السردي

يلاحظ من هذا كله أن محطات البرنامج السردي( التحفيز- والكفاءة- والإنجاز- والتقويم) مترابطة سببيا ومنطقيا، تؤدي كل محطة إلى محطة لاحقة بشكل تراتبي وممنهج. و ينبغي على الباحث السيميوطيقي  ، عند استحصال محطة واحدة من البرنامج السردي، أن يبحث عن باقي المحطات السردية الأخرى، فيستكملها بشكل كلي وشامل حتى تتضح الرؤية السردية والوصفية. ويمكن توضيح البرنامج السردي في هذه الخطاطة التالية:
التحفيز-manipulation  الكفاءة
compétence    الإنجاز   performance التقويم sancation
الحث على الفعل      تأهيل الفعل   تنفيذ الفعل     الحكم على الفعل
علاقة المرسل بالفاعل الإجرائي     علاقة الفاعل الإجرائي بالعمليات التأهيلية أو الوساطية    علاقة الفاعل الإجرائي بمواضيع القيمة    علاقة المرسل بالفاعل الإجرائي.
- علاقة المرسل بفاعل الحالة.


وهكذا، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، أن أول خطوة سيميوطيقية نبدأ بها هي التحليل السردي، باستخدام لغة وصفية تنتمي إلى النحو السردي، مع التركيز على المكون السردي، وتتبع الخاصية السردية ، ومدارسة الأفعال، والحالات، والتحولات، ومدارسة البرنامج السردي عبر محطاته الأربع: التطويع، والكفاءة، والإنجاز، والتقويم. وقد بينا أن الكفاءة تتضمن أربعة مؤهلات أساسية هي: الواجب، والإرادة، والقدرة، والمعرفة. وهنا، يمكن الحديث عن جهات الإمكان(الواجب والإرادة)، وجهات التحيين والتنفيذ(القدرة والمعرفة). وبما أن الفاعل نوعان: فاعل الحالة والفاعل الإجرائي، فإن الموضوع بدوره نوعان: موضوع القيمة، وموضوع الجهة. ويمكن كذلك الحديث عن البرنامج السردي المضاد الذي يقوم به البطل أو الفاعل المعاكس  أو الذات المضادة لتقويض البرنامج السردي الذي يقوم به الفاعل الإجرائي من أجل تحصيل الموضوع المرغوب فيه.
وعلى أي حال، يقوم التحليل السردي على مبدأين أساسيين هما: مبدأ التقابل أو التضاد المبني على المحور الاستبدالي أو البراغماتي (محور التعويض والانتقاء)، ومبدأ التعاقب أو التتابع أو التسلسل القائم على المحورالتركيبي (الترابط المنطقي).

الفرع التاسع: البنيـــة العامليـــة

ترتكز البنية العاملية على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في محور التواصل الذي يشمل المرسل والمرسل إليه، ومحور الرغبة الذي يتضمن الذات والموضوع ، ومحور الصراع الذي يتقابل فيه المساعد والمعاكس.
لايعني  العامل – هنا-  الشخصية فقط، بل هو مفهوم شامل، قد يعني المؤسسات والقيم والأفكار والفضاءات والأشياء والحيوانات وغيرها من المفاهيم المجردة، كالسعادة، والجهاد، والإسلام...
وتتسم البنية العاملية بكونها بنية عامة ومجردة، يمكن تعميمها على الكثير من الظواهر والنصوص والخطابات، وترتبط هذه البنية العاملية بشكل وثيق ومتصل بالبرامج السردية التي تنبني عليها القصة. ومن هنا،" فإن البرامج السردية هي وحدات سردية تنبثق عن تركيب عاملي قابل للتطبيق على كل أنواع الخطابات."[7]
وتتوضح البنية العاملية بشكل جلي من خلال هذا المثال التبسيطي الذي يوضح مسار الرسالة النبوية الشريفة:
ذات© الرسول (صلعم)
موضوع©نشر الرسالة
المرسل©الله
المرسل إليه©الإنسانية كافة
المساعد©المهاجرون والأنصار
المعاكس©الكفار
وإليكم مثالا آخر يتعلق بفتح الأندلس:
ذات©طارق بن زياد
موضوع©فتح الأندلس
المرسل©الجهاد
المرسل إليه©المسلون
المساعد©الإيمان والتقوى والجيش البربري
المعاكس©لذريق وجيوشه.

ولايمكن الحديث عن البنية العاملية إلا في علاقة مع الأفعال، والحالات، والتحولات، والبرنامج السردي، في شكل تصور كلي ورؤية شاملة.
مواضيع ذات صلة
 

تعريف السيميائية
تعريف السيميائية لغة واصطلاحا
السيميائية
المنهج السيميائي في النقد
مدخل الى السيميوطيقا
تحميل كتاب السيميائية أصولها وقواعدها
تعريف السيميوطيقا
تعريف السيميائيات



[1] - A.J.Greimas : Maupassant, La sémiotique du texte : exercices pratiques, Editions du Seuil, Paris, 1976,19-22.
[2] - A.Regarder : Groupe D’Entrevernes : Analyse sémiotique des textes, les éditions Toubkal, Casablanca, Maroc, première édition, 1987.
[3] -A.Regarder : Groupe D’Entrevernes : Analyse sémiotique des textes, 1987.
[4] - جوزيف كورتيس: نفسه، ص:30.
[5] - سمير المرزوقي وجميل شاكر: نفسه، ص: 70-71.
[6] - جوزيف كورتيس: نفسه، ص:32-33.
[7] - جوزيف كورتيس: نفسه، ص:22.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق