الاثنين، 17 أبريل، 2017

آثار القيم الاجتماعية والثقافية في الوطن العربي

آثار القيم الاجتماعية والثقافية في الوطن العربي

 

الثقافة العربية 

يصف الرشيد[i] (2004) الثقافة على أنها نظام له دلالاته وانعكاساته على سلوك أفراد المجتمع، والثقافة تعد مرجعية في تفسير السلوك وينظر على أنها أسلوب حياة ومنهج للتفكير وهي برمجة ذهنية لأفراد المجتمع أو المنظمات ومميزة لهم عن غيرهم من المجتمعات الأخرى. وهناك الثقافة الأساسية (Core Culture) والثقافة الثانوية. وهذا غير واضح عند الكثير ومن المهم الفصل بين النوعين وعدم الخلط بين الثقافة الأساسية والثقافة الثانوية[ii].
1.   الثقافة الأساسية: هي المبادئ العامة والقيم والأخلاق الراسخة التي لا تتغير مع الزمن مثل ثقافة المجتمع التي قد تنبثق من الدين والقيم والعادات والتقاليد.
2.    الثقافة الثانوية: هي التي قد تتغير ولا مانع من تغييرها ما دام تغييرها يخدم الثقافة الأساسية
ولا يمكننا الفصل بين الثقافة والإدارة في منظمات الأعمال، كما ترتبط الثقافة بالدراسات الإدارية والتنظيمية. وقد ظهرت اليابان دولةً صناعية تكنولوجية منافسة للغرب تمتلك ثقافة تنظيمية داعمة وملائمة. فالثقافة وعاء للقيم والعادات والتقاليد والأعراف ثبت من خلال الدراسات بأن لها تأثير على الممارسات الإدارية في المؤسسات والمنظمات المختلفة.
ويؤكد الكثير من المثقفين كما يشير الرشيد (2003) في العالم العربي والإسلامي من أمثال محمد اقبال ومحمد اركون وهشام شرابي، على جمود الثقافة الفكرية العربية وضرورة تحديثها. لكن هذه الدراسات غالت نوعا ما في تفسير أسباب وعوامل ذلك الجمود، فأرجعت أسبابه جلها إلى توقف الاجتهاد واعتماد مرجعيات فقهية متقادمة وعدم واقعية الفكر الإسلامي المعاصر وأسطورية التفكير العربي المعاصر وضعف واقعيته وشكلية القيم الدينية المعاصرة وضعفها. كما أبرزت هذه الدراسات أسبابا عامة متعددة وكثيرة منها أسباب تتعلق في الجمود في الفكر الديني، ومنها أسباب ثقافية لا ترتبط في الفكر الديني بشكل مباشر. وما يؤخذ على هذه الدراسات من ناحية، إقحام مزيج كبير من هذه الاعتبارات الثقافية وتقديمها على أنها هي من أسباب تخلف الفكر الإداري العربي المعاصر، ومن ناحية أخرى وهامه عدم قدرة هذه الدراسات على إبراز علاقة طرديه وواقعية بطريقة علمية رصينة بين هذه الاعتبارات الثقافية وخاصة الدينية منها والعقائدية والفشل في الإدارة العربية المعاصرة[iii].
ويمكننا تقسيم عوامل الفشل التي تم ذكرها من خلال هؤلاء المفكرين إلى قسمين، قسم يتعلق بالعوامل العقائدية الدينية والآخر يرتبط بعوامل لها صلة بالتقاليد وليس بالعقائد.
1.    العوامل العقائدية: توقف الاجتهاد وعدم واقعية الفكر الإداري المعاصر بعدم استنباطه لأدوات جديدة مواكبة للتطورات الإدارية المعاصرة وشكلية القيم الدينية المعاصرة وضعف جوهريتها
وتعزيز الجبرية بخلاف الإرادة الحرة.
وتزعم الطروحات التي قُدمت أنّ المنطلقات والاعتبارات التي قامت عليها الممارسة الإدارية التراثية الدينية تمثل حقبة زمنية ذات مرجعيات فكرية ومعرفية تجاوزها التطور وتراكماته وهذه المنطلقات من وجهة نظر الرشيد (2003): المرجعية الدينية الأحادية للممارسة الإدارية التراثية المتمثلة بالمصلحة الشرعية وفق تفسير فقهي محدد. ومبدأ المطلق وعدم جواز فصل الدين عن الدولة بأي صورة من الصور واعتماد المنهج الإيماني اليقيني غير الخاضع للتجربة والإثبات العلمي الذي يحتمل الصواب والخطأ. وبينت الدراسات ذات العلاقة بهذا المحور تأييداً للتجربة اليابانية والغربية في التجديد الديني بما يوافق التطورات العلمية والإدارية والتكنولوجية مع الأخذ بالمبادئ النسبية والدارونية التي تتنافى مع المبادئ الدينية في العقيدة الإسلامية. فقد أكد الرشيد قائلا " قاد الفكر النسبي والفكر التطوري اليابانيين إلى مزيد من الانفتاح والتثاقف مع الغرب وتبنى اليابانيون مبدأ التنافس والبقاء للأكثر قدرة ومنعة من المجتمعات على أساس فكري أصولي[iv]".
فلا تبين لنا هذه الطروحات بشكل واضح وجلي علاقتها بتدهور الممارسات الإدارية العربية وضعفها. وإذا كان اليابانيون والغربيون قد استفادوا من الفكر النسبي والدارويني نتيجة لمواجهة عقائدهم التي كان يعتريها الزيف والخرافات الدينية والأوهام، فإنّ الفكر الديني الإسلامي العقدي الممتد من القران الكريم والسنة النبوية الشريفة، يشجع الإنسان على التفكير والتمعن والإبداع والبحث والقراءة والتخطيط والتدبر والاقتصاد والتشاور والاحترام وتوزيع النفوذ والمال والمساواة الاجتماعية والشفافية وإعطاء العامل حقوقه، والتكاتف والتكافل، والأخذ بالأسباب، وإعطاء المرؤوس تمكيناً وحرية في العمل، وغيرها من الأمور التي تتوافق مع أحدث ما توصل إليه علم الإدارة في الغرب، وفي اليابان، من نظريات إدارية حديثة، مثل إدارة الجودة الشاملة التي تلتقي مع تعليمات الإسلام في قول الرسول صلى الله عليه وسلم " إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". وما حدث هو تعطيل لمثل هذه المبادئ وعدم استثمار لها وعدم تطويرها والاستفادة منها في التغيرات الفكرية الإدارية المعاصرة.
فمثلا ذُكر مفهوم التمكين قبل أربعة عشر قرنا في القران الكريم ولم تحاول الإدارة العربية والإسلامية المعاصرة الاستفادة من هذا المفهوم في إدارة مواردها البشرية، فهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على قصور في الاستفادة من موروثات التراث وضعف قدرتنا على تطويع هذه الموروثات في ثقافتنا المعاصرة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل أيضاً على ضعف الاستفادة من المخزون المعرفي المتوافر في التراث الإسلامي، وليس بسبب جمود هذا التراث أو مفاهيمه الزاخرة.
2.    العوامل غير العقائدية (العادات والتقاليد).
من العوامل الأخرى التي تم سردها كأسباب لفشل الإدارة العربية المعاصرة وتخّلفها عما حققته الإدارة الغربية (الرشيد، 2003) ما يأتي:
أبوية البناء الاجتماعي الذي يكرس: الإعتمادية والتبعية وعدم المساواة والمحسوبية والمحاباة وضعف المؤسسية وغياب الديموقراطية والحكم المركزي وغياب المؤسسة والتركيز على الماضي وضعف استشراف المستقبل وغياب التخطيط والتراث العشائري ووجود النظم السياسية السلطوية والمحسوبية وضعف المشاركة وغياب إدارة الوقت بفاعلية وضعف الاحتراف والولاء الشخصي وضعف سياسات إدارة الموارد البشرية وضعف ترابط التنظيم وضعف فرص الترقي الوظيفي وغياب الشفافية والمساءلة والابتكار والريادة والمنافسة وتشجيع البحث العلمي[v].
وإذا أمعنا النظر في هذين العاملين وجدنا أن العامل الثاني قد يكون من العوامل المسببة الرئيسة للواقع الإداري المعاصر للدول العربية، ونلاحظ أيضا بأن العامل الثاني ونتائجه محصلة طبيعية للعامل الأول. أي أن وجود العوامل العقائدية لم يكن سببا في التردي الإداري الذي تعاني منه الأمة العربية والإسلامية في الوقت الحاضر، وإنما قد يعود السبب إلى غياب العامل الأول المرتبط بالعقائد، وسوء تطبيق النصوص الدينية. إن اعتماد المنهج الديني العقائدي لا يمكن أن يكون له علاقة بسوء الإدارة، ولا يفترض أن يكون مسؤولاً عن حالة البيروقراطية التي تعاني منها مؤسسات البلاد العربية، وليس مسؤولاً عن الكثير من الممارسات السلبية في الإدارة، مثل الواسطة والمحاباة، والعلاقات الشخصية، والمصالح الفردية، والفئوية، وغياب الرؤية الاستراتيجية، وسوء التخطيط، وضعف روح المبادرة، وتجنب المخاطرة والريادة، وغياب المؤسسة والمأسسة.
وفي موضوع التمكين يشجع الإسلام المسلم على حرية التصرف والاستقلالية في العمل والمشاركة في الرأي، وهناك الكثير من الممارسات لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي تحث المسلم على منح الحرية للآخرين، ومن أشهر ما ورد عنه صلى الله علية وسلم، عندما عمل لديه أنس بن مالك لمدة عشرة أعوام يخدمه فلم يقل يوماً في أمرٍ فعله أنس، لم فعله، ولم يسأله عن أمر لم يفعله، وهذا درس في التمكين وحرية التصرف، والاستقلالية، والتعلم الذاتي، والتعلم من الخطأ والمحاولة، ولا يعني ذلك بأن هذا الصحابي كان لا يخطئ ولكن كان ذلك درساً مهما في التربية وإدارة الموارد البشرية.
فإعطاء الإنسان حرية في التصرف، وتقليل عملية المراقبة والتوجيه المستمر، يعطي الإنسان ثقة في النفس، واعتمادا أكبر على عملية المراقبة الذاتية، والتعلم الذاتي، وبذلك يحقق الإنسان معنى أكبر للوظيفة والمهام التي يقوم بها

آثار القيم الاجتماعية والثقافية في الوطن العربي

أما من حيث التحولات العالمية التي تم ذكرها آنفاً، فلها تأثيرات هامة على ثقافات الشعوب والدول فإنّ للثقافة أثراً  هاماً على الممارسات الإدارية لتلك الدول. فتؤكد بعض الدراسات (Atiyyah, 1993) أن مستقبل التنمية الإدارية في الدول العربية يعتمد إلى حد كبير على التنمية البشرية والتنمية في الجوانب السياسية والاقتصادية و الثقافية-الاجتماعية والأنظمة السائدة في المؤسسات العربية[vi].
قد يكون التكوين الاجتماعي والثقافي في الوطن العربي من حيث النظم الأبوية ونظام الأسرة الممتدة والعشيرة والقبيلة (الرشيد، 2001،2002) والمعرفة الشخصية والانتماءات الأيديولوجية، لها تأثير على الفرد العربي داخل المؤسسات وخارجها، مما يساهم في التأثير على الممارسات الإدارية والتنظيمية داخل المؤسسات العامة والخاصة؛ فمثلا سياسة " من تعرف" لها دور هام في التوظيف وفي الترقية وفي الكثير من المزايا والفرص الوظيفية وغير الوظيفية، مما يقوض معايير الكفاءة والاقتدار إضافة إلى تقويض الثقة بين أفراد المؤسسة وخاصة فيما بين المدير والمرؤوس والعملاء. وقد تكون الواسطة والمحسوبية والعلاقات الشخصية والقرابة في العالم العربي، من القضايا التي تعود إلى أسباب ثقافية متجذرة في المجتمع، بحيث يصعب مواجهتها ومعالجتها؛ نتيجة لتغلغلها واعتماد المواطن العربي عليها. والاعتماد على هذه القيم قد يختلف من دولة عربية إلى دولة عربية أخرى، إلا أن بعض الناس في بعض الدول العربية قد وصل إلى مستويات من التعليم والثقافة ومستويات عالية، وهم في نفس الوقت يكّرسون هذه الممارسات ويتعاملون بها وكأنها عرف مقبول[vii].
ومن غير المعقول أن تخلق هذه الممارسات مواطَنة صالحة كما أنها قد لا تؤدي إلى خلق مناخ من الثقة والانتماء والإخلاص في العمل والتفاني والولاء والتعاون واحترام الآخر واحترام الزبائن وتلبية رغباتهم. بل إن هذه الممارسات قد تساهم في تكريس حالة نفعية تفضي إلى فئات مستفيدة وفئات ناقمة محبطة، مما يؤدي إلى التأثير سلبا على مؤشرات التنمية الاقتصادية والإدارية والبشرية المرغوبة. والآثار الناجمة عن هذه الثقافة تكاد تكون مدمرة للكثير من برامج التنمية والتطوير والفاعلية؛ لذلك لا بد من قوة مضادة بنفس الحجم لمواجهة هذه الثقافة السلبية وخاصة من قبل الباحثين وأصحاب القرار، وواضعي السياسات، وعلى أعلى المستويات في الدول العربية المختلفة.
ومن أهم المظاهر السلبية التي ينبغي مواجهتها بقوة مسألة التواكل والعجز وإلقاء اللوم على الآخرين والتحلل من المسئولية. وهذه المسألة ترتبط بإساءة فهم التوكل في الدين الإسلامي؛ فكثير من الناس من يفهم التوكل على أنه تواكل ويسيء فهم التعاليم الدينية ومسائل القضاء والقدر بشكل غير مقصود وأحيانا أخرى بشكل متعمد، من خلال التهرب من المسؤولية والتعذر بالقضاء والقدر مما يساهم في تكريس واقع من العجز والقصور والرضا بالقليل.
فثقافة التواكل والتنصل من المسؤولية ثقافة تكاد تكون أيضا متأصلة في الفكر العربي وفي التربية العربية في كثير من الحالات فعندما يخطئ الطفل يبدأ الوالدان بخلق الأعذار الوهمية لتبرير ذلك الخطأ، علما بأن الطفل يدرك في داخله زيف هذا التبرير. وهو يعلم أن الوالدين يفعلان هذا وهما يدركان الصحيح من الخطأ. بعدها يتعلم الطفل ويتعود ممارسة هذا التبرير في مواقف مختلفة، ويمارس هذا بكفاءة عالية دون تردد، وينقل إدراكه لحقيقة الأمر من العقل الواعي إلى العقل الباطن، فلا يعود إلى التفكير في شرعية هذه الأمور كما فعل وهو طفل؛ لأن كفاءته أصبحت عالية في تبرير الفشل والقصور الذي يمر به.
هذه الحالة مع الزمن تصبح ثقافةً تؤدي إلى ضعف الأداء، وتراكم العيوب والفشل والقصور، وتنتقل العدوى إلى المدرسة والجامعة والعمل، وتضعف مستويات الإنتاج الصناعي والقومي والفكري والعلمي، وتضعف القدرة على المنافسة، وتقل القدرة على المشاركة بالحصة السوقية العالمية، ويتدهور ميزان المدفوعات، وتزداد المديونية وتصبح الدول رهن سياسات الدول الدائنة. في هذا الإطار نجد من يطرح وجهة نظر إيجابية حول أوضاع العالم العربي محاولا إضاءة شمعة في الظلام، بدلا من الإمعان في لعن الظلام، وينتقد جلد الذات، وينادي بالتركيز على المنجزات والإيجابيات في الثقافة العربية والإسلامية. إنها وجهة نظر قد تكون مفيدة في بعض الأحيان ويشجع أصحاب هذا الرأي على النظر إلى النصف المليء من الكأس بدلا من النصف الفارغ.

فكرة نصف الكأس الفارغ

من المناسب أحيانا أن ينظر المرء إلى الإيجابيات ونقاط القوة من أجل تعزيزها، ومن يمتلك نقاط قوة ومزايا تفَوق لا يمكنه بحال من الأحوال تجاهلها عندما تكون موجودة. ويجب رعايتها وعدم فقدانها وعدم التنازل عنها، ومحاولة البناء عليها. ولكن لا بد بالمقابل من محاولة إدراك السلبيات، ونقاط الضعف والتعود على الاعتراف "بالنصف الفارغ من الكأس".

من هنا فإنه من المفيد بشكل أكبر للأفراد والجماعات والمؤسسات أن تنظر إلى النصف الفارغ من الكأس وتدقيق النظر به أكثر بمرات من التغني بالمنجزات، كما ينبغي أن يكون الهدف موضوعياً، وبناء وليس سلبياً وهداماً، وهذا يقتضي من الفرد أو المؤسسة التركيز على تقويم ونقد الذات، بدلا من إلقاء اللوم على الآخرين، فدوام إلقاء اللوم على الآخرين، ونقد، وتقويم الآخرين، بدلا من تقويم الذات قد يؤدي إلى وضع الذات موضع الكمال، والارتقاء فوق النقص والعيوب، أو على الأقل تجاهل العيوب والقصور الذاتي، مما يوقع المرء فعلا بالنقص والعيوب.
وهذا يقودنا للحديث عن مقتل في الثقافة العربية والإسلامية وهو متعلق بموضوع مركز السيطرة أو مركز الضبط.

مركز السيطرة [viii](Locus of Control )

يعد مركز السيطرة في أدبيات علم النفس وعلم السلوك خاصية من الخصائص الشخصية للفرد، تتكون بفعل التربية والنشأة والتكوين الثقافي للمجتمع وعوامل وراثية وغير وراثية مختلفة، ويُعّرف على أنه: مدى تبرير النتائج التي نحققها في حياتنا لقدراتنا أو لقدرات خارجية وهنالك نوعان متناقضان من مراكز السيطرة:
1.    مركز سيطرة داخلي يُرجع فيه الفرد تبرير النتائج لنفسه.
2.    مركز سيطرة خارجي يُرجع فيه الفرد تبرير النتائج للخارج.
في مركز السيطرة الداخلي لسان حال المرء يقول: "أنا قوي، إذن أنا أتحكم بمصيري، وما يحصل لي من نتائج في حياتي"، وفي مركز السيطرة الخارجي لسان حال المرء يقول: "أنا ضعيف ومصيري بيد الظروف التي هي حتما أقوى مني، فمن أنا حتى أقوى على الظروف الخارجية".
وهذه الظاهرة هي في الغالب نتاج تربوي كما أشرنا سابقا. فعندما يُسئل الطالب في المدرسة وحتى الجامعة مثلاً عن أسباب التقصير فنادرا ما تجد الجواب ينم عن اعترافاً بتقصير من الطالب نفسه، وإذا كان هنالك ثمة نتائج جيدة وتحصيل جيد، فنادرا ما يعزى لأسباب خارجية، وهذه الحالة تسمى بظاهرة التحيز للذات(Self Serving bias). ففي حالة الفشل بشكل خاص فإنه يعود في معظم الأحيان لأسباب خارجية، وخارجة عن سيطرة الفرد من وجهة نظره. فيقول الطالب الذي أخفق في الامتحان: "سبب ذلك الإخفاق هو المدرس، أو الأسئلة الصعبة، أو الوقت لم يكن كافيا، أو المرض أو ما شابه ذلك من تبريرات، لا يعجز عن إيجاد واحد، أو أكثر منها بلا جهد وبلا عناء. هذا التبرير ينتقل مع الطالب إلى المدرسة أو الجامعة، وإلى ميدان العمل، فيبرر سوء أدائه بتسلط مديره، أو بصعوبة وتعقيد العمل، وما شابه ذلك من تبريرات جاهزة لا تحتاج إلى تفكير طويل.
هذا السلوك موجود لدى غالبية الناس، ولكن وجوده في حدود كبيرة يدل على ضعف الفرد، وأن الظروف الخارجية دوما تتحكم بمصائره، وبما أنها أقوى منه، إذن فهو يمثل الحلقة الأضعف، وهذا الأمر يساهم في تكريس الشعور بالعجز والإحباط. وتكريس هذا يؤدي إلى حالة من الإخفاق والتعود على الإخفاق وسهولة تبرير الإخفاق. وهذا الحديث له علاقة بموضوع التمكين بشكل مباشر لأن التمكين هو أيضا حالة ذهنية وسلوكية.

العلاقة بين مركز السيطرة والتمكين

مما تقدم نستطيع أن نقدم فرضية مفادها أن أصحاب مركز السيطرة الداخلي يتمتعون بقدرة أكبر على ممارسة التمكين من أصحاب السيطرة الخارجي. فالإنسان الذي يبرر كل ما يحدث له من فشل واحباطات ومشاكل لأسباب خارجية يعفي نفسه من أي مسؤولية، ومن المعروف في أدبيات التمكين أنّ تحمل المسؤولية في السراء والضراء من المبادئ الأساسية للتمكين[ix]. فالإنسان الذي تنوي الإدارة منحه حرية في التصرف وتمكينا في اتخاذ القرار ينبغي أن تثق به، وتتركه لتأدية واجباته دون مراقبة وتدخل مستمر، وعلية أن يتحمل مسؤولياته بكفاءة واقتدار. وسبب فشل مشاريع التمكين في أغلبها نتيجة لوجود أفراد لا يوجد لديهم القدرة على تحمل المسؤولية. فمنهم من يقول: "بأن التمكين مشروع عظيم لولا أن فيه مسؤولية". والمسؤولية والتمكين مرتبطة بموضوع في غاية الأهمية هنا وهو الإبداع والتميز والابتكار (لمزيد من التفصيل حول هذه العلاقات، انظر الفصل السادس) ومصدر هذه كلها العقل والقدرات الذهنية والمعرفية عند الإنسان. فمن يتمتع بالتمكين والمسؤولية، لا بد أن يفكر ويستخدم ما وهبه الله سبحانه وتعالى من قدرات ذهنية وعقلية في الوصول إلى المستويات المطلوبة من الإبداع والتميز والابتكار، وهذا بعكس الروتين وقبول الأعمال الجاهزة والتعليمات المباشرة. فمن الناس من يرغب في الأعمال الروتينية الرتيبة لتقليل المخاطرة الناجمة عن الأعمال غير الروتينية التي تقتضي التفكير، واستخدام العقل، وابتداع حلول مختلفة لمشاكل مختلفة.

رؤية في التغيير الثقافي

نعيش اليوم في زمن مختلف وفي مؤسسة القرن الواحد والعشرين التي تعتمد على الثورة التكنولوجية والثورة المعلوماتية والثورة المعرفية. من هنا، فلا بد من تغيير ثقافي يتناسب مع مناهج التمكين بما تتضمنه من تحمل للمسؤولية والسيطرة الداخلية وروح المبادرة والإبداع والابتكار. هذا التغيير الثقافي والاجتماعي نحو مفاهيم التمكين يحتاج لجهود أكاديمية في البحث، ودراسة العلاقات السابقة من ناحية، وبحاجة أيضا إلى دور أكبر للمؤسسات العامة ووسائل الإعلام ووزارات التربية ومختلف المؤسسات؛ لتظافر جهودها من أجل تربية الشباب على أسس روح المبادرة والاستقلالية وتحمل المسؤولية وعدم إلقاء اللوم على الآخرين عند الوقوع بالخطأ؛ فعندها يخطئ المرء  مرتين، في الأولى، وفي الثانية نتيجة لرفض الاعتراف بالخطأ، والبحث عن جهة خارجية لتحميلها مسؤولية ذلك الخطأ، فيحرم المرء نفسه من نعمة التعلم والتطوير وتصحيح الأخطاء[x]. إذن الحل يكمن في التغيير من الداخل إلى الخارج، وليس من الخارج إلى الداخل، والله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

أسباب ظاهرة "مركز السيطرة الخارجي".

عندما يخفق الطالب في الامتحان فهو في حقيقة نفسه، وعندما يخاطب عقله الباطن، يعلم يقينا بأن سبب إخفاقه في الامتحان يعود إلى إهماله، وقلة استعداده، وأن المعلم لا دخل له بذلك ،وإنما تعود الإنسان أن يخفي ضعفه بخلق شماعة وهمية يعلق عليها مشاكله[xi] فهي عملية إيهام النفس والآخر بأن الذنب ليس ذنبه والخطأ ليس خطأه. وتمتد هذه الحالة لتشمل ليس الفرد فحسب، فهي تنتقل من الفرد إلى الجماعة، وإلى المؤسسة وإلى المجتمع، فتصبح داءً لا علاج له إلا بتغيير من الداخل كما يؤكد ذلك الكثير من علماء السلوك والسلوك التنظيمي من أمثال  Spreitzer و[xii]Stephen Covey  ومن الأمثلة التي يمكننا أن نسوقها فيما يتعلق بمركز السيطرة الخارجي، الجماعي، ما يسمى بنظرية المؤامرة، التي تسيطر على الذهنية العربية في السياق العالمي السياسي؛ فيقال إن ما حدث للأمة العربية والإسلامية في هذا الزمان هو بسبب الاستعمار، أو نتيجة لمؤامرة أمريكية أو صهيونية.
فعلى الرغم من أن ما حدث، ويحدث فعلا قد يكون إلى حد ما، من تدبير قوى خارجية؛ فإن السؤال المفصلي الذي يطرح نفسه هو: ماذا فعلنا نحن بصفتنا أمة عربية وإسلامية لمواجهة المؤامرة الخارجية؟ فمن الطبيعي أن يحوك عدوك لك الدسائس ويدبر لكَ المؤامرات، فهذا أمر متوقع من عدو لك، وخاصة إذا فقد هذا العدو قيما أخلاقية في التعامل مع الآخر، ولكن ما هو غير طبيعي وما هو مستهجن، أن تترك عدوك يفعل بك ما يفعل، ثم لا تفعل شيئا لمواجهة ما يفعل، ومن ثم تقول دون أن تفعل بأن ما حدث لنا سببه الحقيقي هو مؤامرات العدو ومكره ودهاؤه....الخ.
في هذا السيناريو هنالك طرفان مهما كانت المقدمات والنتائج. فهناك طرف فاعل وطرف مفعول به عاجز مهمته وصف أفاعيل الفاعل بأنها بشعة وإجرامية. بالمحصلة فإن القوي هو الطرف الفاعل بصرف النظر عن بشاعة أفعاله كما وصفها المفعول به، والطرف الثاني هو الطرف العاجز الذي لم يفعل ما يكفي لحماية نفسه من مؤامرات الفاعل أو العدو. وانبرى يصنع شماعة جميلة كبيرة، وقابلة للتحمل ليتمكن من إلقاء كمً هائل من مبررات عجزه عليها، واخترع لهذه الشماعة اسمٍ مّقنعٍ فسماها شماعة المؤامرة.
هذا ليس كتاب سياسة، وإنما الموضوع هنا له علاقة قوية، لان ذهنية نظرية المؤامرة ليست إلا وليدة شخصية اجتماعية، وثقافية، اعتاد عليها الفرد، وقبلها المجتمع، فأصبحت سلوكا اجتماعيا، له آثاراً مدمرة على مستوى الفرد، وعلى مستوى المجتمع، على حد سواء. أما الحل فقد يكون في تحديد الهدف، وربط الأهداف بمبادئ وقيم جوهرية.

نظرية تحديد الهدف  [xiii](Goal Setting Theory-Edwin Locke)

إن الحل دائما ينبثق من تشخيص المشكلة الحقيقية، والمشكلة الحقيقية لا تكمن في التهرب من المسؤولية، وإنما تكمن في غياب الأهداف، والرؤية الصحيحة، التي قد تقود الفرد لتحمل مسؤولياته بكفاءة واقتدار.
يذهب بعض علماء السلوك من أمثال Covey و  Spreitzer[xiv] وأصحاب نظرية Goal Setting Theory إلى أن عدم وجود أهداف ذات معنى، وغياب الرؤية المستقبلية، وعدم الإحساس بالاتجاه نحو هدف معين، يجعل أي هدف رخيص أو غير رخيص محور اهتمام الفرد، أو قد لا يكون للفرد أي هدف في الأصل، ومن لا يملك هدفا في حياته تصبح حياته عديمة الجدوى، وتتجاذبه الأهواء في أي اتجاه، دون أن يمتلك حق تحديد الاتجاه. وعندما ذكرنا قبل قليل مبدأ مركز السيطرة وتحمل المسؤولية فهذا المبدأ ليس هو المشكلة بل هو عرض لمشكلة غياب الهدف، والدليل على أن غياب المسؤولية إنما هو عرض وليس بأساس المشكلة؛ هو أنّ المسؤولية تكون عن شيء يكون الإنسان مسؤول عنه، وهو الهدف، فإذا لم يكن لديه هدف، فعن ماذا سيكون مسؤولاً. بالطبع لن تكون هناك
مسؤولية عن لا شيء إلا مع أولئك الناس الذين لا مسؤولية عندهم، وحياتهم عديمة المعنى.[xv]
فالشعور بالمسؤولية محصلة لرؤية ذات علاقة بالهدف، والشعور بقيمة ذلك الهدف، والشعور بأهمية إنجاز ذلك الهدف. يقول Stephen Covey في كتابه، "العادات السبع لأكثر الناس فاعلية" ناصحا أي إنسان يبدأ بعمل ما أو واجب معين أو مشروع معين: "ابدأ والنهاية في بالك" أي أن تكون نتيجة العمل ومحصلته النهائية في ذهن الفرد منذ البداية، وهذه هي الرؤية الصحيحة التي تحفظ له وحدة الاتجاه، التي تمكنه من الوصول إلى أهدافه. ويقال بأن الإنسان الذي لا يدري إلى أي مكان يريد أن يذهب، فإن أي طريق أو درب قد يكون مناسبا له، فيذهب في اتجاهات مختلفة، بسبب غياب الرؤية الحقيقية للمكان أو النهاية أو النتيجة أو الهدف الذي يرغب في الوصول إليه.
خلاصة الأمر أنه بمقدار وجود أهداف في حياة الفرد ذات قيمة وذات أهمية، وبمقدار ما تأخذ هذه الأهداف عليه لبه وعقله، بمقدار ما تتزايد المسؤولية عنده عن تحقيق هذه الأهداف، وبهذا المقدار ما يصبح هذا الإنسان إنساناً فاعلاً ومبادراً وقادراً على تحديد نتائجه والسيطرة على مصيره.
وأهداف الفرد لا بد أن تنبثق من قيمه ومبادئه. فالمبادئ هي المنارات التي ترشد القوارب والسفن في البحار. وهذه المنارات تبنى لتبقى راسخة ثابتة وتعتمد السفن في دقة اتجاهاتها بمقدار قربها أو بعدها أو انحرافها عن هذه المنارات. والمبادئ كذلك تشكل الدليل والمعيار الذي يرشد الإنسان إلى أهدافه وهي معالم ثابتة تهديه إلى سواء السبيل[xvi].

 الخلاصة

نرى من هذا الفصل أن مصطلح التمكين قد تم ذكره في القران الكريم في أكثر من مناسبة وقد كان أولى بالمسلمين أن يستفيدوا من فكر القران الكريم في التمكين فكرياً واجتماعياً وعلمياً وإدارياً. ولكن شيئاً من هذا لم يحصل، وخاصة في المؤسسات والمنظمات في العالم العربي. ولم يكن هنالك دراسات وأبحاث في التمكين، وحتى لو كان هنالك دراسات وأبحاث لها علاقة في موضوع التمكين، فإن ذلك لم يكن لينعكس فعله على واقع المنظمات والمؤسسات الاقتصادية وذلك للاستفادة من النظرية في التطبيق. ونتمنى أن نكون مبالغين في ما توصلنا له، ولكن تقارير التنمية البشرية المتاحة للجميع من خلال الإنترنت مثلاً تشهد على ذلك بالأرقام، وتدل على نقص في مستويات الحرية بشكل عام، وتدني في مستويات المعرفة والتعليم، وتدني واضح في البحث العلمي، وتدني في الاهتمام في البحث العلمي من قبل الدول والجامعات والمؤسسات الأكاديمية، وتدني أكبر في دور المرأة في المجتمع ومساهماتها في التنمية البشرية. فلا بد من تصدي مختلف الهيئات والمنظمات المدنية والحكومية لحل المشكلة، ولا بد من تحول في الأساليب التربوية والتعليمية والإعلامية والتثقيفية والاجتماعية؛ من أجل التغيير تجاه روح المبادرة والاستقلالية والإبداع والسيطرة الداخلية، أو الرقابة الذاتية، والتحول من مركز الضبط أو السيطرة الخارجي لدى الأجيال المختلفة إلى واقع مركز الضبط أو السيطرة الداخلي، وأن نربي الأجيال على الاعتماد على الذات، والتخطيط، وتحديد أهدافنا بحيث تنبثق من قيمنا ومبادئنا وتراثنا، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، صدق الله العظيم.
إن تحديد أي مشكله والإحساس الحقيقي بها يعد من أهم مراحل عملية حل تلك المشكلة. إن تقارير التنمية البشرية ومتابعة الإنسان العربي لهذه التقارير واعترافه بأرقامها يعد الخطوة الصحيحة في الاتجاه الصحيح نحو رفض الواقع السيئ وتبديله بواقع أفضل وغدٍ مشرق، على الرغم من أن الحل لن يأتي بسرعة، ويحتاج إلى جهود جبارة، وصبر ومعاناة، فلا بد من وضع استراتيجية عامة للتنمية الشاملة التي تشارك في صياغتها والإشراف على تنفيذها مؤسسات وهيئات المجتمع المدني، وتأخذ الاستراتيجية بالحسبان ما يأتي:
¥     ترسيخ أسس تعددية اقتصادية وسياسية متكافئة وعادلة.
¥     وضع استراتيجية للتشغيل والقضاء على البطالة والفقر، وتحديد جدول زمني لذلك.
¥     وضع استراتيجية بناء مجتمع يحترم التعليم من ناحية النوعية، ويحترم البحث العلمي واكتساب المعرفة.
¥      وضع استراتيجية لإحياء الثقافة الوطنية، وثقافة حب الأوطان.
¥     ·توسيع المشاركة وحرية الرأي والريادة ومبادئ الإبداع والتجديد.
¥       و أخيراً لا بد من توافر الإرادة السياسية للاستثمار في القدرات البشرية والاستثمار في الإنسان واحترام عقله وقدراته ومحاولة بناء برامج ومشاريع تشجع الفرد العربي على الإبداع والتمكين والتفكير المستقل وروح الفريق[xvii].


[i] الرشيد، عادل (2003)، الإدارة والثقافة: الموائمة بين البرادايم والسياق، وقائع المؤتمر العربي الرابع في الإدارة، تشرين أول، دمشق، منشورات المنظمة العربية للتنمية الإدارية وهيئة تخطيط الدولة السورية.
[ii] Harvey, D and Brown, D, (2001), An Experiential Approach to Organization Development, Sixth edition, Prentice-Hall.
[iii] الرشيد، عادل (2003) مرجع سابق.
[iv] الرشيد في "الإدارة والثقافة بين البرادايم والسياق"
[v] الرشيد، عادل، مرجع سابق.
[vi] Atiyyah, H. S (1993), Management Development in Arab Countries, Journal of Management Development, 12 (1), 3-10.
[vii] Al-Raseed, A. (1994) Bank Managers in Jordan: A study of Motivation, Job    Satisfaction and Comparative Organizational Practices, Unpublished Thesis, Canterbury Business School, the university of Kent at Canterbury.
[viii] Rotter, J. (1966), Generalized Expectancies for Internal Versus External Control of Reinforcement, Psychological Monographs 80, no.906. 
[ix] Spreitzer, G.M. Kizilos, M. and Nason, S. (1997), A Dimensional Analysis of Empowerment in Relation to Performance, The Dynamics of Trust Within and between Organisations, Journal of Marketing Research, 23 (5), 314-328.
[x] Argyris, C. (1998), Empowerment: The Emperor’s new Clothes, Harvard Business Review (May-Jun), 98-105.
[xi] Argyris, (1994), Good Communication that Blocks Learning, Harvard Business Review, 
[xii]  Covey, S.R (1992), Op cit.
[xiii] Locke, A. Edwin and Latham, G. (1984), Goal Setting: A motivational Technique that Works!, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall
[xiv] Covey, S (1989), Op .cit. and Spreitzer, G, Op cit.
[xv] Covey, S (1989), Ibid.
[xvi] Covey, S (1989), Ibid.
[xvii] عن محاضرة للدكتور علاء محمود التميمي(2002)، مرجع سابق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق