السبت، 15 أبريل 2017

الفروق الطبقية، وهيمنة سلطة الأخلاق والقيم والعادات، والاغتراب الذاتي والاجتماعي، والسلطة الأبوية

قصص زكريا تامر
زكريا تامر لماذا سكت النهر
تحليل قصة انتظار امراة لزكريا تامر
مؤلفات زكريا تامر
زكريا تامر
تحليل قصة قصيرة ليوسف ادريس
قصة قصيرة جدا وتحليلها
بـ زكريا تامر
زكريا تامر قصص قصيرة جدا
زكريا تامر
زكريا تامر النمور في اليوم العاشر
زكريا تامر لماذا سكت النهر
وفاة زكريا تامر
متى توفي زكريا تامر
زكريا تامر سنضحك
زكريا تامر الكتب


لقد أبرز لنا زكريا تامر مظاهر القمع التي يمارسها المجتمع الشرقي على أبنائه النخبة ممثلة بتوضيح موقفه من الفروق الطبقية، وهيمنة سلطة الأخلاق والقيم والعادات، والاغتراب الذاتي والاجتماعي، والسلطة الأبوية
تدور أسئلة كثيرة حول رؤية زكريا تامر وتصوره للمجتمع الذي يرسمه فأي مجتمع يقصد؟ وأي عالم يرسم؟ هل هو مجتمعنا ببساطته وتخلفه؟ أم أن الكاتب يعيش في عالمه الخاص جداً؟ أم أن ملامح الوسط الذي يضع الكاتب أبطاله فيه ينطبق على مجتمعات غير مجتمعاتنا العربية؟
وفي هذا الصدد طرح الأديب حنا مينة موقفه من مجتمع زكريا فقال: "عندما نقرأ قصص زكريا تامر... فإننا لا نعرف هوي هذا الإنسان ولا قمعية هذا الشرطي ولا الزمان أو المكان، لذلك يقوم التجريد مقام التعميم... ثم إن الإنسان في الوطن العربي كله، ورغم السجون والمعتقلات، ليس مذلاً ولا رعديداً، ولا يحمل أكفانه ليدور ميتاً في قلب الحياة، لذا نفتقد الموضوعية... والصدق... وكأنه لا عالم.... وكأننا نبرئ ذمتنا أمام جميع الحكام لأننا لا نقصد أياً منهم بالذات"( ).
لكننا، ومن جراء البحث والتقصي الدقيق نستطيع القول بأن قصص زكريا تامر تشكل تعبيراً حياً عن المجتمع الشرقي، فترسم واقعه رسماً دقيقاً كما تكشف النقاب عن حقيقته بشخوصه وعاداته الشعبية، ويتضح ذلك من خلال النصوص المليئة بالإشارات الصريحة الواضحة التي تدلل على
مجتمعنا الشرقي. وقبل أن نثبت ذلك نعرض طرحاً لزكريا تامر فيه رد على أصحاب الفكرة التي يتبناها حنا مينة وغيره فيقول:" ثمة مخلوق مضطهد مسحوق هالك بائس، لا يضحك ومحروم من الفرح والحرية، وهذا المخلوق له وجود حقيقي في بلدنا، ولكنه كان مهملاً منبوذاً. فمن يسمون أنفسهم كتاباً ملتزمين، كانوا منهمكين في تصوير المتسولين وبائعي اليانصيب، وتقديمهم


على أنهم الطبقة المسحوقة في بلدنا روحياً ومادياً"( ). فزكريا تامر يعبر عن هموم مجتمع الطبقة البرجوازية الصغيرة، وقضاياها ويرى أنه بات لزاماً على الأدباء مراعاة قضية هامة تخص قراء الأدب؛ لأن الكتابة التي لا توجه إلى أصحابها ليست ذات قيمة أو فائدة على اعتبار أن تفشي الأمية يحول دون كتابة هموم المتسول وبائع اليانصيب فقط فضلاً عن اعتبارها هي الأصل في هموم الإنسان العربي؛ لهذا السبب عُني زكريا بالإنسان العربي المثقف لأنه بدوره هو الذي يعنى بقراءة الأداب، وهو الذي يعاني صراع إثبات الوجود في مجتمع لا يعترف إلا بالمادة، فجاء أدبه ليعبر عن هؤلاء الذين يملأون الوطن ويعانون من التشرد الروحي قبل الجسدي، بصورة الفرد النموذج الذي يكاد يتكرر في معظم أعماله والذي يتصدر بطولة قصصه دون منازع.
لذا علينا ألاّ نغالي أو نشتط في مثل تلك التساؤلات. فندع النصوص هي التي تنطق وتعبر عن مجتمع زكريا تامر. هذا المجتمع الذي يمارس جانباً من القمع- إن لم يكن كله- على الإنسان (الفرد) فيحطمه ويجعله تائهاً غريباً حتى وهو بين أهله ووطنه. وليس هناك من عيب أو خطأ في تناول كاتبنا لمثل هذا النمط من الأفراد، حتى وإن كان هذا النموذج يملأ الغرب الرأسمالي، فنحن في عصر فرض نظمه القمعية على كل إنسان أينما حلَّ، وهموم الإنسان كإنسان غالباً ما تكون متشابهة وعامة وبخاصة إذا لامست هذه الهموم الكرامة الإنسانية والجوع والحرية والحب.
لقد أبرز لنا زكريا تامر مظاهر القمع التي يمارسها المجتمع الشرقي على أبنائه النخبة ممثلة بتوضيح موقفه من الفروق الطبقية، وهيمنة سلطة الأخلاق والقيم والعادات، والاغتراب الذاتي والاجتماعي، والسلطة الأبوية، وسنتناول هذه الأنماط بشيء من التفصيل:-
أولاً- الفروق الطبقية:
لم يتساءل زكريا تامر في قصصه عن سبب وجود الفقراء والأغنياء،


وكذلك لم يتساءل عن الفارق بينهم، ولم يدعُ إلى حلٍّ ما بل اكتفى بالرصد، إذ رصد ظاهرة الفقر والجوع رصداً دقيقاً، أبرز من خلاله معاناة الفرد الذي لا عمل له فيقتله الجوع. وتفنن برسم المجتمع الغني بمنازله الحجرية الفخمة، وبهرجة سكانه، أصحاب السيارات الفارهة.
وتتجسد أزمة البطل في وحدته، وشعوره بتخلف طبقته الفقيرة الشعبية، فينسلخ منها لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع الانخراط في عالم الأغنياء، فيرفض طبقته ويرفض فقره وبؤسه.
ويستغل زكريا همّ الجوع عند أبطاله ليعبر به عن هموم إنسانية كبيرة بل تتحول هذه الهموم – أحياناً- إلى ملحمة سريالية مفجعة كما يرى الكاتب رياض عصمت فالجوع في قصصه نوعان: نوع مادي وآخر معنوي، وهذا النوعان يتشابكان معاً من أجل إضاءة حياة الفرد التعسة( )، حتى يصل بهم إلى إنكار القيم الخيّرة كلّها، ويدفعهم إلى هوّة اليأس والقهر والإحباط فيلجأون إلى ارتكاب أعمال قد تكون عنيفة أو يلجأون إلى عالم الأحلام والكوابيس، فالجوع مثلاً كان قد استشرى في الحارة ودفع بأميمة كي تسلك مسالك الرذيلة( )، وبليلى كي ترضخ لابن عمها عباس( )، والجوع هو الذي دفع أحد المساجين كي يشتم أمه وأباه وجده وجدته( ).
وتكثر النماذج التي تظهر لنا الجوع على أنه عدوّ شرس وُظّفَ من قبل قوة ما – لا يحددها- كي يقتل في الإنسان إنسانيته ويقربه من عالم الحيوان، ويشوه أحلامه، فلا يستطيع الجائع أن يحب ولا يملك تفكيراً متزناً، بل


يتشرد في الطرقات متمنياً أن تستأصل معدته التي طالما ذكّرته بالطعام، ويتمنى أيضاً أن يريح قلبه المعتوه لأنه يعشق مدينة بخيلة لم تعطه سوى البؤس والجوع والكآبة( ).
وأبطال زكريا الجائعون هم غالباً لا يملكون عملاً ما، وذلك يعود إلى أحد سببين: ندرة الوظائف الشاغرة، والثاني أن الأعمال الشاغرة لا ترضي طوح بطل زكريا، ولا تتناسب مع طبيعته الممزقة المنهزمة. فهذا شاب يعلن في الصحف عن: "شاب للبيع عمره خمس وعشرون سنة يقوم بأي عمل، والثمن تأمين طعام يومي له"( ). وهناك آخرون يبحثون عن عمل لا يُخدش كبرياؤهم فيه، فلا يجدون. ويخاطب أحدهم قطته قائلاً:" يا قطتي العزيزة حياتي بائسة، والفقر يشنق أية ومضة فرح قد تعبر قلبي... غير أني لن أيأس..." ( ).
ومن اللافت للنظر أن البحث عن عمل في حياة الأبطال لا يأتي حباً به ولكن لأنه الطريق الوحيد الذي يؤمن أدنى سبل العيش، فهذا عامل متعب يتثاءب وهو يمضغ لقمة كبيرة، ويقول: " كل يوم تتحطم جبهتي لأجلك يا رغيف.. يا عاري الكبير"( ). وكذلك رندا فقد ضربتها أمها لأنها طلبت أن تشتري ثوباً أحمر قائلة لها: "إن شراء الخبز أكثر أهمية من شراء ثوب أحمر"( ). ويسير أحمد في قصة "سيرحل الدخان" بلا نقود أو سجائر فيمنعه كبرياؤه من الانحناء والتقاط عقب سيجارة رماه إلى الأرض رجل أنيق بحركة لا مبالية من يده، مما أشعر أحمد بذل عنيف واكتسحته رغبة حمقاء في البكاء كامرأة هرمة"( ).

وهذا هو مجتمع الفقراء الذي يصوره زكريا فلا يجد أبطاله مناصاً من الأحلام والكوابيس للإشباع جوعهم، فيحلم بطل "الأغنية الزرقاء الخشنة" بأن يصبح ملكاً كي يحطم الجوع وينقذ الناس من براثنه( ). مما سبق نستطيع القول إن قضية الجوع هي من أهم القضايا وأكثرها شيوعاً في أعمال زكريا تامر، وأن التخلص منه، يعد – بحد ذاته- تحقيقاً للحرية، وكما قال أحد أبطاله: "إله مدينتي خبز، حبيبتي جميلة كالخبز"( ).
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف صور زكريا عالم الأغنياء؟ مقابل ذلك العالم المشوّه، وهل ثار على وجوده أم أن هناك تمازجاً بين هاتين الطبقتين (طبقة الفقراء، وطبقة الأغنياء)؟
لقد دعا زكريا في قصصه إلى نبذ الفروق الطبقية التي تقتل الكرامة الإنسانية إلا أننا نجده- أحياناً- قد سلَّم بوجود هذا الفارق الطبقي في المجتمع على اعتبار لأنها قضية موجودة أصلاً منذ القدم فدعا إلى ضرورة فتح قنوات التفاعل والتعايش بين الفقراء والأغنياء. يقول أحد أبطاله: "يجب عليكم يا إخواني أن تهدموا الجدار الذي يفصل الإنسان عن الإنسان"( ). كما تحدث الراوي في قصة "ربيع في الرماد" عن مدينة قديمة هادئة وادعة، ناسها مزيج من الأغنياء والفقراء، يعيشون بسعادة وأمان ومحبة، ويؤمنون بالله إيماناً قوياً"( ). وعلى الرغم من هذه الدعوة الصريحة لنبذ الفروق الطبقية وتجاوزها إلا أن ذلك لم يكن ليتحقق، فيوسف مثلاً يعلم علم اليقين أن أهل سميرة الأغنياء لن يزوجوها من فقير، لذا تمخضت نهاية علاقتهما عن تفجير مكامن الحقد والرغبة في الانتقام من عجرفة الطبقة الغنية فتركها تواجه الفضيحة وحدها بعد أن أخذ منها ما يريد( ).

بذلك يكون بطل زكريا- المعدم اقتصادياً – ضحية مجتمعه الشرس، فيتمنى العيش في ظل ظروف جيدة مع الأغنياء إلا أن عالم الأغنياء جزء من شراسة الواقع، لذا تبلور إحساس الفرد بالدونية، يقول بطل قصة "رجل من دمشق" بعد أن قادته قدماه إلى شارع فخم عالي المباني: "أحسست بأني
لست سوى بقعة سوداء تلطخ سطحاً أبيض"( )، كان ذلك عندما أبصر كلباً في إحدى البنايات، يداعبه طفل أنيق، وقد تبين له أن الكلب يأكل كيلو من اللحم يومياً فتمنى لو يضع أصحاب هذه البناية الطوق الحديدي في عنقه بدل الكلب كي يحصل على كيلو لحماً يومياً. عندها سيعوي لهم أحسن من كلاب العالم جميعاً.
هذه مأساة الفقر في مواجهة الغنى، فعندما يحدث فواز حبيبته إلهام عن مرض غريب سيأتي ولن يصيب سوى الأغنياء فيموتون جميعاً في يوم واحد، عندها سيقبل الفقراء ويسكنون في منازل الأغنياء الحجرية الجميلة( ). وبذلك لا يرغب بعمل تغيير جذري في إذابة الطبقية بل على العكس من ذلك فهو ينتظر أن تأتي قوى خارقة كي تخلص الفقراء من الأغنياء الذين لا يدرون عن هموم الفقراء شيئاً ويتجسد ذلك في قول القرصان للأميرة بأن "الناس خارج القصر يجوعون وأحياناً ينتزعون قلوبهم من صدورهم ويبيعونها ويشترون بثمنها خبزاً"( ).
لم يكتف زكريا برسم صورة البطل الحانق الحاقد على الطبقة الغنية بل صور هؤلاء الأغنياء بأبشع الصور إذ جعلهم يأكلون لحوم البشر وغيرها فبطل قصة "ابتسم يا وجهها المتعب" يتناول طعاماً في مطعم خاص بالأغنياء
فيتبين له فيما بعد أ الطعام عبارة عن لحم إنسان بدين (لاحظ الرمز الذي


يرسم من خلاله شراسة الأغنياء)، إذ يعتبر هذا الطعام من أفخر الأطعمة الرائجة بين طبقة الأغنياء( ). وفي قصة "جوع"، يُغمى على أحمد من شدة الجوع، وبينما هو في إغمائه يرى نفسه وقد صار ملكاً، تقدم له أفخر الأطعمة المكونة من لحم طفل صغير، فيأكل بنهم وسعادة، دون أن يشعر بتقزز أو غثيان كما حصل مع بطل القصة السابقة؛ وسبب ذلك يعود إلى أن أحمد معجب بعالم الأغنياء، وهو راغب في العيش كما يعيشون؛ لذا فقد تلذذ بطعم اللحم البشري، بينما بطل القصة السابقة فقد دخل المطعم الخاص بالأغنياء لأنه يملك نقوداً لوقت محدد فقط ولا يرغب في أن يكون ضمن عالم الأغنياء لذا؛ وجدناه قد شعر بغثيان وتقزز من أكل لحوم البشر، وإن دلَّ هذا الرمز على شيء فإنما يدل على بشاعة العالم الذي يملك المال على حساب الكثيرين الجياع، وأن ما يأكله هؤلاء الأغنياء لهو من دم البشر وراحتهم، ومالهم، وأجسادهم، وشقائهم وما نشأت حياتهم إلا على حساب حياة أمثال بطل زكريا البائس.
من ذلك ندرك سبب انسلاخ بطل زكريا من طبقته الفقيرة، وفي الوقت نفسه عدم رغبته بمهادنة الطبقة الأخرى، وأنه لو ترك الخيار له لمزّق كل الحواجز التي صنعها المجتمع الزائف ولعاش البشر معاً دونما فروق.
ثانياً- صراع القيم:
إن مجتمعاً غارقاً في المفاهيم المتحجرة والعادات البالية لن يزيد إنسان زكريا إلا الضياع والرغبة في الانتحار من أجل التخلص من الحياة البائسة. يقول بطل إحدى القصص بأن أهله- وكثيراً من الناس يوافقونهم الرأي- ينصحونه بأن يحني رأسه إذا أراد العيش بسعادة؛ لأن الرأس المرفوع يشقي صاحبه( ). هذا هو المجتمع الذي يصوره زكريا، والذي يساهم في تمزيق
الفرد. لذا تحاك الشباك حول الفرد، ويحبس خلف قضبان القيم التي ما


عادت تتناسب مع آماله وطموحه. فيغدو مطالباً بالانتهاء في الجماعة، أو أن ينعزل عن مجتمعه ويعيش متقوقعاً على نفسه.
ومن هذه القيم البالية ممارسة الزوجة دور المخلصة لزوجها على الرغم من أنها لا ترغب باستمرار الحياة معه؛ وذلك لأنها زوِّجت له قصراً ودون مشورتها. فعندما يموت البنّاء في قصة "السجن" تولول زوجته وتصيح وتندب حظها على فراق زوجها أمام الناس، وعندما يأتي الليل تستسلم لهدوء غريب، وتنام قريرة العين، وعلى ثغرها ابتسامة وسكينة( ). بذلك يتعلم الفرد النفاق الاجتماعي كما يتعلم الغش والمداهنة، وتتمزق مبادئه كما تمزقت مبادئ والده رندا التي كانت ترفض تقبيل الأيدي وهي صغيرة لكنها عندما كبرت أضحت تقبل الأيدي وتحني الرأس للآخرين( ).
ومن القضايا الاجتماعية التي عرضها زكريا في أعماله قضية العار وهذه من أهم القضايا الأخلاقية المطروحة والتي غالباً ما تنتهي بالقتل ثأراً للشرف، وقد تكون هذه القضية مقنعة نوعاً ما إلا أن زكريا طبقها على حالات تتصف بالبراءة والصدق، ولكن المجتمع الساذج يرى بعين عوراء فتذبح فطمة أخت منذر السالم في حارة السعدي على يديه لأن كبرياءها قد أغاظ زوجها على الرغم من احترامها له وإطاعتها إياه إطاعة مطلقة، إلا أنه لم يستطع أن يمتلك قلبها ومشاعرها، فما كان منه إلا أن توجه إلى أخيها الجالس في المقهى قائلاً له: " بدل أن تجلس كعنتر بين الرجال اذهب وخذ أُختك من بيتي"( ). وكلمة عنتر هذه تكفي قيمياً – لأنها تحمل معنى الإهانة للرجل- أن يتوجه منذر إلى أخته ويذبحها دون أن يستفسر عن السبب.
وعندما أبصر رجال حارة السعدي عائشة- ابنة عبدالله الحلبي- تمشي مرفوعة الرأس دون ملاءة سوداء، اعتبروا ذلك خروجاً على عادات


الحارة وتقاليدها كما عدّوه تشجيعاً منها لغيرها من النساء للتمرد على سلطة الرجل، وتكون النهاية أن ترتدي عائلة عبد الله الحلبي ثياب الحداد على ابنها الذي راح ضحية الدفاع عن أخته ومبادئها، ورغم ذلك لم يكن ليرى عبد الله الحلبي نفسه مذنباً أو متمرداً على تقاليد مجتمعه بل طرح التساؤل التالي: "هل إذا ارتدت عاهرة ملاءة فهل تصير شريفة؟"( )، وفي هذا التساؤل يدق زكريا تامر أجراس الإنذار التي تنبه إلى توقيع الإنسان في ظل قيم وتقاليد قاتلة لا تنتهي إلا يموت الفرد أو تمزقه. كما يتضح من هذا التساؤل مدى تناقض المجتمع المتزمت مع نفسه وتشتته بين القبول والرفض، الاستسلام والتمرد.
ونوال البنت الصغيرة التي ألفاها أخوها مع رجل عجوز، تموت على يد أخيها القائل: "العار يجب أن يحمى"( )، وماذا في مثل سلوك هذه الفتاة الصغير من عار؟ إلا أن زكريا يبالغ في رصد هذه السلوكات متعمداّ تهويلها حتى تنجلي الصورة القمعية تماماً أمام القارئ، فروح الفرد المبدع والمتميز مطاردة ومهزومة دائماً أمام أول صدام لها مع الجماعة. لذا ينخرط فرد زكريا وينصاع لتزمتها على غير قناعة منه، مما يولد لديه شعوراً بالازدواجية والتناقض لعجزه عن مسايسة هذه المبادئ فيجلس مع نفسه وخلف الأضواء وفي السرايب. وعندما أمسكت ليلى بيد أحمد في قصة "النابالم" وهما يسيران في الشارع، يخشى أحمد على ليلى من الناس ويقول: "اتركي يدي لئلا يراك أحد ويخبر أهلك"( ) مرتداً إلى خلفيته القيّمية السائدة، إلا أن ليلى لم تتخل عن يده متحدية بذلك كل المفاهيم والقيم، وفي الوقت نفسه يتمنى أحمد أن يرى ليلي عارية أمامه، وذلك عندما اختلى بها في غرفته، ولولا دخول صاحب البناية عليهما لتمكن أحمد من تحقيق ما يتمنى.

وعندما يسكن كل من أحمد وعصام في بيت أرملة، تصبح الأرملة فريسة ينتظر الشابان فرصة وقوعها كي يتقاسماها، وفي الوقت نفسه الذي فيه يهمان بالخروج من غرفتيهما إلى ساحة البيت، يطرقان الباب عدة طرقات تنذر بخروجهما، عندها على النساء أن يخبئن لأن قوانين المجتمع عنيت بصيانة الأعراض من الدنس ولكنها لم تعن بتطهير النفوس أولاَ( ). هذا هو الطرح الذي حاول زكريا تامر أن يتلمسه ويضع تحته عدة خطوط للرائي مل ذلك مبتعداً عن المباشرة في الطرح أو عرض الحلول. ويكفي أن نقول بأنه غالباً ما تمارس القيم السائدة دورً قمعياً على الفرد مما يؤدي إلى خنقه وكبته وقتل حريته، وبخاصة إذا عرفنا بأن الحرية المطلوبة لدى أبطال زكريا هي حرية مطلقة لا تنفاد تحت أية ظروف – لأية ضغوطات أو قيود.
ثالثاً – الصراع مع السلطة الأبوية:
يساهم الأب في أعمال زكريا مساهمة فعالة في قمع الفرد، وتزقه. فهو رجل متسلط، متحجر، متزمت، والبطل لا يرضى بهذا النموذج فيتمنى عمراً بلا أب "وتجسدت في مخيلة يوسف بقايا مدة.. أبنية متهدمة، فهتف بلا صوت: عمري يتبدد، أريد عمراً آخر بلا أب"( ). وبما أنه لا يريد أباً، يرفض كذلك أن يصير بدوره أباً، وليس هذا فحسب بل لا يريد أن يتزوج، كل ذلك بسبب ما خلفته صورة والده مع قمع وتسلط، فلا يريد أن يكرر تلك المأساة مع جيل جديد.
ولا يخفي على أحد أن هذه القضية الذي نعيش لما نعيش خلاله الفجوة بين الأب وابنه، فما عاد الأب يستوعب توهج ابنه، كما أنه بقي محافظاً على صورته التقليدية، الآمرة الناهية التي تقول – دائماً– لا، ولا تؤمن بمبدأ فتح الاتصال مع الأبناء ومثال ذلك عندما يذهب


بطل قصة "الصقر" إلى المقبرة لزيارة ضريح عندها يتضح الحزن، والخوف، والانكسار، إلا أن صوت أبيه يأتيه صارخاً مؤنباً: "يا ولد، اخجل، كيف عن التدخين"( ) فيطيعه البطل خائفاً، وعندما يسأله والده عن سبب تأخره في الزواج، يجيب رافضاً الفكرة من أساسها فيوبخه والده توبيخاً لاذعاً مما دفعه إلى مغادرة المقبرة حانقاً حاقداً، فيهرع إلى البيت ويذبح حبيبته – التي لم تغسل جواربه – دون أن ترتجف يداه، وبهذا السلوك يفرغ شحنات حنقه – على تسلط والده حتى وهو في قبره – على من هم حوله ولا ذنب لهم بما يجري. وبذلك يطرد الشمس من السماء ليدلل على الوحشة التي غلّفت وقيدت حريته.
أما يوسف في "ثلج آخر الليل" فيتعرض لقمع والده القاسي ولا يجرؤ على التدخين أمامه، كما أن أباه باع المذياع الذي يعتبر لصديق الوحيد ليوسف، مع أنه يعلم علم اليقين بهذه الحقيقة، ولا يكتفي بهذه المحاصرة بل يكلف يوسف البحث عن أخته الفارة من تسلط أبيها وكبته لحريتها، ويطلب منه أن يذبحها ( كالكلبة )، رغم أن يوسف لا يريد في قرارة نفيه أن يذبح أخته التي طالما أحبها، ولعب معها إلا أنه يجد نفسه منساقاً لرغبة والده متحاملاً على نفسه( ).
كل ذلك ينشأ نتيجة خلفية قيميّة، توارثها الآباء عن أجداهم فيها
حض على إطاعة الآباء، والانقياد، لأوامرهم وأهوائهم دون المسألة، وربما تضخم هذا الأمر، لشعور الآباء بأنهم الوحيدون المنتجون بينما الأبناء والأمهات فهم المستهلكون، والده يسف – مثلاً – ابنه بكامل الأجرة
التي يتقاضها من عمله وربما نستشف من ذلك سبب عزوف الشباب عن
العمل لإحساسهم بأن ناتج علمهم لا يعود عليهم بالنفع الشخصي. ليس هذا فحسب بل يحاول والد يوسف منعه من قراءة الكتب، زاعماً أنها تفسد عليه


عقله، وتضيع وقته وماله، يقول يوسف واصفاً أباه "أبي لا يحب سوى الأولاد الذي يشتغلون في النهار، وينامون في الليل، ولا ينفقون نقودهم ويقبلون يده باحترام، لن أقبل يدك يا أبي"( ). إننا نلمس تطوراً في شخصية الفرد إذ لاحظنا سابقاً أن الفرد ينساق لأوامر أبيه تماماً رغم أنه لا يقرها بينما يظهر في قصة "البدوي" أنه بدأ يرفع صوته رافضاً تقبيل يد والده، حتى ينتهي المطاف بأبطال زكريا إلى صنع تابوت يلقون والدهم به، وذلك في مجموعته الأخيرة "النمور في اليوم العاشر" عندما يرفضون نموذج الأب الذي لم يعلّمهم سوى تقبيل اليد التي صفعتهم، وإنحاء الرؤوس كما أخافهم من ثوب المرأة، فلا ماضي لهم، ولا حاضر ولا مستقبل، إضافة إلى أنه علّمهم عدم النظر إلى السماء( ).
بذلك تحقق ثورة الأبناء على آبائهم، محاولة منهم للخلاص مع القمع الذي يمكن في الأسرة، لعلهم فيما بعد يقدرون على التخلص من القمع الناشئ في الشارع، والمقهى، والمعمل.
رابعاً – الاغتراب الذاتي والاجتماعي:
مما سبق نستشف عدة إرهاصات ممهدة لغربة الفرد عن نفسه
وانسلاخه من مجتمعه كما نستشف بأن الفرد بريء من ذلك والمجتمع هو المدان الحقيقي وهو الذي قاد الفرد إلى الانسلاخ عن نفسه، يرى د. إحسان عباس "أن الفرد منهزم قبل أن تبدو إمارات هزيمته، فمن ذا الذي يستطيع أن يقول إن الفرد هو الذي سينتصر في النهاية؟"( ) ويظهر هذا القول جلياً عند زكريا تامر إذ إن الفرد في قصصه يرنو إلى الهزيمة والاستسلام، واليأس، أكثر من ميله نحو الثورة أو التمرد أو طرح البدائل لحل المشكلات، وليس زكريا تامر وحده من يهتم بمأساة الإنسان أمام الوجود فقد اصطدم فرانز


كافكا* من قبل بعالمه المحيط به والذي لم يتعرف بالفرد إنساناً له كيانه وهمومه ومشكلاته أمام المجتمع، لذا فقد اشترك كل منهما بتسليط الضوء على الفرد الممزق المغترب حتى عن نفسه، كما اعترف كل كمهما بصفعته وعجزه عن مقاومة هذا المجتمع والتمرد عليه. ففي قصة كافكا "تحريات كلب" مثلاً، ينقم الكلب الصغير على أجداده الكلاب الذي ساهموا في توريط حياته الكلبية في الإثم فيقول: "فبرغم أنني قد أشعر بأنني مضطر إلى معارضتهم إلا أنني في الواقع سوف لا أتخطى قوانينهم أبداً( )، ومن ذلك يظهر لنا أن الفرد مسلوب الإرادة، وأم إرادته خاضعة لإرادة الآخرين، وأنه لا مفرّ – حتى الموت – من سلطة الآخرين على الفرد المستسلم لقوة التيارات الخارجية. ونرى كذلك أنه دون قرار بائع الفحم بإعطاء بطل قصة "راكب الجردل"( ) وقوداً فلت يبقى على قيد الحياة، فحياته أضحت مرهونة بيد بائع الفحم".
وفي ظل البحث الدائم عن معنى الوجود يغترب الإنسان عن نفسه اغتراباً يظل يتعمق حتى تنعدم شخصيته. ويزداد إحساسه بالقلق،
والعجز، واليأس، والعزلة، والكآبة، والدونية،.. إلخ وتعد هذه النتيجة
حجر الزاوية في بناء كل من كافكا وتامر الفني، وكما تجرد الإشارة إلى أن هذا الإحساس لم ينم إلا بعد تجربة قاسية عاشها الفرد في مجتمعه، فدفعته حساسيته إلى نبذ المفاهيم والقيم السائدة، فعمل بطل زكريا في معامل صناعية مختلفة رسمها على أنها عبارة عن مكان جاف يحوي عدداً من الآلات الحديدية، وعدداً من البشر الذي لا يعرفون سوى العمل، لذا فلا تجمعهم أية مشاعر إنسانية، ويقدر للبطل أن يطرد من عمله في أحد المصانع وذلك لأنه


أتلف – بالخطأ – إحدى الآلات، فصار يتسكع في الشوارع باحثاً عن عمل آخر كي يؤمن رزقه( ) وفي قصة لاحقة يقرر البطل العودة إلى المعمل إلا أن الرجل الزنجي – القابع داخل فرد زكريا – يحس باختناق، فتسول له نفسه ترك العمل مرّة ثانية، وفي خضم تفكيره يأتيه صوت الآمر قائلاً "ما بالك متوقفاً عن العمل؟ اشتغل، اشتغل"( ) فيدرك صعوبة الاستمرار في مسرحية تقوم على مبدأ قتل الإنسان وتعذيبه، فيبصق البطل في وجه الآمر ويكون الطرد بانتظاره، عندها فقط يستعيد إنسانيته المفقودة.
وصف شخص آخر من أبطال زكريا حياته اليومية التي لا نرى فيها شيئاً من التعقيد بل على العكس هي بسيطة وساذجة، إلا أنه يراها بمنظار آخر فيقول "وحيد ككلب الأسواق الأجرب، وتعيش أيضاً ككلب الأسواق الأجرب، ستنهض في الصباح في لحظة معينة... ستتمطى بتكاسل... ثم سيدفنك المعمل في أحشائه الشرسة.. تعب... أتنسى رائحة لحم العامل المحترق، الذي تساقط عليه الحديد الناري المصهور، تلك الرائحة هي العالم.." ( ).
فلا يرى البطل في السعي سوى روتين قاتل، وهو عدّو الروتين الأول فلا يحب تقييدأ لحريته على الرغم من أن هذا التقييد يكون ضرورياً للعيش الكريم في كثير من الأحيان إلا أننا نجده لا يتذكر من المعمل سوى الوجه البشع الذي يرميه – كالكلب – وحيداً في الأسواق، ويصف المعمل بأنه عبارة عن "حديد ولحم وحجر"( ) امتزجت معاً لتكوّن شيئاً ما كريهاً، حتى
عن وجه صاحب المعمل "قاس خبيث،أعطنا ولحم نساء أيها الرب
الفولاذي"( ) فقد صوره كالآله الذي يعني تقسيم الأرزاق، فيعطي متى

يشاء، ويحرم متى يشاء من يشاء، إلا أنه مجبول من الفولاذ (الحديد كناية عن القسوة)، ولطالما حلم يوسف أنه يذبح صاحب المعمل، ويهدم المعامل باسم الإنسانية " سأهدم المعامل، وسأجمع الآلات في مكان واحد، ثم أقول بصوت كله مهابة وجلال: أنت أيتها الآلات، مخلوقات مجرمة، جئت من بلاد غريبة، حاملة لنا الشقاء، إنني أمر بتحطيمك باسم الإنسان الذي يريد أن يحيا وديعاً نقياً، طيباً. ثم سأصيح في وجوه الناس المجتمعين حولي: هيا يا بلهاء ارجعوا إلى  الأرض، إنها الأم الوحيدة التي تعطيكم خبزاً، وفرحاً دون أن تلوث قلوبكم بالكراهية"( ).
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا هذه الرؤية السوداوية للعمل في المصانع وصاحب العمل ؟ المجرد أنها مستوردة فقط فعلمت – كما يرى زكريا – على انتزاع الإنسان العربي البسيط من أرضه (مكمن الانتماء ) ليصبح جزءاً من مكونات المعمل كالحديد والحجر مثلاً؟ إن كان ذلك كذلك فهذه مبالغة ودليل على انتقال هذه المسألة لمجرد التأثر بالأدباء الغربيين الذي طرحوا هذه القضية في عصرهم الذي سادته الآلة (الثورة الصناعية) فجردتهم من إنسانيتهم. لكننا نرى أن زكريا قد أحس بانتقال جسم الآلة من الحضارة الغربية دون تمهيد لذلك ودون أن ينتقل الفهم الشامل لأسباب وجودها، مما أدى إلى  خلق هوة سحيقة بين الإنسان وهذا المخلوق الحديدي فكان الصدام حاداً، وتطور الشعور بالحنق على الآلة إلى  رفض العالم الذي تحكمه، وانبثق التساؤل عن معنى الوجود. مع العلم بأن الصورة البشعة لهذه المعامل لم تكن قد وصلتنا حتى ذلك الحين. لذا نجد لزاماً علينا أن نبحث عن أبرز أثر غربي كان قد تأثر به زكريا في خضم البحث عن معنى الوجود.
لقد قادنا ما لمسناه من أثر أجنبي في بعض أعمال زكريا تامر إلى  طرح التساؤل التالي: أي الأدباء الأجانب كان له أكبر الأثر في أعمال زكريا؟

لقد تبين بعد دراسة لبعض أعمال فرانزكافكا( ) المتمثلة في القضية، وتحريات كلب، وراكب الجردل، والمسخ والجحر، أنها من أكثر الآثار بروزاً وانعكاساً في أعمال زكيا تامر.
لقد لاقت أعمال فرانزكافكا المترجمة صدى قوياً في نفس زكريا وبخاصة كل ما يتعلق بالبحث عن معنى الوجود والهدف من الحياة، فقد تساءل الكلب الصغير في " تحريات كلب" عند كافكا عن الهدف من وجوده أما تسارع الزمن وغلبة عصر الآلة قائلاً " أيمكنني أن أتأمل أسس وجودنا.... أيمكنني أن أتكهن بعمقها....؟" ( )ويتعمق التساؤل فيضيف " ما هو أشد غرابة لحد بعيد بالنسبة لعقلي هو اللامعقولية، لا معقولية هذا الوجود "( ).
لقد لمسنا من خلال دراسة بعض الأعمال بأن كلاً من كافكا وزكريا قد سعى إلى خلق عالم خاص به، وإلى محاولة لإيجاد معنى لوجوده بطريقته الخاصة، ونحن بدورنا لا ننكر الاختلاف البيئي بين هذين الأديبين كما لا ننكر اختلاف موازين القيم والمورثات لكل منهما، إلا أننا حاولنا عقد المقارنة في

القضايا التي يشتركان بها على المستوى الإنساني البحث من مثل تبني فكرة الدفاع عن حرية الفرد، وتسليط الضوء على أسباب اغترابه وعزلته أمام أشكال السلطة المختلفة.
لقد حلم بطل زكريا بوجود مدينة ذات شروط خاصة تتناسب مع طبيعته لا أن يتناسب هو معها كالتي فرضها الواقع عليه، وكافكا كذلك ففي قصته
 " الجحر" مثلاً يختار البطل العيش في جحر مظلم لا ينافسه فيه أحد ولا ينغص أحد عليه حياته، وهو في نظره قمة الجحور وأفخمها( ) وهو السيد الوحيد لحجراته وغرفه، ومنه يستمد القوة والأمن. لكنه – مع كل هذه السيطرة على عالمه الذي صنعه بنفسه – لم يتخلص من القلق الذي يثيره الوجود خارج الجحر وذلك لأنه جزء لا يتجزأ من العالم الخارجي، الذي لا يمكن له – نهاية – أن ينسلخ منه.
يطرح بطل زكريا تساؤله عن الوجود فيقول: ".... فأنا شاب أحمق، عديم الفائدة.... اشتغلت في أعمال كثيرة كرهتها كلها... ولقد طالما تساءلت: لماذا أعيش ما دام ليس هناك ما أعيش لأجله، ولا فائدة ن وجودي... لماذا لا أنتحر ؟ "( )، وبذلك يتوصل الأديبان إلى  أن الحياة عبث ولا شيء غير العبث.
ولسبب من الإحساس بتفاهة الحياة وتعقدها، بشكل يشوه الصورة المثالية لها جاءت رواية " المسخ" لكافكا ليعبر من خلالها عن واقع المعاناة التي خلفتها الرأسمالية، والتي بدورها قضت على العلاقات الإنسانية من
 خلال اهتمامها بالعمل على حساب إنسانية العامل وبالآلة على حساب راحة العامل، فتبدأ علاقات سامسا المتحول إلى  حشرة كبيرة بينه وبين الناس بالتغير، إنها صدمة الواقع المشوه إذ يعمل سامسا موظفاً بسيطاً في مكتب، ولا حول ولا قوة له. سوى أنه يرفض أن يكون إنساناً آلياً سخيفاً، ويطالب


بكل أعاد الإنسانية للحياة حتى أصبح كل ما فيه يعيش حالة اغتراب، فطريقته في تناول الطعام أضحت تشبه الحيوان، وصوته صار غريباً وما عاد المجتمع يرضى به حتى أن اخته تطلب من أبيها التخلص منه ( ). ويمكننا الإشارة إلى  صورة الاخت في قصة " الجريمة" عند زكريا تامر إذ تشهد على أخيها أمام المحكمة بأنه فعلاً قاتل الجنرال كليبر، وتمارس مع أهلها دور الجلاد للتخلص منه( ) وفي قصة أخرى لزكريا تتشوه الحياة في نظر خليل السامر، فيمسخ كل ما فيها من مظاهر إنسانية عندما يدخل إلى  المطعم لتناول الطعم، فيفاجأ بأن الزبائن ما هم إلا عبارة عن جرذان كبيرة أنيقة وكذلك " الجرسون" وأثناء جلوسه في المطعم يدلف جرذ كبير أنيق يقود بيده طفلاً يمشي على أربع مطوقاً بسلسلة حديدية، عندها يفشل خليل السامر في محاولة تخيل طفل أشقر الشعر يضحك بعذوبة، كما فشل عندما حاول أن يتخيل شجرة خضراء وعصفوراً صغيراً.... ( ) لذا فقد أضحى وحيداً في عالم كله جرذان لم يستطع المحافظة على إنسانيته أكثر، وشيئاً فشيئاً بدأ صوته يتحول إلى  نباح، وأخذ يستسيغ قطعة اللحم النيئة التي قدمها له الجرسون فأضحت لذيذة مغرية بالنسبة له. فعلى الرغم من انعكاس صورة التشويه والمسخ في كلا العملين إلا أن مؤداهما واحد ففي (المسخ) مثلاً تحول الفرد إلى  حشرة ضخمة، أي أنه صار في نظر المجتمع شاذاً عنهم فنبذوه لذا قرر أن يريحهم من نفسه فانتحر. أما في قصة (الهزيمة)، ينهزم الفرد أمام المجتمع الذي كان عبارة عن جرذان كبيرة، والفرد منبوذ لأنه شاذ عنهم، والفارق الذي نلمسه بين العملين هو أن أبطال زكريا فشلوا في مقاومة المجتمع، فما كان منهم إلا الانخراط فيه رغم تشوهه وعلاته مع استمرارية التفكير بالانتحار. أما بطل كافكا فقد قرر الانتحار، لأنه وجد من الصعوبة بمكان الانخراط في مجتمع ينبذه ويكن له العداء.

بذلك لا يستطيع الفرد أن يتصالح مع المجتمع لأن المجتمع لا يمد له يد المصالحة، بل على لعكس من ذلك فقد تزداد إمكانية انسلاخه عن مجتمعه، ففي قصة " القبو" يرجع البطل إلى  قبوه حيث تتعاقب أيامه بلا أفراح، فيسأل أمه إن كان أحد قد سأل عنه في غيابه، وعندما تخبره بأن لا أحد قد سأل عنه يقول: "فامتلكتني خيبة مريرة، وأحسست بأن من أشد الناس بؤساً، ولم أستطيع البكاء لأن عيني أمي كانتا تراقباني بفضول، فقصدت المرحاض، وهناك اسندت خدي بجداره الخشن الوسخ وانتحبت طويلاً دون خجل.... "( ) 
أما الكلب الصغير بطل قصة " تحريات كلب" فقد بدا له وكأنه قد فصل عن جميع زملائه ليعبر مسافة قصيرة... كما لو أنه سيموت بسبب الإهمال أكثر
منه بسبب الجوع، إذ كان واضحاً أن أحداً لم يشعر بقلق عليه، ويضيف
قائلاً " لا أحد تحت الأرض أو عليها أو فوقها يشعر بقلق علي، إنني كلب موت بسبب لا أباليتهم "( ). لقد قام كل من كافكا وزكريا بالكشف عن جذور الاغتراب لكنهما بقيا أسيري الاغتراب فلم ينته بهما إلى  ثورة رافضة
بل قادهما إلى  العجز المأساوي، واليأس المبرر من وجهة نظرهما. وفي النص التالي يلخص زكريا مأساة بطله الممزق فيقول: " إني أعيش في هذا القبو.... العالم يجثم فوقي إني سأظل حتى النهاية في قعر المدينة "( ) وفي قصة أخرى  يصف لنا حال بطله الذي يعيش حالة اغتراب من شتى الجوانب (اللامقدورة، وفقدان الماهية واللاإنتماء، والوحدة، والقلق، والرفض، والتمرد) قائلاً " غرفة الرجل المتعب بلا ضوء، صامتة ـ علبة صغيرة من الحجر الرطب، أعود إليها بدون حنين بعد أن تشردت طوال ساعات.... " ويضيف "
وكنت وطواطاً هرماً أعمى، جناحاه محطمان، لا أجد خبزي وفرحي... يصدمني الصخب أينما سرت فلكم يرعبني ضجيج المخلوقات الزاحفة
حولي على الأرصفة، إنه يبعدني عن نفسي، عن نقطة سوداء قابعة في
داخلي، باردة حزينة.... أنا لست سوى مخلوق ما ضائع في زحام مدينة


كبيرة قديمة... لست دون جوان، لا أملك سيارة، ولا بناية شامخة... جبهتي لم تلمس مرة سجادة مسجد.... صورتي لا يعرفها قراء الصحف اشتغل في اليوم ثماني ساعات.... أتعب، أبتلع الطعام بسرعة عجيبة. أدخن... أجلس في مقهى.... أشترك بحماس في مناقشات عقيمة....أضحك ببلاهة.... أغازل فتيات. اشتم الله، أصادق مومسات.... أقرأ كتاباً... "( ).
في هذا النص تجسيد لمأساة المثقف العربي، وحيرته، والفراغ النفسي والعاطفي الذي يكابده، وكآبته من كثرة القيود التي يرسف تحتها، والتي تقوده إلى  الشعور بالحرمان تارة، والى التمرد البسيط تارة أخرى، وفيه تجسيد للغيظ المكبوت الذي ينطوي على الكفر، إنها قصة إنسان كافكا كذلك، الذي ينزوي في جحره هرباً من الأعداء (العالم). ولا يختلف بطل قصة " الفريسة" عن صاحب الجحر هذا، إذ يفر من العالم المشوه المرعب ويستقر في نهر عدة سنوات، وحيداً مستسلماً لطمأنينة غريبة حتى جاءه صياد في أحد الأيام فانتشله ظناً منه أن هذا الإنسان سمكة غريبة، وأقنع أولاده الجياع بأكلها( ) فلا مناص من قسوة العالم على الفرد، ومهما طال عليه الزمن فسوف تنال منه اليد البشعة، لذا فما الفائدة من هذا الوجود ؟ ولماذا لا ينتحر بطل زكريا؟؟
إن من أبرز المظاهر التي التفت إليها كل من كافكا وزكريا في أعمالهما تحول الأبطال من العالم البشري إلى  الحيواني، إذ يتخلون، بل يتجردون من الإنسانية المشوهة متجهين نحو عالم الحيوان، لعل إحساسهم بالوجود يتحقق من خلاله. ففي " تحريات كلب" مثلاً يتحول البطل إلى  واحد من مجتمع الكلاب لكنه على الرغم من ذلك يشر بانعزاله عن المجتمع الكلبي عندها يطرح السؤال الصعب ما الهدف من الوجود ؟ وما الغاية منه ؟ إنها مأساة الشعور بالاغتراب إذ تتحول الحياة الإنسانية إلى الحياة الحيوانية المجردة كما لمسنا ذلك في كل من المسخ، والحجر.

ويؤكد زكريا على أن وجود الفرد لا معنى له طالما أنه فقد القدرة على التعامل بإنسانيته في مجتمع خالٍ من الإنسانية، فالشنفرى – مثلاً – لم يجد بداً من التوحد مع قطته عندما عاد إلى  مسكنه وحيداً يشتهي الكلمات والورد والنجوم، لكن القطة لم تمنحه نعمة التوحد، فخدشته في وجهه، وهربت، عندها تحول صوته شيئاً فشيئاً إلى  صراخ ممطوط: "نياو، نياو...." ( ). ويتحول محمد إلى  قط هزيل، يموء مواءً حاداً، ويمشي عبر الطرقات دون هدف، وذلك عندما لم تبتسم له المرأة التي أحبها( ).
ويتفاقم الشعور بالدونية والحيوانية عند أبطاله كلما أحسوا بقسوة الواقع عليهم، وكلما اشتهوا شيئاً ولم يتحقق، فتتحول النقطة السوداء المختبئة في صميم أحدهم إلى  عنكبوت لا يستطيع مقاومته، بل يسقط بسهولة بين أذرعه اللزجة( ) ويخاطب أحد أبطاله امرأة يحبها قائلاً:
" أحبك، فتسأله إن كان يشعر وهو يردده هذه الكلمة بأن إنساناً رائعاً سيولد في نفسه، فيجيبها: لا شيء في داخلي سوى بعض العناكب والقبور المهجورة ( )" ويتعالى صوت عمر السعدي – الذي قبض عليه ولم يعلم ما هي تهمته( ) – مقلدا مواء القط في هيئة صراخ شرس، وينتظر بلهفة ركلة الحارس عندما يفتح باب الزنزانة عليه( ).
من ذلك ندرك أن إحساس كل من الأديبين قائم على عدم مهادنة
هذا العالم، ما دامت أساب الاغتراب قائمة، وطالما أنه لم يتم التغلب عليها، فستبقى الجثة، أو الحشرة أو العنكبوت، أو الكلب، أو الغراب، أو القط
هي النهاية الحقيقية لإنسان يعيش في عالم مشوه، وسيبقى إنسان زكريا عبارة

عن "شيء" أو مخلوق ما، أو كتلة لحم مسترخية على وجه سرير أو غراب هرم، أو جورب عتيق مهمل، لا يحس بالحياة لأنها لا تحس به. ومن أمثلة ذلك يقول بطل زكريا: " أنا شيء فظ جاف خشن، غير إنساني"( ). ويقول في موضع آخر: " ليتني كنت غراباً، أنا تمثال من صخر صلد، أملس مغروس وسط ضوضاء مخبولة"( ).
إنه " لعبث فما عادت الحياة ذات معنى يثير اهتمام الفرد، فلا معنى في الحب ولا في المال كما لا يوجد معنى للعيش بحد ذاته إنه مرة أخرى السؤال الصعب: " لماذا تعيش يا سكران... لماذا لا أموت ؟ ماذا سأفعل لو كنت أملك مدناً من ذهب... لو أحبتني أجمل امرأة... ماذا سأفعل ؟ أظنني سأحدق في لمعة حذائي الجديد وأقول بضجر: أوه كل الأشياء تافهة وغبية"( ).
بسبب هذه العبثية يندفع أبطال كل من زكريا تامر وكافكا إلى  التفكير بالانتحار، وكما أنه لا معنى في الحاضر، فلا بد أن المستقبل يخلو
من المعنى أيضاً ؛ فهو كيومهم الذي يعيشون فيه عقيم تعس، لذا يختاران الموت لأبطالهما كما اختارا لهم الحرية من قبل، فالموت من وجهة نظرهما ليس تلك التجربة السيئة، وإنما هو تجربة يمر عبرها الإنسان نحو الصفاء الكلي، هذه هي حقيقة الموت لديهما، قالت المرأة متحدثة عن الموت " الموت
 لا يخيفني.... إنه بدء طريق إلى عالم كبير جداً ومجهول " ( ). كما يستسلم جوزيف. ك للإعدام دون مقاومة فعلى الرغم من عدم الخوف من الموت على اعتبار أنه حقيقة مطلقة إلا أن هذه الفكرة تؤرق الفرد، وتسيطر على تفكيره لأنها الخطوة الأولى في السؤال عن الخلود والبحث عنه، يقول أحد أبطال

زكريا " آذار، نيسان، مارس، الثلاثاء، الأربعاء.... متى يتوقف هذا الركض المجنون ؟سأدفن يوماً في حفرة، ويظل النهر حياً "( ) إنه الصراع والقلق الذي يعمق الإحساس بتفاهة الحياة عبث الوجود، ويقول أيضاً " مازال الحمار سيداً، فلسقط أبي، فلتعش امرأة جارنا، تفو... كلنا سنموت"( ) ويتساءل البطل مستغرباً من سؤال أحد المارة له عن الساعة فيقول " لماذا يسأل ما دام سيموت في يوم من الأيام" ( ). 
ويتعمق صراع البحث عن الخلود عندما يقول أحدهم " لن أموت سأمشي وحيداً في المدن المقفرة " وأيضاً " لن أموت قبل أن أقابل البحر فهو الوحيد الذي سيعطيني الأجنحة"( ). إنها محاولة لمحاربة فكرة الاستسلام للموت، لكن هل ينجحون ؟
يحدد كافكا قدره في الحياة من خلال عبارة وردت في يومياته فيقول: " لو أنني أدنت، فإنني لم أدن فقط لأموت، وإنما أدنت أيضاً لأناضل حتى الموت "( ) من ذلك يتضح لنا أن بطل كافكا خلق كي يموت  لكنه خلق أيضاً من أجل أن يناضل حتى لحظة الموت، وذلك كي يكون جديراً بأن يكون قد وجد في يوم ما.
مما أسلفنا يتبين أن إنسان كل من كافكا وزكريا يصطبغ بطابع التشاؤم واليأس، لكنه مع ذلك يحمل تباشير الأمل بين الحين والآخر.
وعلى الرغم مما وصف به زكريا من كونه فنان تدمير، وصاحب الباطنية المدمرة إلا أنه لا يدمر عشوائياً ولا يدمر بلا سبب أو مسوغ ؛ فكثير

من أبطاله تراودهم فكرة اختراع قنبلة ذرية يطوحون بها فوق هذا العالم لتدمره، ولا تبقي منه شيئاً ؛ وذلك حتى تشرق الشمس على الأنقاض( ) فلا ينقطع الأمل " سأزرع الأمل في دمي، وأنتظر بلهفة الشمس السعيدة التي لا بد أن تشرق في يوم ما " ( ).
تقول بديعة أمين في معرض حديثها عن موقف كافكا من الأمل بأنه (على الرغم مما يشاع حول موقف كافا من الحياة الذي يطلى بلون فحمي لا يسمح بتسرب خيط من النور المشوب باليأس والإحباط، فإننا نستطيع أن نتبين ذلك الموقف المفعم بالأمل حتى حين يكون اليأس هو النهاية الحتمية المغلقة، فيقول في يومياته: " لا تيأس، حتى بسبب حقيقة أنك لا تيأس، فحين يبدو أن كل شيء قد انتهى، تهب قوى جديدة، وهذا يعني بالضبط أنك حي" ) ( ).
وتتضح هذه المقولة في موقف صاحب الجحر إثر خروجه إلى  العالم، فعلى الرغم من أن خروجه من الجحر يفضحه ويعرضه للمخاطر، إلا أن ذلك هو " الأمل الوحيد الذي لا أستطيع أن أعيش بدونه" ( ).
من ذلك نرى أنه ليس بالإمكان تجاوز الاغتراب نحو الخلاص رغم المحاولات التي تشرق هنا وهناك، وذلك بسبب العجز المطلق وعدم القدرة على الدفاع عن النفس أمام مجتمع قاسٍ، فالمجتمع هو المسؤول عن تعاسة الفرد التي لا يعرف لها نهاية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق