الجمعة، 14 أبريل، 2017

العولمة الإعلامية : ثقافة عصر الصورة المتلفزة

العولمة الإعلامية :
ثقافة عصر الصورة المتلفزة
يشهد القرن الحالي المزيد من الصراعات والتحديات والمتغيرات،مثلما يشهد ايضا عولمة مثلثة الابعاد: الاولى سياسية والثانية اقتصادية والثالثة اتصالية ثقافية، هذه الاخيرة استندت الى القفزة التكنولوجية الهائلة التي زاوجت بين المعلوماتية والاتصال والإعلام، واضعة العالم امام منظومة اعلامية اتصالية تفاعلية تذهب به نحو مزيد من العولمة يقابلها مزيد من الاحتماء بالخصوصيات. ذلك هو رهان البعد الثالث للعولمة المتمثل في المقدرة ديمقراطيا على تنظيم التعايش الثقافي على مستوى المجتمعات والعالم. واكثر من اي وقت مضى فان تداخل التطورات التقنية والرهانات الاقتصادية والطوباويات الاجتماعية الذي سببته هذه الثورة الإعلامية والاتصالية ابرز الفرق بين فلسفتين كبيرتين للاتصال: واحدة تكنولوجية اقتصادية واخرى انسانية ديمقراطية، والتضاد بين هاتين الفلسفتين يحيلنا الى مفهومين للاتصال: واحد معياري واخر وظيفي.
وإذا اعتمدنا منهجيّة تحليلة نقديّة لمفهوم العولمة ، فإننا نجد أنفسنا أمام محاذير متعددة واحتمالات مستقبلية صعبّة، خاصة بالنسبة إلى المجتمعات التي لا تملك موارد كافية للمنافسة ،ولا امكانات ذاتية تخولها دخول السوق العالمية وتحصيل حصتها من الإستثمار والانتاج والترويج .وهناك من يعتقد بأهمية العولمة في الحياة الدولية باعتبارها مناسبة مهمة أمام المجتمعات لتبرز قدراتها ،لتتنافس ولتنافس وتستفيد من الموارد المالية الموجودة في الأسواق العالمية، ولتحقق رخاءها ونموّها .وهناك من يعتقد بأنها (تهميش للعالم النامي) وتدمير لثقافته إضافة إلى آثارها الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن أبرازها بالنقاط التالية :
1- المستوى الحضاري والقيمي :
- تفكك التضامن الاجتماعي ، واستشراء وتائر التفقير والفردانية . - تفريغ الإنسان من مضامينه الروحية والإنسانية والحضارية ، واختزاله إلى مجرد منتج أو مستهلك رغم وفرة الانتاج وكثافة المغريات . فرغم التخمة ثمة تفريغ للإنسان على المستوى الأخلاقي والحضاري .
- استشراء العنف المسلط على الإنسان وخاصة العنف المسلط على البيئة مثل التلاعب بالبيئة البشرية وخاصة بالجينات . فالاستنساخ يمكن اعتباره وجهاً مكملاً للعولمة ، حيث إن الاستنساخ والعولمة يبقيان صناعة التمثال
2- المستوى الإعلامي والثقافي :
- العولمة الإعلامية تسعى من خلال تكنولوجيا الثورة الاتصالية إلى نشر (مبدأ التماثل) وتحميه ليصبح التماثل بذلك أمراً واقعاً ، وتحويل المجتمع إلى كتلة متشابهة .
 - تنميط الحياة اليومية بحكم فراغ ما يسمى بالمخيال الجماعي وخوائه وظهور نمط واحد من الواقع المعيشي يتصف بالتماثل السكوني. وهكذا نجد العولمة الإعلامية تركز هذا اليوم على حوادث العنف بين الجيران وقضايا القتل وحوادث الطرقات والحرائق والدعارة ... إلخ  ويتم في مقابل ذلك إغفال لعدد مشاكل البشرية ،  وتباين اهتماماتها والتحكم في مستويات الإنسان .
- تنميط المشاعر الإنسانية والتحكم في تشكلّها وفق منطق معين من الأولوية والأهمية ، فالتحكم الإعلامي في المشاعر البشرية وتحديد أهميتها وبرمجة أولويتها هو تحكم في المخيال الجماعي وبالتالي تحكم في ثقافات الشعوب.
- تعميق وظيفة (التشيؤ) بإحلال عالم الموضوعات محل العالم الإنساني ، محل الذوات والأشياء محل الأفراد ، باختزال القيمة الإنسانية إلى قيمة سلعيّة .
- تعميق ثقافة الاستهلاك،وجعل الثقافة مجرد (سلعة) لتسطيح الحياة . ويمكن القول بأن عولمة الإعلام هي عملية تهدف إلى التعظيم المتسارع والمستمر في قدرات وسائل الإعلام على تجاوز الحدود بين الدول والتأثير في المتلقين الذين ينتمون إلى ثقافات متبايتة وذلك لدعم عملية توحيد ودمج أسواق العالم من ناحية وتحقيق مكاسب للأطراف المهيمنة على صناعة الإعلام والإتصال من ناحية ثانية،
وينطوي مفهوم عولمة الإعلام على مجموعة من الأبعاد والمكونات الأساسية التي نوجزها في النقاط التالية :
1- أن عولمة الإعلام هي عملية متسارعة التغير وبالتالي لم تتشكل ملامحها النهائية بعد فهي تمر بمرحلة إنتقالية وذلك لسببين رئيسين :
الاول : أن عولمة الإعلام تعتبر أحد أبعاد عملية أوسع هي عولمة الإقتصاد والإجتماع والسياسة والثقافة ونظراً لعدم إستقرار أو تبلور عملية العولمة فأن هناك مجموعة من الرهانات والتحديات الإقتصادية والسياسية والثقافية التي تحدد مسار تطورـ بل ومستقبل ـ عملية عولمة الإعلام .
ومجمل هذه الرهانات يقوم على تماثل جوهر عملية العولمة في مجالات الإعلام والإقتصاد والإجتماع والسياسة والثقافة باعتبارها إسقاطا للحدود السياسية وتوحيدا ودمجا للأسواق وبالتالي وجود إرتباط وثيق وتأثيرات متبادلة بين هذه المجالات الأربعة والإعلام بما يعني أن النجاح في عولمة الإعلام يدعم من فرص نجاح عولمة الإعلام والثقافة السياسية ، والعكس صحيح .
السبب الثاني : إن عولمة الإعلام تعتمد في بعد مهم منها على نتائج الثورة لعقود قادمة وستدفعها إلى الأمام (التطبيقات) الجديدة أي الأدوات في مجال الإتصالات والتي بدأت لتوها
2- الترابط والتكامل بين مجالات الإعلام وتكنولوجيا الإتصال ومجتمع المعلومات بحيث أصبح من الصعب تعريف الإعلام أو الإتصال بمعزل عن تكنولوجيا الإتصال والمعلوماتية ، فالثورة في تكنولوجيا الإتصال أوجدت وسائل جديدة في الإتصال مثل البث التلفزيوني الفضائي والتكنولوجية الرقمية التي وفرت إمكانيات هائلة لإستقبال الصوت والصورة بدقة وبنقاء غير مسبوقين وكذلك وسائل الإعلام المرئية التفاعلية والفيديو تحت الطلب، والصحافة الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت ووسائل الإتصال المحمولة علاوة على التطبيقات المختلفة للوسائط المتعددة وقد إرتبطت هذه الوسائل والتطبيقات بالمعلوماتية المتعددة .
وأتاحت وسائل وتطبيقات الثورة التكنولوجية المرتبطة بالإعلام والإتصالات والمعلوماتية إمكانيات وإختيارات هائلة وأيضاً تحديات أمام الافراد والمجتمعات فقد تعاظمت قدرة تكنولوجيا الإتصال على تجاوز الحدود السياسية والنفاذ عبر الثقافات،وأتاحت تكنولوجيا الإتصال التفاعلية واللاجماهيرية واللاتزامنية وقابلية التوصيل والشيوع والكونية .
3- النمو الهائل في إقتصاديات الإعلام والإتصالات والمعلومات وقد أفضى هذا النمو إلى مزيد من التداخل بين عولمة الإعلام وعولمة الإقتصاد فعولمة الإعلام ليست مجرد تعظيم في قدرات الإعلام على الدعوة إلى عولمة الإقتصاد أو الثقافة أو مايعرف أحياناً بنشر أيديولوجيا العولمة أي أنه ليس مجرد أداة أيديولوجية بل إن عولمة الإعلام أصبحت جزءاً أصيلا من عولمة الإقتصاد وذلك بالنظر الى الدور الكبير لقطاع الإتصالات والإعلام والمعلومات في إقتصاديات الدول الكبرى والأسواق العالمية فالإعلام أصبح صناعة وقطاعاً مؤثراً في الإقتصاد العالمي ويمثل هذا القطاع 40% من الإنتاج الصناعي العالمي ويضم أكثر من 60% من اليد العاملة في العالم الصناعي .
4- توسيع الخيارات والبدائل الإعلامية المتاحة أمام الجمهور فقد وفرت تكنولوجيا الإتصال والمعلوماتية وبصورة غير مسبوفة مئات القنوات التليفزيونية ومئات المحطات الإذاعية وعشرات الصحف والمجلات المحلية والدولية ، فضلا عما توفره من وسائل الإتصال الأحدث والمرتبطة بالمعلوماتية.
5- تقليص دور الحكومات والمنظمات الدولية في تنظيم بيئة الإعلام والإتصالات المحلية والدولية لصالح الشركات الإحتكارية متعددة الجنسية وذلك من خلال الدعوة إلى تغير التشريعات والنظم التي تعوق التدفق الحر للمعلومات والصور والرموز بين الدول أو تمنح الحكومات أدواراً ووظائف إعلامية كالتخطيط والرقابة والمنع والمصادرة . في هذا السياق تطرح عولمة الإعلام مهام خصخصة وسائل الإعلام والإتصال وإنهاء دور الدولة في مجالات الإعلام خاصة في دعم وسائل الإتصال المحلية أو الإنتاج الإعلامي .
فالعولمة قبل أن تكون مضموناً إقتصادياً وتجارياً وسلعياً هي مضمون إعلامي وثقافي تروجه وتؤطره وسائط اعلامية متعددة مثل الفضائيات والوسائط المتعددة والشامل الإعلامي والشبكات الكونية .ومن شأن هذا الإنفجار التقني أن يخلق صورة قوية ومؤثرة وفاعلة تشجع على الإنتشار السريع لللأفكار وترويج البضائع وسلعنة الإنسان والوجود .
إن إنعكاسات الثورة التكنولوجية شملت مراحل حلقة الإتصال والإعلام وكانت سبباً أساسياً فيما وصلت آلية العولمة من تأثيرات  في هذا العصر . إنطلاقاً من أن هذه الثورة قد تركت بصماتها بوضوح على مرحلة تجميع المادة الإعلامية وتغطيتها ومعالجتها وإنتاجها ثم بثها وتوزيعها بل شملت حتى كيفية ونوع الإستماع والمشاهدة والتعامل مع وسائط الإعلام التي غيرت ظروف وفضاء العمل وهيكلية الإنتاج والمراحل التي يمر بها .
ويمكن اعتبار (حضارة الصورة) اداة من ادوات العولمة الأعلامية وحقلاً مهماً لممارسة توجهات هذه العولمة ايديولوجيا وثقافياً وإقتصادياً ودعائياً ونفسياً .ومازلنا نتذكر كيف جسدت شبكة (C.N.N) الامريكية أثناء حرب الخليج الثانية ، لأول مرة ، مفهوم العولمة بشكل قوي ونبهتنا الى قيمة الصورة الفضائية في الحدث العالمي وتكوين (القرية الاعلامية)،مع ماشكلته التغطية الخبرية للشبكة من تساؤلات مشروعة حول خطورة الهيمنة الاعلامية ومضامينها .وهذا الأمر ينطبق ايضاً ،بما حد ث في حرب الخليج الثالثة قبل اسابيع ،عندما كانت الفضائيات العربية والعالمية تختزل الزمان والمكان وتتفاعل (عولمة صواريخ الكروز) مع (عولمة الصورة الفضائية) لتكوّن مشهّد العولمة المفزعة! وهكذا اصبحت الصورة الفضائية الرقمية تختلف عن صورة الماضي ذلك لان صور اليوم تسبقا الواقع، بينما كانت صور الماضي تجئ تالية للواقع. ولم تعد الصورة محاكاة للواقع، بل اصبح الواقع اشبه بالمحاكاة للصور، وهذا ما يتجسد اليوم في سلوك الشباب الذي يحاكون سلوك الممثلين ولاعبي الكرة ونجوم الغناء ،مثلما يجري تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية على نحو متزايد من خلال عروض الميديا، بحيث اصبحت  ثقافة الميديا لا تشغل الوقت وتستنفذ الطاقة فحسب، بل تقدم مادة متزايدة للتخيل والاحلام وصياغة الافكار والسلوك والشخصيات، وتخلب عقول الناس وتغويهم، وتدمجهم في مجتمع الاستهلاك... مجتمع الترفيه والمعلومات والاستهلاك، مما يؤثر في التفكير والسلوك. وكان طبيعياً ان تبرز هذه الثقافة الإعلامية مظاهر سلبيّة ابرزها:
1- هيمنة ثقافة المظهر والشكل والابهار واللمعان والاستعراض والمهرجان على حساب ثقافة الجوهر والمضمون والقيمة والعمق. وبمعنى اخر تصبح الصورة بديلا عن الواقع حيث تزييف الوعي وغيابه، ويتحول الانسان الى شي او سلعة.
2- اختفاء الابداع، حيث سيادة ثقافة الكثرة والاستهلاك والنقل والمحاكاة لاعمال وبرامج فنية وغنائية تلفزيونية
3- هيمنة ثقافة صناعة النجوم، وتحويل البشر الى سلع.
4- هيمنة ثقافة (التكرار) وهو عدو لدود للابداع. (22)

مواضيع ذات صلة
 

العولمة والصورة تعزيز الهوية واستلابها
الإعلام الحديث فى ظل العولمة
إشكاليات الإعلام في عصر العولمة
ﺛﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻳﻮﻧﻴﺔ
الإعلام": صناعة "الصورة"
ثقافة عصر الصورة المتلفزة
تاثير الصورة في المتلقي
تعريف الصورة الاعلامية
اهمية الصورة الفوتوغرافية
علاقة الاعلام بالعولمة
تعريف العولمة
بحث حول العولمة الاعلامية
تعريف العولمة الاعلامية
العولمة الاعلامية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق