الخميس، 13 أبريل، 2017

مواضيع ذات صلة

المشكلات الفلسفية للنموذج الميكانيكي للطبيعة
على الرغم من أنه بحلول القرن التاسع عشر الميلادي كان النموذج الميكانيكي للطبيعة قد سيطر على الفكر الفلسفي وساد الفكر العلمي بشكل تام. خصوصا بعد نجاحه في تفسير حركة الأجسام الطبيعية سواء على مستوى الأجسام السماوية الفلكية في علم الكونيات أو مستوى المواد الطبيعية في علم الفيزياء. إلا أنه في واقع الأمر، وكما سيتضح فيما يلي، أن هذا النموذج لم يكن قد اكتمل بعد بصفته نموذجا للطبيعة بشكل عام وليس للعلوم الفيزيائية فقط.

1.    النموذج الميكانيكي ومستويات الوجود

فبالرغم من سيادة النموذج الميكانيكي فقد ظل تفسير التفاعلات الكيميائية بين الذرات والجزيئات معتمدا بشكل أساسي على وصف نتائج التجارب العلمية وليس على تفسير هذه التفاعلات ميكانيكيا. لذلك لم يكن من الممكن التنبؤ مسبقا بنتائج تجارب لم تجر من قبل، مثلما يمكن التنبؤ بالحركة الميكانيكية لأي جسم طبيعي في أي ظروف محددة لم تكن معروفة من قبل. فظهرت مشكلة العلاقة بين الكيمياء والفيزياء، وظهر جليا أن فكرة أن علم الكيمياء يخضع للنموذج الميكانيكي ليست سوى فرضية فلسفية لا يمكن إثباتها علميا. ولم يكن ممكنا حل هذه المشكلة جزئيا إلا بعد ظهور نظرية ميكانيكا الكم حيث أمكن تقديم تفسيرات جزئية للتفاعلات الكيميائية. ولكن ذلك كان بتكلفة مشكلة تفسير ميكانيكا الكم ذاتها، والتي يعتبرها الكثيرون ليست ضمن النموذج الميكانيكي السببي القديم[1].
وإضافة إلى الكيمياء ظهرت مشكلة علم البيولوجيا، الذي لم يكن يعتبر علما بالمعنى الصحيح حتى أوائل القرن العشرين. فالمشكلة التي قابلت النموذج الميكانيكي كانت في تفسير ظاهرة الحياة التي تتميز بها الخلايا الحية. ونظرا لأنه لم يكن ممكنا بواسطة النموذج الميكانيكي تقديم قوانين دقيقة لطبيعة عمل الخلايا الحية ظهرت فكرة "القوة الحيوية" (انتلخيا) "Entelechy"[2]. فافترض أن المواد الحية لها ارتباط بشكل ما بنوع من الوجود المستقل هو القوة الحيوية، والتي تحول المادة الجامدة المكونة للخلية الحية إلى مادة حية.
ولكن مع تقدم العلم أصبح العلماء قادرون على فهم كيفية عمل هذه الأجسام. ومن خلال المعرفة العلمية الدقيقة لوظائف كل عضو أصبح ممكنا التخلي عن مفهوم "القوة الحيوية". والاعتماد، بدلا من ذلك، على الجانب الوصفي والجانب الوظيفي للتنبؤ بأداء الأجسام الحية والتحكم فيها. وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي احرزه علم البيولوجيا إلا أنه ظل علما وصفيا لا يعتمد على القوانين الطبيعية للمستويات الأدنى منه مثل الكيمياء والفيزياء إلا بشكل محدود[3]. ولذلك ظل تصور أن الأجسام الحية تعمل في إطار النموذج الميكانيكي للكون مثلما هو الحال في علم الكيمياء، مجرد فرضية فلسفية لا تقوم على إثبات علمي تجريبي.
والأمر الذي ينسحب على تفسير الطبيعة الحيوية في البيولوجيا  ينسحب أيضا وبشكل أقوى على تفسير القدرات العقلية للمخ الإنساني. فبدون الدخول في التفاصيل الدقيقة لم يتمكن العلماء من تقديم أي تفسير علمي تجريبي عن الكيفية التي يعمل بها العقل بصورة ميكانيكية. وقابلت محاولات تطبيق النموذج الميكانيكي على العقل الإنساني صعوبات كبيرة أهمها  تفسير ظاهرة الوعي الإنساني"Consciousness"، من ناحية، وتفسير ظاهرة القصدية "Intentionality" من ناحية أخرى. فبحسب ديفيد تشالمرز"David Chalmers" "الوعي والقصدية هما، ربما، الظاهرتين المركزيتين في فلسفة العقل"، والاثنان ينقسم بخصوص تفسيرهما الفلاسفة ما بين أصحاب النزعة المادية وما بين الثنائيين والواحديين"[4]. 
ولكن ذلك لم يكن كل شيء فقد ظهر تدريجيا أن الذرة المصمتة غير القابلة للتجزئة التي بني عليها النموذج الميكانيكي للطبيعة ليست في الحقيقة مصمتة وإنما هي في الحقيقة قابلة للتجزئة. فظهرت بذلك مشكلة معرفة إلى أي مدى يمكن تقسيم الجزيئات المادية للطبيعة، وظهر التساؤل عن الجوهر النهائي للطبيعة. واهتز بذلك مفهوم "المادة" نفسه باعتباره الجوهر النهائي للوجود والأساس الفلسفي للنموذج الميكانيكي. إضافة إلى ذلك ظهر جليا عدم وجود تبرير واضح لوجود مستويات متتالية من الوجود متميزة عن بعضها البعض من حيث طبيعتها الذاتية والقوانين التي تحكم حركتها[5].
وبذلك يمكن القول بأنه لم تقم أي دلائل تجريبية على صحة النموذج الميكانيكي إلا في مستوى واحد من مستويات الطبيعة هو مستوى الموجودات الطبيعية غير الحية في الفيزياء. وأنه فيما عدا ذلك هو نظرية فلسفية غير تجريبية أكثر منه حقيقة علمية. وأن الرهان الأكبر لهذه النظرية كان على فكرة أن التقدم العلمي سوف يكشف في المستقبل عن صحة هذه النظرية في باقي مستويات الوجود[6]. ولكن الواقع هو أن الأمر ظهر على العكس من ذلك تماما، وازدادت الصعوبات التي واجهت النموذج الميكانيكي للوجود.

2.    ظهور الميكانيكا الكمية

ظهر مبدأ الكم في الطبيعة في أول القرن العشرين على يد ماكس بلانك ثم ظهرت نظرية ميكانيكا الكم في العشرينيات من نفس القرن على يد كل من شرودنجر وهيزنبرج وديراك، ثم اكتملت في نظرية المجالات الكمية على يد ريتشارد فاينمان في منتصف الأربعينيات. وكان لظهور ميكانيكا الكم تأثيرا أساسيا على انتهاء النموذج الميكانيكي للطبيعة في صورته التقليدية، وتحوله إلى صورة فلسفية اكثر منها صورة علمية تجريبية.
فطبقا لميكانيكا الكم الطاقة لا تنتقل بشكل متصل وإنما على هيئة دفعات (أو كمات) لها حد أدنى في المسافة والزمن تعتمد على ثابت كوني يسمى ثابت بلانك. وأن الجزيئات على المستوى دون الذري لا تتحرك بشكل سببي حتمي وإنما بشكل احتمالي. وأنه لا يمكن قياس كمية حركة واتجاه أي جسيم في نفس الوقت فيما يعرف بمبدأ اللاتعيين "Uncertainty Principle".
ثم ظهر لاحقا، من التجارب المعملية على مكونات الذرة في إطار النموذج المعياري المعتمد على ميكانيكا الكم، أن الذرة تتكون من عدد كبير جدا من الجسيمات المعقدة التركيب تصل إلى عدة مئات. وأن الجسيمات دون الذرية تتكون في النهاية من جسيمات دقيقة تنقسم إلى نوعين اثنين. الأول تتكون من تفاعلاته الأجسام الأكبر والثاني ليس له كتلة ويكون القوى التي تربط هذه الأجسام. وأن جزيئات الذرة يمكن أن تتحول إلى طاقة، وبالعكس يمكن للطاقة أن تتحول إلى مادة[7].

3.    النموذج الميكانيكي باعتباره نموذجا فلسفيا

لذلك فكل الافتراضات الأساسية للنموذج الميكانيكي النيوتوني للطبيعة قد هدمت. فالمادة لم تعد مادة جامدة، وإنما أصبحت في النهاية ليست سوى طاقة غير ملموسة. والعلاقة بين الجزيئات المادية ليست علاقة سببية حتمية مباشرة، وإنما هي علاقة احتمالية. كما أنه لا يمكن تعيين حركة واتجاه أي جسيم بشكل تام. وهو ما يعني أنه لا يمكن التعامل مع جسيم واحد وإنما مع عدد كبير من الجسيمات، وبشكل إحصائي وليس بشكل محدد.
 وكان من نتيجة ذلك أن تحولت الافتراضات الأساسية لمفهوم النظرة الميكانيكية إلى افتراضات فلسفية أكثر منها افتراضات خاصة بالطبيعة ذاتها. فمفهوم المادة تغير وأصبح معبرا عن التصورات التي ينتجها علماء الفيزياء نتيجة ملاحظاتهم للمعدات والأجهزة في المعامل. فتحولت "المادية"، كمفهوم غير دقيق إلى"الفيزيائية"، كمفهوم يعبر عن نفس المعنى بشكل أكثر دقة. فالمادة لم تعد تعرف على أساس كيانات واقعية ملموسة وإنما على أساس ما يتوصل إليه علم الفيزياء من  تصورات[8].
وعلاقة السببية الحتمية التي كانت السبب الأساسي في شعورنا بقوة النموذج الميكانيكي تحولت إلى صور أخرى للسببية. فظهرت السببية الاحتمالية، فبدلا من أن يكون السبب مؤديا بشكل مباشر إلى حركة جسيم محدد بشكل محدد أصبح مؤديا إلى حركة لا تتحدد إلا بصورة احتمالية[9]. وظهرت السببية النازلة، فبدلا من أن تؤثر السببية من أسفل إلى أعلى، أي أن تتسبب الحركة في مستوى معين، دون الذري مثلا، في نشأة حركة في مستوى أعلى، المستوى الذري أو الجزيئي مثلا. بدلا من ذلك تؤثر السببية من أعلى إلى أسفل "Downward Causation"، فتؤثر الخلية الحية مثلا في حركة جزيئاتها[10]. كما ظهرت السببية العقلية "Mental Causality" التي تربط بين الأسباب العقلية وليس المادية في المخ[11]،..الخ من تعدد لمفاهيم السببية.
 وأخيرا لم تعد القوانين الفيزيائية التي تصف العلاقات بين الكيانات الطبيعية المختلفة قوانين معبرة عن الواقع. وإنما اصبحت معبرة عند البعض عن نوع من التقريب للواقع، وعند البعض الآخر ليست معبرة عن الواقع وإنما عن أدوات جيدة للتعامل معه. وذلك على خلاف التصور الميكانيكي في صورته الكلاسيكية الذي كان معبرا عن الواقع بشكل مباشر سواء في انطباقه على حركة الكواكب أم على حركة الجزيئات الدقيقة[12].
كما ظهرت تصورات جديدة بخصوص العلاقة بين المستويات المختلفة للوجود تعتمد على فكرة الانبثاق "Emergence". ورغم أن فكرة الانبثاق تتناقض مع السببية الميكانيكية لأنها تبين أنه لا يمكن الانتقال بشكل سببي ميكانيكي من مستوى إلى المستوى التالي في الوجود. على الرغم من ذلك إلا أنها قد قدمت باعتبارها امتدادا للنموذج السببي الحتمي الميكانيكي[13].
وبنفس الطريقة ظهرت تصورات للطبيعة معتمدة على مفهوم الفوضى المنظمة "الكاوس" "Chaos". وعلى الرغم من أن مفهوم الكاوس يعبر عن عدم إمكانية تطبيق النموذج الميكانيكي من حيث المبدأ على أي منظومة كاوسية، لأن النتائج الكاوسية تكون مستقلة بشكل تام عن مسبباتها، وهو ما يمنع تطبيق مفهوم السببية عليها. على الرغم من ذلك يتم تقديم مفهوم الكاوس، في أغلب الأحيان، باعتباره امتدادا للنموذج الميكانيكي القديم[14].

4.    ظهور مفاهيم مناقضة للنموذج الميكانيكي

أما المفاهيم المناقضة بشكل أساسي للنموذج الميكانيكي الكلاسيكي والتي لم يكن من المتصور أن تظهر في إطار العلم التجريبي او فلسفة العلم المعاصرة فقد ظهرت في عدة صور. فقد ظهرت مرة اخرى مفاهيم مثل "الكلية النفسية" "Pan-psychism"، التي تفيد بالوجود النفسي لكل مستويات الوجود وليس للإنسان فقط. وظهرت "الغائية" "Teleology" في فلسفة العقل ثم في البيولوجيا ثم بشكل اقل في المادة الجامدة. بمعنى أن الطبيعة سواء الحية أو غير الحية يمكن بحثها في الإطار الغائي في عودة معاصرة للفلسفة الطبيعية عند أرسطو. وظهر مفهوم "الكلية" "Holism" في ميكانيكا الكم وفي تفسير الأنظمة الحية المعقدة وفي النظريات المعلوماتية للكون وفي القوانين التي تحكم الكون. بمعنى أن الطبيعة ليست سوى مستويات متتالية من النظم المعقدة المرتبطة ببعضها والتي تؤثر في بعضها بشكل "كلي"، وبما يتناقض مع مفهوم السببية في صورته التقليدية[15].
ولكن أكثر التصورات الجديدة مناقضة وتعارضا مع النموذج الميكانيكي للعالم، سواء في صورته الكلاسيكية أو في صورته الحالية، هو فرضية القدرة على الاختيار. فطبقا لهذه الفرضية ليست المادة الطبيعية مجرد موجود سلبي لا يتحرك سوى بتأثير أي محرك خارجي، وإنما هي موجود إيجابي قادر على الاختيار والفعل[16].
وقد ساعد على ظهور هذه التصورات ما أثبتته التجارب المعملية على المستوى الذري ودون الذري، التي تعمل طبقا لميكانيكا الكم، من تفاعل وارتباط بين الجزيئات دون الذرية وبعضها البعض، فيما يسمى بالترابط "Entanglement"[17]. بل وأن هذه الجسيمات تتفاعل مع العقل الإنساني ذاته وأنها يمكن أن تغير مسارها بناء على احتمال ملاحظتها بشكل دقيق، كما في تجربة الاختيار المتأخر لجون ويلر. وهي ظواهر لم يتمكن العلم الحديث من تقديم تفسير لها حتى الآن [18].
إضافة إلى ذلك ساهمت التطورات الأخيرة في فلسفة العلم على ظهور مثل هذا التصور. فقد ظهر مفهوم جديد للطبيعة يسمى بالميل الطبيعي "Disposition" يعتمد على اتجاه يسمى التأصيلية "Essentialism". وفي هذا الاتجاه لا تكمن قوانين الطبيعة في عالم مثالي منفصل عن الواقع يحكم الطبيعة، وإنما قوانين الطبيعة ذاتها تنشأ عن الطبيعة الذاتية للموجودات الطبيعية. وبذلك يكون لكل موجود ميول طبيعية "Dispositions" وقوة طبيعية "Power" تعبر عن طبيعته الذاتية[19]. وهذا المفهوم كما هو واضح يعبر عن تصورا وسطا فيما بين المادة السلبية التي لا تتحرك إلا بمؤثر خارجي وما بين المادة القادرة على الاختيار من تلقاء نفسها بدون مؤثر خارجي. أي أنه يمثل بشكل ما تمهيدا لظهور تصور المادة القادرة على الاختيار.
إضافة إلى ذلك مثلت الوظيفية في البيولوجيا وفلسفة العقل عاملا مساعدا على نشأة هذا التصور. فعلى الرغم من أن البحث العلمي يحدد مسبقا وظيفة الخلايا الحية المعينة والأعضاء الحية المعينة إلا أنه لا يطرح أي تفسير ميكانيكي للسبب الذي يؤدي بهذه الخلية أو هذا العضو باتخاذ هذا السلوك أو أداء هذه الوظيفة. ولم يزد اكتشاف الخريطة الجينية ومعرفة علاقة الشفرة الجينية بالوظائف الحية شيئا بالنسبة لأسباب هذه الوظائف[20]. وفي ظل عدم وجود تفسير ميكانيكي لأسباب وظائف الخلايا والأعضاء الحية ظهرت مرة أخرى التفسيرات الغائية للبيولوجيا. ولذلك كان ممكنا ظهور تصور أن تلك الخلايا والأعضاء قادرة على الاختيار، ولكن بدرجة أقل، مثلها في ذلك مثل الكائنات الأعقد منها والمتمثلة في المخ الحيواني والإنساني.
كذلك ساعدت التصورات الجديدة عن العقل الإنساني وعلاقته بالمخ "المادي" في فلسفة العقل على ظهور تصور القدرة على الاختيار. فقد ظهرت نظريات تنسب الوعي إلى كل الموجودات باعتباره قوة جديدة للطبيعة تضاف إلى القوى الأخرى[21]. وإذا كان الوعي موجودا في كل الموجودات المادية فإن تصور أنها قادرة على الاختيار ليس سوى خطوة أخرى إضافية تتسق مع هذا التصور.

ثانيا : الفروض الأساسية للنموذج الجديد للطبيعة
سبق أن بينا أننا سوف نستخلص الفروض الأساسية للنموذج الجديد من التصورات الجديدة التي تذخر بها أدبيات فلسفة العلم المعاصرة في الفلسفة نفسها وفي فروعها التخصصية المختلفة. لذلك سنستعرض في هذا الجزء التصورات الجديدة المرتبطة بالتحول عن النموذج الميكانيكي الكلاسيكي. سواء تلك التي تهدف إلى تصحيحه أم تلك التي تهدف إلى طرح تصورات جديدة للطبيعة تتناقض مع هذا النموذج. ثم نقوم بعد ذلك باستخلاص الفروض الأساسية التي يقوم عليها هذا  النموذج تأسيسا على تلك التصورات.

1.       العلية والغائية

يعتبر مفهوم السببية هو المفهوم المركزي في النموذج الميكانيكي للطبيعة. ولكن على الرغم من ذلك ظهرت تصورات جديدة عن الأسلوب الذي تعمل به الطبيعة يمثل تصورا وسطا فيما بين السببية والغائية. ولكن لأنها تصورات لا تتسق مع النموذج الميكانيكي للطبيعة ولأن النموذج الجديد اللاميكانيكي البديل للطبيعة لم يظهر بعد أصبحت هذه التصورات تصورات إشكالية تثير الخلافات العميقة بين الاتجاهات المختلفة في فلسفة العلم. وفيما يلي نطرح تعريفا لبعض هذه التصورات ونبين جوهر الخلاف غير المحسوم حولها.
- الوظيفية.
الوظيفية هي مفهوم نشأ في سياق تفسير العمليات البيولوجية بدون الرجوع إلى القوانين الفيزيائية الأساسية، اي بدون رد البيولوجيا إلى الفيزياء. ونشأ كذلك في سياق فلسفة العقل بهدف تجاوز المشكلات التي قابلت تفسير العقل الإنساني عن طريق نظرية الهوية "Identity Theory". فلأن تطورات أبحاث المخ والأعصاب اثبتت أن المخ أكثر تعقيدا من اعتباره مجرد معالجة معلومات تتطابق فيها أجزاء المخ مع العمليات العقلية. لذلك ظهر تصور أنه يمكن تعريف العقل بواسطة الوظيفة التي يقوم بها مخ الإنسان من عمليات الإدراك والتحليل واتخاذ القرار بدون الحاجة إلى تفسير العمليات الدقيقة ذاتها. وذلك باعتبار أن المهم هو الوظيفة النهائية للمنظومة وأنه يمكن لمنظومات متعددة مختلفة أن تقوم بنفس الوظيفة فيما يسمى بتعدد التحقق "Multi-realization"[22].
ويعرف دانييل دنت "Daniel Dunnett" الوظيفية على وجه العموم بأن "الوظيفية هي تصور أن اللطيف هو ما يفعله اللطيف، أن المادة تهم فقط بسبب ما يمكن أن تفعله المادة. الوظيفية بهذا المعنى العام هي كلية الوجود (Ubiquitous) في العلم حتى أنها معادلة لفرضية حاكمة للعلوم كلها"[23] أما "ند بلوك" "Ned Block" فيعرف الوظيفية في فلسفة العقل بأنها "تحديد لتصورنا عن الحالة العقلية (Mental State) بحيث يكون كل نوع من أنواع الحالات العقلية حالة تتكون من وصف لفعل باشكال مختلفة، بافتراض وجود مدخلات حسية معينة، وحالات عقلية معينة"[24]. فتحديد حالة عقلية معينة هو وصف للفعل العقلي الذي يمكن أن تقوم به بأشكال مختلفة، اي للوظيفة التي تقوم بها هذه الحالة العقلية. وهو يقسم  الوظيفية في العقل بعد ذلك إلى وظيفية ظاهرة ووظيفية مختفية.
ولأن مفهوم الوظيفية يعبر عن المعرفة العلمية بالهدف الذي يهدف إليه عضو ما أو خلية حية معينة أو مركب عضوي ما، فإن هذا المفهوم هو في جوهره مفهوم غائي. ولا يقدح في ذلك أن معرفة الوظيفة تتم بواسطة الأسلوب العلمي التجريبي المنضبط. ولذلك يسمي البعض هذا النوع من المعرفة العلمية بالغائية المادية أو الغائية التجريبية، او الغائية الجديدة "Neo-Teleology" [25]. وبذلك أصبح مفهوم الوظيفية مؤديا إلى نوعين متعارضين للغائية، أحدهما يعتمد على التصور التقليدي للغاية باعتبارها هدف لكيان غير مادي كامن في المنظومة نفسها. والآخر يعتمد على اعتبار الغائية مجرد تعبير لغوي يصف أداء المنظومة الناتج في الأساس عن مكوناتها المادية ودرجة تعقيدها كمنظومة[26].



مواضيع ذات صلة
المشكلات الفلسفية للنموذج الميكانيكي للطبيعة
فلسفة العقل
فلسفة العقل والقلب
فلسفة العقل الباطن
تعريف العقل
قدرات عقل الانسان
تعريف الفلسفة التفاعلية
ما هو العقل
تعريف العقل فلسفيا




11 بخصوص الجدل حول العلاقة بين الكيمياء والفيزياء ومدى استقلالية علم الكيمياء في إطار ميكانيكا الكم انظر،
Eric R. Scerri "Philosophy of Chemistry - A New Interdisciplinary Field?", Journal of Chemical Education, 77, (2000), Pp.522-526.

12 بالنسبة لمشكلة تفسير الحياة وظهور مبدأ القوة الحيوية ثم سقوطه، انظر "هذا هو علم البيولوجيا" ، إرنست ماير، عالم المعرفة، 277، (2002)، صـ 25- 29.
13 السابق صـ 80-81

[4] David Chalmers, 2004, "The Representational Character of Experience", in B. Leiter (ed.) The Future for Philosophy ,Oxford. Pp. 153

15 بالنسبة لمشكلة المادية بعد ظهور ميكانيكا الكم وتحليل الذرة راجع التحليل المشهور لبرتراند راسل للمادة في سياق فلسفته الواحدية المحايدة وتصوره عن بنيوية وظاهرية قوانين الطبيعة في عمله المشهور "تحليل المادة"
Russell, B., "The Analysis of Matter", 1927 ,  Reprinted: New York: Dover, 1954.
16 على سبيل المثال هذا هو موقف دانييل دانت، فيلسوف العلوم المعرفية المعروف، في كتاباته العديدة ومنها،
Daniel Dennett, 2001. "The Zombic Hunch, Extinction of Intuition", in Anthony O'Hear (ed.) Philosophy at The New Millennium , Pp. 42.

17 بالنسبة لاستعراض حديث لتطورات علم الفيزياء والاكتشافات العلمية لمكونات الذرة، بشكل مقروء لغير المتخصص انظر، "الإنجازات العلمية الحديثة والمعاصرة في مجال الفيزياء"، د. عادل طه يونس ، (2000).

[8]  Daniel Stoljar, 2001, Two conceptions of the physical’. Philosophy and Phenomenological Research LXII: 253–281.

[9]  Schaffer, Jonathan (2001) “Causes as Probability-Raisers of Processes,” Journal of Philosophy 98, pp. 75-92.

 

[10] Peter B. Andersen, et al. (eds.), 2000, "Downward Causation : Minds, Bodies and Matter", Århus: Aarhus University Press.


[11]  Tim Crane, 1995, "The Mental Causation Debate", From Proceedings of the Aristotelian Society Supplementary Volume LXIX .
22 في الجدل بين الاتجاهات الواقعية الجديدة وبين الاتجاهات الأداتية في تفسير قوانين الطبيعة والكيانات التي تصفها انظر،
 David Papineau (ed.), (1996),"The Philosophy of Science", Pp.2-11                                                                 
23 ظهر مفهوم الانبثاق في صورته الفلسفية على يد عدد من الفلاسفة البريطانيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بشكل اساسي بهدف تفسير كيفية ظهور الكيمياء والبيولوجيا بشكل مستقل عن علم الفيزياء. انظر

"The Concept of Emergence",  Paul E. Meehl and Wilfrid Sellars, in Herbert Feigl and Michael Scriven,(eds.), The Foundations of Science and the Concepts of Psychology and Psychoanalysis (1956), pp. 239-252.


24 مفهوم الكاوس (Chaos) هو مفهوم حديث ظهر في السبعينبات من القرن العشرين على يد عدد من العلماء منهم لورنتز، وماندلبروت. والمنظومة الكاوسية تتسم بأنها ذات حساسية شديدة للتغير في الشروط الابتدائية حتى أنه لا يمكن الربط بواسطة المعادلات الرياضية بين المدخلات والنتائج. ولكنها بدلا من ذلك تتسم بطبيعة خاصة من حيث إعادة تشكيل نفسها بطرق مختلفة. ومنها الأنظمة الكاوسية لحركة الرياح والأنظمة الفركتلية لأوراق الشجر وتعرجات السواحل وتشكيلات ندف الثلج المتساقط. بالنسبة لمناقشة تفصيلية للعلاقة بين نظرية الكاوس والعلم الحديث الذي يمثله النموذج الميكانيكي  انظر،

Stephen H. Kellert , 1993, "In the Wake of Chaos", The University of Chicago Press.

25 سنقوم بتناول هذه المفاهيم بشكل تفصيلي في الجزء التالي من البحث.

26 وهو المفهوم المركزي للنموذج الذي نطرحه للطبيعة، والذي سنخصص له الجزء الثالث من البحث.

27  لشرح مبسط لظاهرة الترابط "Entanglement"، انظر "جوهر الطبيعة"، أندرو سكوت، (1998)، صـ 68.

28 انظر صـ 21  من هذا البحث لشرح موجز لعلاقة ميكانيكا الكم والظواهر المرتبطة بها بفرضية حرية الاختيار.

29 بالنسبة لعرض للحالة الرهنة للعلاقة بين القوانين الطبيعية وفكرة الميول الطبيعية "Dispositions"، انظر،
Alexander Bird, 2004, "The Dispositionalist Conception of Laws" , Foundations of Science
 152: Pp. 1–18.
30 في نقد الوظيفية واعتبارها تمهيدا للغائية في  البيولوجيا وعلم النفس أنظر،
Kirk Ludwig, 1998, "Functionalism, Causation, and Causal Relevance", PSYCHE, 4(3), March.

31 وهو موقف عدد من كبار فلاسفة العلوم المعرفية، كما سنبين في الأجزاء التالية من البحث، راجع أيضا تفصيلات ذلك في بحثنا "الوعي، هل يصبح أحد خواص المادة".
32 بالنسبة لعرض للاتجاهات المعاصرة للوظيفية وعلاقتها بالتصورات العلمية المعاصرة،
Ariew, A. Cummins, R.  Perlman, M. (eds.), 2002,  "Functions: New Essays in Philosophy of Psychology and Biology", OUP.
[23]  Dennett, D. (2001), “The Zombic Hunch: Extinction of Intuition?”. pp.39

[24] Block, N. (1978). "Troubles With Functionalism", in W. Savage (Ed.) Perception and Cognition: Minnesota Studies in the Philosophy of Science, vol. 9, Pp. 141.

35 في مناقشة تفصيلية لما سمي بالغائية الجديدة ورفض تفسير الوظيفية باعتبارها مقدمة للغائية التقليدية انظر،
Robert Cummins , (forthcoming), "Neo-Teleology",  In Cummins, Ariew and Perlman (eds) Functions and Functional Analysis in The Philosophy of Biology and Psychology, Oxford University Press.

36 يعرض ريتشارد كاميرون لهذين الاتجاهين للغائية، ويطرح تصورا وسطا معتمدا على الغائية الأرسطية في،
Richard Cameron , 2004, "How to be a Realist about sui generis Teleology
Yet Feel at Home in the 21st century", The Monist 87 (1), January.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق