الجمعة، 14 أبريل، 2017

السيميوطيقا التأويليــــة عند بول ريكور .

سيميوطيـــــقا التأويـــــل
إذا كانت التداوليات المنطقية تهتم بالمعنى والإحالة المرجعية، وإذا كان علم الدلالة منشغلا بدلالات الجمل، فإن السيميوطيقا تهتم بالعلامات والرموز والإشارات والأيقونات والدوال اللسانية ، بعيدا عن حمولاتها المرجعية والمقصدية والواقعية. ويعني هذا أن السيميوطيقا هي نظرية للعلامات بصفة عامة. في حين، تعنى الهرمينوطيقا (Hermineutique)بتفسير النصوص وترجمتها وتأويلها، والتمييز بين  المعنى الظاهري والمعنى الباطني من جهة، أو الفرز بين المعنى الأحادي والمعنى المتعدد من جهة أخرى. ومن هنا، فقد مر النقد الغربي المعاصر بعدة مراحل هي: مرحلة البنية مع البنيويين السردييين، ومرحلة العلامة مع السيميوطيقيين، ومرحلة التفكيك مع فلاسفة الاختلاف والتشريح، ومرحلة التأويل مع أنصار الهيرمونيطيقا والفينومينولوجيا(شلاير ماخر، ومارتن هايدجر، وبول ريكور، وبولتمان، وهيرش، وغادامير، وميرلوبونتي...). وقد استعان الكثير من الباحثين والدارسين بالتأويل في حقول معرفية ثلاثة: اللاهوت، والفلسفة، والتفسير الأدبي.
هذا، ويمكن الحديث اليوم عن مشاريع سيميائية متنوعة، مثل: سيميوطيقا الفعل، وسيميوطيقا الأهواء، وسيميوطيقا الأزمة، وسيميوطيقا التلفظ، وسيميوطيقا الزمان، وسيميوطيقا الفضاء، وسيميوطيقا الصورة ،وسيميوطيقا التوتر، وسيميوطيقا التأويل التي ارتبطت أيما ارتباط بالفيلسوف الفرنسي بول ريكور(Paul Ricoeur).
إذاً، ما أسس المقاربة السيميوطيقية عند بول ريكور؟ ومامكونات الدائرة التأويلية لديه؟ وما أهم الخطوات المنهجية التي تنبني عليها قراءة بول ريكور  التأويلية؟ وما أهم المشاكل والعوائق التي تعترض مقاربته السيميوطيقية؟

المبحث الأول: من هو بــــول ريكـــور؟
                                
يعد بول ريكور (Paul ricoeur) من أهم الفلاسفة الفرنسيين الذين طوروا الفينومينولوجيا(Phénoménologie) والتأويلية (Herméneutique)  في حقل العلوم الاجتماعية بصفة خاصة، والعلوم الإنسانية بصفة عامة. واهتم أيضا بالوجودية المسيحية واللاهوت البروتستانتي. وكان يعتني كثيرا بمجموعة من المفاهيم الفلسفية والأدبية تحليلا ومناقشة، مثل: المعنى، والذاتية، والتخييل، والتاريخ، والأدب، والاستعارة، والذاكرة، والحقيقة، والهوية، والقصدية، والإحالة...
ومن أهم مؤلفات بول ريكور: ( فلسفة الإرادة) (1950م)، و(التاريخ والحقيقة) (1964م)،و ( الفهم، بحث حول فرويد)(1966م)،و( صراع التأويلات) (1969م)، و( الاستعارة الحية) (1975م)، و( الزمان والسرد) (1983-1985م)، و( من النص إلى الفعل) (1986م)،و( أنا مثل الغير) (1990م)، و(التفكير في الإنجيل) (1998م)،و(مسارات التعرف) (2004م)...
وتأسيسا على ماسبق، يتبين لنا أن تفكير بول ريكور كان خاضعا لمجموعة من المؤثرات الفكرية والعوامل الثقافية التي تنحصر في: الوجودية (التأثر بسارتر...)، والفينومينولوجيا( التأثر بإدموند هوسرل...)، والهرمينوطيقا(التأثر بالقراءات التأويلية للإنجيل...)، والتحليل البنيوي السردي(التأثر بكريماص مثلا)، واللسانيات(التأثر ببنيفنست، ودوسوسور، وأندريه مارتينه، وهلمسليف....)، والفلسفة التحليلية...
هذا، ويتميز بول ريكور منهجيا وقرائيا بأنه ربط التأويلية بالفلسفة والشعرية (Poétique) والبلاغة الأدبية.

المبحث الثاني:  مفهوم السيميوطيقا التأويلية

إذا كانت سيميوطيقا كريماص (Greimas) مقاربة علمية موضوعية تبحث - نصيا وخطابيا- عن المعنى وآثار الدلالة، بالتركيز على شكل المضمون، وإقصاء المرجع والذات المبدعة، والالتجاء إلى علم الدلالة والتركيب والمنطق لاستكناه المعنى داخليا وبنيويا ، عن طريق الاستعانة بالمربع السيميائي، مع اتباع المسارين : التوليدي والتحويلي في استحصال البنيات الدلالية العميقة ، فإن مقاربة بول ريكور السيميوطيقية تتجاوز التفسير العلمي الداخلي، لتنتقل إلى الفهم  والتأويل الخارجي. ويعني هذا أن بول ريكور يتعدى دلالة الشكل إلى البحث في الإحالة والمرجع، والانفتاح على الخارج. بمعنى أنه يتجاوز الظاهر إلى الباطن، باستعمال مشرح التفسير والتأويل الهيرمينوطيقي، بربط النص الكلي بالذات، والإنسان، والتاريخ، والمقصدية، والمرجع الإحالي.
ومن المعروف أن السيميوطيقا التأويلية عند ريكور تهتم بتفسير الكتابات الإبداعية والفلسفية والأسطورية أولا، وتفسير الأعراض النفسية ثانيا، مع التركيز على الرموز والعلامات التي تزخر بها الكتب المقدسة ثالثا. ويعني هذا أن نقد بول ريكور يتأرجح بين السيميوطيقا وعلم الدلالة والفلسفة والهيرمونوطيقا؛ والسبب في ذلك أن الرمز متعدد الدلالات والإيحاءات ، ويتخذ عند  ريكور أبعادا فلسفية ورمزية ولاهوتية ووجودية.
هذا، وإذا تتبعنا  مفهوم التأويل تاريخيا،  فقد كان معروفا في التراث اليوناني عند أفلاطون وأرسطو بالخصوص، وكان معروفا أيضا في التراث العربي ، وكان يمارس  ، في هذا التراث نظرية وتطبيقا، عبر آليات ثلاث هي: المنطق المسموع، والشرح، والترجمة. وقد ارتبط التأويل - خصوصا على مستوى الممارسة - بشرح الكتب المقدسة (التوراة، والإنجيل، والقرآن)، وتأويل معانيها، وترجمة دلالاتها المتوارية. ومن المعلوم، أن فعل التأويل قد ازدهر بشكل كبير في الثقافة العربية الإسلامية ، كما يتجلى ذلك واضحا في تفسير القرآن والحديث، والاهتمام باللغة العربية نحوا ومعجما وبلاغة، وخوض الجدال الكلامي والفلسفي والصوفي. وبصفة عامة، فقد كان التأويل جليا في كتابات  النحاة، ورواة اللغة، والمفسرين، وعلماء الكلام، والفلاسفة، والمتصوفة، ونقاد الأدب، والفقهاء، وعلماء أصول الفقه...
وهناك دراسات عربية حديثة اهتمت بالتأويل إما تنظيرا أو تطبيقا، مثل: العقاد في بحثه للغة الشاعرة بطريقة فينومينولوجية[1]، ومصطفى ناصف في كتابه( نظرية التأويل)[2]، وعابد الجابري في كتابه( بنية العقل العربي)[3]، وعبد الفتاح كليطوفي كتابه( الحكاية والتأويل)[4]، ومحمد مفتاح في كتابيه( مجهول البيان)[5]، و( التلقي والتأويل)[6]، ، والطائع الحداوي في كتابه( سيميائية التأويل)[7]، ورشيد الإدريسي في كتابه( سيمياء التأويل)[8]، ونصر أبو زيد في كتبه(  إشكالية القراءة وآليات التأويل)[9]، و( الخطاب والتأويل) [10]، و( فلسفة التأويل)[11]، وشعيب حليفي في كتابه( مرايا التأويل)[12]، ومحمد المعادي في كتابه( حدود القراءة وحدود التأويل)[13] ،...
هذا، وقد ارتبط التأويل، في الثقافة الغربية المعاصرة، بالفيلولوجيا، والسيكولوجيا الفرويدية، واللسانيات، والنقد الأدبي، والفينومينولوجيا، والوجودية، والفلسفة الألمانية(شلاير ماخر (Schleiermacher)، وفلهلم دلثي(Wilhelm Dilthey)- ومارتن هايدجر(Heidegger)- وجادامر(Hans George Gadamer)، وهيرش(Eric.D.Hirsh)...)، وماكس فيبر (Max Weber).
ومن هنا، إذا كانت الهيرمينوطيقا القديمة قد ارتبطت بتأويل الكتب المقدسة (التوارة، والإنجليل، والقرآن)، فإن الهيرمينوطيقا المعاصرة قد التصقت بالرومانسية الألمانية التصاقا شديدا، وأصبحت تهتم بالنصوص الفلسفية والأدبية والدينية على حد سواء فهما وتفسيرا.
وعليه، فالهيرمينوطيقا قراءة رمزية تأويلية، تعنى بتفسير المعاني الباطنية الخفية، مع تجاوز المقاربة النحوية والبلاغية التقليدية إلى  قراءة تأويلية استكشافية ، والانتقال من الظاهر إلى الباطن، ومن السطح إلى العمق، والعمل على تأويل الدلالات الحرفية الظاهرية المباشرة بدلالات رمزية مجازية أو إيحائية.[14]

المبحث الثالث: مرتكزات السيميوطيقا التأويلية

تستند السيميوطيقا التأويلية عند الفيلسوف الفرنسي بول ريكور إلى عدة مبادىء ومرتكزات نظرية من جهة، ومفاهيم ومصطلحات إجرائية من جهة أخرى، ويمكن حصرها في التوجهات التالية:

المطلب الأول: الاعتراف بالهوية الذاتية

إذا كانت البنيوية اللسانية قد أقصت المؤلف باسم النص والبنية والشفرة، فإن السيميوطيقا التأويلية لريكور قد أعادت الاعتبار للمؤلف والذات المبدعة، بعد أن سيطرت فكرة التناص كثيرا على النقد اللساني. وبذلك، تم تهميش فردية المبدع حضورا ووجودا وكينونة. وفي هذا السياق، يقول مصطفى ناصف:" إن تأويل النص يعني الاعتراف بفرديته التي طغت عليها فكرة التناص في بعض المذاهب. وإذا كان النص يخضع لطائفة من القواعد المولدة أو المؤسسة ، كما سبقت الإشارة في بعض الحديث، فإنه في الوقت نفسه ينمو نموا فرديا. وقد تحدث أرسطو عن إشكالية الفرق بين الفرد والنوع."[15]
ومن هنا، فالتأويلية في خدمة الإنسان لا في خدمة التحليل الموضوعي العلمي. وقد تأثر ريكور بلسانيات إميل بنيفنست، فقد تبني نظريته في التلفظ، على أساس أن اللغة - بالذات - تتحدد بالقرائن التلفظية، كالضمائر ، وأسماء الإشارة، وظروف الزمان والمكان. بمعنى أن سياق التلفظ أو التكلم دليل على وجود الذات المتكلمة، وحضورها كينونة وفلسفة وهوية.

المطلب الثاني: التركيز على الإحالة والمقصدية

يتجاوز بول ريكور ثنائية فرديناند دوسوسير: الدال والمدلول، لينفتح على المرجع. ويعني هذا أن اللسانيات البنيوية والسيميائيات قد أقصت من حسابها الإحالة أوالمرجع، بينما سيميوطيقا بول ريكور أعادت لها الاعتبار؛ لأن المؤول لاينبغي أن يقف عند حدود التفسير العلمي للواقعة النصية، فلا بد أن يقرأ النص قراءة ذاتية من أجل فهم الذات، وفهم الغير، وفهم العالم الخارجي لتأسيس هويته الشخصية. ومهما كان النص تخييليا أو علاماتيا أو رمزيا، فإنه ينقل،عبر استعاراته ولغته ومخياله، العالم الخارجي، أو المعطى الواقعي المادي محاكاة وتماثلا وتقابلا. ومن ثم، تضع سيميوطيقا ريكور تقابلا بين البنيوية باعتبارها علما لعالم مغلق من العلامات، والهيرمونيطيقا بمثابة مقاربة تأويلية تفسيرية للمرجع اللغوي في علاقته بالعالم.

المطلب الثالث: الاهتمام بالخطاب في كليته العضوية

 ويعني هذا أن السيميوطيقا الهيرمينوطيقية تهتم بالنص باعتباره خطابا كليا وعضويا. بمعنى أنها لا تتعامل مع المقاطع أو المتواليات الصغرى، كما تفعل البنيوية السردية أو السيميوطيقا الكريماسية، بل تعتبر النص عملا كليا، أو تتعامل مع العمل ككلية رمزية دالة. وبذلك، تختلف عن اللسانيات التي تنطلق من الجمل واللكسيمات، مادامت هذه الهرمينوطيقا تنطلق من النصوص الكلية أو الخطاب المتسق والمنسجم. وفي هذا، يقول الدكتور مصطفى ناصف:" وهنا، نعتمد على تحليل الخطاب من حيث هو عمل بأكثر مما نعتمد على تحليله من حيث هو نص مكتوب. إن الخطاب من حيث هو عمل أكبر من تتابع أفقي للجمل، إنه عملية تراكمية كلية. ولايمكن أن يشتق التركيب الخاص بالعمل من الجمل المنفردة التي تهتم بها الدراسات اللغوية، ولذلك، يتمتع النص بنوع من وفرة الأصوات. وهي وفرة تتميز من الكلمات المفردة المتعددة الدلالات، كما تتميز من التباس الجمل الفردية."[16]

المطلب الرابع:  النص عالم رمزي مفتوح ومتعدد المعاني

 بمعنى أن النصوص ليست مغلقة، بل هي عوالم ممكنة ومنفتحة، تحبل بدلالات موحية ورمزية متنوعة، تتطلب قارئا متعدد القراءات والتخصصات. ومن ثم، تصبح النصوص والخطابات والألفاظ والإشارات والاستعارات والعوالم التخييلية والأساطير وسائط لنقل الواقع، والإحالة عليه. وفي هذا السياق، يرى مصطفى ناصف:" إن النصوص الأدبية- بالمعنى العام- تقوم على آفاق ممكنة يمكن أن تحقق بوسائل مختلفة. هذه الخاصية تتصل في الأغلب بدور المعاني الاستعارية والرمزية الثانية بأكثر مما تتصل بنظرية الكتابة العامة. وكثير من الباحثين يهتمون بفك شفرات الرموز والاستعارات وطبقاتها المتنوعة. ولكن اللغة الرمزية والاستعارية ينبغي أن تكون جزءا من النظرية العامة للتأويل التي تشمل مشكلة الخطاب كلها وما تنطوي عليه من كتابة وتأليف أدبي.
من الممكن أن نلاحظ دورا توسعيا في حقل العبارات الوفيرة الدلالات، ويجب أن نربط مشكلة المعنى المتعدد بمشكلة المعنى بوجه عام. والأدب يتأثر بهذا التوسع بحيث يمكن أن يعرف في حدود العلاقة بين المعاني الأولى والمعاني الثانية. والمعاني الثانية تفتح العمل على قراءات متنوعة على نحو مانجد في الأفق الذي يحيط بالأشياء التي نراها. ويمكن أن يقال: إن هذه القراءات تخضع لشبه فرائض تتعلق بهوامش احتمالية تحيط بالنواة الدلالية للعمل. ولكن هذه الفرائض أيضا لابد لنا من أن نخمنها قبل السماح لها بتوجيه التفسير."[17]
هذا،  ويستلزم تحديد المعنى المتعدد والمفتوح مستويين متضافرين، وهما:علم الدلالة البنيوي (La sémantique)، سواء أكان معجميا أم سيميا (الحقول المعجمية والحقول السيمية)، بالتركيز على وحدات اللغة أوالوحدات البنيوية الدلالية التي تفسر المكونات الرمزية؛ والمستوى الهيرمونيطيقي الموجود على  مستوى النص، حيث يقوم بتأويل الدلالات الرمزية والإيحائية.

المطلب الخامس: جدلية الفهم والتفسير

 إذا كان التفسير في خدمة التحليل الموضوعي، فإن الفهم في خدمة الإنسان. ومن هنا، فالسيميطويقا التأويلية عند ريكور توفق بين الطرح البنيوي اللساني الذي يركز على التفسير الموضوعي الدقيق للنصوص، والطرح الفينومينولوجي الذي يعتني بالتأويل  والفهم على أساس تجربة الإنسان. و" نظرية التأويل هي دراسة من هذا الطراز الثاني. تحاول أن تربط معا مجالين اثنين: السؤال عما يحدث في واقعة فهم النص، والسؤال عن ماهية الفهم ذاته بمعناه الأصلي والوجودي.التأويل في مجرى الفكر الألماني العام يتأثر بالفينومينولوجيا الألمانية، والفلسفة الوجودية. ومن الطبيعي أن يكون لهذا كله أهمية في تناول التفسير الأدبي أو شرح النصوص"[18].
 ويعني هذا أن التأويل يتجاوز التفسير، وأن التأويل أو الفهم يعنى بماوراء شرح النصوص، وتفكيك الأقنعة في ضوء المقصدية وفهم الذات والغير والعالم. ومن هنا، فظاهرة " الفهم تمتد إلى ماوراء شرح النصوص. والعناية بها هي في الواقع عناية بكل الأنظمة الإنسانية. نظرية التأويل من حيث هي دراسة في فهم أعمال الإنسان تجاوز الأشكال اللغوية للتفسير. ومبادؤها يمكن استخدامها في توضيح الأعمال المكتوبة، والأعمال الفنية معا. وتبعا لذلك، كانت نظرية التأويل شديدة الأهمية بالنسبة لكل العلوم الإنسانية، وتفسير كل مايقوم به الإنسان.التأويل أكبر من مجرد نظام مشترك ؛ لأن مبادئه هي الأساس لكل ما أهم الإنسان.هذه المبادىء الأساسية يجب السعي نحوها."[19]
ويتبين لنا ، من هذا كله، أن التفسير هو تحليل علمي محايث. في حين، إن الفهم هو بمثابة تأويل للأقنعة اللغوية وغير اللغوية. وبتعبير آخر، فإن التفسير ذو طابع علمي، بينما الفهم ذو طابع تاريخي وإنساني وذاتي وتأويلي.

المطلب السادس: الجمع بين الداخل والخارج

 ينبني الداخل على دراسة النصوص دراسة علمية موضوعية، باستيحاء مناهج علوم الطبيعة، والتركيز على الداخل المغلق ، واستخلاص البنيات والثوابت التي تتحكم في العلامات. في حين، يرتبط الخارج بالـتأويل والمقصدية والذات. أي : يقترن الخارج أو الفهم بالقراءة الـتأويلية والحدسية لاستخلاص المعنى الكلي للرموز والعلامات الموحية. إنها قراءة روحية وعرفانية وحدسية وذاتية للمعنى.

المطلب السابع: التأرجح بين الذاتية والموضوعية

من المعروف أن التأويل يخف من الحدة والصرامة العلمية. بمعنى أن التعامل مع النص تعاملا وضعيا ، في ضوء المقاربات العلمية والموضوعية، عمل مشروع في البداية ، بغية استكناه البنى الثاوية التي تتحكم في النصوص والخطابات، كما تفعل البنيوية اللسانية والسيميائيات السردية.بيد أن ثمة مرحلة مهمة وضرورية تعقبها هي مرحلة التأويل التي تستند إلى الذات والذاتية، وتتخلص من كل قراءة تقنية علمية موضوعية صرفة، لتستسلم الذات القرائة لنفسها وتأويلاتها الفردية .
هذا، وقد قال موريس ميرلوبونتي الفنومنولوجي:" إن العلم يعالج الأشياء، ولا يعيش في داخلها. وهذا ماحدث لكثير من التفسير الأدبي. وقد نسينا أن العمل الأدبي ليس موضوعا يخضع تماما لتصرفنا، العمل الأدبي فيما يقول الفينومنولوجيون إنسان ينبعث من الماضي، ويجب أن يعود إلى الحياة. فالحوار لا التشريح هو وسيلة العمل الأدبي في فتح أبواب العالم. وهذا يعني أن الموضوعية غير المتحيزة لاتلائم فهم العمل الأدبي. حقا إن الناقد الحديث يؤمن أحيانا باستقلال العمل، ولكنه ينظر إليه باعتباره موضوعا قابلا للتحليل. والفنومونولوجيا ترى أن الأعمال الأدبية تضار من هذه الناحية، ويجب استنقاذها ؛ لأنها أصوات إنسانية تتكلم.ويجب أن يغامر القارىء بجوانب من عالمه الشخصي، إذا أراد الدخول في حياة عالم نسميه قصيدة غنائية أو رواية أو مسرحية.إننا لانحتاج إلى منهج علمي يتخفى، ولانحتاج إلى تشريح النقد، ولكننا نحتاج إلى تفهم إنساني لما يعنيه تفسير العمل.
إن فهم العمل أكثر مراوغة وتاريخية من التناول الموضوعي.العمل لمسة إنسانية. وكلمة العمل ذاتها تدل على هذا ؛ لأن العمل عمل إنسان أو عمل الله تعالى.هناك فرق أساسي بين فكرة الموضوع وفكرة العمل. والنقد الأدبي يحتاج إلى منهج أو نظرية تهتم بفك شفرات الأثر الإنساني أو المعنى."[20]

المطلب الثامن: ضرورة ممارسة فعل التأويل

نحن في حاجة ماسة إلى فعل التأويل، مادام العصر الذي نعيش فيه يستخدم الأقنعة، ويعبر بالرموز والإشارات والعلامات ، ويشغل التخييل والمخيال والاستعارات، ويعبر باللغة والطقوس والأشكال اللاشعورية . ومن هنا، يثير التأويل الشك والتساؤل والدهشة، ويبحث عن عالم ممكن أوسع وأرحب وأعمق، وتتحول القراءة إلى قراءات حوارية متسائلة ومتضاربة من جهة، أوإلى قراءات متوافقة من جهة أخرى. ومن هنا، فالتأويل متعة ولذة، وتثبيت ومحو، وهدم وبناء، وشك واقتناع، وجواب وتساؤل، ومسؤولية ونهوض بالواجب، والـتأويل اختيار وتساؤل ونقد، وهو كذلك ممارسة وتجربة ومغامرة، والتأويل في خدمة النمو والتفاعل، والتأويل حوار واختلاف وتوافق وتفاهم، والتأويل في خدمة التراث والحياة عبر ممارسة الحوار والإنصات.[21]

المطلب التاسع: الجدل بين القارىء والنص

 يبدأ القارىء اتصاله بالعمل في مرحلة ماقبل الفهم، بإدراك النص في كليته المنظمة، على اعتبار أن النص مجموعة من الخصائص اللسانية والأسلوبية والموضوعاتية ...ويبدأ القارىء في اللحظة الأولى بحدس الدلالة الكلية للنص عن طريق إدراك أولي لموضوعة ( تيمة) ما، أو مظهر أسلوبي ما... وبعد ذلك، تأتي مرحلة التفسير باستجلاء البنيات الجذرية والثوابت البنيوية والسيميائية بطريقة علمية داخلية محايثة. ويقوم بتثبيت ماهو مقرر في مرحلة ماقبل الفهم. ويعني هذا أن المرحلة الأولى من القراءة حدسية واستبقاية للمضمون أو الدلالة في شكل فرضيات وإشكاليات.ويعني هذا لابد من تطوير الدلالة وتعميقها بعد استخلاص الدلالة الحدسية والافتراضية. وبعد ذلك، تأتي مرحلة التأويل للتركيز على الذات والمقصدية والمرجع والغير. وتشكل هذه المراحل الثلاث ما يسمى بالدائرة التأويلية (Cercle herméneutique). وبعد القراءة المنسجمة داخليا، تأتي القراءة المنسجمة خارجيا، وهذا كله بحثا عن الموضوع والمركز والبؤرة الرئيسة.

المطلب العاشر: الإحساس بالتاريخ والوجود والهوية

 إذاكانت البنيوية أو السيميائيات تهتم بالبنى الصورية والمنطقية المتعالية، فإن الهيرمونيطيقا أو السيميوطيقا التأويلية تعتني بالذات والهوية والوجود والتاريخ. ويعني هذا أن تأويل النصوص يساعد المؤول على فهم النفس والذات والغير والعالم . كما يجدد التفسير تلو التفسير هوية القارىء، ويغير دائما ثقافته العامة، ويساعده على استيعاب ثقافته الوطنية والقومية. ويميز ريكور بين التضمين القائم على تعدد المعاني الرمزية الموحية، والتعيين  المقترن بالمعنى الحرفي المباشر.

المطلب الثاني عشر:  التمييز بين الجملة والخطاب

 يميز بول ريكور بين الجملة والخطاب، فإذا كانت الجملة هي منطلق علم الدلالة كما عند كريماص، فإن الخطاب هو منطلق الهيرمينوطيقا التأويلية. والخطاب - هنا- هو مجموعة من النصوص ذات وحدة موضوعية وعضوية تتسم  بالاتساق والانسجام والتشاكل. ويعني هذا أن التأويليين يبدأون من حيث ينتهي السميوطيقيون.

المطلب الثالث عشر: الانسجام

 تحلل التأويلية النصوص والخطابات باعتبارها دلالة كلية قائمة على الاتساق والانسجام. ومن ثم، ينبغي تفسير الخطاب وفهمه في ضوء خاصية الانسجام والاتساق . كما أن  لكل خطاب بؤرة مركزية أو فكرة محورية أو عنصر جوهري تتوسط العمل، وتكون بمثابة المقصدية التي يريدها الكاتب أو المؤلف، مثل: الحبكة هي جوهر النص السردي.

المطلب الرابع عشر: إعادة الاعتبار للكاتب والقارىء معا

 إذا كان موريس بلانشو (Maurice Blanchot ) قد اعتبر العمل أو المؤلف عملا غير شخصي، بمعنى أن ليس له مؤلف أو قارىء لهيمنة التناص على الفكر البشري،  فإن التأويلية قد شددت كثيرا على إعادة الاعتبار للمؤلف والقارىء معا[22]؛ لما لهما من دور كبير في إغناء عملية الـتأويل فهما وشرحا وتفسيرا.




مواضيع ذات صلة
سيميوطيـــــقا التأويـــــل
تعريف السيميوطيقا
مدخل الى السيميوطيقا
سيميوطيقا بيرس
السيميولوجيا
ماذا يدرس علم السيميولوجيا
تعريف السيميائية
سيميولوجيا الصورة
الفرق بين السيميولوجيا والسيميوطيقا



[1] - مصطفى ناصف:نظرية التأويل، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، الطبعة الأولى سنة 2000م، ص:8.
[2] - مصطفى ناصف:نظرية التأويل، النادي الأدبي الثقافي، جدة، السعودية، الطبعة الأولى سنة 2000م.
[3] - عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.
[4] - عبد الفتاح كليطو: الحكاية والتأويل، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1988م.
[5] - محمد مفتاح: مجهول البيان، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1990م.
[6] - محمد مفتاح: التلقي والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1994م.
[7] - طائع الحداوي: سيميائيات التأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.
[8] - رشيد الإدريسي: سيمياء التأويل، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2000م.
[9] - نصر أبو زيد: إشكالية القراءة وآليات التأويل،المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الرابعة، السنة 1995م.
[10] - نصر أبو زيد: الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م.
[11] - نصر أبو زيد: فلسفة التأويل، دراسة في تأويل القرآن عند ابن عربي، دار التنوير، بيروت، الطبعة الثانية 1993م.
[12] - شعيب حليفي: مرايا التأويل، دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2009م.
[13] - محمد المعادي: حدود القراءة وحدود التأويل، منشورات مرايا،طنجة، الطبعة الأولى سنة 2005م.
[14] - Maurice Delcroix et Fernand Hallyn: Méthodes du texte, Duclot, Paris, 1987, p:314.
[15] - مصطفى ناصف: نظرية التأويل، ص:2010.
[16] - مصطفى ناصف: نفسه، ص:209.

[17] - مصطفى ناصف: نفسه، ص:210-211.
[18] - مصطفى ناصف:  نفسه، ص:21.
[19] - مصطفى ناصف:  نفسه، ص:21-22.
[20] - مصطفى ناصف:  نفسه، ص:19.
- [21] مصطفى ناصف:  نفسه، ص: 06-14.
[22] - Maurice Delcroix et Fernand Hallyn: Méthodes du texte, p:319.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق