الجمعة، 14 أبريل، 2017

نظريات التأثير الإعلامي

نظريات التأثير الإعلامي:
إشكالية المتلقي
على الرغم من اتفاق الباحثين وخبراء الاتصال حول المكانة المتميزة لوسائل الإعلام في المجتمع المعاصر ، وبالذات بعد الثورة المعلوماتية ، فإن حقيقة التأثيرات التي تتركها هذه الوسائل ، كان ومازال ، موضوعا للخلاف بين أصحاب الاتجاهات والتخصصات العملية المختلفة ،  ويثير بينهم جدلا نظريا ومنهجيا واسعا . بل واختلفت الرؤية والتقويم لهذه الآثار حسب التخصصات والاهتمامات ، ومن زوايا اجتماعية أو نفسية أو تربوية أو إعلامية ، وتفسيرها وفق الأيديولوجيات والعقائد ، وظروف المكان والزمان .
فكانت خلاصة ابرز نظريات التأثير الإعلامي تتمحور باتجاهات متباينة ، بدأت تاريخيا ، بنظرية الرصاصة من نهاية القرن التاسع عشر حتى نهاية الثلاثينات ، وهي تفترض بأن وسائل الإعلام تمتلك قوة هائلة تمكنها من تغيير اتجاهات وسلوك الرأي العام من منطلق بتماثل الطبيعة الإنسانية لدى كافة الناس، ولذا فانهم يستقبلون الرسائل الإعلامية ويتأثرون بها ويستجيبون لها بدرجات واحدة وعلى نحو آلي ومتماثل . ولكن الدراسة التي قام بها مجموعة من الباحثين عام 1940 حول انتخابات الرئاسة الأمريكية قدمت تفسيرات جديدة للتأثير الإعلامي قائمة على انتقال المعلومات على مرحلتين ، وهي الصيغة التي أكدت على دور قادة الرأي والاتصال الشخصي في دعم أو تحديد الكفاءة التأثيرية لوسائل الإعلام (8) بينما شهدت فترة ما بين الأربعينات استخدام البحوث الميدانية (الأمبيريقية) لتحديد اثر وسائل الإعلام، وأبرز نظرية في تلك الفترة كانت (التأثير الاختياري)،بمعنى أن التأثير الإعلامي ليس مطلقا ، بل هو تأثير محدود ومرتبط بعدة متغيرات منها ما هو نفسي مثل الفروق الفردية بين أعضاء الجمهور ومنها ما هو اجتماعي مثل الطبقة الاجتماعية أو مستوى التعليم ومنها ما يدخل ضمن نطاق الجماعات الصغيرة مثل تأثير الأسرة والمدرسة ...الخ، وساد اعتقاد بأن دورها يكاد يقتصر على تدعيم الآراء والاتجاهات القائمة لدى الجمهور انتقائية المشاهد، وانتقائية التذكر،وانتقائية المعرفة والإدراك .
وهناك نظرية غرس الأفكار التي ترتبط بشكل كبير باسم باحث الاتصال (جورج جيربنز)(9) وهي تعبر عن قدرة التلفزيون على خلق واقع معين لمشاهديه خصوصا هؤلاء الذين يشاهدون التلفزيون بكثرة (أكثر من 4 ساعات في اليوم) ، حيث يشكل التلفزيون لهم المصدر الرئيسي أو الوحيد للحصول على المعلومات والأفكار عما يدور حولهم ، وهذا يؤدي بدوره إلى "غرس" الأفكار التي يبثها التلفزيون في وعي المشاهدين بحيث يحل (واقع التلفزيون) محل واقعهم الطبيعي .
بينما ترى نظرية أخرى تبناها (كاتز) بأن الظروف الاجتماعية هي التي تدفع الأفراد إلى الاتجاه لوسائل الإعلام لإشباع حاجاتهم ، وأبرزها ظروف تثير التوتر والصراع مما يدفع الفرد إلى اتخاذ اللازم نحو تخفيف حدة هذا الشعور باختيار وسائل الإعلام ، وظروف تخلق شعورا بوجود مشكلات يوجب التعرف عليها وحلها،مما يؤدي الى توجه الفرد إلى وسائل الإعلام للحصول على معلومات تساعد على الوصول إلى الحل .
وتؤكد نظرية (التعلم من خلال الملاحظة) إلى أنه يمكن أن يتعلم الأفراد سلوك العدوان والعنف من مشاهدة برامج العنف والإثارة والرعب وخاصة بين الأطفال والمراهقين . وان التلفزيون يؤدي دورا في التعلم طالما كان هناك تغير سلوكي ناتج عن التعرض بمحتوى البرامج التلفزيونية . بينما ترى نظرية (التنفيس) بأن الفرد يحاول تصريف غضبه ومشكلاته وهمومه واحباطاته بفعل الحياة وتناقضاتها عن طريق مشاهدة سلوك العنف لا عن طريق قيامه فعلياً بعمل عدواني .
وخلاصة النظريات الحديثة تؤكد على النظرة الشمولية لعملية الاتصال الجماهيري أي أن الأفراد يعتبرون أجزاء من أنظمة اجتماعية أكبر منهم ،وهذه الأنظمة تقع تحت تأثير عوامل متعددة منها الثقافي والاجتماعي والنفسي .وهذا ما دفع الكثير من الباحثين والمعاصرين بتطوير أساليب تأخذ في الاعتبار عوامل أخرى مثل المحيط الاجتماعي والبناء الأسري ، كما قل الاهتمام بقياس الاتجاهات وحل محله التركيز على قياس النواحي المعرفية . بمعنى التوجه العام نحو التعرف على المتغيرات التداخلية التي قد تؤثر على شكل العلاقة بين وسائل الإعلام وأفراد الجمهور ،أي النظر إلى تأثير وسائل الإعلام بنظرة شمولية دون عزل المتغيرات الاجتماعية الخاصة بالمستقبل (الجمهور)، واعتبار الفرد جزءاً من بيئة ونظام اجتماعي شامل يتأثر به .
ونحن نرى ، أن دراسة تأثيرات وسائل الإعلام في المجتمع ينبغي أن تحلّل شمولياً بحيث تشمل أبعاد العملية الاتصالية ؛ المرسل والرسالة والمستقبل ، واعتبار عملية الاتصال ظاهرة تتسم بالتغيير المستمر،وهي لا تتم في فراغ وإنما في الإطار الاجتماعي.وهذا يعني فهم أكبر للأبعاد في هذه العملية : معرفة الخصائص الاجتماعية والثقافية للأفراد في المجتمع المعني في التأثير وسلوكهم الاتصالي مع وسائل الإعلام ، واحتياجاتهم ودرجة اعتمادهم عليها . كذلك دراسة مضمون الرسالة من ناحية قوتها وأسلوبها ووضوحها وارتباطها بالواقع لتلبيتها لحاجات السكان واتساقها مع ثقافة المجتمع ... إلخ ، فضلا عن المعرفة الاجتماعية النفسية والسياسية للمصدر (القائم بالاتصال) ، وموقفه من المشكلات وطريقة معالجتها وعلاقتهم بالجمهور ، والاهم معرفة الضغوط والظروف التي يعملون فيها داخل المؤسسات الإعلامية ، وانتماءاتها الأيدولوجية ، ومعرفة البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي تعمل فيه وسائل الإعلام ، وهذه الأبعاد مجتمعة من شأنها توضيح الحقائق المرتبطة بعامل التأثير الإعلامي .
ومع ذلك نرى ، أن التلفزيون يبقى الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيراً في الشباب , والأكثر احتمالا في عملية الانحراف الاجتماعي ، حيث أصبحت هذه الوسيلة متغيراً اجتماعياً وثقافياً هاماً في حياة الطفل المراهق والشاب في المجتمع المعاصر .
وتعتقد الأغلبية الساحقة من علماء الاتصال والاجتماع والنفس إمكانية تغيير موقف الناس أو سلوكهم بواسطة التلفزيون إذا ما ضم معلومات ضرورية للناس ، ويكفي مقولة شارل ديغول (أعطني هذه الشاشة الصغيرة ، وأنا أغير الشعب الفرنسي) (10) للتأكيد على دوره الفعال في تغيير السلوك والاتجاهات بل إن تأثير التلفزيون في الولايات المتحدة الأمريكية (11) يبدو واضحاً في مختلف جوانب الحياة , فهو قوة سياسية وعامل تأثير في انتخاب الرئيس والتحكم باتجاهات الرأي العام ، وهو موضع قلق من علماء الاجتماع والنفس لما يسببه من تأثيرات اجتماعية ونفسية وثقافية , تتمثل بتفاقم الجريمة والعنف , وازدياد ظاهرة السلوك الانحرافي ، وتفشي الأمراض الاجتماعية والنفسية , وتأثيراته الثقافية على المجتمع الأمريكي بحيث سيفقد خلال السنوات القادمة ، كما يرى أساتذة الاجتماع في شيكاغو ، القدرة على القراءة والكتابة بسبب التلفزيون.
ولذلك أظهرت البحوث العلمية على وجود علاقة قوية بين التلفزيون والمتمثلة بأفلام العنف والجريمة وأساليب ارتكابها ، وبين تكريس مبدأ الاستعداد النفسي للانحراف . لذلك يطلق علماء الاجتماع على التلفزيون لقب (جامعة الجريمة).
وفي رأينا أن دراسة تأثيرات التلفزيون في الاتجاهات والقيم والسلوك الاجتماعي لابد أن يقترن بدراسة تكوين الاتجاهات ، وكيفية تأقلم الشباب في المجتمع الذي يعيشون فيه، وبعبارة أخرى عملية (التكيف الاجتماعي) التي تشمل أنواع التأقلم المباشر وغير المباشر ، والتعليم واكتساب القيم والاتجاهات.
وعلينا أن نتذكر بان الأثر التلفزيوني في تعميق السلوك الانحرافي يتحدد في جوانب محدده هي :
1- السلوك الانحرافي لدى الأطفال والمراهقين حيث أن مشاهدة أفلام العنف والعدوان قد تؤدي إلى السلوك العدواني عندهم . ويزداد هذا الانحراف كما ترى بعض البحوث في عملية التكرار المستمر للمادة ، وبعضها يعتقد بأن (هناك عوامل عديدة تتوسط بين المادة الإعلامية-وسلوك الفرد) (12) .
2- الجوانب المعرفية حيث أن إدراك الفرد بمعنى ومضمون البرنامج التلفزيوني هو الذي سيحدد مدى تأثيره فيه . فالإدراك جزء من الجانب المعرفي لذلك تهتم الدراسات الحديثة بمدى مساهمة التلفزيون في زيادة معدل النمو المعرفي عند الأطفال بعد أن كانت هذه الدراسات تهتم بدراسة مدى تأثير التلفزيون على الجانب المعرفي .
3- التنشئة الاجتماعية حيث اتضح من خلال البحوث والدراسات أن التلفزيون له دور واضح في هذه العملية ، خاصة عند الأطفال ، ولعل عبارة (ألبرت بنديور) رائد من رواد نظرية التعلم الاجتماعي تؤكد على أهمية التلفزيون في حياة الطفل حيث يقول  (إنه بازدياد نماذج رمزية (التلفزيون) فإن دور الوالدين والمدرسين والنماذج التقليدية الأخرى للأدوارسوف تحتل دوراً أقل أهمية في التعلم الاجتماعي) (13).
ولكن الشيء الذي يثير القلق في رأينا , وتتوفر فيه الأدلة موضوعان هما:التكرار الواسع لأعمال العنف على الشاشة . والآثار التي تتضمنها برامج العنف والجنس.وهناك نمطان للانحراف (14) :
أ - التأثير المباشر للانحراف حيث يرى العالم الفرنسي (Lunders) بأن الأفلام أفسدت الشباب لأنها السبب المباشر لانحرافهم . وهناك عاملان للاتهام : التأثير الجنسي , خاصة على جنس المراهقة , والتأثير الإجرامي التي تصنعه أفلام الفيديو والتلفزيون .
ب - التقليد والمحاكاة عن طريق مشاهدة الأفلام حيث وجد الكثير من علماء الاجتماع والنفس أن ظاهرة المحاكاة هي ظاهرة نفسية . فالمراهق مثلاً يقلد غالباً حركات وتصرفات أبطال الأفلام : طريقة حديثهم ،ملابسهم ،وسلوكهم ،حيث يصبح هؤلاء الممثلون نموذجاً لهم في الحياة .
ويرى عالم النفس الفرنسي (جورج هويبر) أن عرض بعض الأفلام يصاحبه تكيفات على نسق دائري إلى جانب انفعالات نفسية أخرى مثل تنوع النشاط البيولوجي للعقل , وتوتر الجهد العضلي , مما يؤدي إلى إبراز السلوك الانحرافي للشخص .ويضيف (هويبر) نقطة أخرى وهي اختلاف هذا التكيف من مشاهد لآخر .كما أشار العلامة (أرمان لاند) إن هناك بعض الأفلام لها تأثير مسيء على الفكر وعلى التكوين الخلقي للمراهقين مما يساعد على انحرافهم . فهناك انحراف واضح في الأفلام التلفزيونية والسينمائية بما تعرضه من أفلام تثير النزعات والتشوهات الجنسية في أحط صورها عن طريق عرضها للمتع الحسية ،مما قد يشجع الشباب على التحلل من قيود المجتمع ومن ثم تؤدي إلى الاضطراب في القيم الأخلاقية .
والملفت للنظر أن القائمين بالاتصال في الوطن العربي والعالم الثالث يشجعون ترويج المواد الإعلامية السلبية ،حيث يؤكد (جون ماريل) بأن (العديد من المحررين يفضلون نشر أخبار نجوم السينما الهليوودية على الأخبار المسماة بالتنموية ، وتفضل محطات التلفزيون عرض أفلام الإثارة والعنف والجنس على الأفلام الجادة) (15) .
لذلك كانت خلاصة البحوث والدراسات بخصوص احتمالية تأثير التلفزيون على الانحراف تتجه إلى نتائج ذات طابع شمولي وغير مطلقة في أحكامها ، ومن هذه النتائج(16).
1- إن مشاهدة الأفلام لا تؤدي إلى خلق المجرم من توافر لديه الاستعداد النفسي للإجرام أو الانحراف .
2- إن العوامل المتداخلة مع وسائل الإعلام مثل العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية ، وكذلك المؤسسات الاجتماعية ، قد تشارك في عملية الانحراف ، أي أن وسيلة الإعلام ليست لوحدها تؤدي إلى الانحراف .
3- أن هناك بعض الأفلام لها تأثير سلبي على تفكير الشباب وعلى التكوين الخلقي للمراهقين مما يساعد على انحرافهم ، وخاصة أولئك الذين لم ينالوا قسطاً وافراً من التربية الفكرية .
4- أن التكرار الأفلام الجنسية والعنف والجريمة تؤدي إلى تكريس السلوك الانحرافي .
وما يزيد القلق هو نتائج البحث العربية (17) التي اجمعت على أن الإنتاج الأجنبي المستورد يشكل أكثر من نصف ما تبثه التلفزيونات العربية حيث تشكل المادة الترفيهية الجزء الأعظم من ساعات البث اليومي . وقد قادت دراسة ميدانية أجرتها إدارة البحوث في اتحاد إذاعات الدول العربية (18) إلى اكتشاف مفارقة رئيسية وهي ما يمكن أن نسميها بجدلية الجذب والنفور والإقبال والحذر إزاء المادة التلفزيونية الأجنبية . فهي برأي الشباب مؤثرة ومفيدة ولكنها غير معبرة عن الواقع العربي ،وهي أداة تثقيفية وانفتاح على الآخر للإطلاع على المعلومات ومواكبة العصر ،وهي أداة لتغيير الواقع الاجتماعي ، وتغير العلاقة بالأبناء (أي أسلوب التربية والتنشئة) وتغيير تصورات الزواج ، ولكنها مع ذلك لها تأثير على ترسيخ مفهوم الاستهلاك للتقليعات والفردية والحرمان والتبعية .
ونعتقد أن هذه الصورة المشوشة المتناقضة تعود إلى أسباب كثيرة : طبيعة وأساليب تربية الشباب في المجتمعات العربية ، وضعف استقلالية التفكير، والمحيط الاجتماعي المتناقض، وعدم التوافق مع البيئة ومتغيراتها، اليأس والإحباط من الحاضر والمستقبل ، ضعف الثقافة التي تتغذى بها هذه الشريحة والتي لا تمنحها أدنى المقومات الأساسية لتأهيلها، وأخيرا ، وليس آخرا، ضعف منزلة الشباب في البرامج التلفزيونية العربية ونمطيتها ، والتلقي غير المنظم للمعلومات وكثافتها عبر المحطات العربية والأجنبية .
إن تحليل مستخلصات البحوث الإعلامية العربية الذي تضمن 13 رسالة دكتوراه و 32 رسالة ماجستير و18 بحثا من تأليف عينة من الخبراء 32 دراسة صادرة عن مؤسسات متخصصة في الدراسات الإعلامية يؤكد تهميش " فئات الشباب " في تعاملها وتفاعلها مع البرامج التلفزيونية (19).
وكان طبيعيا أن يكون أحد مواقع الرهان الأساسية للتنافس القائم اليوم بين مراكز الإنتاج والتسويق الفاعلة على الساحة العالمية في مجال الصناعات الإتصالية (أجهزة ومضامين وخدمات) يكمن في كسب الشباب في العالم (20) عبر رسائل تلفزيونية متنوعة ومشوقة ومثيرة تقترب من حاجاتهم وهمومهم وتطلعاتهم .
وبقدر ما تعتبر ظاهرة الشباب عالمية بعلاقتها في ثقافة الصورة ، فإن الشباب والمراهقين الذين يشكلون وزنا ديمغرافيا مهما في المجتمع العربي (21) .يستمدون الكثير من أنماط السلوك والمثل والقيم من وسائل الإعلام الحديثة ، والتلفزيون خاصة ، حيث أصبحت هذه الوسائل تنافس العائلة والمدرسة والنظم الاجتماعية ..الخ في عمليات التنشئة الاجتماعية . فاتساع الحقل الاجتماعي للمشاهدة في علاقته بالتحديث ، وما واكبه من تحولات في بني أوقات الفراغ يمثل أحد العوامل الفاعلة في التحولات التي شملت جوانب الحياة المختلفة، ومن ضمنها العلاقات القوية بالثقافة والإعلام والتربية ، وتأثيراتها النفسية . ولكن السؤال الجوهري يكمن في عدة محاور : أي علاقة يقيمها الشباب مع برامج التلفزيون ؟ أهي علاقة توافق وانسجام أو علاقة حياد أو تحفظ أو علاقة رفض وقطيعة ، وإلى أي مدى تتكامل أو تتباين الرسائل والمضامين مع تطلعات وتمثلات الشباب للثقافة ووظائفها الاجتماعية؟ إن الواقع يشير إلى إقبال واهتمام الشباب لبرامج القنوات الفضائية ذات الطابع الترفيهي ، وربما لأسباب كثيرة ، فهي أحيانا تغذي لديهم شعورا بالنقص الكبير الذي ينعكس على سلوكهم سلبا ، لاحتواء البرامج على التشويق والإثارة والتنوع ، وقربها لرغباتهم الثقافية والغريزية ،وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى هروبهم من برامجهم التلفزيونية الوطنية ، وبل وهروبهم من محيطهم الاجتماعي المتناقض ، مما قد يؤدي إلى تكوين خصائص سلوكية مضطربة تجعله ينتقل من مساهمة الفعل إلى موقع الانفعال ومن ميدان التأثير إلى خانة التأثير والاستيلاب .
والملاحظ أن القاسم المشترك لبرامج القنوات الفضائية هو المادة الترفيهية وأفلام الجريمة والعنف والرعب والجنس،أي إن ثقافة الصورة تغطي عليها أكثر من ظاهرة : الاغتراب ، القلق ، إثارة الغريزة الفردية ، العدوانية ، دافعية الانحراف،سلطة المال والنساء ،حب الاستهلاك ، الأنانية،عدم الاكتراث ،والتمرد، وكلها مفردات حياتية تتأسس في إدراك الفرد وسلوكه ومعارفه ،حيث تتحول أحيانا من صورة ذهنية إلى نشاط عملي عن طريق المحاكاة والتقليد وعمليات التطبيع الاجتماعي .
لهذا نتوقع مستقبلا أن تنشأ مشكلات اجتماعية تأخذ أبعادا واضحة في الحياة العربية ، ويتأثر فيها الأطفال والمراهقون والشباب بنتائجها السلبية . فمن المحتمل أن تخلق برامج الفضائيات الاضطراب الاجتماعي ، وعدم الاستقرار الاجتماعي،وتعميق المشاعر الذاتية أكثر من الالتزام الجماعي ، ويضعف الولاء للمجتمع والوطن،وتنمية الفردية والروح الاستهلاكية ، وتقوض أركان التماسك الاجتماعي ، وتعميق الإحساس بالاغتراب والهروب من التصدي لواقع الحياة ، وتوسيع الانبهار بالموديل الأجنبي ، وإشاعة مشاعر الاستسلام للواقع ، وتوطين العجز  في النفوس ، وإضعاف الروابط الأسرية وقيمها ، وتعميق الانعزالية بين الشباب وسحبهم إلى معارك ضارية مع النظم الاجتماعية بدءا من الأسرة وانتهاء بالدولة والأمة ، وإحجام الشباب عن ممارسة الأنشطة الإنتاجية والترويحية والاكتفاء بالتعرض للتلفزيون، واختلاف الجماعة على مجموعة من القيم والاتجاهات والمعايير ، والتأثير على مهارات الطفل المرتبطة بالمدرسة وعلى الكفاية المعرفية بصورة عامة ، وازدياد السلوك الانحرافي والأمراض الاجتماعية .
والمهم ، كما أرى مستقبلا ضعف دور الأسرة والمدرسة في عملية التنشئة الاجتماعية مقابل الدور الكبير المؤثر لوسائل الإعلام والمعلومات على اتجاهات التنشئة الاجتماعية والعمليات الاجتماعية .

مواضيع ذات صلة 
 
التأثير الإعلامي
نظريات التأثير الاعلامي محمد البشر
نظريات الإعلام واتجاهات التأثير
نظريات التأثير الاعلامي
نظرية الرصاصة الاعلامية
نظرية التأثير المباشر
نظرية التأثير الانتقائي
نظريات التأثير القوي
تحميل كتاب نظريات الاعلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق