الخميس، 13 أبريل، 2017

طبيعة أسلوب السيناريوهات

طبيعة أسلوب السيناريوهات
‌أ-      مفهوم السيناريوهات.
يعتبر السيناريو أحد الأساليب المستخدمة في الدراسات المستقبلية وأكثرها شيوعًا، وتأتي كلمة "سيناريو" Scenario من الفنون المسرحية والسينما،حيث ينظم التسلسل في الأحداث والشخصيات.
والسيناريو أداة للتنبؤ بالمستقبل، بغض النظر عن الوصول إلى هدف معين، ويرى آخرون أن السيناريو وسلة لصنع المستقبل، وأداة للتخطيط الاستراتيجي، ودعم اتخاذ القرارات المستقبلية المبنية على الظروف البيئية الممكنة( ).
السيناريو " وصف لوضع مستقبلي ممكن أو محتمل أو مرغوب فيه، مع توضيح لملامح المسار أو المسارات التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الوضع المستقبلي، وذلك انطلاقًا من الوضع الراهن أو من وضع ابتدائي مفترض". والأصل أن تنتهي كل الدراسات المستقبلية إلى سيناريوهات، أي إلى مسارات وصور مستقبلية بديلة، فهذا هو المنتج النهائي لكل طرق البحث المستقبلي؛ ولهذا فإن بعض الباحثين بالمستقبليات يعتبرون السيناريو الأداة التي تعطي للدراسات المستقبلية نوعًا من الوحدة المنهجية، وذلك على الرغم من أن الطرق التي قد تستخدم في إنتاج السيناريوهات تتنوع تنوعًا شديدًا، فالسيناريوهات تُبنى بطرق محددة كما أنها في ذات الوقت يمكن أن تُبنى بطرق مختلفة تعتمد على الخيال العلمي والأدبي والاستبصار، وعمومًا فإن السيناريوهات تصف إمكانات بديلة للمستقبل، وتقدم عرضًا للاختيارات المتاحة أمام الفعل الإنساني، مع بيان نتائجها المتوقعة، وقد ينطوي تحليل السيناريوهات على توصيات ضمنية أو صريحة حول ما ينبغي عمله( ).
وقدّم "إبراهيم العيسوي" تعريفًا للسيناريو على أنه "وصف لوضع مستقبلي ممكن أو محتمل أو مرغوب فيه، مع توضيح لملامح المسار أو المسارات التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الوضع المستقبلي، وذلك انطلاقًا من الوضع الراهن أو من وضع ابتدائي مفترض( )"
ويشير هذا التعريف إلى ثلاثة عناصر رئيسية لابد من توضيحها وهي العناصر التالية:
1.     وصف وضع مستقبلي:
وصف خصائص ظاهرة ما كالتطور التكنولوجي عام 2030، وصف وضع شركة ما 2030 من حيث مزاياها التنافسية، نصيبها من السوق العالمي، نوعية التكنولوجيا بها، نوعية وكمية العمالة...الخ، أو وصف المجتمع المصري 2030 بأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتوزيع الدخل ومستوى التعليم...الخ.
وهنا يجب التمييز بين نوعين أساسيين من السيناريوهات وهما:
- السيناريو الاستطلاعي: فحينما يكون الوضع المستقبلي الذي نقوم بدراسته هو وصف مستقبلي ممكن أو محتمل الحدوث، يكون السيناريو سيناريو استطلاعيًا Exploratory؛ أي أننا نبدأ من المعطيات والاتجاهات العامة القائمة فعلًا، في محاولة لاستطلاع ما يمكن أن تؤدي إليه الأحداث أو التصرفات المحتملة والممكنة من تطورات في المستقبل، وذلك دون التزام مسبق بصورة أو أهداف محددة نسعى لبلوغها. وهنا يمكن القول إن هذا السيناريو يتيح الفرصة لعدد كبير من الاحتمالات أو البدائل ويثري النقاش، مما يجعلنا نطلق على مثل هذا النوع من السيناريوهات أحيانًا سيناريوهات متوجهة للأمام forward Scenarios.
- السيناريو الاستهدافي: وحينما يمثل الوضع المستقبلي في نهاية الفترة محل الاستشراف (الدراسة والتحليل) وصفًا مرغوبًا فيه Desired يمكن القول إننا بصدد سيناريوهات استهدافية Normative أو سيناريوهات مرجوة Anticipatory. ونقطة البدء هنا مجموعة أهداف محددة ينبغي تحقيقها في المستقبل ويتم ترجمتها إلى صورة مستقبلية متناسقة. ويرجع الباحث إلى الحاضر لكي يكتشف المسار أو المسارات الممكنة لتحقيق هذه الأهداف المرجوة أو الصورة المستقبلية المبتغاة.
2.     الوضع الابتدائي:
لكل سيناريو نقطة انطلاق أو مجموعة شروط أولية Initial Conditions ومن المهم التحديد الدقيق لهذه الشروط، فهي في السيناريو الاستطلاعي ستكون الخلفية لإطار حركة تؤدي في نهاية المطاف إلى صورة مستقبلية أو أخرى، أما في حالة السيناريو الاستهدافي فإنها ستكون نقطة الأصل التي يتعين الرجوع إليها من الصورة المستقبلية المبتغاة عبر مسار أو مسارات بديلة. ومن الضروري أن نميز في كلتا الحالتين بين الوقائع والقوى الفاعلة، ويمكن توضيح ذلك بالتالي:
- الوقائع: حقائق ومشاهدات فعلية تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التكنولوجية والسياسية والمؤثرات الخارجية، والاتجاهات العامة السائدة والاتجاهات المغايرة.
- القوى الفاعلة: قوى رسمية أو غير رسمية، صاحبة أكبر الأثر في تشكيل الأحداث سواء بالفعل أو برد الفعل.ويعتبر تحديد هذه القوى، وتحليل سلوكها، والوقوف على مشروعاتها، وخططها أو استراتيجياتها للمستقبل، وتحديد ما تملكه من إمكانات أو وسائل لتحويل مشروعاتها إلى واقع، من أكثر أبعاد أو عناصر بناء السيناريو أهمية.
والوضع الابتدائي للسيناريو يمكن أن يكون – أيضًا - على صيغتين أساسيتين هما:
 - في حالة السيناريو المرجعي (من السيناريوهات الاستطلاعية): مجموعة من الظروف الفعلية، ومن تحليل هذه الظروف والبحث في احتمالات تغيرها، ونشوء ظروف جديدة بفعل أحداث أو تصرفات معينة، يمكن رسم المسار أو المسارات المستقبلية.
 - في حالة السيناريو الإصلاحي الابتكاري (من السيناريوهات الاستهدافية): مجموعة من الظروف المفترضة أو المتخيلة التي تنطوي على تغييرات معينة في الوضع الابتدائي الفعلي؛ كافتراض نجاح تغيير جوهري في هيكل العلاقات الخارجية للمجتمع مثلًا
3.     وصف مسار أو مسارات مستقبلية:
ويقصد بالمسارات المستقبلية التتابع المفترض للمشاهد (الأحداث) أو النوعيات المقصودة للظاهرة (الظواهر) موضع البحث عبر الزمن. وذلك انطلاقًا من الوضع الابتدائي (الفعلي أو المفترض) في حالة السيناريوهات الاستطلاعية، أو من الصورة المستقبلية المرجوة في حالة السيناريوهات المستهدفة. ويتشكل المسار المستقبلي من خلال تحليل لجملة من الأحداث والتصرفات والتفاعلات التي تنشأ بينها والآثار التي تنتج عنها عبر الزمن، ويمكن توضيح المقصود بالأحداث والتصرفات كما يلي:
- الأحداث Events: وهي وقائع غير مقصودة لا يمكن التحكم فيها خلال الفترة الزمنية التي يغطيها السيناريو؛ مثل الظروف الجوية أو المناخية، والكوارث الطبيعية، والاكتشافات التكنولوجية وبخاصة في المجتمعات غير المنتجة للعلم والتكنولوجيا. وعمومًا فالأحداث عبارة عن متغيرات خارجية عن عملية بناء السيناريوهات.
- التصرفات Actions: وتمثل التغيرات المقصودة في الظواهر الداخلة في السيناريوهات، ومن ثم فهي تخضع لاتخاذ قرار بشأنها، أو لتصورات كاتب السيناريو؛ ومن أمثلتها التغيير في الهيكل الاقتصادي، أو التنظيم الاجتماعي. وفي حالة السيناريوهات الاستطلاعية يمكن استقراء التصرفات من خلال فهم مصالح الفاعلين وسلوكياتهم وحدود حركاتهم، أما في حالة السيناريوهات الاستهدافية فيمكن استقراء التصرفات من خلال نوعية الأهداف المرجوة.
        وبذلك؛ تقوم فلسفة السيناريو على علاقة جدل بين الأحداث Events التي هي ذات مسار موضوعي بدرجة كبيرة، والتصرفات Action التي تعتمد على الفاعلين في الأساس، ومن خلالها تصاغ السيناريوهات المستقبلية المختلفة( ). ومن ثم؛ يتشكل المسار المستقبلي من خلال تحليل لجملة من الأحداث والتصرفات والتفاعلات التي تنشأ بينها والآثار التي تنتج عنها عبر الزمن، ويمكن توضيح المقصود بالأحداث والتصرفات كما يلي( ):
‌ب-    أنواع السيناريوهات.
من خلال تحليل مفهوم السيناريوهات، يمكننا تصنيف السيناريوهات إلى:
سيناريوهات استطلاعية، تنطلق من الوضع الراهن لتضع عدة احتمالات وبدائل للمستقبل.
سيناريوهات استهدافية: تنطلق من تحديد هدف مستقبلي ثم العودة إلى الحاضر لتحديد المسارات التي من المحتمل التي تقودنا تجاه تحقيق هذا الهدف؛ لذلك يطلق عليها السيناريوهات العكسية، أو سيناريوهات العودة إلى الوراء.
ومن خلال تحديد نوع السيناريو المستخدم والهدف منه؛ يتم في ضوء ذلك تحديد عدد السيناريوهات الواجب صياغتها، ففي السيناريوهات الاستطلاعية يحدد البعض خمسة سيناريوهات متوقعة لكل منظمة أو مجتمع ككل، وهي:
1.     سيناريو خالٍ من المفاجآت: يفترض هذا السيناريو ان الأحداث ستستمر كما هي عليها الآن.
2.     سيناريو تفاؤلي: يفترض أن الأحداث ستتحسن كثيرًا عمّا كانت عليه في الماضي.
3.     سيناريو تشاؤمي: شيء ما سيصبح أسوا بكثير مما كان عليه في الماضي.
4.     سيناريو الكارثة: الأحداث ستسوء بشكل مرعب، الوضع سينهار.
5.     سيناريو الثورة، أو الراديكالي، أو الانقلابي: شيء مدهش ورائع، سيحدث شيء لم نكن نحلم به.
ويحدد البعض ثلاث سيناريوهات احتمالية للسيناريوهات الاستطلاعية:
1.     سيناريو مرجعي: يعبر عن الوضع الأكثر احتمالًا لتطور الظاهرة محل الدراسة.
2.     سيناريو متفائل: يعبر عن الأمل في مسار تطور الظاهرة.
3.     سيناريو متشائم: يعبر عن حالة عدم توافق الظروف، والاتجاه بالحال إلى كارثة أو موقف صعب.
لكن إذا أردنا أن نتجه إلى سيناريو مرغوب ومثالي، هنا يكون سيناريو معياري (سيناريو استهدافي، أو سيناريو إلى الوراء)، فإننا نحدد الهدف المستقبلي المرغوب، ثم نعود إلى الوضع الراهن لتحديد المسارات الممكنة التي تقود إلى تحقيق هذا الهدف أو هذه الصورة المثالية.
‌ج-     طرائق بناء السناريو.
توجد ثلاث طرق متعارف عليها لبناء السيناريو، وهي( ):
1.     الطريقة الحدسية أو اللانظامية:
        الأساس في هذه الطريقة هو الحَدْس وإعمال قدرات التصور والخيال والتفكير الكيفي Qualitative، وهذا هو الأصل التاريخي للسيناريو، وهنا يتم التعامل مع السيناريو على أنه أحد أساليب دراسة المستقبل وليس منتجًا نهائيًا لأية دراسة مستقبلية، وبناء السيناريو طبقًا لهذه الطريقة يهتم بتصميم مجموعة من الشروط الابتدائية، وينظر للوسائل الكمية كعناصر مساعدة، ولا يتوقع أن يلتزم كاتب السيناريو بالافتراضات التي وضعها، إذ يبقى العنصر الأساسي في هذه العملية هو الحدس والخيال والاستبصار.
2.     طريقة النمذجة أو الطريقة النظامية:
        تعتمد هذه الطريقة على الطرق الحسابية الكمية بصفة عامة، وعلى النماذج بوجه خاص، وتتميز هذه الطريقة بالقدرة على التعامل مع عدد ضخم من المتغيرات والنماذج الفرعية، والتنسيق بين سلوكها، وحساب نتائج الخيارات المختلفة، وتقدير ما يصاحبها من تكاليف ومنافع، وبناء السيناريو طبقًا لهذه الطريقة يتطلب تزويد النموذج في البداية بمعطيات وتوجهات معينة، والتي تندرج عادة ضمن الشروط الابتدائية للسيناريو، والتي تقدم من خلال الباحث المسئول عن السيناريو، وهنا يظهر دور الحدس والتخيل بجانب المعلومات والوقائع الخاصة عند تصميم الشروط الابتدائية للسيناريوهات غير السيناريو المرجعي، حيث تكون هذه الشروط متخيلة أو مصنوعة على مقاس السيناريو.
3.     الطريقة التفاعلية:
وهي الطريقة العملية التي أمكنها الجمع بين مميزات الطريقتين السابقتين، حيث يتم تطبيق الطريقة الحدسية في مرحلة وطريقة النمذجة في مرحلة أخرى، أو يتم التفاعل بينهما في كل مرحلة وفقًا لما تقتضيه جودة النتائج؛ بغية الوصول إلى سيناريوهات جيدة.
المحور الثالث: الخطوات المنهجية لاستخدام أسلوب السيناريوهات في التخطيط التربوي.
عملية بناء السيناريوهات عملية إبداعية تعتمد على الاستفادة من بعض التوجهيات العامة، حيث لا يوجد نموذج لسيناريو معين يمكن أن يحتذى به كل من يقوم بإعداد سيناريو؛ ومن ثم فإن عملية بناء السيناريوهات تحتاج إلى مجال واسع من المعرفة وقدر كبير من الخيال المنضبط.
وتهدف عملية بناء السسيناريوهات تيسير عملية تكوين صور مستقبلية بديلة، وتشجيع التفكير الابتكاري، وتكوين أفكار إبداعية، وارتياد فضاء المجهول، والكشف عن تغيرات غير مسبوقة، وقيادة المشكلات والتغلب عليها، وبناء استراتيجيات إبداعية، والتكيف عن التغيرات المتوقعة، وفحص افتراضات قائمة بقدر من المرونة بالإضافة إلى تقليل زمن رد الفعل.
وتتم عملية بناء السيناريوهات من خلال مراحل ثلاث: أولها، جمع المعلومات، وإجراء مسح شامل لتحديد القوى المحرّكة للظاهرة المدروسة، وأهم التوجهات المستقبلية المتوقعة. وثانيهما، تصميم هيكل السيناريو، وتشكيل مجموعة من الصور المستقبلية البديلة التي يتم فحصها والتأكد من مدى تماسك مكوناتها الداخلية. وثالثهما، يتم بناء استراتيجية متكاملة ورسم المسارات التي يمكن أن تؤدي لهذه الصور المستقبلية. ومن المهم تحديد الاتجاهات والأحداث التي يشمل عليها كل سيناريو للتعرف على معيار ثبات السيناريو.
وتسير خطوات بناء السيناريو وفق الخطوات التالية( ):
الخطوة الأولى: وصف الوضع الراهن والاتجاهات العامة.
الخطوة الثانية: فهم ديناميكية النسق والقوى المحرّكة له.
الخطوة الثالثة: تحديد السيناريوهات البديلة.
الخطوة الرابعة: كتابة السيناريوهات.
الخطوة الخامسة: تحليل نتائج السيناريوهات (السيناريو المستهدف).
وفيما يلي تفصيلًا لهذه الخطوات:
الخطوة الأولى: وصف الوضع الراهن والاتجاهات العامة.
        تشمل هذه الخطوة على استعراض العناصر الرئيسة في الوضع الراهن وبيان نقاط القوة والضعف، وكذلك تحديد الاتجاهات العامة والسائدة، والاتجاهات العامة البازغة أو إرهاصات التغيير التي تُنبئ بتحولات مهمة في المستقبل، ثم يتم استخلاص المشكلات أو القضايا الرئيسة التي يتعين البحث عن إجابات لها عند كتابة السيناريوهات. حيث يمكن تقسيم هذه المتغيرات إلى متغيرات داخلية تنتمي إلى النسق محل الدراسة، ومتغيرات خارجية تعبر عن البيئة التي يعمل فيها النسق.
الخطوة الثانية: فهم ديناميكية النسق والقوى المحرّكة له.
        أهم خطوات بناء السيناريوهات. فالهدف من هذه الخطوة الكشف عن القوى المحرّكة في النسق وتحليل العلاقات والتشابكات بما يساعد على فهم ديناميكية النسق. أي يتم تحديد جوانب وحدود النظام والعلاقات بين أجزائه والاتجاهات المؤثرة.
ويقصد بالقوى المحرّكة أو الفاعلين الرئيسيين: هم أولئك الفاعلين الذين يمارسون درجة محسوسة من السيطرة أو التحكم بشكل مباشر أو غير مباشر في النسق، ولا توجد طريقة نظامية محددة يمكن اتباعها لتحديد هؤلاء الفاعلين، فعادة ما يتم تحديد الفاعلين بشكل حدسي اعتمادًا على المعلومات المتوافرة عن النسق.
ويمكن تقسيم القوى المحرًكة للنسق أو النظام إلى قوى على المستوى الكبير Macro مثل الجوانب التكنولوجية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية، وقوى على مستوى النظام المدروس Micro.
ويمكن الاستعانة في هذه الخطوة بأسلوب "بتحليل الآثار" باستخدام المصفوفة الشبكية ومصفوفة الآثار المقطعية. Cross-Impact Martix لفهم ديناميكية النسق للنظام أو للمؤسسة التعليمية، والكشق عن القوى المحركة لهذا النسق. وتقوم هذه المصفوفة على أساس فرضية مؤداها أن معظم الأحداث والاتجاهات ترتبط بطريقة أو بأخرى بتأثير متبادل فيما بينها؛ لذا فإن هذه المصفومة تستخدم لتنظيم البيانات التي تجمع عن مؤسسة ما وللفحص المنظم للعلاقات المتبادلة بين مختلف الأحداث الممكنة إحصائيًا، وهذه العلاقات المتبادلة والمتداخلة تسمى بالتأثير المتقاطع( ).
ويمكن تصنيف تلك القوى الفاعلة أو المؤثرة من حيث قوة تأثيرها ودرجة عدم اليقين التي تتسم بها، حيث يمكن وضع مقياس يمثل أبعادًا ثلاثة هي (عالٍ/ متوسط/ ضعيف). كما يوضح ذلك الشكل التالي:
تصنيف القوى والعوامل المؤثر عند بناء السيناريو
                        مستوى التأثير
تأثير عال
درجة عدم يقين عالية        تأثير عال ودرجة عدم يقين ضعيفة عالٍ
                        متوسط
تأثير ضعيف ودرجة عدم يقين عالية               تأثير ضعيف درجة عدم يقين ضعيفة       ضعيف
عالٍ   متوسط ضعيف       
يوضح الشكل السابق أربعة أنواع من القوى والعوامل المؤثرة والتي تنقسم تبعًا لمستوى تأثيرها ودرجة عدم اليقين التي يتسم بها المستقبل نحوها، ويشمل ذلك:
1.     القوى والعوامل (عالية التأثير مع وجود درجة عالية من عدم اليقين).
2.     القوى والعوامل (عالية التأثير مع وجود درجة ضعيفة من عدم اليقين).
3.     القوى والعوامل (ضعيفة التأثير مع وجود درجة عالية من عدم اليقين).
4.     القوى والعوامل (ضعيفة التأثير مع وجود درجة ضعيفة من عدم اليقين).
الخطوة الثالثة: تحديد السيناريوهات البديلة.
        الغرض من هذه الخطوة هو حصر البدائل الممكنة بالنسبة للعوامل المختلفة الداخلة في كل مجال من مجالات التأثير وذلك في ضوء فهم ديناميكية النسق والقوى المحرّكة له وسلوك الفاعلين، ويتم ذلك إما عن طريق تحليل العوامل المؤثرة على تحريك النسق وتحديد عدد من البدائل الممكنة، أو عن طريق تحديد العوامل الرئيسية داخل كل مجال من مجالات التي تؤثر في النسق، ويتم وصف الحالة الراهنة لكل عامل، وعرض الإسقاطات أو التنبؤات البديلة لكل عامل خلال الأفق الزمني المحدد لكل سيناريو. وهذه الطريقة أكثر تفصيلًا في تحديد ملامح السيناريوهات البديلة.
        وفي هذا السياق، يمكن القول أن الدراسات المستقبلية تعتمد على نوعين من الأساليب المنهجية وهما: الأساليب التنبؤية Predictive التي تهدف غلى توقع مستقبل معين. وثانيهما، الأساليب الإبداعية Creative التي تتعامل مع المستقبل على أنه مجال مفتوح للتأثير الإنساني بهدف استكشاف البدائل المستقبلية الممكنة أو المحتملة، حيث أن الدراسات المستقبلية مجال متعدد التخصصات Multidisciplinary يهتم بدراسة البدائل والمسارات المستقبلية الممكنة أو المحتملة.
        وتتضمن هذه الخطوة من خطوات بناء السيناريوهات وصف الحالة الراهنة لأبعاد الظاهرة محل الدراسة، ثم عرض التنبؤات المستقبلية البديلة.
        ويمكن أن تتضمن البدائل المحتملة للسيناريوهات الاستطلاعية ثلاثة بدائل:
1.     استمرار الوضع القائم حيث يكون هناك مقاومة للتغيير والإصلاح، هذا بالإضافة إلى إمكانية حدوث تدهور الوضع القائم إلى الأسوأ.
2.     حدوث بعض أوجه الإصلاح والتطوير الجزئي، وذلك بين الرغبة في الإصلاح والتطوير الجزئي، وذلك بين الرغبة في الإصلاح والرغبة في بقاء الأوضاع كما هي من أجل تحقيق الاستقرار.
3.     حدوث تحول كيفي ونقلة نوعية من خلال إطلاق الطاقات الإبداعية والابتكارية الخلاقة، والاعتماد على المبادرة الاستباقية بدلًا من الأساليب القائمة على رد الفعل.
الخطوة الرابعة: كتابة السيناريوهات.
        يسبق هذه الخطوة خطوة ضمنية تتعلق بفرز السيناريوهات البديلة والمقارنة بينها لاستكشاف التمايز بينها لتحديد عدة بدائل مستقبلية.
        تقتضي عملية كتابة وتفسير السيناريوهات المختارة استيفاء مدخلات السيناريوهات من المعلومات سواء بإضافة عوامل أو تفاصيل معينة، أو بدمج تطورات مستقبلية أخرى في السيناريوهات المختارة، ثم التعرف على ردود الفعل المحتملة (التصرفات) لكل الأطراف المعنية للتطورات التي يشمل عليها كل سيناريو، وفي النهاية يتم صياغة كل سيناريو بشكل سردي، وهنا ينبغي إبراز صياغة العناصر الثلاثة للسيناريو: الشروط الابتدائية، والمسار المستقبلي، الوضع المستقبلي.
الخطوة الخامسة: تحليل نتائج السيناريوهات (السيناريو المستهدف).
        يتوقف ما يتم إنجازه في هذه الخطوة الأخيرة في عملية بناء وتحليل السيناريوهات على الغرض الذي أجريت من أجله هذه العملية اصلًا، فهذا الغرض يمكن أن يكون مجرد الاكتفاء بتحليل مقارن للسيناريوهات حين تأخذ الدراسة المستقبلية طابعًا استطلاعيًا، أما إذا كان طابع الدراسة استهدافيًا فإنه يجعل من تحليل السيناريوهات مجرد معبر للتخطيط ورسم السياسات طويلة المدى، وما هي الاستراتيجية الواجب الالتزام بها لوضع الرؤية المستقبلية موضع التطبيق.
        وحتى تكون السيناريوهات قابلة للتطبيق، ومحددة لرؤية مستقبلية واقعية فعليها أن تتميز بمجموعة خصائص يفضل توافرها في السيناريوهات أو في عملية بنائها وتحليلها. ومن أهم هذه الخصائص ما يلي( ):
       السيناريوهات الجيدة سهلة الفهم والاستيعاب حتى يمكنها المساعدة على التعلم وتعديل التصرفات والأولويات لاتخاذ القرا المناسب.
       أن تكون قادرة على استكشاف النتائج والآثار المحتملة للاختيارات، ومن ثم دعم القرار المتعلق بالمستقبل الذي يتسم باللايقين.
       أن يكون بين السيناريوهات قدرًا واضحًا من الاختلاف والتمايز حتى يتسع نطاق الاحتمالات والاختيارات.
       أن يكون السيناريو ممكن الحدوث وليس محض خيال، بمعنى أن يتم الانتقال من الوضع الابتدائي إلى الوضع المستقبلي بطريقة منطقية منظمة.
       أن يتسم السيناريو بالقدرة على الكشف عن نقاط التحول في المسارات، والقدرة على توقع الأحداث المثيرة للإضطراب أو المؤدية للانحراف عن المسار الطبيعي للأحداث.
       لا قيمة للسيناريوهات، ولا معنى لتحليلها إن لم تكن فيها فائدة لعملية صنع القرارات، والتخطيط لمستقبل أفضل، ومن أهم الأساليب المؤدية غلى زيادة فائدة السيناريوهات إشراك المستخدمين المحتملين لهذه السيناريوهات في عملية بنائها وتحليلها.

وختامًا، فإن عملية بناء السيناريوهات تستهدف تحديد أحداث المستقبل، وتوجيه المستقبل في مسارات واتجاهات مختلفة، ويمكن أن تفيد صناع القرار في اكتشاف القوى المحرّكة للمستقبل، فالسيناريوهات تحقق فوائد متعددة للتخطيط التربوي لاسيما توفير قدر مناسب من المعلومات المتعلقة بالخطط والمشروعات المستقبلية للمنظمة، وتحديد العوامل الفاعلة الخاصة بالبيئة الخارجية التي يمكن أن تؤثر على النمو المستقبلي للمؤسسات التعليمية، وتحسين فرص رد الفعل والتكيف مع التغيرات المتوقعة، وإتاحة فرص التفكير الإبداعي، تحديد استراتيجيات التطوير، والفرص والمخاطر المترتبة على تنفيذها.


تواجه المؤسسات التعليمية عددًا من التحديات تهدد إمكانياتها وجودة مخرجاتها وبقائها في ظل التوجه إلى استخدام تكنولوجيا الاتصالات لمؤسسات تعلم افتراضية، ومن ناحية أخرى فإن التغيرات المتلاحقة والمتسارعة ـ بشكل لم يبق له مثيل في التاريخ البشري ـــ أصبحت تهدد مستقبل المؤسسات التعليمية؛ بما يفرض ضرورة استشراف مستقبل هذه التغيرات والاستعداد لها والتهيؤ لمواجهتها بدلًا من الاصطدام بها في المستقبل ولا نستطيع مواجهتها. لذلك تأتي الدراسات المستقبلية بأهم أساليبها وهو السسيناريو في التخطيط لمستقبل المؤسسات التعليمية. فهدفَ هذا البحث إلى تحديد الخطوات المنهجية لاستخدام أسلوب السيناريو في التخطيط التربوي.

مواضيع ذات صلة
 



طبيعة أسلوب السيناريوهات
تخطيط السيناريو
السيناريوهات في الدراسات المستقبلية
تعريف السيناريو و انواعه
التخطيط بالسيناريو
مفهوم السيناريو
انواع السيناريو
التخطيط الاستراتيجي بالسيناريوهات
التخطيط بالسيناريو
سيناريو (تخطيط)
الخطوات المنهجية لاستخدام أسلوب السيناريوهات في التخطيط


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق