الأربعاء، 12 أبريل 2017

عصر ابن خلدون

عصر ابن خلدون
   لقد اتسم العصر الذي عاش فيه ابن خلدون بالركود الفكري والتخلف الحضاري , علاوة على فقدان الاستقرار , وبروز العديد من الدويلات والإمارات في الوطن العربي , وقد صور ابن خلدون هذا الحال , بقوله:(( وأنتقض عمران الأرض بانتقاض البشر , فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن ))([i])  .
  إن إعادة دراسة حتمية التغيير في فكر ابن خلدون , هي أن نجعلها حاضرة في أذهاننا , وهي تتميز بخصوصية معينة , وأن نستوعب العقلانية التي كانت في تراثنا , ونوظفها في الاتجاه نفسه الذي وظفه ابن خلدون لدراسة المجتمع العربي والمشكلات التي تواجهه , وهذا بطبيعة الحال يساعدنا على بناء حاضر يكون استمراراً للمحطات المضيئة في تاريخنا العربي([ii]) . وحينئذ لا نكون مجتمعات ماضوية , بل مجتمعات لها ماضٍ مشرق يشكل التراث أحد مقوماته([iii]) , لأن الماضي لا يمكن إغفاله , فهو فاعل في الحاضر , من هنا يمكن دراسة ظاهرة التغيير في التاريخ العربي , من أجل إلقاء الضوء على الحاضر ومشكلاته([iv])   .
   إن الآراء والنظريات التي جاء بها ابن خلدون حول حتمية التغيير , لا يمكن دراستها دون معرفة الأفكار السائدة في عصره . لقد كان المشهد الذي اطلع عليه ابن خلدون في ذلك العصر هو مشهد القوة وأثرها([v]) , لأن معظم حركة التغيير التي حدثت في زمانه أو اطلع عليها من خلال دراسته للتاريخ العربي الإسلامي , كانت قائمة على القوة , قوة العصبية الحاكمة التي كانت تغير السلطة , وابن خلدون شارك في عدة محاولات كان الهدف منها التغيير([vi]) , سجن على أثرها ونفي من البلاد التي كان يعيش فيها([vii])   .
   وإذ كنا نسلم أن التيارات الفكرية وما يتبعها من تغيير في المجتمع تتأثر بالفكر الذي تعيشه تلك المجتمعات ويحيط بظروف عصرها , لذا فإن الظروف التي أحاطت بابن خلدون قد شكلت تصوراته الفكرية والعلمية بلا شك . والآن وقد مضت على وفاته ستة قرون , فإنه لا زال يعد رائداً ومؤسساً في دراسة حركة المجتمع وتغيره , وإن آراءه ونظرياته السوسيولوجية مازالت تمثل أسساً مهمة في دراسات الكثير من الباحثين العرب وغير العرب ([viii])  .
  ومن المعروف لدينا أن ابن خلدون عاش في عصر كانت أبرز سماته الانقسام السياسي والانحطاط الفكري , كما أشار هو إلى ذلك بقوله:(( وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة ))([ix])   .
  لقد كان ابن خلدون في رؤيته السوسيولوجية – التاريخية , يصور أحداث عصره , سقوط الخلافة العباسية في بغداد , ونهاية الحكم العربي في الأندلس , وثورات متلاحقة , حركات التغيير التي تقوم بها القبائل البدوية , سقوط دول وقيام أخرى , ذلك تاريخ عاش فيه ابن خلدون تجربته الذاتية , وشاهد بنفسه تلك الأحداث , وشارك في صنع بعضها([x])  .
  
                        



 حتمية التغيير
   مما لا شك فيه أن ابن خلدون من أشهر المفكرين الذين يؤمنون بحركة تغيير المجتمع, من نمط إلى آخر , والتغيير كما يراه سنة من سنن الحياة وأمر حتمي لا مفر منه , يظهر ذلك من سياق وصفه لحتمية التغيير ونهاية الدولة (( وإذا كان الهرم طبيعيا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية كما يحدث الهرم في المزاج الحيواني , والهرم من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواؤها ولا ارتفاعها لما أنه طبيعي والأمور الطبيعية لا تتبدل ))([xi])   . 
  والتغيير شيء حتمي يتسم بالاستمرارية والفاعلية , والمجتمع البشري سائر إلى التغيير لا محال , شأنه في ذلك شأن الفرد الذي يمر بمراحل حياته منذ ولادته حتى وفاته , ولتأكيد ذلك فقد أفرد فصلاً خاصاً في كتاب المقدمة([xii]) بعنوان (( في أن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص ))([xiii])  .
  ولأن دراسة ابن خلدون لظاهرة التغيير في المجتمع , تُظهر لنا أن أحوال المجتمعات لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هي في حالة صيرورة وتغير وانتقال من حال إلى حال , وأن ذلك خاضعٌ للحتمية التاريخية , كما يتبين من قوله:(( إن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران , ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه , وما يكون عارضاً لا يعتد به , وما لا يمكن أن يعرض له ))([xiv]) . مبيناً أن الإنسان لا يستطيع العيش بمفرده , ولهذا كان اجتماع الناس من اجل التعاون , يعني أنك لو تركت الإنسان في ظروف حياتية اعتيادية وطبيعية لألف أخاه الإنسان وكون معه مجتمعاً طبيعياً([xv]) .
   ومن هنا يمكن التسليم ببديهية ترى أن الإنسان وبما أوتي من ملكة التفكير , قادر على اشتقاق القوانين والنظم التي تحكم الظواهر الاجتماعية من ذاتها , وذلك بانتزاعها عبر التجريد بعد المعاينة([xvi]) , وهذه الأنظمة والقوانين تتشابه , إلى حد ما , مع القوانين التي تسير عليها الطبيعة , لأن العمران البشري والاجتماع الإنساني له عوارضه الذاتية الخاصة به([xvii])  .
   والحتمية في التغيير , عند ابن خلدون , تتسم بالاستمرارية والفاعلية , والمجتمع الإنساني سائر إلى التغيير لا محالة , لأن التغيير , حسب الرؤية الخلدونية , أمر طبيعي ,لابد من حدوثه , ولا سبيل إلى منعه , لأنه يتحرك في نظام لا مرد له , وأن هذا التغيير يبدأ في حركة دائرية , كما يظهر من سياق كلامه:(( فإذا استولت على الأولين الأيام , وأباد غضراءهم الهرم , فطبختهم الدولة , وأكل الدهر عليهم وشرب , بما أرهف النعيم من حدهم , واستقت غريزة الترف من مائهم , وبلغوا غايتهم من طبيعة التمدن الإنساني والتغلب السياسي ))([xviii]). واسترسل في وصفه هذه الأمر ببيت من الشعر , مشبها الحالة (( كدود القزًَ ينسج ثم يفنى         بمركز نسجه في الانعكاس ))([xix])  .
  وهذه الحتمية لا مفر منها كما يقول ابن خلدون:(( تحصل في الدولة طبيعة الهرم , ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها برءٌ منه إلى أن تنقرض ))([xx])  . 
   ولكن التغيير في المجتمعات له أسبابه ومحدداته ونتائجه وأشكاله , فقد يكون بطيئا في ظهوره , وربما يكون عنيفاً , وهذا ما ظهر , حقاً , في الربيع العربي , وابن خلدون حين تحدث عن تبدل الأحوال في المجتمع , أفرد له مصطلحات تدل في معناها على التغيير , مثل ( انقلاب , ثورة , تقلب , تبدل ) كقوله:(( فتبدلت تلك الأحوال وانقلبت بها العوائد إلى ما يجانسها أو يشابهها وإلى ما يباينها أو يباعدها ))([xxi]) .
   لقد بين ابن خلدون أن الظاهرة الاجتماعية([xxii]) يجب أن تدرس كما تدرس العلوم الأخرى للوقوف على طبيعتها وما يحكمها من قوانين , وقد عبر عن هذه الظواهر بمصطلح ( علم العمران أو الاجتماع الإنساني ) وهو العلم الذي يسمى بالسيوسولوجيا([xxiii])  .
   ومن هنا فقد تبنى ابن خلدون المنهج السوسيولوجي في دراسة الأحداث التاريخية (( اِعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم , وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال , مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض , وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها , وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع , وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال ))([xxiv])  .
   ولئن كان ابن خلدون يرى في ظاهرة التغيير أنها أمر حتمي وسنة من سنن الحياة , لأن المجتمع الإنساني وما يطرأ عليه من تغير , يتحول من نمط إلى آخر , وأن الدولة مهما طال أمدها , لا بد أن تشملها حتمية التغيير , ومن هنا فقد أشار إلى أهمية التغيير , منطلقاً من رؤيته الجبرية , لأن المجتمعات الإنسانية قد طرأ عليها تحولات عديدة , وأن هذه التحولات تتحرك في نظام حتمي يجعل من دورته قانوناً لا مرد له, وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك في الفصل الخامس عشر من المقدمة([xxv])  , عندما تحدث عن انتقال الدولة من حال إلى حال بقوله:(( أن هذه الأطوار طبيعية للدولة ))([xxvi])  .
   والتغيير عند ابن خلدون , كما يرى أحد الباحثين, أمر حتمي([xxvii]) , ليس في خطوطه الرئيسية ولكن في مدته أيضاً , وعلى هذا المنوال , فإن فكر ابن خلدون يحمل الطابع الثوري , ولاسيما في الجانب السوسيولوجي , وهذا شيء مهم في الموروث العربي لثقافة التغيير([xxviii]) .
   لقد توصل ابن خلدون إلى أن ظاهرة التغيير التي تمر بها الدول والمجتمعات ليست أمراً عرضياً إنما هو أمر حتمي([xxix]) , وعلى هذا فإن الروح الاختبارية في فكر ابن خلدون ومنظوره السوسيولوجي , تدفعنا إلى القول إن الأحداث التاريخية ليست عشوائية ولا هي تعسفية مطلقة إنما هي تسير وفق قوانين تكاد تشبه القوانين الطبيعية([xxx]) , وهذه القوانين والضوابط تمثل منطق انتظامها في الوجود([xxxi])  .
  والظواهر الاجتماعية ومنها ظاهرة التغيير تخضع لقوانين ثابتة حسب المنظور الخلدوني([xxxii]) حتى وان توالى عليها الكثير من التداخل والتشابك , إلا إنها تخضع لعناصر الثبات والتجديد (( وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر , إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال  من حال إلى حال ))([xxxiii]) , وهذا ما يجعل فهم ودراسة تلك الظواهر وضبط مجرياتها , والتنبؤ باتجاهاتها , أموراً ممكنة في الغالب للدارسين والسياسيين على حد سواء([xxxiv])  .
  أبرز ابن خلدون منهجاً جديداً في التعامل مع الأحداث التاريخية والوقائع السياسية , إذ قام عن وعي وتأمل وتفكير بتجريد هذه الأحداث والوقائع كآلية لتفسير أحداث التاريخ  , وهو يؤكد على حتمية تبدل أحوال الأمم عبر التاريخ (( ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام ))([xxxv])  .
   وهنا أعطى ابن خلدون الأولوية في أسباب التغيير إلى رأس الهرم في السلطة ( الحاكم ) أيًّاً كان  نوع حكمه , أو سياسته , بقوله:(( والسبب الشائع في تبدل الأحوال والعوائد أن كل جيل تابعٌ لعوائد سلطانه ))([xxxvi]) , ولتأكيد قوله نقل الحكمة المعروفة والمتداولة (( الناس على دين الملك ))([xxxvii])  .
    هذا التصدير الدقيق الذي رسمه للظواهر الاجتماعية , ولاسيما صيرورة المجتمع وتغيره , يبين لنا أن القوانين التي انتهى إليها ابن خلدون والتي تتحكم بتغير المجتمع وتحوله هي القوانين البايلوجية نفسها التي يخضع لها الكائن الحي , حتى أنه حدد عمر الدولة بمائة وعشرون سنة , كما يظهر ذلك من سياق قوله:(( وأما أعمار الدول أيضاً وإن كانت تختلف بحسب القرانات إلا أن الدولة في الغالب لا تغدو أعمار ثلاثة أجيال , والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط , فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته ))([xxxviii]) .
   وهنا ينطلق أبن خلدون في تحديد ظاهرة التغيير من منطلق ( الحتمية التاريخية ) لذا فأنه يرى أن الظواهر الاجتماعية ومنها ظاهرة التغيير , لا تشذ عن ظواهر الكون الأخرى , كظواهر الفلك والفيزياء والكيمياء والنبات([xxxix]) , ومن ثم رأى أنه من الواجب أن تدرس دراسة وضعية كما تدرس ظواهر العلوم الأخرى للوقوف على طبيعتها وما يحكمها من قوانين([xl]) . إن أهمية الطرح الخلدوني في هذا المجال كونه ينطوي على نظرة فلسفية , كما يرى ساطع الحصري , لأنها تقرر أن الدولة كائن حي يتغير على الدوام وفق نظام ثابت كما تتطور جميع الكائنات الحية([xli])  .   
    هذا المنطلق الحتمي في هذا الصدد والنظرية التي يتبعها ابن خلدون على هذا المنوال , طريفة ورائدة , قياساً بالمرحلة التاريخية موضوع البحث , ولكي ندرك عظمة الانجاز العلمي الذي أبدعه ابن خلدون , ينبغي أن يفهم مستوى تفكير الناس في عصره([xlii]) .
   لا يكتفي ابن خلدون بذكر هذه القوانين التي تتحكم بسير المجتمع الإنساني , بل إنه يؤكد أن هناك تغيرات لاحقة سوف تظهر متوافقة مع زمانها ومكانها , منبهاً الباحثين من بعده على إكمال ما بدأ به , طالباً منهم أن يصححوا الأخطاء التي وقع فيها (( وإن فآتني شيء في إحصائه واشتبهت بغيره فللناظر المحقق إصلاحه ولي الفضل لأني نهجت له السبيل وأوضحت له الطريق ))([xliii])  .
    لقد أعلن ابن خلدون أن له شرف الريادة في دراسة الظواهر الاجتماعية , مبيناً أنه تحدث عنها بالتفصيل (( ولم أترك شيئاً في أولية الأجيال والدول , وتعاصر الأمم الأول , وأسباب التصرف والحول([xliv]) , في القرون الخالية والملل , وما يعرض في العمران من دولة وملة , ومدينة وحلة , وعزة وذلة , وكثرة وقلة ))([xlv])  .
   تقوم إستراتيجية ابن خلدون في دراساته السوسيولوجية على لَحْظ ظواهر الاجتماع الإنساني من  خلال معايشته للأقوام التي احتك بها , أو درس حياتها في التاريخ, وتعقب أشباهها ونظائرها في تاريخ الشعوب التي لم يتسن له العيش مع أهلها , كما أشار إلى ذلك في كتاب المقدمة بقوله : (( ولما طالعت كتب القوم , وسبرت غور الأمس واليوم , نبهتُ عين القريحة من سنة الغفلة والنوم , وسمت التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم ))([xlvi])  , ثم الموازنة بين هذه الظواهر جميعاً والتأمل في مختلف شؤونها للوقوف على طبائعها وعناصرها الذاتية([xlvii]) , والانتهاء من هذه الملاحظات جميعها , إلى استخلاص القوانين الحتمية التي تخضع لها هذه المجتمعات في تطورها وتغيرها باستمرار  .
  وتجدر الإشارة هنا , إلى أن التنظير الخلدوني في دراسته السوسيولوجية لحتمية التغيير , والمستوحاة من التجربة الذاتية والموضوعية التي سطرها في بعض فصول كتاب المقدمة , مثل ظاهرة انتقال المجتمع من حال إلى حال وما يترتب على ذلك من آثار , هي الفكرة نفسها التي ما تزال قائمة في مجتمعنا العربي المعاصر([xlviii]) , ولاسيما ظاهرة التغيير التي حدثت في بعض أقطاره عام 2011م وأطلق عليها ( الربيع العربي ) ومن ثم فإن الإشكالية النظرية التي عالج بها ابن خلدون الظواهر الاجتماعية , تحت ضغط ذلك الواقع الذي عاشه العرب في ذلك العصر , ما زالت تعيش بصورة أو أخرى داخل إشكالية الفكر العربي الراهن([xlix]) .
   لا يخفي ابن خلدون , في دراسته ظاهرة التغيير , تأكيد حتميتها , وأنها لا تأتي من فراغ , وهو المفكر الذي أراد بأسلوبه العلمي , الفلسفي القائم على السببية واعتماد المنطق التجريبي , سواء كانت هذه الظاهرة مجرد عادة جارية بأذن الله , أو كانت متركزة في طبيعة الأشياء([l]) . أما المنهج الموصل لكشف العلاقة السببية في دراسة الظاهرة الاجتماعية فإنها تكون من خلال المعاينة والتجربة والاستقراء والمقارنة([li])  .
   وابن خلدون في محاولته فهم الديناميكية التاريخية والجدلية المادية , يعد أحد رواد الفلسفة الديالتيكية , التي سبقت محاولات الفيلسوف الفرنسي ديكارت ( 1596- 1650م )([lii]) , ويرجح الدكتور علي الوردي أسباب الطفرة النوعية والإبداع الفكري الذي جاء به ابن خلدون إلى تحرره من المنطق القديم منطق المفكرين السابقين له , أمثال الفارابي وأبن سينا وأبن رشد وأبن طفيل , وأنه اتخذ في دراسته منهجاً جديداً([liii])  .
   تشمل أفكار ابن خلدون الكثير من النظريات السوسيولوجية , التي حاول بلورتها في ضوء معرفته الواسعة في شؤون المجتمع البشري , والقوانين التي يخضع لها في تغيره , وجعلها أساساً لكثير من محاولاته لتحليل الظواهر الاجتماعية([liv]) , ومنها ظاهرة التغيير , وتبدل أحوال المجتمع , بتبدل الأزمنة والعصور([lv])  .
   ويبدو لنا أن ابن خلدون قد انتبه على العوامل والأسباب التي تؤدي إلى التغيير , فلمس مفاتيح هذه الظاهرة , وبين  خفاياها , وألقى الأضواء عليها , ونحن نقرأ فيها تحذيراً من أن الترف وظلم الرعية وجبروت الحاكم وسوء الإدارة , وأخذ أموال الناس بالقوة , وتجنب العدالة في توزيع الثروات كلها أسباب تؤدي إلى التغيير([lvi])  .
  ومن نافلة القول أن فهم حتمية التغيير عند ابن خلدون لا يكتمل دون ربط هذه الحتمية بأساسها القبلي , لأنه لا معنى للنشأة ومراحل التغيير التي تمر بها الدولة – حسب المنظور الخلدوني – دون الرجوع إلى الأساس الذي نشأت فيه ومنه الدولة([lvii]) , ومن المعروف أن دراسة ابن خلدون لقيام الدولة يرجع إلى وجود العصبية القبلية التي تتحكم بالتغيير وقيام الدولة   .
   والجديد في التنظير الخلدوني هو دراسته للظواهر السوسيولوجية ضمن قوانين تتحكم بها ولا تخرج عنها , وأن هذه القوانين خاضعة للأدوار التي يقوم بها أفراد المجتمع(( وكأن هذا علم مستقل بنفسه . فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني , وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى . وهذا شأن كل علم من العلوم وضعياً كان أم عقلياً ))([lviii]) .
   ومن المسائل التي عرض لها ابن خلدون بالدراسة والتحليل والاستنباط والاستنتاج ( ظاهرة التغيير ) مبيناً أنها خاضعة للحتمية التاريخية , وأنها ليست ظاهرة عرضية , إنما تسير وفق قوانين تتحكم بها , يظهر ذلك من سياق قوله:(( ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الأعصار ومرور الأيام , وهو داء دوي شديد الخفاء , إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة , وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال ))([lix])  . 
لقد كان ابن خلدون شديد الثقة في مبدأ جبرية الظواهر الاجتماعية وحتمية وقوعها([lx]) , لأن هذه الظواهر وحسب رأيه ليست نتيجة الصدفة البحتة , أو أنها خاضعة لإرادة أفراد المجتمع ورغباتهم , ولكنها نتيجة قواعد وقوانين ثابتة([lxi]) . من هنا ذهب أحد الباحثين إلى القول أن ابن خلدون توصل إلى الاقتناع بأن ظاهرة التغيير ليست أمراً عرضياً , وإنما هي أمر محتوم([lxii])   
مواضيع ذات صلة 
 

عصر ابن خلدون
مقدمة ابن خلدون
في اي فترة عاش ابن خلدون ضربة معلم
ibn khaldoun
مؤلفات ابن خلدون
كتب ابن خلدون
بحث عن ابن خلدون
من هو ابن خلدون
ابن خلدون اقوال




[i] - المقدمة , ص49 . 
[ii]-  فاطمة بدوي : المرجع السابق , ص100 ,
[iii] - محمد عابد الجابري : نحن والتراث , دار الطليعة ( بيروت / 1980م ) ص19 .
[iv] - مجلة العربي الكويتية , العدد (635) تشرين الأول / 2011م , ص92 ,
[v] - غاستون بوتول : ابن خلدون فلسفته الاجتماعية , ترجمة : غنيم عبدون ومصطفى فودة , المؤسسة المصرية العامة (القاهرة / لا .ت )  ص 68 .
[vi] - المرجع نفسه , ص 69 .
[vii] - ساطع الحصري : دراسات في مقدمة ابن خلدون , مطبعة المثنى , ( بغداد / 1961م ) ص74 ؛ جوستون بوتول : ابن خلدون , ص10 .
[viii] - هاشم يحيى الملاح : الوسيط في فلسفة التاريخ , دار الكتب العلمية , ط1 ( بيروت / 2007م ) ص171 .
[ix] - المقدمة , ص49 .
[x] - محمد فاروق النبهان : حركة التاريخ من البداوة إلى الحضارة , بحث منشور في مجلة الفيصل , إصدار دار الفيصل الثقافية , الرياض , آذار / 1986م  , العدد (109)   , ص40 .
[xi] - المقدمة , ص320 . 
[xii] - الفصل الرابع عشر , ص189 .
[xiii] - ص189 .
[xiv] - المقدمة , ص55 .
[xv] - ملحم قربان : خلدونيات , قوانين خلدونية , المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر , ط1 ( بيروت / 1984م ) , ص179 .
[xvi] - عبد السلام المسدي : الأسس الاختبارية في نظرية المعرفة عند ابن خلدون , بحث منشور في مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانية , العدد (16) تموز – آب / 1980م , ص19 .
[xvii] - المقدمة , ص195 .
[xviii] - المصدر نفسه , ص165 .
[xix] - المصدر نفسه , ص165 .
[xx]- المصدر نفسه , ص169 .  
[xxi] - المصدر نفسه , ص45 .
[xxii] - الظاهرة الاجتماعية : هي النظم والقواعد والاتجاهات العامة , التي يشترك في إتباعها أفراد مجتمع ما  , ويتخذونها أساساً لتنظيم حياتهم العامة وتنسيق العلاقات التي تربط بعضهم ببعض , والتي تربطهم بغيرهم ( علي عبد الواحد وافي : ابن خلدون أول مؤسس لعلم الاجتماع , مهرجان ابن خلدون , القاهرة / 1962م , ص64 ) . 
[xxiii] - علي عبد الواحد وافي : علم الاجتماع , مكتبة نهضة مصر ( القاهرة / لا.ت ) ص67 .
[xxiv] - المقدمة , ص53 . 
[xxv] - ص191 .
[xxvi] - المقدمة , ص191 .
[xxvii] - ناصيف نصار : الفكر الواقعي عند ابن خلدون , دار الطليعة للطباعة ( بيروت /1981م ) ص299 .
[xxviii] - المرجع نفسه , ص299 .
[xxix] - ايف لاكوست : العلامة ابن خلدون , ترجمة : ميشال سليمان , دار ابن خلدون للطباعة ( بيروت / 1974م ) ص155 .
[xxx] - عبد السلام المسدي : المرجع السابق , ص19 .
[xxxi] - المرجع نفسه , ص19 .
[xxxii] - المقدمة  , 189 .
[xxxiii] - المصدر نفسه , ص44 .
[xxxiv] - إبراهيم عثمان وسالم ساري : نظريات في علم الاجتماع , الشركة العربية للتسويق  والتوريد , ط1 ( القاهرة / 2010م )  ص4 .
[xxxv] - المقدمة , ص44 .
[xxxvi] - المصدر نفسه , ص45 .
[xxxvii] - المصدر نفسه , ص45 .
[xxxviii] - المصدر نفسه , ص 189 .
[xxxix] - علي عبد الواحد وافي : ابن خلدون منشئ علم الاجتماع , مكتبة نهضة مصر ( القاهرة / لا.ت ) ص67 .
[xl] - المرجع نفسه , ص103 .
[xli] - دراسات عن مقدمة ابن خلدون , ص361 .
[xlii] - علي أومليل : الإسلام والحداثة والاجتماع السياسي , مركز دراسات الوحدة العربية , ط1 ( بيروت / 2004م ) ص135 .
[xliii] - المقدمة , ص58 .
[xliv] - الحول : التحول والتغيير (المقدمة ص19 , هامش 3 ) .
[xlv] - المقدمة , ص19 .
[xlvi] - ص17 .
[xlvii] - علي عبد الواحد وافي : علم الاجتماع , ص81 .
[xlviii] - هاشم يحيى الملاح : الحضارة الإسلامية وآفاق المستقبل , دار الكتب العلمية , ط1 ( بيروت / 2010م )  ص252 .
[xlix] - محمد عابد الجابري : نحن والتراث , ص392 .
[l] - فاطمة بدوي : المرجع السابق , ص92 .
[li] - المرجع نفسه , ص92 .
[lii] - إبراهيم عثمان وسالم ساري : المرجع السابق , ص46 .
[liii] - منطق ابن خلدون , ص13 .
[liv] - نخبة من الأساتذة المصريين والعرب : معجم العلوم الاجتماعية , تصدير ومراجعة : إبراهيم مدكور , الهيئة المصرية العامة للكتاب ( القاهرة / 1975م ) ص609 .
[lv] - المقدمة , ص 166 .
[lvi] - سوف نتكلم بالتفصيل في الصفحات القادمة , عن أسباب وعوامل التغيير , حسب رؤية ابن خلدون السوسيولوجية .
[lvii] - علي أومليل : مصادر التنظير عند ابن خلدون , بحث منشور في مجلة الفكر العربي , العدد (16) تموز / 1980, ص86 .
[lviii] - المقدمة , ص56 .
[lix] - المصدر نفسه , ص44 . 
[lx] - محمد عبد المنعم نور : ابن خلدون كمفكر عربي , بحث منشور في أعمال مهرجان ابن خلدون ( القاهرة / 1962م ) ص86 . 
[lxi] - المرجع نفسه , ص86 .
[lxii] - ايف لاكوست : المرجع السابق , ص155 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق