السبت، 15 أبريل، 2017

صورة المدينة و التراث في الماضي عند زكريا تامر

صورة المدينة الماضي عند زكريا تامر
تناول زكريا المدينة في الماضي كما تناولها في الحاضر ؛ وذلك في محاولة لإيجاد صورة حقيقية مضيئة ترضي طبيعة أبطاله ونفسيتهم لكنه عبثاً يحاول نبش الماضي لأنه لم يعثر على مدينته كما لم يعثر عليها في الحاضر "وكان هناك باب كبير من أبواب المدينة، باب قديم كان يغلق فيما مضى من الليالي ليحمي المدينة من أعدائها " ( )، "وكان الباب فيما مضى قسماً من سور حجري شاهق، يطوق منازل المدينة ويحميها من الأعداء، ولقد فتح الباب مرات عديدة، والآن لم يبق سوى أطلال مبعثرة، وظل الباب مفتوحاً"( ).
فمن أهم سمات المدن القديمة: الحصانة إذ تملك المدن الصغيرة سوراً عظيماً يحميها من الأعداء، وذلك لوعي أهلها وإدراكهم مدى شدة الخطر الخارجي وقسوته، لكننا اليوم لم نعد نرى ذلك لذا سهل على الأعداء اغتصاب المدن وتشويه صفائها.
" وكان ثمة مدينة صغيرة بلا أسوار، أهلها يؤمنون بأن الله موجود في كل مكان... وكان أهل المدينة مغرمين بالنراجيل.... ولم تجد جيوش جنكيز

خان صعوبة كبرى في اقتحام المدينة... واستعاد أهل المدينة حبهم للنراجيل والدربكة، والحديث عن الله الموجود في كل مكان"( ).
تمتاز مدينة الماضي أيضاً بصغر الحجم الذي يوحي بالبساطة ويخلو من التعقيد العصري الذي ينبذه أهل المدن. وهي مدينة تثير الذكريات البريئة المغلفة بجمال الطبيعة، وبساطة الناس " كان في قديم الزمان، مدينة صغيرة ينبت وسط حقول فسيحة خضراء يرويها نهر سخي المياه. وكان ناسها جميعاً يحملون في جيوبهم قطعاً من الورق السميك كتب على كل منها اسم من الأسماء.... " ( ).
لقد صرح زكريا باسم مدينته الصغيرة إنها دمشق الوديعة المنيعة التي انهارت أمام الأعداء " حكي عن دمشق أنها كانت في قديم الزمان سيفاً أرغم على العيش سجيناً في غمده، وكانت طفلة تثقل الأصفاد خطوتها. وكان ياسمينها ينبت خفية في المقابر مرتدياً أكثر الثياب حلكة، فلما علم أعداؤها بأحوالها سارت إليها جيوشهم، وبنت حول أسوارها سوراً من قتلة، لا يعرفون النوم فعم دمشق الذعر والارتباك والسخط، وتراكض أهلها وتحلقوا حول قصر ملكهم صراخاً مضطرباً مستغيثاً...." ( ).
فما زال الظلم يحدق بدمشق النائمة الرازحة تحت حكم مستبد وما زالت صورة الماضي الجريح تنزف حتى هذا اليوم " أقبلت الاستغاثة ليلاً إلى  دمشق النائمة طفلة مقطوعة الرأس واليدين، وتراباً يحترق، وطيوراً تودع أجنحتها السماء، غير أن أهل دمشق كانوا نياماً، فلم يسمع الاستغاثة سوى تمثل من نحاس لرجل يشهر سيفاً...." وفي نهاية القصة يقول:
 " وأغمض يوسف العظمة عينه، وأحس بأن شرايينه تمتلك آلاف الأجنحة التواقة إلى  فضاء رحب، فأطلق استغاثة، التقت بالاستغاثة الآتية من أرض


يحتلها الأعداء، وامتزجنا في صراخ مديد تبدد في ظلمة الليل المهيمن على دمشق النائمة" ( ). وما زالت حتى الحاضر نائمة لا تسمع الاستغاثة التي تهز عظام الأجداد.
إن الاتكاء على نماذج بطولية من التاريخ وقمعها والاعتماد على تشويه لصوره الطفولة المقطوعة الرأس وخلاف ذلك من صور دموية شرسة لتعكس  بشاعة الوضع كل ذلك نتيجة بركان من آلاهات المحترقة داخل إنسان فتته التشرد. فالزمان بماضيه وحاضره غير قادر على خلق أمن وطمأنينة لمدينة مسالمة، إنها المدينة التي ضاعت عبر التاريخ سلباً واغتصاباً، واليوم يشتد ضياعها أكثر فتجعل متنفسها تعذيب ساكنيها وتجريدهم من إنسانيتهم، وذلك حتى يستمر الغيثان بين دوائر الحلقة المفرغة (الزمان – والمكان).
يحلق عباس في السماء، ناظراً إلى  مدينته الصغيرة في الأسفل فرأى مدينته التي ولد فيها صغيرة تتحلق حولها حقول خضراء، فغمره حنان جارف، فانحدر نحو مدينته بلهفة، وحلق فوق بيوتها، يرتجف في شرايينه حب عميق، ورغبة في بكاء حار، وبغتة دوى طلق ناري منبثقاً من المدينة، واخترق رأس عباس الذي شهق برعب ودهشة، ثم هوى إلى  أسفل"( ).
بذلك تبقى مشاعر الحب والحنين تغمر أفراد زكريا نحو مدينتهم رغم قسوتها عليهم إلا أن هذه المحبة لا تجد طريقها، فتموت حيثما نشأت، وتذبل كل الورود قبل أن ترى النور.
المدينة الرؤيا:
لم ينجح البطل في استدرار الأمن والسلامة من المدينة الماضي ولم تسعفه الذكريات كي يستعيد ثقته بنفسه، لذا لم يجد مناصاً من البحث عن البديل إنها المدينة الجديدة (الرؤيا)، سيبدأ بطل زكريا في محاولة إصلاح


الحاضر فهل يستطيع ؟ سيهدم المعامل التي قتلت إنسانيته وحولته إلى  جزء من الآلة وسيتسلق قمة الجبل يزيل الغشاوة عن حقيقة المدينة الزائفة أو ربما مدينة أفضل (المدينة الفاضلة)، وربما في صعوده لقمة الجبل تعبير عن استعلائه على مدينته تلك وسحقه لها تحت قدميه.
سيصنع مدينة، سيرسمها في خياله ويسافر عبرها، سيرحل وسيضنيه البحث عن مدينة جديدة تحمل رؤاه وتعبر عن وجوده... لكنه في النهاية سيعود ؟! " ليعيش البشر ببراءة، تنقذ مدينتي من تعاسة متوحشة" ( ).
ويزداد الشعور بضرورة رفض واقع المدينة الذي يعمق غربته في وطنه، سيبحث عن الحل أينما كان، " لقد أضاع بدوي خيمته، وها هو الآن في مدينة جاثمة تحت أقدام جبل. يوسف يتسلق الجبل سيصعد الجب حتى قمته"( ) كما " عاش محمد أعواماً مديدة في مدينة صغيرة تقبع بذل عند أقدام جبل شاهق.... وكانت سماء المدينة سوداء لا تملك قمراً وشمساً ونجوماً... وأخذ محمد يتجول في جنبات الغرفة... وتخيل فجأة جبل مدينته الشامخ، محمد سيتسلقه... سيبلغ ذروته التي لم تطأها قد إنسان..... سيستنشق هواء القمة.... وستكون مدينته مستسلمة لنظرته المفترسة.... ستكون عندئذٍ كدمية مهشمة"( ).
إنه يحلم بأن يحقق تغييراً ما، ربما يحمل سعادته " سأحول المدينة إلى  قرية كبيرة محاطة من كل جانب بحقول خضراء ممتدة إلى  ما لا نهاية وسيكون لهذه القرية مساحة فسيحة جداً، سيجتمع فها كل مساء جميع السكان.... وسيشعر أصحابها أثناء الغناء بأنهم أخوة.... وبأن الحياة مليئة بالمسرات المختبئة.... سيتحولون إلى  أطفال كبار يعيشون بسعادة وسلام"( ).

لكن هذه الصورة ليست نهائية مطلقة، بل تتعدد الرؤى، وتمتزج مشاعر النقمة بالحب، وذلك تبعاً لانعكاسات نفسية الشخصيات ومدى تعرضها للعامل سلباً وإيجاباً، وغالباً ما يعكس الحلم مشاعر البطل في لحظة مأزومة، ويمكن القول بأن هذه الرؤية تحاكي رؤية الرومانسيين للعالم الجميل المسالم، فيبتعدون عن الضوضاء والصخب ويحملون بقرية مليئة بالخضرة، وغالباً ما يتمنون الانفراد بهذا العالم لجميل والبعد عن البشر " كنت أحلم بأن أغدو ملكاً.... وأنا ما زلت أتمنى بأن أصبح ملكاً في مدينة ناسها من حجر" ( ).
ولكن ما عادت الأحلام والرؤى الرومانسية بقادرة على تغيير المدينة، تغييراً يحقق سعادة الإنسان الذي يعاني من صراعات قاتلة مدمرة لذا سيتقدم في أحلامه نحو الرفض، سيحلم بالرحيل لعله يكون المعادل الحقيقي لسعادة الإنسان، " وتنهدت بارتياح ثم أغمضت عيني، وعدت أحلم بالرحيل إلى  مدينة شنقت الجوع والكآبة والضجر..." ( ).
وفي محاولته لإيجاد معنى لوجوده، يلجأ إلى  الرحيل لعله يعثر على مدينة تعطي معنى لوجوده " آه ما أجمل الحياة هناك في تلك المدينة.... سأرحل في يوم لابد من مقدمه، وسأترك خلفي مدينتي المكتظة بالجيف المتحركة"( ) ويقول في موضع آخر " ولكنني سأكون سعيداً لأني سأشاهد وجوهاً ومدناً جديدة... ربما عثرت أثناء طوافي على مدينتي التي أحلم دوماً بإمكان وجودها، مدينة من نوع جديد، غريب، شنقت الجوع والكآبة والضجر... لا تاريخ لها... أيامها تمر بلا أسماء، والسماء، والقمر والربيع، والنهار.... كل هذه العناصر طليقة حرة "( ).
من خلال هذه النماذج يتضح لنا كم يرنو بطل زكريا إلى  الحرية المطلقة

والحياة الخالية من كل زيف. غير المرهونة بزمان محدد ولا هوية واضحة، فعلى الإنسان أن يسعد بحياته كإنسان بعيداً عن الزيف والقمع، والتسلط، لذا نادته الحرية المطلقة وناداه الأفق وها هو يتقدم للرحيل " غير أن البراري الخضراء التي لا أفق لها كانت تناديني بشوق، تنادي الرجل المتعب وجواده"( ).
لقد ناداه الأفق منذ المجموعة الأولى، فالبطل واحد في مختلف المجموعات ولو اختلفت المسميات. وغادر البيت " وغادر البيت وتحول إلى  متشرد يذرع الأرض. وفي اليوم السابع بلغ مدينة حجرية المباني، وكان ناسها جميعاً من خشب.... ونعب الغراب وتجول الرجل حزيناً في طرقات المدينة الصامتة، بينما كان الغراب يتبعه بإصرار... "( ) وتمكن بعد ذلك من إنقاذ هذه المدينة  من الساحرة الشريرة التي حولت كل ما فيها إلى  خشب ولكن لم يأبه له أحد، ولم تمتد يد لمصافحته، وافترسته وحشة شرسة فغادر المدينة حزيناً، فكل المدن مثل مدينته، جامدة ناكرة للجميل لكن سيكمل المشوار لعله يجد مدينته الأمل " لن أموت سأمشي وحيداً في المدن المقفرة... وقصدت المدينة الكبيرة، وأنا متلهف لرؤيتها وقد وجدتها ذات شوارع عريضة... أحسست وأنا أرمقها بضآلة عجيبة "( ).
وما زال بطل زكريا يفتش عن مدينته (نفسه المفقودة) إنه يفتش عن أجنحته التي سرقتها المدن ولن يعيدها أحد سوى البحر " الأمل". إلا أنه بدأ يشعر بحقيقة نفسه الممزقة " فصدمتني في البدء نظرة عيني الباردة المظلمة، ولكني سرعان ما شعرت بأنها منبثقة من صميمي... أنا النظرة الباردة المظلمة، البحر بعيد... وأنا متعب.. سأعود إلى  البيت"( ).
لقد أصناه البحث عن المدينة الفاضلة (البحر) فانبثقت النظرة البادرة من داخله، لذا لن يكمل مسيرة الترحال والبحث المضني ويكفيه أنه اكتشف حقيقة كل المدن، فعاد أدراجه...

" ها هي مدينتي متسولة نائمة... وقد التقيت برجل مذعور أنبأني بأن مدينتي غزاها رجال غرباء قساة، ونصحني بالابتعاد عنها، ولكن حنيني إليها كان أقوى من أي رعب... ها هي مدينتي المتسولة النائمة، ميت ربيع حقولها الأخضر....." ( ).
إن عودة المتشرد إلى  مدينته المغتصبة بعد طول غياب بحثاً عن الأمل جعله يكتشف حبه وصدق حبه لمدينته، وربما أنه لو لم يهجر مدينته لما استطاع الأعداء اقتحامها. ورغم أحلامه الوردية بقرية كبيرة إلا أنه ابن المدينة الكبيرة والتي ولد فيها، وسيظل مشدوداً إليها حتى الموت، لأنها قدره الذي لا يستطيع مقاومته، كما أنها رمز الاستسلام وعدم الرغبة في إحداث التغيير. فالشعور بالضياع والغربة أمر يلازم البطل حتى يفقده إنسانيته ووجوده ويتيه في خضم هذه الحياة. يمارس ألوان القمع على الأبناء والمرأة والحيوانات بروح سادية شرسة.
الموقف من التراث:
التراث هو ماضي الثقافة الإنسانية، سواء أكان على صعيد الفن، أو الأدب، أو الفلسفة، أم على الصعيد الاجتماعي المتمثل بالعادات والتقاليد، والتراث بمعنى أشمل: هو التركة الفكرية، والروحية التي يتناقلها جيل عن حيل( ).
ويعد التراث مصدراً أساسياً من مصادر الإبداع والنشاط الفكري في الحياة الإنسانية، كما لا يتحقق وجود أمة من الأمم دون أن تتواصل مع تراثها، إما محاورة، أو مجابهة، أو حتى ثورة عليه( ).

وقد استعان الأدباء العرب بالتراث الإنساني بعامة والعربي بخاصة وتمسكوا بع في أثناء وقوع الأمة تحت خطر يهدد كيانها، وقد كثرت الدراسات التي تناولت قضية التراث في الأدب العربي في فترة السبعينات، والتي تعد فترة التحديثات أمام المتغيرات التقنية والسياسية، يقول محي الدين صبحي: " إن مسألة التاريخ العربي والرجوع إلى  أحداثه تشكل أحد الخطوة الرئيسة في ملامح أدب السبعينات"( )، حيث كثر استخدام الرموز التراثية بعد حرب 1967، لما أحدثه هذا التاريخ من تغير في حياة المواطن العربي.
وتعود أسباب العودة إلى  الموروث إلى  غنى الإمكانات التي يتمتع بها التراث، وبسبب اكتسابه لوناً من القداسة في نفوس الأمة، ووجداناتها فيضفي الأديب نوعاً من الأصالة الفنية على أدبه ( ). وبسبب من الغربة النابعة من شعور الأديب بما يسود العالم من زيف وتعقيد وتصنع تجعله قانعاً بالارتداد نحو الموروث القديم كي ينهل منه ما يريد فيتكئ على الرمز التاريخي لا ليقوله، بل ليضيء من خلاله العصر بالخوف والحروب والجوع، والمشبع بالنضال في سبيل الحرية والكرامة الإنسانية ( ).
ان العلاقة بين الأدب والتراث علاقة جدلية بحتة فلا يقبل الأديب التراث كله، ولا يرفضه كله، بل يم تفاعل وتجاذب بينهما حتى ينتج الأدب الأصيل، الذي فجر الطاقات الكامنة في النصوص التراثية وتم توظيفها حسب موقف الأديب الشعوري ( ).

لقد استلهم زكريا تامر المضامين التراثية المختلفة فاتكأ على الموروث التاريخي تارة، والأدبي تارة أخرى، وكذلك الموروث الشعبي في بعض الأحيان، فوظف رموزاً مفردة ثائرة ومتمردة مستمدة من التاريخ العربي الإسلامي جاءت من خلال وعيه للماضي – إذا اشتعلت الفكرة في ذهنه وكانت نواة قصصه ومقالاته المشبعة بالنفس التراثي – وفهمه للحاضر واستشرافه للمستقبل. وسنتناول بشيء من التفصيل هذه المضامين:
 الموروث التاريخي:
إن اشتداد تناقضات هذا العصر، وسياسات القمع والانهزام الممارس على الشعوب، جعل أدباءنا يفكرون باستعارة شخصيات تاريخية ينطقونها من خلال الواقع، فمنهم من استنجد بها ومنهم من نسف الحاضر من خلالها ومنهم من رصد إمكانية تعايشها مع الحاضر، لو قدر لها ذلك. ( )
اختبأ زكريا خلف بعض الشخصيات ليعبر عن موقف يريده، محاكماً نقائض العصر الحديث من خلالها، فعبر عن كثير من القضايا المصيرية المعاصرة وعن الغربة التي يعيشها الإنسان العربي مقنعاً بعمر(1) المختار وطارق بن زياد، ويوسف العظمة وغيرهم.
ولم يهتم زكريا بالتحقيق التاريخي للشخصيات المنتخبة وذلك لأن الأهمية – في رأيه- لا تقع على بعث الماضي، بقدر ما تقع على إمكانية محاكمتها في ضوء المفاهيم العربية المعاصرة، وغالباً ما يتهاوى الماضي بشخصياته أمام تأزم الحاضر وبيروقراطيته.
كما أن تعامل زكريا مع التاريخ جاء على أساس الاستمرارية، فاستطاع أن يدمج القديم في روح العصر دون قيود الدلالات التاريخية، فيقبض على طارق بن زياد، وعمر الخيام، ويوسف العظمة، ليعيد محاكمتهم من
جديد ويلغي الفواصل بين الماضي والحاضر، والحياة والموت ليسلط


الضوء على حجم التناقض بين المثل والأحزان، والصمود والاستسلام فيكشف عن أخلاق الواقع وانتهازيته( )، وبذلك، تندمج الرؤى القديمة ببطولاتها بالرؤى المعاصرة وزيفها، ويتداخلان حتى يصبحا جسماً واحداً فتعيش القصة بقناعها الماضي والحاضر معاً لتنتج صوتاً ثالثاً يكون هو صوت المستقبل واستشرافه.
ويمثل طارق بن زياد في قصة " الذي أحرق السفن" أمام المحقق بتهمة تبديد أموال الدولة لأنه أحرق السفن، فيدافع طارق عن ذلك بأن حرق السفن كان لا بد منه لكسب النصر، إلا أن طارقاً لم يعرف بأن النصر ما عاد يهم المحقق والأهم من ذلك هو الإذن بحرقها، إذ لم يحصل طارق على إذن من رؤسائه بحرق السفن، فتثبت خيانته وينفذ حكم الإعدام( ).
لقد انتفى الهدف من المضمون وتحول العالم المعاصر إلى  روتين، ويقول أحمد محمد عطية بأن هذه القصة قد كتبت بعد مأساة 1967 التي وقعت بسبب عدم وجود أمر للقواد باستعمال الأسلحة( ).
لقد تقنع زكريا بطارق بن زياد، كي يسلط الضوء على مأساة العصر الحديث بواقعة السياسي المستبد وبيروقراطيته القاتلة، فخرج طارق بن زياد من قبره كي يعترض على فساد المجتمع والسلطة والإدارة فصاح بنزق: " حملتهم السلاح وجلستهم وراء المكاتب تحتسون الشاي والقهوة، وتتحدثون عن الوطن والنساء"( ).
وتحكي قصة " الاستغاثة" حكاية تمثال يوسف العظمة( ) الذي دبت

فيه الحياة  حال سماعه استغاثة تجلجل في سماء دمشق، ويدور حوار لاذع ساخر بينه وبين الحارس الليلي الذي يستوقفه مستغرباً كونه يحمل سيفاً، كما يستخف الحارس بيوسف العظمة عندما يخبره بأنه وزير الدفاع قائلاً: "الوزير لا يمشي في آخر الليل كالشحاذ، بل يركب سيارة طويلة عريضة والوزير لا يحمل سلاحاً بل يرافقه دائماً شرطي مسلح بمسدس" ( ). ويتعاظم حوار المتناقضات حتى ينتهي المطاف بيوسف المعاصر إلى  مستشفى المجانين. بذلك نجد أنفسنا أما رؤى متباينة تجمع الزمانين (الماضي والحاضر) فميسلون زمن مضاد لحزيران بمعنى من المعاني وفي هذا القناع بيان إلى  أنه لا يمكن أن ينسجم الماضي ببطولاته، مع الحاضر بانهزاماته، كما أن الواقع المر لا يمكن ن يفهم بطولات الماضي إلا على أساس من التمرد والعصيان والفوضى.
وفي قصة الجريمة، يتقن زكريا بشخصية سليمان الحلبي قاتل الجنرال كليبر صبيحة 14 حزيران عام 1800( )، فيستعير من هذه الحادثة الشخصية وحسب، كي يطعمها بحادثة عصرية خاصة تساهم في إدانة الواقع، إذا كان سليمان الحلبي رجلاً بسيطاً يعيش مع أسرته بهدوء وسلام إلا أنه اقتيد بتهمة أنه رأى في المنام (لاحظ التهكم) أنه يقتل الجنرال كليبر حتى إن أمه وأباه وأخته قد شهدوا عليه بهذا الجر م، إلا أن سليمان الحلبي ينكر جريمته تلك.
لقد أنكر سليمان الحلبي جريمته لأن المجتمع هو الذي اضطره لذلك وأن حياته أصبحت مستحيلة في خضم المطاردات على قاعدة زكريا الوجودية القائلة " لماذا ولدت ما دمت بريئاً، أنت مجرم وكنا نراقبك منذ أمد طويل" وتتضح بذلك طبيعة هذا الواقع الذي يدفع الأبطال إلى  التخلي عن بطولاتهم،

كما لا يمكن لهذا الواقع أن يعطي فرصة نضالية كهذه لأي فرد من الأفراد تراوده نفسه بعمل أمر ما، عندها سيموت قبل أن يستيقظ من حلمه.
ويتدلى عمر المختار من أعواد المشنقة، منكساً الرأس، غير آبه للحارس المكلف بمراقبته، فيشنق الحارس دمية كانت بيد طفل صغير تعبيراً عن حنقه الداخلي، وتفريغاً لما بداخله من قمع وتمزق ن عندها يبكي عمر المختار بسبب طحن الإنسان الذي تحول إلى  آلة صماء قاتلة.
إن موت عمر المختار الحقيقي لم يمنع الشمس والأحلام عنه كما لم يمنع الناس أن تذكره وتذكر بطولته في حركة الجهاد الإسلامي لمقاومة الاستعمار، في حين أن موته أمام الحارس قد وارى الشمس عنه، لأن الأشياء الجميلة ماتت أمام القوى الظالمة.
إن عمر المختار تعبير عن العدالة المشنوقة أمام انهزام الإنسان، فمات وترك المشنقة ليبحث عن تربة يتوارى فيها عن بشاعة هذا العالم مبللاً بالدموع الحارقة ( ). بذلك يكون الواقع قد اغتال الذكريات الخالدة وواراها التراب.
وفي قصة " الطائر" تقنع زكريا بشخصية عباس بن فرناس الذي صنعت له قططه الثلاث أجنحة ليطير بها كي تسري عنه حزنه الشديد بسبب فشل حبه لنهلة، وبسبب جوعه الذي حوله إلى  ناقم مدمر لقد أسقط زكريا تامر على هذه الشخصية كل ذاتية الفرد الممزق، ومزج بين هاتين الشخصيتين لتتجسد رؤيته الناقمة على المجتمع.
لقد وظف عدداً غير قليل من الشخصيات التراثية ذات البطولات والانتصارات بأسلوب ساخر متهكم، كي يعكس سذاجة المجتمع وهشاشة بطولاته المصطنعة. فخالد بن الوليد يعلل أسباب بطولاته لملح أندروس الفوار الذي يشربه كل صباح ( ).
هذه نماذج من العلماء والأبطال، والمخترعين، تمثل الوجه المضيء في

تاريخنا إلا أن زكريا تامر كان قد سخرها عكسياً لتوليد نوع من المفارقة التصويرية بهدف إبراز التناقض الحاد بين روعة الماضي وتألقه، وظلام الحاضر وفساده.
ويبقى السؤال: لو قدر لهذه الشخصيات أن تعيش في زماننا هذا، هل تبدع كما أبدعت في الماضي ؟ لقد كشف زكريا عن الأطر والمفهومات الزائفة التي تحكم حياتنا الراهنة، والتي لو تحكمت في حياة من سبقونا لسحقتهم، وأهانتهم، وحرمتهم الحرية والمبادرة في الأزمات ؛ لأنها ليست سوى مزيد من القيود الخانقة للإبداع والفداء والمبادرة.
لم يقصر زكريا نماذجه على الجانب المضيء من التاريخ ببطولاته وتضحياته، بل تقنع بصور بعض الحكام والأمراء والقواد الذي يمثلون الوجه المظلم في التاريخ، سواء بسبب استبدادهم أو انحلالهم وفسادهم، ففي قصة " اللحى"( ) يتلاعب بالماضي والحاضر فيصور تيمورلنك ( ملك المغول وحفيد جنكيزخان الذي احتل العالم وصارع العثمانيين) ( ). شاباً صغير السن له عينا طفل وابتسامة عجوز، يكره إراقة الدماء، كما أنه لا يبغي ذهباً أو نساءً فيصوره على نقيض حقيقته المدمرة، إلا أنه لم يغير الجوهر ولو اختلفت المسميات، وذلك عندما احتل دمشق بالحيلة عام 03هـ، فهزم المماليك بدهائه وحيلته، وها هو ذا اليوم يهزم القائمين على دمشق " أصحاب اللحى" رمز الدين، الذين ربطوا وجود المدينة وحريتها بوجود لحاهم، لذا تفرقوا أيدي سبأ، واستطاع تيمورلنك أن يلطخ اللحى بالدماء.
وفي قصة جنكيز خان منشئ الإمبراطورية المغولية( ) يتعامل زكريا مع هذه الشخصية المستبدة المدمرة على أنها طاهرة في أصلها وترنو إلى  الصفاء والتطهر إلا أن قذارة الزمان تضطره لأن يقرض العالم قبل أن تقرض الجرذان

لحمه وذلك بعدما رأى – في الطريق – طفلاً مات جوعاً فقرضت الجرذان لحمه، لذا قرر – ببشاعة – ألا يموت جائعاً فلبس دروعه، ونظر إلى  العالم بتشف، وتخيل طوفاناً من الفولاذ المصهور يجتاح الأرض كلها( ).
الموروث الأدبي:
وكما وجد زكريا تامر في الموروث التاريخي – على الصعيد السياسي والعسكري والفكري – ما ينشد من شخصيات وأحداث، وجد كذلك في الرموز التاريخية الأدبية ما يسعفه في التعبير عن آرائه وأفكاره.
ففي قصة " المتهم" يساق رفات عمر الخيام إلى  المحاكمة بتهمة كتابة شعر يمجد الخمرة، والدعوة إلى  شربها، ونحن نعلم أن هذه التهمة قديمة لأسباب دينية، لكن زكريا اليوم تلعب بالأسباب فعزاها إلى  الأوضاع السياسية والاقتصادية، فالدعوة إلى  الخمرة – حسب رأي القاضي – " دعوة سافرة إلى  استيراد البضائع الأجنبية، وتنفيذ لمخطط مشبوه يهدف إلى  إثارة الشغب"( ).
حتى الشنفرى الصعلوك الجاهلي رمز الثورة والتمرد على
القبيلة وعنصريتها الذي هام في الخلاء بحثاً عن قوم جدد يستبدلهم ببني البشر بعد أن قتل تسعة وتسعين رجلاً فقد تبدلت حاله وباع سيفه منذ سنين، وعاش في مدينة تفترسها شمس من نار، وعلى الرغم من حبه للورد
والكلمات والنجوم فإن الورد في النهاية ليس خبزاً، والنجوم ليست سجائر( ). لقد اتفق الشنفرى (تاريخياً) والشنفرى القناع بالإحساس بالغربة، والجوع، والوحدة، والكآبة، والاستعاضة عن البشر بالحيوان، إلا أن الشنفرى التاريخي لم يستسلم بل أعمل سيفه في رقاب البشر، وقاوم قدر الإمكان،


بينما باع القناع سيفه دون أن يلطخه بدماء رجل، حتى أن القطة التي تأمل بإحداث التوحد معها خدشته في وجهه، وعاد وحيداً كما بدأ.
التراث الشعبي:
لقد ساهمت العامة في صياغة الموروث الشعبي وتداوله، كما يعد عنصراً من عناصر التراث بعامة، ويشمل الأدب الشعبي، وبعض الفنون كالغناء والموسيقا، والرقص، والمعقدات الشعبية، وغيرها( ).
وقد ابتعث الأدباء هذا التراث في أدبهم مستغلين أبعاده ودلالاته القديمة، مضيفين إليه من واقعهم الشعوري أبعاداً ودلالات جديدة.
ويرى د. إحسان عباس أن " الجاذبية في التراث الشعبي تكمن في أنه يمثل جسراً ممتداً بين الشاعر والناس من حوله... وهناك إحساس بأن الاتكاء على هذا التراث يقدم شهادة على الاعتزاز بالموروث المشترك ويكشف عن خوف دخيل من ضياع رابطة تعد مقدسة حين تتعرض أقلية ما للانسهار في تيار كبير"( ).
وتعد حكايا ألف ليلة وليلة، والسير الشعبية وكتاب كليلة ودمنة من أغنى المصادر بالتراث الشعبي. وقد استمد زكريا من ألف ليلة وليلة صوراً جزئية، فأشار إلى  شهرزاد وشهريار في قصة " ربيع في الرماد"( ) وذلك حتى يكسب الواقع بعداً أسطورياً، فيتناول هذا الواقع وكأنه زمن غابر غريب إلا أنه محفور في أذهاننا. ومن خلال شهرزاد وشهريار يعالج قصة البعث وقصة عالمنا الجديد، فشهرزاد ليست الفتاة المنعمة، بل هي جارية فقيرة


أعياها البحث عن شهريار الملك حتى وجدته، وكذلك شهريار إذ عاش حزيناً يبحث عن شهرزاد، فما لبث أن التقى الجسدان حتى فرقهما القدر مرة أخرى، وتنتهي المدينة على أيدي الغزاة، وتموت شهرزاد، إلا أن شهريار لا يلبث أن يلتقي فتاة أخرى يتمنى لو كان اسمها شهرزاد، ويعودان معاً نحو المدينة المحترقة ويأكلان التفاح (رمز بدء الخليقة آدم وحواء) كي يعيدا قصة الخليقة من جديد لعل في هذا البعث معنى للوجود.
أما عن حكاية علاء الدين والمصباح السحري (البعد الثالث في حكايات ألف ليلة وليلة) فقد وظفها زكريا في قصة " شمس للصغار" إذ تعرض طفل صغير يحمل بيده صحن لبن إلى  مضايقات طفل آخر من ذوي الطبقة الغنية، انتهت بوضع ذبابة ميتة في الصحن ثم كسره، فجلس الطفل المسكين يبكي الصحن الذي انكسر خوفاَ من أمه، إلا أن بكاءه لم يطل فخرج له عفريت من خاتم فضي كان ملقى على الأرض، فما كان من الطفل إلا أن طلب إعادة الصحن الذي انكسر، نلاحظ من ذلك أنه لم يستغل هذه المعجزة في تحقيق مطالب الترف والبذخ كما نعرف في أصل الحكاية، إلا أنه يرنو للمحفظة على واقعه البسيط دون الخروج منه إلى  حياة أفضل. هؤلاء هم أبطال زكريا يرفضون الاستعانة بالقوى الخارجية لتحسين أوضاعهم، بل يصرون على الاستسلام لواقعهم القمعي دون محاولة منهم لإحداث تغيير ما.
وتتشابه قصة " أقبل اليوم السابع"( ) مع حكاية مدينة النحاس في ألف
 ليلة وليلة( ). فأهل المدينة من خشب بعد أن حولتها ساحرة شريرة، وبطل زكريا فيها رجل مل الحياة وقرر الانتحار، إلا أنه أرجأ الفكرة حتى يجوب الأفياء، فتعود الحياة لأهل المدينة على يد هذا البطل الذي تساوت عنده الرؤية للحياة والموت، فكان له الفضل في عودة الحياة مرة أخرى إلا أن أحداً
 لا يعيره اهتماماً أو شكراً، لذا، تمنى لو أن المدينة بقيت من خشب حتى


يعمها الهدوء والسكينة. فعلى الرغم مما قدم من فضل على أهل المدينة فإنه ما زال منبوذاً ولا يجد إمكانية للتعايش مع هذا العالم سواء أقدم تضحية أم لم يقدم.
واتكأ زكريا تامر في صياغة بعض قصصه على حكايات كليلة ودمنة فكانت قصة " النمور في اليوم العاشر (1) من أروع ما قدمه من قصص رمزية، إذ لخط فيها على لسان النمر سيد الغابات حكاية الإنسان المحكوم للسلطة الظالمة، وكيف أنه يتقهقر ويضعف ولا يستطيع الصمود أمام أنماط القمع والإرهاب، فالإنسان مسلوب الإرادة لا يملك حياته ولا حريته، فيفقد حياته كلها، بل يتحول إلى  مخلوق آخر كما حصل مع النمر الذي أصبح يقلد الحمار، ويرقص ويصفق لسيده ويأكل الحشائش كل ذلك حصل في غضون عشرة أيام، فكيف بأمه مضى على ترويضها زمن  طويل؟!.( )
أما في قصة "الأعداء" (2) فقد حط عصفوران على غصن شجرة، ولم يغردا كعادتهما مرحبين بشمس الصباح، بل تبادلا النظرات الوجلة الحائرة وقال أحدهما للآخر: أين نطير ؟ فسماؤها احتلتها الطائرات، وحزن العصفوران لأنه لم يبق لهما سوء سماء الأقفاص إلا أنهما لا يقبلان بسماء الأقفاص بديلاً من سمائهما الرحبة التي لا سلطة لأحد عليها، لهذا السبب كان الموت أرحم لهما، وأحفظ لكرامتها فابتلعا حبوباً مميتة وسقطا على الأسمنت ميتين. ( )
من هذه الرموز، استطاع زكريا أن يعبر عن حال الإنسان الضعيف أمام قوى السلطة والآلة. كما عبر عن الإنسان الذي يرنو إلى  الحرية أينما حل، لكنه غالباً ما يخسر المعركة أمام السلطات القمعية بكافة أشكالها، لذا، يكون الموت هو الرحمة الحقيقية لهذا الإنسان الممزق.
التراث الشعبي الشفهي:
كثرت الحكايات والتعبيرات الشعبية والأغاني والمواويل التي غالباً ما

تتردد على ألسنة الناس في الوسط الشعبي مشافهة، فتغدو محفورة في أذهان الناس. وقد ركز زكريا على الحياة الشعبية الدمشقية فعني عناية خاصة بالأحياء الشعبية كالتي خرج منها (البحصة) وطبيعة تفكير الناس فيها، ولباسهم، وسلوكهم، وموقفهم من التحرر، وسفور المرأة.
ففي قصة " في ليلة من الليالي"( ) يظهر أبو حسن شخصية شعبية من إحدى حارات دمشق الأصيلة، الذي يعد من أهم قبضايات الشام، شديد الزهو بشاربي (رمز الرجولة) ويسرد حكاية الرجل الذي تفاخر بشاربيه ففار بابنة الملك، للطفل الذي قتل أمه، لأنها طبخت طعاماً رديئاً.
ومن النماذج الشعبية أيضاً صياح وقاسم في قصة " الراية السوداء"( ) اللذان يمثلان النمط الشعبي الجاهل، فيحاربان كل نمط من أنماط التغيير أو الثقافة ويعتزان بمعتقداتهما الشعبية فقط، فيصطدم هذان الشابان ذوا السراويل الطويلة والشوارب المفتولة بغسان الشاب المثقف الذي يرتدي بنطالاً ويحمل كتاباً في يده، فاصطدمت مراجل الجهل بالحضارة والثقافة وكانت النتيجة أن انهزم غسان ووقع صريعاً بين أيدي هذه النماذج التي تقاوم كل تغيير وكل جديد، وغسان نموذج ورمز لكل شاب مثقف يدعو إلى  التسلح بالعلم، وهو النموذج الذي يرسمه زكريا في كل مواطن من مواطن أعماله.
لقد استعان زكريا ببعض المواويل الشعبية في قصة " السهرة"( )، فجاءت حزينة تفوح منها رائحة الغربة، والضياع، والجوع، وتسلط القوي
على الضعيف، وفقدان الصدق، فأبو شكور وأبو قاسم نموذجان لقبضايات حارة السعدي في الشام( )، وفي يوم من الأيام يصطحب أبو شكور أبا


سمير إلى  المقبرة حيث قبر والده ويجلسان على القبر في الليل، ليقيما سهرة تصدح فيها المواويل والسكر، فالغناء والسكر عاملان متكاملان عند الهروب من الهموم الاجتماعية والسياسية.
" سبع آهات ممزوجة بلب الكلام
الأوله آخ من فعلك يا شام
والثانية يا حيف ضيعت أيامي
شبه السحابة بين الريح يذريها
ودربي كحد السيف يا شام قدامي" ( )
هذه صورة الحياة الممزوجة بالآهات في نظر أبي شكور، فما معنى يرهب الإنسان المسؤول في العمل ما دام هذا العمل لا يطعم خبزاً ولا يقي خمراً، وفي ذلك دعوة تحريض ممزوجان باليأس واللامبالاة فيهرب أبطال زكريا من سوء الحال إلى  مكان أسوأ لا يمت للحياة بصلة (المقبرة)، ويزداد إحساسهم بالمرح (لاحظ المفارقات) فيدندنون:
هز التوتة يا توات
توتك حلى يا توت ( )
كما طعم زكريا بعض قصصه بالحكايات الخرافية، مثل الخروف الذي يتحول بين يدي أبي فهد في قصة " شمس صغيرة"( ) إلى  ابن ملك الجان، فيمنه بسب جرار من الذهب مقابل أن يتركه وشأنه، فيتغلب الطمع (الرغبة في الغنى) على لحظات الجوع عند أبي فهد ويلقى مصيره على يد سكران متسكع، في حين أن زوجته تنتظر عودته محملاً بالذب. بذلك، تكون أحلام

الفقراء ليست ملكاً لهم، وأنه محض الحلم بحياة رغيدة يقتل صاحبه، فعلى الفقير أن يبقى فقيراً حتى النهاية. فيواري زكريا العالم الواقعي خلف هذه الخرافات، ومن ثم يركبه تركيباً واقعياً جديداً مغايراً لما هو مألوف، فيقدم ذروة الالتحام بين الخرافات الشعبية والواقع المعاش مكسباً كلاً منهما بعداً غرائبياً جديداً ليقتربا معاً نحو الوجدان الشعبي.
ويضيف زكريا نمطاً آخر من أنماط الخرافة الشعبة متمثلة بأوهام المشعوذين والعرافين، فتذهب المرأة في قصة " امرأة وحيدة " (1)، إلى  العراف المشعوذ كي يبقي لها زوجها مخلصاً، فيستغلها هذا المشعوذ إشباعاً لشهوته، في حين تظن المرأة بأن الجان تطرد الشياطين من داخلها فتستسلم للذة ساحرة.
وحتى لا يصرف زكريا النظر عن هدف العمل الفني، اكتفى بالاتكاء على بعض الحكايات الشعبية والخرافات والأساطير دون إسفاف في العمل الفني، لذا، ظهرت هذه التضمينات على شكل أخلية مناسبة رقيقة لا تصرف الذهن عن أهداف زكريا التي ينبغي إيصالها للقارئ. ( ) 



مواضيع ذات صلة
 

زكريا تامر قصص قصيرة pdf

قصص زكريا تامر

زكريا تامر لماذا سكت النهر

تحليل قصة انتظار امراة لزكريا تامر

مؤلفات زكريا تامر

تحليل قصة قصيرة ليوسف ادريس

قصة قصيرة جدا وتحليلها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق