الجمعة، 14 أبريل 2017

الخطــوات المنهجيـــة سيميوطيقا التوتر

الخطــوات المنهجيـــة

تنبني منهجية سيميوطيقا التوتر على مقاربة الظواهر الهووية أو الذاتية أو القيم ، مثل: الهوية، والوجدان، والحساسية، والحضور، والوجدان... إن مضمونا وإن تعبيرا. ومن ثم، يدرس المضمون الذات وقيمها على محور الشدة قوة وضعفا. في حين،  يدرس التعبير المدى بعناصره الفضائية والعددية والكمية. وهكذا، يرصد المضمون القيم وما هو ذاتي في ضوء مقاربة قياسية لعاملي الشدة والامتداد. وينفتح أيضا على ما هو خارجي بدراسة الذات في علاقتها بالموضوع أو العالم الذي يحوي الأشياء أو الأشكال أو العدد أو الكمية أو الزمان والمكان...علاوة على ذلك، يستجلي حضور الذات المدركة والذات المتلفظة، ويستكشف حضورهما عبر رؤية ظاهراتية (فينومونولوجية) تربط الذات بالإدراك والقصدية، مع الحديث عن الذات المتلفظة في سياقها الشخصي والاجتماعي، بالاعتماد على  مجموعة من القرائن اللسانية والسياقية والتلفظية. ويعني هذا أن المضمون يهدف إلى تبيان كيفية حضور الذات المدركة والمتلفظة، وقياس الشدة والامتداد في علاقة بالعالم الموضوعي الذي يتمثل في الزمان، والمكان، والعدد، والكمية. والهدف من هذا كله هو دراسة آثار المعنى التوتري، وكيفية انبثاقه خطابيا ونحويا ودلاليا ومنطقيا. وينضاف إلى ذلك، أن سيميوطيقا التوتر تدرس تلك النصوص والخطابات التي يحضر فيها  التوتر  بشكل بارز أو خافت، أو  يقف عند الخطاب الذي يوظف مجموعة من المستويات التي يعبر فيها التوتر عن نفسه إما بشكل قوي وإما بشكل أقل. وفي هذا الإطار،  يمكن الحديث عن خطوات منهجية تطبيقية أخرى باستحضار: المستوى التلفظي، والمستوى الإدراكي، والمستوى الدلالي (الدلالة التوترية) ، والمستوى التداولي أو السياقي، والمستوى التوليدي العميق الذي يتمثل في الخطاطة التوترية.
هذا، ويستلزم المستوى الدلالي التوتري الاستعانة بالمعاجم والقواميس لمعرفة الدلالات التوترية لمفاهيم الشدة والامتداد أو القيم. أي: لابد من وصف دلالي ومعجمي للشدة والامتداد. علاوة على ذلك، لابد من الربط بين محوري الشدة والامتداد ضمن الارتباط الدلالي التوتري. ويهدف هذا الارتباط الدلالي إلى معرفة طبيعة التجليات المستكشفة،  هل هي مباشرة أم معاكسة؟! ومن زاوية أخرى، ينبغي تحصيل مجمل الدلالات السيميائية لترابط منحني التوتر شدة ومدى أو نغمة وإيقاعا.
وعمليا، تستند منهجية سيميوطيقا التوتر إلى تقطيع النص إلى فقرات ومتواليات حسب معايير التقطيع السيميائي، كالمعيار الدلالي، والمعيار الزماني، والمعيار المكاني، والمعيار الشخوصي، والمعيار الدلالي، والمعيار الأسلوبي...وبعد ذلك، تستخلص التيمات الأساسية المهيمنة في النص، مع استكشاف عتبات النص على مستوى التجنيس أو الكتابة أو غيرها من العتبات الموازية...
ومن ثم، يتوقف الدارس عند مفاهيم الشدة والامتداد، وكيف يتجليان في النص؟ وما أبعادها الدلالية؟ وكيف تنعقد الفواصل بين ملفوظات الشدة وملفوظات الامتداد؟ وكيف تتحقق الدلالة الكلية؟
 و لابد أيضا من الاستعانة بالخطاطات التوترية لفهم النص وتأويله. ويعني هذا كله تحديد الذات المدركة ، ورصد الأشياء المدركة أو  المرصودة من قبل الذات، ودراسة  بعدي الشدة والامتداد اللذين يربطان الذات بهذه الأشياء المدركة. ومن ثم، تحدد هوية الذات بالتعليق عليها تفصيلا أو اختصارا،  مع تبيان طبيعة العالم المدرك  ، وتبيان نوع الرؤية الإدراكية لهذا العالم.
 ويمكن الإشارة أيضا إلى التعالقات الزمانية والمكانية المرتبطة بعملية الإدراك، وتبيان التشاكلات الدلالية والزمانية والمكانية في النص. ومن المعلوم أن الدلالة النصية أو الخطابية ترتكز على السمات والتشاكلات الدلالية والسيميائية. وهنا، لابد من تحديد السياق الفضائي في امتداده، وشساعته ،ودرجة طابعه ونغمته وسرعته.أي: هل الزمان ممتد في ديموته أم محدود؟ وما طبيعة المكان؟ هل هو واسع أم ضيق؟ وهل هو منغلق أم منفتح؟ ومن ثم، تستخلص جميع التعابير والمؤشرات السياقية الدالة على الزمان والمكان، مع تجريد تعابير القياس الكمي والعددي.
وعليه، يستوجب التحليل الدلالي التوتري الإجراءات التطبيقية التالية:
u دراسة التجليات المعجمية والدلالية لمحوري الامتداد والشدة.
v تحديد الترابطات الموجودة بين الشدة والمدى، مع تبيان أبعادهما .
وليس الغرض - هنا- القيام بدراسة أدبية أو أسلوبية للنص، بل الهدف من هذه السيميوطيقا معرفة التوتر بالربط بين الشدة والمدى ، عبر مسار تأويلي يعتمد على المستوى الدلالي الذي ينبني على التيمات ذات الدلالة الجزئية المتحولة أو الدلالة العامة الكلية.ومن هنا، فهذه السيميوطيقا منهجية وصفية إدراكية تربط الذات بالموضوع، عبر التعالق بين ما هو وجداني تأثيري وماهو سياقي خارجي.
w استخدام  مصطلحات إجرائية تنتمي إلى ما يسمى ببلاغة التوتر، مثل: الحضور، والحساسية، والإدراك، والذات، والأهواء، والظواهر المركبة، والديمومة، والوجدان، والهوية، و الطاقة، و القوة، والمدى، والتجاوز، والزمان التوتري، والحد الفاصل، والمكان التوتري، والحدث، والحقل الخطابي، وحقل الحضور، والإدراك الخطابي، والنحو التوتري، والبلاغة التوترية، والمسار التوليدي، والإيقاع، والزمانية، ودرجة السرعة، والخطاطة التوترية...
وعليه، إذا كان المضمون ينصب على دراسة محور الشدة برصد الذات في حضورها الإدراكي والتلفظي، واستجلاء الأهواء والقيم الكونية والمجردة، فإن التعبير أو الشكل ينصب على دراسة عالم الأشياء، بما فيه من أشياء، وأشكال، وزمان، ومكان، وعدد، وكمية. كما يدرس المضامين المدركة في ضوء السياق الفضائي، بمراعاة النغمة (Tonicité) والسرعة (Tempo). ومن هنا، يتكون السيميوزيس التوتري من المضمون (المدلول) و التعبير (الدال). ومن ثم، فالدلالة السيميائية هي التي تنتج عن هذا السيميوزيس المحصل نصيا وخطابيا.

تقويـــم النظريــــــــة

تتميز سيميوطيقا التوتر بأنها امتداد لسيميوطيقا الذات والأهواء والأشياء، وتكملة علمية لما حققه كل من كريماص وجاك فونتاني وجان كلود كوكي في حقل السيميوطيقا. ومن ثم، تنتمي هذه السيميوطيقا إلى ما بعد الحداثة التي تؤمن بالتعددية، ودراسة الذات والحضور والسياق المرجعي، وعدم الاكتفاء بالموضوعي فقط. إنها سيميائية مزدوجة تجمع بين الذاتي والموضوعي.
ويلاحظ أيضا أن هذه المقاربة ذات طبيعة فلسفية ونقدية ؛  إذ تجمع بين السيميائيات والإدراك الظاهراتي. ومن ثم، تنبني هذه السيميوطيقا على مبدإ التعددية، ومبدإ الإدراك، ومبدإ التوتر، ومبدإ الوجدان، ومبدإ الحضور... ومن ثم، تتجاوز السيميوطيقا الكلاسيكية الكريماصية القائمة على المربع السيميائي، والخطاطة السردية، والبنية العاملية. ومن ثم، فهي سيميوطيقا معاصرة تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثة.
وعلى الرغم من إيجابياتها العديدة، فنلاحظ نوعا من الغموض والتعقيد والصعوبة  في تمثل مفاهيمها الإجرائية والنظرية فهما وتفسيرا وتأويلا؛ بسبب  قرب هذه السيميوطيقا من الفلسفة والرياضيات والهندسة في قياس الأهواء والأحاسيس والانفعالات والقيم وحالات الذات والحضور. ويبدو أن هذا التصور المنهجي غير واضح بما فيه الكفاية مقارنة  بمنهجية كريماص القائمة على مجموعة من المكونات السيميائية الواضحة ، مثل: المكون التركيبي( بنية الأفعال بين الحالات والتحولات والبنية العاملية)، والمكون الخطابي (الحقول الدلالية والمعجمية والفاعل الدلالي)، والمكون الدلالي والمنطقي (التشاكل والمربع السيميائي). وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن سيميوطيقا التوتر مازالت في طور البناء والتشييد إن تنظيرا وإن تطبيقا.

دراسات في سيميوطيقا التوتر

قلة هي الدراسات التي اهتمت بالمقاربة السيميوطيقية التوترية في الثقافة الغربية مقارنة بسيميوطيقا الأشياء والأهواء. و إن لم نقل إنها دراسات تعد على أطراف الأصابع.  ومن أهم هذه الدراسات التنظيرية والتطبيقية يمكن  الإشارة إلى ما كتبه  كل من: جاك فونتاني وكلود زلبيربيج في كتابهما المشترك (التوتر و الدلالة )[1]، وما كتبه أيضا كلود زلبيربيرج في مصنفه ( المختصر في النحو التوتري) [2]، وكوينياس نيكولاس (Couégnas Nicolas) وفرانسوا لوران (François Laurent) في مقالاتهما النظرية والتطبيقية التي خصصها بسيميوطيقا التوتر [3]، و لويس هبير(Louis Hébert) في مقاله حول (الخطاطة التوترية)[4]، وما نجده كذلك من إشارات مختصرة  في ( معجم الدراسات السيميوطيقية والسيميولوجية) لإدريس أبلالي ودومنيك دوكار(Ablali & Ducard)[5]، ودراسة ستيفان جيرار (Stéphane GIRARD ) حول (الحقارة في الرواية الجديدة عند ميشيل بوتور )[6]...
هذا عن الحقل الثقافي الغربي، أما فيما يخص الساحة الثقافية العربية فلا توجد - حسب علمي- دراسة ما في سيميوطيقا التوتر ، بل تكاد تكون غائبة بشكل كلي ، فلم نجد إلى يومنا هذا (2013م) دراسة نظرية أو تطبيقية تحسب على هذه السيميوطيقا باستثناء بعض الإشارات الطفيفة عند الباحث المغربي الدكتور سعيد بنكراد حين ترجمته لكتاب ( سيميوطيقا الأهواء)[7] لكريماص وجاك فونتاني. وماعدا ذلك، فليس هناك دراسات علمية دقيقة في هذا المجال ، على الرغم من  وجود أبحاث لابأس بها في مجال سيميوطيقا الأشياء والكلام والأهواء ...
وخلاصة القول: نستنتج - مما سبق ذكره- أن سيميوطيقا التوتر تهتم بدراسة الذات الهووية والإدراكية والتلفظية، في ضوء معايير القيم الأخلاقية ومعايير الشدة والمدى والنغمة والإيقاع. و تهتم بدراسة ماهو ذاتي ووجداني وإدراكي في علاقة جدلية بالمدى والسياق الفضائي والكمي. ومن هنا،فإنها سيميوطيقا تطورية وهندسية تبحث عن مقاييس القيم إن قوة وضعفا، وإن شدة ومسافة. ويعني هذا أنها ليست سيميوطيقا سانكرونية وثابتة في دراسة البنى السردية أو الخطابية كما هو حال سيميوطيقا كريماص، بل هي دراسة دياكرونية مركبة تنفتح على الذات والمرجع معا بغية رصد مقاساتهما المتدرجة ارتفاعا وانخفاضا.
هذا، وتنبني منهجيا على ثنائية المضمون والتعبير بدراسة الذات المدركة والمتلفظة في ارتباط مباشر أو معاكس مع السياق الفضائي مسافة وامتدادا وكما وعددا. وتنكب هذه السيميوطيقا الظاهراتية كذلك على تحليل النصوص والخطابات التي تتضمن في طياتها مقاسات توترية، أو تحوي، بشكل من الأشكال، ما يدل على التوتر شدة ومدى. ومن ثم، لابد من التوقف عند مجموعة من المستويات المنهجية حين تمثل سيميوطيقا التوتر، مثل: المستوى التلفظي، والمستوى الإدراكي، والمستوى الدلالي، والمستوى التداولي، والمستوى التوليدي الذي يتمثل في الخطاطة التوترية. وعلى الرغم من كون هذه السيميوطيقا أكثر حداثة وعمقا وعلمية، فإنها مازالت في طور التشييد النظري والتطبيقي.


[1] - Fontanille Jacques, Zilberberg Claude : Tension et signification, Liège, P. Mardaga, 1998.

[2] - Zilberberg Claude : (Précis de grammaire tensive), dans Tangence, Université du Québec à Rimouski, Université de Québec à Trois-Rivières, n°70 automne 2002, pp. 111-143.

[3] -Couégnas Nicolas : (Sémiotique tensive), dans Le Vocabulaire des études sémiotiques et sémiologiques. D. Ablali &D. Ducard (dir.), Presses universitaires de Franche-Comté et Garnier, 2009.
[4] -Louis Hebert : (Le schéma tensif : synthèse et propositions), Tangence, n° 79, 2005, p. 111-139.
[5]- Le Vocabulaire des études sémiotiques et sémiologiques.PP. 67-80.
[6]- Stéphane GIRARD : Sémiotique tensive de l'abjection chez Michel Butor , Thèse doctorat soumise à la Faculté des études supérieures et de la recherche en vue de l'obtention du diplôme de Doctorat en philosophie , Département de langue et littérature françaises,  Université McGill Montréal, Québec Mai 2003.

[7] - كريماص وجاك فونتنيي: سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، :ترجمة: سعيد بنكراد، ص:46.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق