الجمعة، 14 أبريل 2017

تطور الدراسات السيميائية

سيميوطيقــــا الأهــــواء

سيميائية الاستهواء الإرهابي في الرواية العربية السعودية
(رواية الإرهابي20 لعبد الله ثابت نموذجا[1])
تدرس سيميائية الأهواء مجموعة من المشاعر والانفعالات المتعلقة بالذات الإنسانية داخل نصوص وخطابات سردية، كدراسة الغيرة، والبخل، والحب، والحقد، والكراهية، والخوف، والإرهاب، والغضب، والحسد، والغبطة، والإيثار، والطموح، والسلطة، وغيرها من الصفات البشرية التي تنتاب الإنسان نفسيا وأخلاقيا. ومن ثم، فما يهم سيميائية الأهواء هو البحث عن المعنى والدلالة للهوى الانفعالي داخل المقاطع النصية، سواء أكانت صغرى أم كبرى ، من أجل تحصيل المعنى والفحوى بقراءة المكونات التركيبية والدلالية إن سطحا وإن عمقا، وإن تحليلا وإن تأويلا.
وسنحاول في هذه الدراسة أن نصف الهوى، و نحدد آثار المعنى ، ونبرز آليات اشتغاله ضمن الرواية الاستهوائية، من خلال الإحاطة بالقواعد الضمنية المضمرة التي تجعل المرئي معقولا ، وقابلا للإدراك. ويعني هذا أننا لانبحث عن المعنى خارج النص أو الخطاب، بل هو محايث لهما في أبعاده المعرفية والتداولية والانفعالية والكلامية. وبعبارة أخرى، أنه لابد من مساءلة شكل المضمون، وتحديد الطريقة أوالسيرورة التي يتم بها بناء المعنى وتشكيله باستخلاص التقابلات والاختلافات؛ لأن المعنى لايتحدد إلا عبر لعبة الاختلاف والتناقض. ولن نهتم في هذا السياق باللغة الحاملة للدلالة، سواء أكانت لغة لفظية أم بصرية، بل سوف نهتم بالبنيات الدلالية البسيطة المنطقية (البنية الهووية) التي تولد مختلف النصوص الاستهوائية على مستوى السطح، عبر تحويلات مختلفة تركيبية ودلالية، تسمى بالمآل أو المسار التوتري.
إذاً، ما البنيات الدلالية الاستهوائية في رواية( الإرهابي 20 ) للكاتب السعودي عبد الله ثابت [2] إن على مستوى السطح، وإن على مستوى العمق؟ هذا ما سوف تنصب عليه هذه الدراسة السيميائية

المبحث الأول: تطور الدراسات السيميائية

من المعروف أن ثمة عدة مشاريع سيميائية تحاول تفكيك النصوص والخطابات، وتركيبها تحليلا وتأويلا. ومن بين هذه المشاريع، يمكن استحضار: سيميائية الأفعال مع ألجيرداس كريماص(Greimas) ، وجوزيف كورتيس(J.Courtès) ؛ ومدرسة باريس؛ وجماعة أنتروفيرن(Groupe Entrouverne). وهناك أيضا سيميائية الأهواء  مع كريماص  وجاك فونتاني Jacques Fontanille في كتابهما القيم(سيميائية الأهواء)[3]. وهناك كذلك سيميائية الكلام الروائي مع الباحث المغربي  محمد الداهي[4]، إلى جانب مشاريع سيميائية أخرى، كسيميائية التأويل مع شارل بيرس (CH.Peirce) وبول ريكورPaul Ricœur، وسيميائية التشاكل مع فرانسوا راستيي F.Rastier، والسيميائية التطورية مع كريزنسكي V.Krysinski))، والسيميائية المعرفية مع بيير أولي(P.Oullet)، وسيميائية الفضاء مع دونيس برتراند(D.Bertrand)، والسيميائية الاجتماعية مع كلود كلام(C.Calame) وإريك لاندوفسكي(E.Landowski)،وسيميائية الإيحاء مع أوريكشيوني Catherine Kerbrat-Orecchioni، وسيميائية القراءة مع أمبرطو إيكو(U.Eco) وبرتراند جيرفي(B.Gervais)، وسيميائية الصورة الإشهارية مع رولان بارت(R.Barthes)، وسيميائية الشعر مع ميكائيل ريفاتير(M.Rifaterre) وجماعة مو(Groupe M)...وهناك أيضا السيميوطيقا المادية مع جوليا كريستيفا(J.Krestiva) وبيير زيما(P.Zima)، والسيميوطيقا الرمزية مع جان مولينو  Jean Molinoوجان جاك ناتيي Jean Jacques Nattier،   وسيميائية الثقافة مع يوري لوتمان(Lotman)و ،أمبرطو إيكو (U.Eco)، وروسي لاندي( Rossi Landi)، وسيميائية الفنون مع هيلبو(Hilbo)، و  كير إيلام(Keir Elam) ، و كريستيان ميتز(Metz)، وموكاروفسكي(Mokarovski)، وسيميائية الوسائل السمعية والبصرية. وبصفة عامة،فهناك نوعان من السيمياء: سيمياء التواصل وسيمياء الدلالة[5].
هذا، ويمكن عربيا الحديث عن مجموعة من المحاولات والاجتهادات السيميائية مغربا ومشرقا، كما عند محمد مفتاح[6]، والمصطفى شادلي[7]، وسعيد بنكراد[8]، ومحمد السرغيني[9]، ومحمد الداهي[10]،وعبد المجيد العابد[11]، وعبد المجيد نوسي[12]، وعبد الرحيم جيران[13]، وجميل حمداوي[14]، والطائع الحداوي[15]، وسمير المرزوقي وجميل شاكر[16]، وعبد الحميد بورايو[17]، والسعيد بوطاجين[18]، ورشيد بن مالك[19]، وعبد اللطيف محفوظ[20]، وموريس أبو ناضر[21]، وأنور المرتجي[22]، وأحمد يوسف[23]،...
المبحث الثاني: سيميائيات الأهـــواء
ظهرت سيميائيات الأهواء لدراسة الذات والانفعالات الجسدية والحالات النفسية، ووصف آليات اشتغال المعنى داخل النصوص والخطابات الاستهوائية، بالتركيز على مكونين أساسيين: المكون التوتري (انعكاس العالم الطبيعي على الذات) ، والمكون العاطفي أو الانفعالي أو الوجداني(منبع الأحاسيس والعواطف). ويتولد عبرهما ما يسمى بكينونة المعنى، وخلق ما يسمى كذلك بذات الإدراك والعاطفة. ومن ثم، فالخطاب السيميائي يدرس مجمل الانزياحات الموجودة بين العاطفي والتوتري ، برصد علاقة الذات الاستهوائية بالعامل الموضوع انجذابا واتصالا ومقصدية. ويتم هذا التفاعل الاستهوائي الإدراكي عن طريق فضاء الحس والجسد.
ولا يعني هذا أن ليس هناك دراسات للأهواء والانفعالات، بل على العكس من ذلك، فقد وجدنا مجموعة من الدراسات الفلسفية والأخلاقية التي  تناولت الأهواء البشرية بالدرس والتحليل والتصنيف ، كما في الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وعند الفلاسفة والمفكرين المسلمين كما عند ابن سينا، ومسكويه، وابن الجوزي، وابن حزم [24]، وفلاسفة الغرب مثل: توماس الأكويني، وسانت أوغوستين، وديكارت، وكانط، وهيجل، وسبينوزا، وباسكال، وجون لوك، ودافيد هيوم، وكوندياك، وملبرانش، وغيرهم من الفلاسفة المعاصرين الذين اهتموا كثيرا بالفلسفة اللاهوتية والأخلاقية. ونجد هذا التناول أيضا عند علماء النفس، وكذلك لدى الشعراء والروائيين، وكتاب المسرح، والدارسين اللسانيين. لكن هؤلاء لم يدرسوا الأهواء دراسة معجمية دلالية وتركيبية ضمن متواليات ومقاطع نصية صغرى وكبرى، باستقراء شكل المضمون بنيويا وسيميائيا.
هذا، ويعد الفلاسفة الفينومينولوجيون(الظاهراتيون) من الذين ربطوا بين الذات الشعورية وعالم الأشياء إدراكا ومقصدية. كما يتجلى ذلك واضحا وبينا عند هوسرل وميولوبونتي. ويعني هذا أن كريماص تأثر كثيرا بميرلوبونتي حينما حاول الربط بين الشعور وإدراك العالم، ضمن علاقة تواصلية تفاعلية مباشرة. وبتعبير آخر، يتوسط الجسد الاستهوائي الذات وعالم الأشياء، بتشغيل الحواس لإدراك العالم، وتحديد مقصدية الذات. ومن هنا، يتم الحديث عن الانتقال من حالات النفس إلى حالات الأشياء.
وعلى العموم، فقد بدأت سيميائية الأهواء أو سيميائية الذات مع كريماص  بمقاله الذي كان تحت عنوان( جهات الذات)[25].  ويعني هذا بداية الشروع في التعامل مع سيميائية الانفعال، والاهتمام بالمشاعر الجسدية والأهواء الذاتية، بعد أن كان التعامل سابقا مع سيميائية الأفعال والعمل والأشياء. ويعني هذا المقال ، من جهة أخرى، دراسة تكييفات الذات الاستهوائية باستحضار منطق الجهات: القدرة، والإرادة، والرغبة، والواجب[26]. وبعد ذلك، انكب كريماص ومعاونوه على دراسة هوى الذات داخل خطابات نصية بعيدا عن المقاربات الأخلاقية والفلسفية والنفسية، باحثين عن آثار المعنى داخل المقاطع النصية التي تتمظهر فيها صورة الهوى الذاتي. كما فعل كريماص حينما درس هوى الغضب، فتوصل إلى أن هذا الهوى يتكون من ثلاثة أجزاء مفصلية تكون البرنامج الحكائي الاستهوائي هي: الإحباط (الحرمان)، والاستياء(السخط)، والعدوانية[27].
هذا، ولم تشهد سيميائيات الأهواء التجديدات الأساسية، والتقعيد النظري والتطبيقي، إلا في سنوات التسعين من القرن الماضي، وبالضبط في سنتي1991و1994م، وستهم هذه التجديدات بالأساس ما يسمى بالتوتر (الضغط)، وتجربة الإحساس الاستهوائي، كما في كتاب( سيميائيات الأهواء ) لكريماص وجاك فونتانيي سنة 1991م، حيث ركز الباحثان على مجموعة من المفاهيم التحليلية، كالجسد، والانفعال، والكمية ، والامتداد، والكثافة، والإيقاع، والقوة، والضغط، والتوتر، والإحساس، والطاقة الشعورية، وثنائية الصالح والطالح، والانفصال والاتصال، والعالم الداخلي والخارجي، والذات والموضوع، وحالات النفس وحالات الأشياء...
 ويتضمن الكتاب ثلاثة فصول محورية: الفصل الأول خصص لإبستمولوجيا الأهواء، أما الفصل الثاني من الكتاب، فتم الحديث فيه عن البخل، والفصل الثالث خصص لدراسة الغيرة. واعتمد كريماص وفونتانيي على دراسة التمظهرات المعجمية الدلالية، والانفتاح على دراسة النصوص الأدبية ، بالتركيز على المستوى التركيبي ، واستقراء دلالة الشكل، وتبيان آليات التخطيب، وبناء النماذج الصورية إن سطحا وإن عمقا.
هذا، وقد توصل المؤلفان إلى أن هوى البخل هوى موضوعي. في حين، يصنف هوى الغيرة ضمن الأهواء الذاتية المتداخلة والمتفاعلة. ومن ثم، عمد إلى قراءة البخل قاموسيا ومعجميا ،  بإقامة التقابلات بين التعلق الشديد بالمال(البخل والشح والضن والتقتير..)، والتعلق الضعيف بالمال، أو مايسمى سيميائيا بالكثافة الدنيا( التبذير والإسراف واللامبالاة..)، وحضور حالة وسطى هي حالة الاعتدال (الاقتصاد والادخار).
أما هوى الغيرة، فقد استوجب عند الباحثين وجود صراع انفعالي متوتر بين ثلاث ذوات استهوائية هي: الغيور، والمحبوب(الموضوع)، والغريم المنافس.أي:" إن الأمر يتعلق – حسب سعيد بنكراد- بمقطع هووي قابل للانتشار فيما هو أوسع من خلال إسقاط مجمل التصاورات التي تشخص الأزمة الهووية. ويحكم هذه الثلاثية أفق واحد هو أفق الغيور. فالغيرة التي هي حب مبالغ فيه يمكن أن تكون استغاثة وعذابا إذا كان المحبوب لازال في منأى عن الغريم، وبعيدا عن متناوله، ولكنها قد تصبح خشية وقلقا إذا تكونت بعد الأزمة الهووية. أي: بعد ظهور الغريم.وقد تصبح حقدا وكراهية ، ويعلن حينها عن ميلاد تمظهرات قد تكون تجسيدا لمحاولات القتل والانتقام."[28]
هذا، ولا يقتصر المؤلفان على التمظهرات القاموسية والمعجمية فقط، بل ينفتحان على دراسة النصوص والخطابات لنمذجة الأهواء نمذجة سيميائية، بدراسة أشكال المضامين. ويعني هذا أن المؤلفين ينتقلان من الدلالة المعجمية إلى التخطيب. ومن هنا، يرى الباحث المغربي سعيد بنكراد كذلك أن" الأمر في الحالتين يتعلق بمحاولة الإمساك بالهويين ضمن خطاب، ومن خلال شكل تحققاتهما بعيدا عن الأحكام المسبقة، وبعيدا عن الصنافات التي قد لاتقدم أي شيء في مستوى بناء الدلالات.إنهما يقدمان من خلال صنيعهما هذا نموذجا جديدا لتناول الأهواء، وتحديد مضامينها استنادا إلى ممكناتها في الخطاب، لااستنادا فقط على ما يمكن أن تقوله القواميس . فالوجود الخطابي للأهواء رهين باستعمالاتها. لذلك، لافائدة من مساءلة الصنافات التي قد تكون محكومة برؤية سابقة(دينية، واجتماعية، وأخلاقية). ولا فائدة من الاطمئنان الكلي للقواميس، فالقواميس لاتتكلم إلا من خلال إدراج ممكناتها ضمن ماهو أوسع منها أي الخطاب: إنها منطلق، وليست متنا تاما. وبعبارة أخرى، يتعلق الأمر بتحويل الأدوار الباتيمية (الانفعالية)، التي تشهد الأسماء، التي هي وحدات معجمية، على وجود استعمال ما، على باتيمات إجراءات، والإجراء هو التخطيب. أي: خلق مساحات جديدة قادرة على استيعاب ماتختزنه الأهواء من أسرار تخص الفعل والكينونة سواء بسواء."[29]
كما عمقت هذه المفاهيم الاستهوائية أيضا في كتاب( التوتر والدلالة) الصادر سنة 1998م، وهو من تأليف جاك فونتانيي وكلود زيلبيربيرك(Jacques Fontanille- Claude Zilberberg )[30]. و"شيئا فشيئا بدأت تتضح الملاح العامة لسيميائيات الأهواء، ونظر إليها من الناحية النظرية، ربما بشكل مستقل، في علاقتها بسيميائيات الفعل، ونظر إليها، في علاقتها بالأبعاد الأخرى للخطاب (تداولي، ومعرفي، وأخلاقي...)."[31]
ومن بين الدارسين السيميائيين الآخرين الذين درسوا الأهواء، نذكر: هرمان باريت( H.Parret)  ، في كتابه( الأهواء: بحث حول تخطيب الذاتية)[32]، حيث أولى أهمية كبرى للذات من خلال منظور فلسفة اللغة والبعد التداولي، بدراسة مكون التجلي والتمظهر، وإعادة النظر في البنية العميقة، وربطها بالذات أو النفس الفردية، واستجلاء الأفعال الانفعالية عبر الدراستين: النفسية والتداولية اللغوية ضمن المآل التوليدي الاستهوائي.وقد ثار كثيرا على البنيوية الشكلانية التي كانت تقصي الذات بشكل من الأشكال. كما أهملت الأهواء والانفعالات وعواطف الذات المبدعة.لذا، سارع باريت إلى دراسة الهوى داخل الخطاب من منظور تلفظي تداولي، يمتح آلياته من فلسفة اللغة. وقد ميز بين الأهواء النمطية والأهواء المشتقة، معتمدا في ذلك على الوصف البنيوي والسيمائي. وقد قام بتقسيم الأهواء مستعينا بمنطق الجهات والمسار التوليدي الهووي.
هذا، وقد انطلق باريت، في دراسته للأهواء ، من ثلاثة مستويات منهجية: المستوى المورفولوجي للأهواء (يعتمد باريت هنا على النص لا على الوحدات المعجمية)، والمستوى التركيبي، ومستوى التخطيب. وقد توصل باريت إلى أن هناك ثلاثة أصناف من الأهواء: الأهواء العلائقية (المتقاطعة )، وتتمثل في: (الفضول-المضايقة- الجلد- الصفاء الذهني- الجهل- الخشية- السذاجة- الوهم- الهروب- الكرب- التناقض- الضجر- القلق- النفور- التردد)، والأهواء الانتعاظية (المثيرة)، وتتجلى في: (الاهتمام- الثقة- الكراهية- الحذر- الصداقة- الحب- اللامبالاة- الاحتقار- المودة- التقدير- الاستخفاف- الازدراء)، والأهواء الحماسية (الحماس- الافتتان- الإعجاب- الاضطراب- الاعتراف- الخيبة- الاحترام- الأمل).
وقد ركز باريت كلامه على الذات المستهوية والذات المضادة، فتعرض لمركب الأهواء ، ثم الحديث عن التوازن العاطفي والتعويض. كما تطرق إلى آليات التخطيب ، وأشار كذلك إلى أفعال الكلام وعمليات التلفظ ، واستحضر القوة الإنجازية لتخطيب الانفعالات والمشاعر[33].
ومن جهة أخرى، حلل فرانسوا راستيي(F.Rastier) سنة 1995م 350 رواية فرنسية من سنة 1830إلى سنة 1970م،  بدراسة الأشكال الدلالية المركبة للعواطف والأهواء[34]. ويعني هذا أن فرانسوا راستيي قد قارب العواطف والأهواء مقاربة تيماتيكية أو موضوعاتية ذات أبعاد سيميائية، ضمن نصوص روائية وسردية متنوعة.
وهناك دراسة أخرى قيمة لفرانسيس سيسيليا Cécilia.W.Francis) ) سنة 2006م تحت عنوان( السيرة الذاتية لغابرييل روي)[35]، حيث درست الباحثة فيها السيرة الذاتية للكاتب الكندي غابرييل روي ، في ضوء المقاربة السيميوطيقية للأهواء ، كما لدى كريماص وجاك فونتانيي، بالربط بين الأهواء والمعنى ضمن تحليل نصي وخطابي.
ويمكن الحديث كذلك عن الباحثة الفرنسية آن إينو( Anne Hénault[36] ) التي أصدرت كتاب( السلطة بوصفها هوى)، وقد ميزت فيه بين سيميائية الهوى القائمة على الاتصال بين الذات المدركة والعالم الموضوعي، مع معايشة الحدث آنيا بانتفاء المسافة بين الأنا والعالم ، وسيميائية العمل القائمة على الانقطاع والانفصال بين العالم والذات ، حيث تقول إينو:" مما لاشك فيه أن كريماص يعطي الأولوية للعمل(ليس فقط على مستوى تاريخ أفكاره، بل كذلك على المستوى الإبستمولوجي) في تمفصل سيميائية العمل وسيميائية الهوى، وذلك لأن تحليل كفاية الذات الإبسيتمولوجية الفاعلة هو الذي يفضي إلى قضية الهوى أو قضية الأهواء."[37]
ولقد اختارت إينو ، على مستوى التطبيق ، أن تدرس يوميات روبير أرنو داديلي R.A.D'Adilly ، في أثناء الفترة الممتدة زمنيا من سنة 1614 إلى سنة 1632م، ويبلغ عدد صفحاتها (1200) صفحة.
هذا، وقد اختارت إينو أن تبحث عن سيميائية الأهواء، بإنجاز دراسة دياكرونية (تطورية) لمختلف الفواعل التاريخية، وهي تتفاعل مع الأحداث، مع رصد مختلف الردود الانفعالية والاستهوائية تجاه الحكم والسلطة والمجتمع، انطلاقا من تصورات ورؤى سوسيولوجية وأنتروبولوجية. وقد استخلصت إينو من دراسة حالة السلطة عبر ثنائية الجذب والقوة إلى أن هناك ثلاث حالات سيميائية للأهواء: الانتقال من حالة الحبور والتقدير، إلى حالة الخيبة والفشل في إقرار السلم، مرورا بحالة التنبيه الشرعي وفقدان الهيبة.[38]
وعليه، فقد ركزت هذه الكتب المذكورة على سيميائية الأهواء تركيبا ودلالة، سطحا وعمقا، لسانا وكلاما ، متوسلة بخطابات متنوعة: معجمية، وأدبية، وسياسية، واجتماعية، وأخلاقية... وذلك كله من أجل البحث عن المعنى وآثاره، والتقعيد لبنية الخطاب الاستهوائي، كما يتجلى ذلك واضحا في الخطابات المدروسة والمنجزة.
وهناك من يتحدث أيضا عن سيميائية أخرى جديدة هي سيميائية الكلام باعتباره سيميائية وسيطة بين الذات والفعل مثل: محمد الداهي الذي يرى أن الكلام وسيط ضروري بين الذات الاستهوائية والإنجاز العملي، أو هو ممر ضروري بين الذات وعالم الأشياء ضمن الاختيارات التالية:
أ- هوىçكلامçفعل
ب- فعلçكلامçهوى
ج- فعلçهوىçكلام.
ويعني هذا حسب  محمد الداهي أن" الوحدات الكلامية قد تتقدم أو تتأخر عن الوحدات التمرسية أو الاستهوائية.إن الحالة النفسية التي تنسخ حالة الأشياء بحاجة إلى كلام ينقل مضمراتها من حالة الكمون إلى حالة البروز، ويسعفها على التأثير في الواقع وتغييره.وإذا كانت حالة النفس منفصلة عن حالة الأشياء، فإن الوحدات الكلامية تلعب دورا في الكشف عما تتضمنه السريرة، في دفع الذات إلى التحرك والانتقال من حالة إلى أخرى. وبذلك، تنهض بدور اتصالي بين الحالتين السابقتين، وتحوي عينات (أفعال اللغة) تستتبع إنجاز أفعال لإحداث تغييرات في العالم، وفي معتقدات المتلقي ومواقفه السلوكية."[39]
هذا، ومازالت الدراسات السيميائية الاستهوائية في العالم العربي - على حد علمي- قليلة جدا إلى حد الآن، مقارنة بالأبحاث والكتب التي انصبت على التعريف بالسيميائيات بحثا ودراسة وترجمة، أو اهتمت بسيميائية الفعل والعمل تطبيقا وإنجازا. وإذا وجدت دراسات وأبحاث استهوائية في الساحة الثقافية العربية ، فهي تعد على الأصابع ليس إلا ، كما نلفي ذلك واضحا عند الباحثين المغاربة على سبيل الخصوص: كمحمد الداهي الذي يعد أول من عرف بسيميائية الأهواء في كتابه(سيميائية الكلام الروائي)[40] ، وفي دراساته الأخرى مثل:(سيميائية الأهواء)[41]، و(تجليات البعد الانفعالي في رواية ( الحي الخلفي) لمحمد زفزاف)[42]، و(هندسة الأهواء في الضوء الهارب لمحمد برادة)[43]، وعبد المجيد العابد كما في مقاله: (دراسة قصة (أغنية هاربة) للقاص صالح السهيمي مثالا)[44]، وسعيد بنكراد الذي تحدث كثيرا عن سيميائيات الأهواء في كتابه المرتجم: (سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس )[45]، وجميل حمداوي كما  في مقاله المعنون بـ:(سيميوطيقا الأهواء في القصة القصيرة جدا)[46] وكتابه (السيميوطيقا السردية، من سيميوطيقا الأشياء على سيميوطيقا الأهواء)[47]، ومحمد بادي كما في دراسته التعريفية:( سيميائيات مدرسة باريس: المكاسب والمشاريع(مقاربة إبستمولوجية)[48]،...
وعلى أي حال، فإذا كانت سيميائية العمل أو الفعل قد قامت على مفهوم الانفصال بين الذات وعالم الأشياء، بالاشتغال على مفهوم الحالة والتحويل والعامل، حيث اعتبرت السرد مجموعة من الانقطاعات والتحولات التي تتحكم في الفاعل في علاقته بالموضوع المرغوب فيه. بتعبير آخر، يدرك العالم في سيميائية العمل منفصلا عن الذات. بينما يدرك العالم في سيميائية الأهواء متصلا بالذات وحالات النفس، ضمن كلية قائمة على التداخل والانصهار والتفاعل. ومن ثم، " تهدف سيميائية الأهواء إلى تشييد الاتصال أو الكلية التي شكلت إحدى ثغرات النظرية السيميائية الأساس عبر إدماجها للبعد الهووي في مراقي المسار التوليدي.إن الانفتاح على البعد الاستهوائي يقتضي عمليا الاهتمام بسيميائية الاتصال، باعتبارها بديلا عن السيميائية التي تأسست على العمل والانفصال، مع ما يقتضيه ذلك من حرص الباحث على الإلمام بآثارها على مستوى اشتغال آليات البناء العام."[49]
ويعني هذا كله أن السيميووطيقا الجديدة  قد انتقلت من حالات الأشياء مع سيميائية العمل إلى حالات النفس مع سيميائية الأهواء، ومن سيميائية الانفصال والانقطاع إلى سيميائية الاتصال والإدراك الكلي للأشياء والذات على حد سواء.

مواضيع ذات صلة

طور الدراسات السيميائية
المنهج السيميائي في النقد
المنهج السيميائي في النقد المعاصر
المنهج السيميائي في تحليل النصوص
السيميائية أصولها وقواعدها
دروس في السيميائيات حنون مبارك
ما هي السيميائية
المنهج السيميائي
المنهج السيميائي



[1] - ثابت عبد الله: الإرهابي20، دار المدى، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى سنة 1426هـ.

[2] - ثابت عبد الله: الإرهابي20، المرجع المذكور نفسه.
[3] - Greimas et Jacques Fontanille : Sémiotique des passions.SEUIL .PARIS.France.1991.          
[4] - محمد الداهي: سيميائية الكلام الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:177.
[5] - للتعمق،انظر: جميل حمداوي: السيميولوجيا: مبادئ نظرية وتطبيقية، كتاب قيد النشر، الطبعة الأولى سنة 2011م.
[6] - محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الدار البيضاء، المغرب/دار التنوير، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985م.
[7] -Chadli,EM:Le conte merveilleux Marocain.Sémiotique du texte éthnographique, Rabat, Publications de la faculté des lettres et des sciences Humaines, 2000.
[8] - سعيد بنكراد:السيميائيات السردية، منشورات الزمن، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999.
[9] - محمد السرغيني: محاضرات في السيميولوجيا،دار الثقافة ، الدار البيضاء، الطبعة الأولى،1987م.
[10] -  محمد الداهي: سيميائية الكلام الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2006م.
[11] -  عبد المجيد العابد: مباحث في السيميائيات، دار القرويين، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2008م.
[12] - عبد المجيد نوسي: التحليل السيميائي للخطاب الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م .
[13] - أعد رسالة جامعية  حول سيميائية الدلالة  في رواية( نجمة أغسطس) لصنع الله إبراهيم.
[14] - جميل حمداوي: السيميولوجيا: مبادئ نظرية وتطبيقية، كتاب قيد النشر، الطبعة الأولى سنة 2011.
[15] - طائع الحداوي: سيميائيات التأويل، المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2006م.
[16] - سمير المرزوقي وجميل شاكر: مدخل إلى نظرية القصة، الدار التونسية للنشر وديوان المطبوعات الجامعية بالجزائر، الطبعة الأولى سنة 1985م.
[17] - عبد الحميد بورايو: التحليل السيميائي للخطاب السردي، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران، الجزائر،  الطبعة الأولى سنة 2003م.
[18] - السعيد بوطاجين: الاشتغال العاملي،دراسة سيميائية، دار الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى سنة 2000م.
[19] - رشيد بن مالك: قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، دار الحكمة، الجزائر،  الطبعة الأولى سنة 2000م.
[20] - عبد اللطيف محفوظ: آليات إنتاج النص الروائي، منشورات القلم المغربي، الطبعة الأولى سنة 2006م.
[21] - موريس أبو ناضر: الألسنية والنقد الأدبي / في النظرية والممارسة، دار النهار للنشر، بيروت، لبنان.
[22] - أنور المرتجي: سيميائية النص الأدبي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء،الطبعة الأولى 1987م.
[23] - أحمد يوسف: الدلالات المفتوحة، مقاربة سيميائية في فلسفة العلامة، الدار العربية للعلوم ومنشورات الاختلاف والمركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى سنة 2005م.
[24] - اهتم ابن حزم كثيرا بهوى الحب في كتابه( طوق الحمامة).
[25] - A.J.Greimas :(De la modalisation de l’être), Actes sémiotiques, Bulletin9, p : 9-10.Repris dans Du Sens2, Paris, 1983, p : 93-102.
[26] - انظر: كريماص وجاك فونتنيي: سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، :ترجمة: سعيد بنكراد، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:46.
[27] -J.Greimas:( De la colère,étude de la sémantique lexicale),Actes sémiotiques,Documents,27,p:9-24;Repris dans Du Sens2,op.cit,p:225-246.
[28] - سعيد بنكراد: (مقدمة المترجم): سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، لكريماص وجاك فونتنيي،ترجمة: سعيد بنكراد، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:40-41.
[29] - سعيد بنكراد: (مقدمة المترجم): سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، ص: 41.
[30] - Jacques Fontanille, Claude Zilberberg : Tension et signification, Liège-Mardaga, 1998 ;
[31] - كريماص وجاك فونتنيي: سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، :ترجمة: سعيد بنكراد، ص:47.
[32] - Parret (H): les passions:essai sur la mise en discours de la subjectivité, Mardaga, 1986;
[33] - نقلا عن محمد الداهي:سيميائية الكلام الروائي، ص:15.
[34] -F.Rastier : L’analyse thématique des données textuelles L’exemple des sentiments, Paris, Didier, 1995.
[35] - Cécilia.W.Francis : Gabrielle Roy, autobiographie, subjectivité, passions, discours, les presses de l’université Laval Canada, 2006.
[36] - Hénault (A): le pouvoir comme passion, PUF, 1994.
[37] - Hénault (A): le pouvoir comme passion, PUF, 1994, p:214.
[38]- نقلا عن محمد الداهي: نفسه، ص:19.
[39] - محمد الداهي: سيميائية الكلام الروائي، ص:35.
[40] -  محمد الداهي: نفسه، ص:35.
[41] - محمد الداهي: (سيمياء الأهواء)، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد3، المجلد 35، يناير-مارس2007م، ص: 213.
[42] - محمد الداهي: (تجليات البعد الانفعالي في رواية الحي الخلفي لمحمد زفزاف)، محمد زفزاف الكاتب الكبير، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 2003م، صص:113- 126   .
[43] - محمد الداهي: (هندسة الأهواء في الضوء الهارب لمحمد برادة)، مجلة ثقافات، العدد 10، ربيع 2004م، صص:99-107.
[44] -عبد المجيد العابد: (دراسة قصة "أغنية هاربة" للقاص صالح السهيمي مثالامدونة عبد الماجد العابد، مدونة رقمية،بتاريخ19/02/2011م.
[45] - سعيد بنكراد: (مقدمة المترجم): سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، لكريماص وجاك فونتنيي،ترجمة: سعيد بنكراد، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.
[46] - جميل حمداوي: ( سيميوطيقا الأهواء في القصة القصيرة جدا"قصة" سريالية"  لحسن علي البطران نموذجا")، السيميولوجيا: مبادئ نظرية وتطبيقية، كتاب قيد النشر، الطبعة الأولى سنة 2011م؛.
[47] - جميل حمداوي: السيميوطيقا السردية، من سيميوطيقا الأشياء على سيميوطيقا الأهواء، دار نشر المعرفة، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة2013م.
[48] - محمد بادي:( سيميائيات مدرسة باريس: المكاسب والمشاريع(مقاربة إبستمولوجية)، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد3، المجلد 35، يناير-مارس 2007م، ص:287.
[49] - محمد بادي: (سيميائيات مدرسة باريس: المكاسب والمشاريع(مقاربة إبيستمولوجية)، مجلة عالم الفكر،الكويت،  العدد3، المجلد 35، يناير- مارس2007م،ص:308.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق