الاثنين، 17 أبريل 2017

صفات الموظف المثالي الناجح مواصفات عامل المعرفة

مواصفات عامل المعرفة الممكّن عند "بيتر دركر"

·       عامل المعرفة يعرف قدر نفسه[1]
يعرف عامل المعرفة نفسه ويعلم نقاط الضعف ونقاط القوة التي يتمتع بها بشكل جيد ويعرف قدر نفسه ويقف عندها. ومن سماته الثقة بنقاط قوته والإدراك الجيد لنقاط الضعف والاعتراف بها، ربما من أجل معالجتها ومحاولة تقليل مخاطرها.
ويبرز الإنسان المرشح للتمكين حتى في أثناء عملية الانتقاء، فهم عادة يعرفون نقاط الضعف لديهم ونقاط القوة ويعلمون جيدا ما يريدون. فيمكنهم أن يرفضوا عرضا للعمل إذا لم يتوافق مع قدراتهم أو ميولهم أو استعدادهم. ويقولون: نعم عندما يحدث العكس. وفي مستويات راقية من التمكين التي يمكن ملاحظتها عند هؤلاء أنهم يحددون طريقة العمل وطريقة إنجاز المهام المناطة بهم وشكل العلاقات، والنتائج التي يمكنهم الوصول إليها، والوقت الذي يمكنهم من خلاله تقديم تلك النتائج؛ وسبب ذلك أنهم يعرفون أنفسهم جيدا. وهذا لا يحدث إلا في حالات قليلة مع أناس يمتلكون أنفسهم فلا يريدون أحدا أن يمتلكهم.
ولكن غالبية الناس يُحَدّد لهم جميع التفاصيل وكيفية أداء العمل وكل شيء سواء أكان مناسبا لقدراتهم أم لم يتوافق مع ميولهم، فهم يقبلون بكل شيء. ولكن عامل المعرفة (Knowledge Worker) دائما يسأل: ماذا لدي من مساهمة يمكنني تقديمها؟ وما الأشياء التي يمكنني المساهمة بها؟ وعلى ذلك فعامل المعرفة يتساءل:
" بناء على مصادر القوة التي أتمتع بها فما هي متطلبات الظرف أو الموقف، وما هي طريقة الأداء بالنسبة لي؟ وما هي قيمي؟ وكيف يمكنني أن أقدم أفضل ما لدي من مساهمة لما ينبغي القيام به؟ وما هي يا ترى النتائج التي يمكن أن تصنع فروقات حقيقية؟".
يصف بيتر دركر القصة الآتية التي حدثت مع موظف تنطبق عليه المواصفات السابقة وقد حصل على وظيفة في أحد المستشفيات:
حالة 7موظف المستشفى


" كان المستشفى في تدهور مستمر فقرر هذا الموظف الجديد أن يصنع فروقات جوهرية خلال مدة عامين فقط في غرفة الطوارئ التي كانت تحت إشرافه ومسؤوليته، فقد كانت هامة وكبيرة ومتدهورة بنفس الأهمية والحجم. فقرر هذا الإداري ما يأتي: يجب على أي مريض يدخل إلى غرفة الطوارئ أن يُعرض على ممرضة كفؤه خلال 60 ثانية من دخوله. فخلال 12 شهرا من هذا التغيير كان هذا الجهاز أنموذجا لكل مستشفيات الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال سنتين انتقل هذا النموذج إلى جميع أقسام المستشفى فكانت عملية تحويلية رائعة".


هذه حالة ربما تتكرر فقط مع أولئك الذين يثقون بقدراتهم على التغيير. فهذا الموظف منذ البداية يثق بنفسه ويعلم أن بمقدوره إحداث أثر في العمل، وعدم قبول الوضع الراهن بمشاكله وتداعياته. هذا التفكير لا ينطبق أيضا إلا على أولئك الذين يتمتعون بمقومات التمكين من استقلالية وحب المبادرة والانتماء للعمل وللمهنة التي يمارسونها. وهؤلاء لا يتوقفون عند إدراكهم لذواتهم ومكنوناتها، وإنما ينطلقون للتعاون مع الآخرين ويدركون أن من مقومات التعاون مع الآخرين معرفة مكنوناتهم وقدراتهم ونقاط قوتهم وضعفهم.

·       معرفة عامل المعرفة للآخرين
معرفة عامل المعرفة لنفسه وقدراتها وإمكانياتها لا يكفي في بيئة العمل في القرن الواحد والعشرين، فلا بد من معرفة الآخرين لكي يتمكن أو تتمكن من إدارة عملية التعامل والتعاون معهم. فلا بد من معرفة المسؤول مثلا، من حيث قدراته ونقاط قوته وضعفه وقيمه أو معرفة أعضاء الفريق ونقاط قوتهم وأوجه قصورهم. وأول وأهم سر من أسرار الفاعلية الشخصية أن تفهم ألآخرين وتجعلهم يفهمونك[2] وذلك لكي تتمكن من استثمار نقاط قوتهم وتمكينهم من توظيف مصادر قوتهم والتغلب على قصورهم من أجل التعاون معهم لتحقيق القيمة المضافة في العمل. والقيمة المضافة، تتحقق في هذا السياق من خلال ذلك التفاعل التبادلي أو ما يسمى بالاعتمادية المتبادلة (Interdependency) بين أعضاء الفريق مما ينجم عنه نتائج تُضاعف قيمة النتائج التي تنجم عن الإنجاز الفردي المستقل. وواقع الحال، أن العاملين اليوم يؤدون وظائف متباينة، فهم لا يعرفون ما يتجاوز حدود وظائفهم وجهلهم هذا يتطلب معرفة: ما يعمله الآخرون، وكيف يعملون، ولماذا يعملون، كما يعملون وما هي النتائج التي يرغبون من أجل تحقيق التكامل في العمل والقيمة المضافة[3].
وواقع الحال أيضا أنه نادرا ما تجد الفرد في المنظمة يسأل زميله في العمل عما يعمله. ولكن عامل المعرفة يسأل كل من حوله سواء أكانوا أقل منه أو أعلى أو من هم في مستواه الوظيفي، حول أسرار العمل وتحدياته وآخر تطوراته من نواحي فنية وغير فنية، وذلك من أجل التعلم والتكامل (Synergy) والتعاضد والتنمية. وهذا لا يحتاج إلى ثقة بين الأفراد فحسب، وإنما يستلزم ويستدعي ثقافة التدخل الموضوعي، بدلا من التدخل الشخصي، وبدلا من عدم التدخل. فلا يستوجب أن يكون الدافع هي العلاقة الشخصية أو من أجل المحبة والمودة (علما بأن المودة والمحبة إن تحققت فهذا أمر جيد) وإنما الهدف الموضوعي هو الفهم والتعلم والتطوير. لذلك في هذا السياق يؤكد بيتر دركر أن وظيفة صنع العلاقات الموضوعية أمر في غاية الأهمية وليس ترفا مهنيا أو رغبة شخصية[4](Drucker, 1999).

 رأس المال البشري (Human Capital)  وعامل المعرفة (Knowledge Worker)

 إن من أهم التطورات التي حدثت في العقدين الأخيرين، التطورات التكنولوجية، وعلى رأسها الإنترنت، الذي ساهم مساهمة مدهشة في خلق أنشطة تجارية واسعة، وفتح أسواق جديدة، ومتعددة، وأدى إلى وجود مؤسسات تعمل دون الاعتماد على رأس المال التقليدي بل بالاعتماد على الموهبة، والقدرة الذهنية والمعرفية، وأدى إلى خلق مؤسسات مختلفة في أدائها وفي هيكلها التنظيمي وفي طريقة عملها ومنها المؤسسات الافتراضية[5] (Virtual organization).
لقد أضحت الأعمال في الدول المتقدمة تقوم على المعرفة حيث الفرد أصبح يشار إليه بموظف أو عامل المعرفة Knowledge worker  لأنه يعتمد على المعلومات وإدارتها و قيمة العاملين التي يستمدونها من مواهبهم وقدراتهم في التفكير والتحليل و حل المشاكل.  وبدأت الأعمال الروتينية الرتيبة بالتقلص والتناقص وأصبحت ُتنجز بواسطة الالآت أو أجهزة الروبوت أو الحاسبات الآلية.
ويرى لولر (Lawler (2000 أن رأس المال البشري من أبقى وأدوم المصادر التي تحقق الميزة التنافسية للمؤسسات الناجحة إضافة إلى محورين آخرين هما:
1.   إمكانيات المؤسسة Organizational Capabilities
2.    والكفاءات المحورية للمؤسسة Core Competencies .
هذه المحاور الثلاثة تتلاءم وتنسجم بعضها مع بعض من حيث إن الكفاءات المحورية وإمكانيات المؤسسة تتطلب المحور الثالث، والمهم وهو رأس المال الفكري والبشري المناسب. ولكي تتمكن هذه المؤسسات من خلق وإيجاد وتوفير هذه المقدرات وهذه الإمكانيات فهي تعتمد على موهبة أفراد المؤسسة والطاقات الكامنة لديهم. ولكن المهارة والطاقة الكامنة لا تكفي إذا لم تتوافر النظم المناسبة والأنماط الإدارية الملائمة. فقد يكون لدينا الأفراد الذين تتوافر لهم القدرات الفردية العالية ولكن إذا لم تستطع الإدارة توجيه هذه القدرات فإنها لن تتمكن من الاستفادة منها بالشكل المناسب. وهذا يتطلب إعادة النظر في الهياكل التنظيمية الهرمية وفي النماذج البيروقراطية (كما تم الإشارة إلى التنظيم والهياكل التنظيمية في الفصل السابع) التي سيطرت على الفكر الإداري لفترة طويلة من الزمن.فالديموقراطية أصبحت نهجا مطلوبا حتى في مؤسسات الأعمال، بحيث أصبح واقعا تحاول المؤسسات استيعابه وتطبيقه. فالمؤسسات الهرمية بطيئة الحركة وغير قادرة نتيجة لجمودها وعدم مرونتها على مواجهة المنافسة العالمية في الوقت الحاضر والمستقبل القادم. وتفشل هذه الهياكل في استقطاب المحاور الثلاثة: 1- رأس المال البشري و2-إنتاج الكفاءات المحورية و3-إمكانيات المؤسسة.
فكما تم التأكيد في الفصل السابع، فمن المهم استبدال هياكل أفقية تعتمد على عمل الفريق وتكنولوجيا المعلومات وشبكات العلاقات(Network) [6] والقيادة الجماعية والمشاركة والتمكين بالهياكل التنظيمية التقليدية. فالتحول المطلوب هو نحو أشكال تنظيمية منبسطة (Flat) بمرونة وسرعة وقدرة على تداول المعلومات والمشاركة الفاعلة في نقلها والاستفادة منها، ونظم تعمل على خلق المعرفة وبناء أفراد المعرفة في المؤسسة. هذه الخصائص تتطلب رأس المال البشري الذي ينبغي أن تتم معاملته بشكل يختلف عنه في المؤسسات التقليدية؛ من أجل جذب الكفاءات والمواهب المناسبة، ومن خلال معاملة هذه المواهب بطريقة غير تقليدية وخلق مساواة اجتماعية وحوافز مناسبة.
إذن لا بد من التحول من التركيز المطلق على الوظيفة (Job-Based Approaches) إلى التركيز على الموظف بما يحمل من معرفة فيصبح التركيز على المعرفة (Knowledge-Based Approaches) ، وعلى المهارة (Skill-Based Approaches). تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الأسلوب لن يكون مناسباً في المنظمات التقليدية والبيروقراطية حيث ينبغي أن تشكل الوظيفية والوصف الوظيفي النواة والمرشد الرئيس لأداء العاملين، ولا مانع بعدها من إبداعات الأفراد ومحاولاتهم من أجل التجديد والابتكار. ولكن في المنظمات غير التقليدية وخاصة في المنظمات التكنولوجية فإن الموظف ينبغي أن يكون هو الأساس قبل الوظيفة بسبب حاجة تلك المنظمات للتطوير المستمر وبسبب تجدد طرق وأساليب العمل بشكل مستمر قد لا يكفي معه الوصف الوظيفي لكي يكون الأساس لأداء العاملين وخاصة في زمن أضحى فيه التغيير والتجديد سمة ملازمة للمنظمات المتعلمة، وأصبحت التكنولوجيا واستخداماتها متجددة بشكل مدهش وأصبحت دورة حياة المنتجات أقصر من أي وقت مضى. كل هذا يتطلب أن تكون المعرفة وصاحبها هما النواة الأساسية التي يقوم عليها بناء المؤسسة، الأمر الذي يساهم في تمكين العاملين من تطوير الوظيفة وإتاحة الفرصة من أجل خلق إضافات نوعية للوظيفة من خلال إبداع الموظف وقدراته الخلاقة.
وبناء على ذلك ينبغي أن يتم التحول من التركيز على الوظيفة إلى التركيز على مواصفات الفرد أو الشخص بما يحمل من معرفة ومهارة ومواصفات الفرد يجب أن تصبح الأساس الذي يتم بموجبه انتقاء الموظفين وتدريبهم وتطويرهم ومكافأتهم وحوافزهم. هذا التحول من التركيز على الوظيفة إلى التركيز على الموظف ومواصفاته يؤكد أهمية ودور رأس المال البشري في فاعلية المؤسسة وينبغي أن يكون هو المحور الأساسي لتركيز واهتمام أنظمة المؤسسة الإدارية. والتركيز على الموظف لا يعني هنا التركيز على شخص الموظف بل على ما يحمل من طاقة كامنة وقدرات قابلة للتعلم واكتساب المعرفة. وبسبب التركيز على رأس المال البشري فإن طبيعة العلاقات بين الموظفين والعملاء والمدراء أيضا تخضع إلى تغيير. في هذا الترتيب من العلاقات بين الأطراف الثلاثة كان الموظف في آخر السلم من ناحية الأهمية بعد الزبائن والمديرين بدرجات كبيرة. ويخضع الموظفون دائما، وخاصة في المستويات الدنيا من المؤسسة، للتقويم حول إنتاجيتهم ومستوى إرضاء زبائنهم، ولكن بالمقابل لا يخضع المديرون لأي تقويم حول مستوى تعاملهم مع الموظفين، فهذا الأمر نادرا ما يخضع للمساءلة. من ناحية أخرى يتم أحيانا قياس مستويات رضا الزبائن من الخدمات التي يقدمها الموظفون، ولكن نادرا ما يتم تحري رضا الموظفين بشكل عام فضلا عن رضاهم في تعاملهم مع أي من الزبائن الذين يتعاملون معهم.
هذه المعادلة غير متوازنة وفيها حلقة مفقودة بالنسبة للموظف، وفي زمن رأس المال البشري، فإنه يجب أن يعاد النظر في طريقة تقويم الموظفين ويجب إعادة النظر في كيفية النظر لهم من حيث المبدأ فتنادي الكثير من الدراسات إلى اعتبارهم بنفس مستوى المديرين بما أنهم يقومون بواجبات ومهام لا تسير المؤسسة ولا تستمر أو تستوي أمورها دون القيام بها. إذن هم شركاء مع المديرين في القيمة والأهمية ومن هنا ينبغي أن يسمح لهم بتقويم مديريهم ويذهب Edward Lawler  أبعد من ذلك فيقول: إن على المؤسسة أن تطرد المديرين الذين يفشلون في استقطاب أو المحافظة على أفضل الموظفين.

التأثير على الأفراد

أصبح الموظف الآن يمتلك بشكل أكبر من أي وقت مضى طريقة الإنتاج التي تعتمد عليها المؤسسة في ما تنتجه من منتجات أو في ما تقدمه من خدمات للمستهلكين. ونتيجة لملكية هؤلاء الموظفين لطرق الإنتاج؛ فإن أهميتهم وقيمتهم لم تعد بنفس المستوى التقليدي للموظف الذي كان يعتمد على عضلاته في العمل أو على قدراته الجسدية أو الصناعية. ومن هنا فإن طريقة التعامل لا بد أن تختلف من ناحية التدريب والتطوير والمكافآت وغيرها من المواضيع المتعلقة بإدارة الموارد البشرية. فهؤلاء الموظفون بحكم معرفتهم وملكيتهم لطرائق العمل، فإن قدرتهم على الحركة أكبر، وسهولة نقل أسرار العمل إلى مؤسسات منافسة أمر في غاية السهولة بالنسبة لهم، وقوة تفاوضهم عالية أيضا. وهذا الأمر أصبح أمرا واقعا لدى المؤسسات التي تعمل على الشبكة الإلكترونية (The Web). فالأفراد الذين يعملون في مثل هذه المؤسسات يحصلون على مردودات مالية عالية مقابل ما يقدمون من معرفة ومهارة في أعمالهم لأنهم كفاءات نادرة ويمكنهم المساهمة الفاعلة في تحسين الوضع الاقتصادي للمشروع الذي يعملون فيه. هؤلاء الموظفون الذين يمتلكون نصيبا في الشركة التي يعملون فيها من خلال الأسهم Stock Options ، وهذا بطبيعة الحال يساهم في تحسين الأوضاع المادية للعاملين من جهة، ويؤدي إلى الحفاظ عليهم من جهة أخرى، فالكفاءة النادرة من الصعب الحفاظ عليها في الوقت الحاضر ولكن عندما يشكل أصحاب الكفاءات النادرة رأس مال بشري للمنظمة التي يعملون فيها، فإن كونهم شركاء في المؤسسة سيكون مصدراً هاماً من مصادر الحفاظ عليهم وعدم تسربهم للمنافسة.
وتأخذ هذه الشراكة شكلين أساسيين:
1.         المشاركة في رأس مال الشركة من خلال المساهمة. ويحق لمن يصنف ضمن قائمة "رأس المال البشري" للشركة أن يشارك برأس مالها.
2.         المشاركة من خلال ملكية العامل لطريقة العمل أو طريقة الإنتاج Method of Production
من هنا يتضح بشكل جلي دور وأهمية رأس المال البشري، ولكن ليس للجميع وكما يقول العلامة بيتر دركر في كتابه الشهير، الحقائق الجديدة، “The New Realities” . هنالك جموع غفيرة من الأقل حظاً في المجتمع ممن سيكون نصيبهم ومساهمتهم في تشكيل رأس المال البشري متدنية، وسيبقى هؤلاء للأعمال الدونية الروتينية التي لا تتطلب تلك القدرات المعرفية التي تتطلبها منظمات المعرفة ورأس المال البشري والمنظمات المتعلمة. نعم أصبحنا نرى حتى في بعض الدول النامية ومنها دول في العالم العربي، مؤسسات متطورة وشركات تكنولوجية تضغط بشكل مباشر وغير مباشر على خريجي الجامعات من أجل تجاوز متطلبات الشهادة الجامعية بامتلاك مهارات ومعارف أخرى إضافة إلى تلك التي توجد في الخطة الجامعية للطالب.
فقد أصبح الأمر واقعا على الأرض أن تطلب الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة من المتقدمين للوظيفة وثائق أخرى غير الشهادة الجامعية الأساسية، مثل مؤهلات في البرمجة وإتقان الحاسوب والمعرفة بالانترنت ومتطلبات أخرى مثل: رخصة الحاسوب الدولية (ICDL) وإتقان اللغة الإنجليزية كتابة ومحادثة ومعرفة وربما لغات أخرى وتقنيات مختلفة. لذلك يُنصح الطالب على مقاعد الدراسة الجامعية أن يخطط من أجل اكتساب معارف ومهارات إضافية لكي يتمكن من المنافسة في سوق العمل الذي صار انتقائيا إلى حد كبير، نتيجة لتوافر الكفاءات المختلفة في جانب العرض من ناحية، ونتيجة لحاجة هذه الشركات لموظف المعرفةKnowledge worker في جانب الطلب من ناحية أخرى.
فبعض طالبي الوظيفة الأذكياء من الجامعيين من يحاولون دائما اكتساب مهارات جديدة ويستثمرون في معرفة علوم وتقنيات جديدة من أجل رفع قيمتهم إلى أعلى مستوى في سوق العمل، وهذا ينطبق بشكل كبير على المهن ذات العلاقة بالحاسب الآلي والبرمجيات وتكنولوجيا المعلومات وعالم الإنترنت والاستشارات والبحوث وغيرها ولكن بمستويات مختلفة.
في ظل مؤسسات تتعامل مع موظفين ينطبق عليهم ما تم ذكره من مواصفات مثل موظف المعرفة ورأس المال البشري وغيرها من مواصفات تدل على قدرات ومواهب قابلة للاستثمار لتنمية المنظمة وتقدمها ووصولها إلى الميزة التنافسية المطلوبة. ويبقى هنا دور الإدارة في توجيه واستثمار هذه القدرات من أجل إحداث التنمية المستديمة. ومن أهم الوسائل الإدارية المناسبة لمثل هذه المواصفات طرح منهج وشعار التمكين وتطبيقه في المؤسسة، وخاصة لأننا هنا نتعامل مع إنسان لديه المعرفة والقدرة الكافية على القيام بالعمل بحرية واستقلالية ودون تدخل مستمر من الإدارة. فلا بد من تغيير في الأساليب الإدارية والتنظيمية من أجل تكوين مناخ إداري وتنظيمي يلائم ما تم سرده من مواصفات، لكي يكون ذلك المناخ حاضنة لتمكين الموظف ومنحه ما يستحق من ثقة وتمكّن وتعّلم ذاتي من أجل تمهيد السبيل لتكوين منظمة متعلمة فيها الجميع يتعلم.
كما أشرنا في مواقع أخرى من الكتاب، فإن التعلم والتعليم والمعرفة مفاهيم ومصطلحات مترابطة ومتكاملة، فاكتساب المعرفة يتم من خلال وسيلة التعلم التي تساهم في تكوين عامل المعرفة الذي يتمتع بالمهارة والمعرفة والقدرة على النهوض بالمنظمة التي يعمل بها. والتعليم في حقيقته نشاط هام وأساسي لأي مؤسسة ترغب في التطوير المستمر والتجديد الدائم، والتعليم الإداري والمنظمة المتعلمة من المواضيع التي تأخذ حيزا هاما من دراسات الإدارة والتنظيم فالتعلم بحسب علماء النفس هو " تعديل مستمر للسلوك من خلال الخبرة" : كما يعتمد التعلم على تراكم الخبرات وتبادل المهارات. ويتفق العلماء على أن التعلم عملية فطرية في البشر وبهذا يمكننا اعتبار الجهل مخالفا للفطرة وإذا سحبنا ذلك على المؤسسات نستطيع أن نستدل على أن التعلم هو من طبيعة الموظفين. فإذا كانت مؤسسة ما لا تتعلم فهي تبني حاجزا يعيق عملية التعلم، وقد يتمثل هذا الحاجز بالخوف من المخاطرة، وهذا ما يحدث مع المؤسسات التي تفكر بالربح والخسارة فقط وخاصة الربح العاجل والقريب، عندها تقل فرص المخاطرة والمحاولة. لأن المحاولات الفاشلة تؤدي إلى الخسارة. فالمخرج الوحيد هو إزالة كل ما يقف أمام التعلم بتبديد الخوف من المخاطرة، علماً بأن أكثر المديرين قدرة على التعلم هو المدير أو الموظف الذي يواجه تجارب فاشلة في مؤسسته ولكنه يستخدم هذه التجارب كوسيلة من أجل التعلم[7].
ومن أهم القضايا في المنظمة المتعلمة مسألة الانتقاء والتعيين، فيجب انتقاء وتعيين العاملين الذين يمتلكون القابلية والرغبة في التعلم، فلا يكفي تعيين العاملين المدربين فقط أو من لديهم التخصصات الجامعية الجيدة والشهادات العالية. ولكن لا بد من تعيين من تتوافر لديهم القدرة والإرادة على أن يتعلموا ويعلموا وتكون عملية التعلم لديهم عملية مستمرة من خلال الخطأ والتجربة ومن خلال المخاطرة والتجريب ومن خلال التدريب والتعلم ومن خلال الممارسة والمحاولة المستمرة. ولا بد من علاقة بين التعلم والإبداع. فالموظف المبدع والمبتكر يحتاج إلى وسيلة للوصول إلى ذلك الإبداع وذلك الابتكار. ومن البديهي القول أن فاقد الشيء لا يعطيه، والإبداع لا يأتي من فراغ وإنما يتحقق من خلال المعرفة والتعلم والإطلاع على تجارب مختلفة لمساعدة العقل على التفكير الخلاق والتجديد ومن ثم الإبداع[8].

الإبداع والتمكين:

المؤسسات الناجحة التي تشجع روح الإبداع من خلال التمكين تعتقد بأن ذلك لا يتم أبداً إلا من خلال دفع مقومات الاستقلالية والريادية إلى أسفل الهرم التنظيمي وتوفير هذه المقومات لدى الموظف المباشر الذي يعمل على خطوط العمل الأمامية أو يواجهه الزبائن وجهاً لوجه ويحاول حل مشاكلهم.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن كل ابتكار أو اكتشاف يظهر في العالم العربي برمته يقابله 16000 في كوريا الشمالية ويقابله تقريباً 44.000 في الولايات المتحدة الأمريكية(*). وهذا يستدعي من الدول العربية إعادة التفكير بمشاريع التنمية والتطوير والإبداع؛ بجعل هذه الأمور من أهم أولوياتها.
وسر الإبداع يكمن في تفجير طاقات البشر كما يقول توم بيترز و وترمان في "البحث عن التميز". ويؤكد توم بيترز ووترمان في كتابيهما، على أن مبدأ العقلانية المعروف غير صالح للاستخدام في هذا السياق، ولا بد من أن تتوافر للمبدع نوعاً من اللاعقلانية في التفكير لأن العقلانية تقود إلى حلول كمية مبنية على أسس علمية محددة ومؤكدة النتائج لا يوجد فيها استثمار للخيال والحدس البشري بشكل متحرر من القيود والأطر والقوانين المحددة[9].
ولا أدل على ذلك من الابتكارات والاكتشافات العلمية التي جاءت من الخيال العلمي اللاعقلاني ومن خلال أفلام هوليود التي كان ينظر إليها على أنها خيال لا ينتمي لأي واقع أو تفكير منطقي أو عقلاني، فتمخض عنها تجارب علمية أنتجت سلعاً ومنتجات يستخدمها الإنسان. وقد كان الإنسان الآلي يوماً من الأيام من نسيج الخيال وأصبح واقعاً وقس على ذلك الخلوي والإنترنت وغيرها الكثير من التقنيات التي لم تنتج وتخرج إلى النور إلا من خلال التفكير غير المنتظم، غير العقلاني وربما ينظر إليه بالمتهور أحياناً من قبل أصحاب المنطق أو التابعين لمدرسة الإدارة العلمية التي نادى بها فردريك تايلور في بدايات القرن الماضي[10].

الخلاصة:

يتبين مما سبق أهمية المعرفة المتجددة لكل فرد من أفراد المنظمة وعلاقة المعرفة والمنظمة، المتعلمة والإبداع والتجديد والتفكير اللاعقلاني مع الموضوع الرئيس في هذا الكتاب ألا وهو موضوع التمكين. فحقيقة التمكين وحرية التصرف والتفكير الخلاق المبدع يحتاج إلى موظف أو موظفة لديها أو لديه نوع من المعرفة والمهارة المتجددة من خلال التعلم المستمر لرفد عملية الإبداع والإنجاز النوعي المتميز. إن الحديث حول هذه المواضع ربما يتطلب فصولاً عدة، لا بل ربما تحتاج إلى مجلدات، حيث إن هنالك الآن منهجا جديدا في إدارة المعرفة وهنالك علماء ودراسات في المعرفة وإدارة المعرفة ونقل المعرفة والمشاركة في المعرفة [11].
والمعرفة تساعد بطبيعة الحال العاملين في تحسين قدراتهم على التفكير الخلاق والمبدع، وتعزز الثقة بالنفس وتضفي نوعا من الرضا الداخلي الذي لا يتحقق من الأعمال التي يخضع فيها الفرد لمراقبة صارمة من قبل المدير ولتوجيه مستمر وقوانين لا تسمح للعقل أن يفكر ويعمل بطريقته الخاصة[12].



 مواضيع ذات صلة 

صفات الموظف المثالي الناجح

نظرية المعرفة أو عِلْمُ المَعْرِفِيَّات أو الإبيستيمولوجيا

تطبيق إدارة المعرفة في المؤسسات

الاقتصاد المبني على المعرفة، التنافسية، الاستدامة

مواصفات عامل المعرفة

معنى عامل معرفة

أحمد العرفج

الدكتور احمد العرفج

زوجة احمد العرفج

هل احمد العرفج متزوج

احمد العرفج ضابط

ياهلا بالعرفج

عائلة العرفج


 



 



مراجع وهوامش الفصل

[1] Drucker, P, (1999) Mgt Challenges for the 21st century, Harper Collins.
[2]  Covey, S (1992) The Seven Habits of Highly  effective people, Restoring the Character Ethic , London: Simon and Schuster.
[3] Kay, J. (1995), Foundations Of Corporate Success, Oxford: Oxford University Press.
[4] Drucker, Management challenges for the 21st century, Op cit.
[5] Prahald, C. K. and Hamel, G. (1990), The Core Competence of The Corporation, Harvard Business Review, 68 (3),pp. 79-91
[6] Barnatt, C. (1995), Cyber Business, New York: Wiley.
[7] Senge, P (1990) The Fifth Discipline, London: Random House
[8] Hurst, D. K. (1995) Crisis and Renewal, Cambridge, MA: Harvard Business School Press.
(*)  عن فاروق الباز مدير مؤسسة ناسا للفضاء السابق في مقابلة تلفزيونية مع محطة الجزيرة عام 2004. أكد أيضاً على أن كل اكتشاف في مصر يقابله 16000 في كوريا و 48000 في أمريكيا.
[9] Carnall,C. (1999), Managing Change In Organizations, Third Edition, London, Prentice-Hall Europe, pp.83-93.
[10]  Taylor, F. (1911), The Principles of Scientific Management, New York: W. W Norton.
[11] من أمثال Nonaka and Davenport  وآخرون.
[12] Nonak, I. and Takeuchi, H. (1995), The Knowledge Creating Com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق