السبت، 15 أبريل، 2017

البناء الفني الشخصية القصصية

البناء الفني الشخصية القصصية
كانت الشخصية – قديماً – عاملاً ثانوياً بالقياس إلى  عناصر العمل الأدبي الأخرى، فقد كانت خاضعة خضوعاً تاماً لمفهوم الحدث. واستمر المفهوم الأرسطي للعمل الفني يولي أهمية بالغة للحدث على حساب الشخصية حتى القرن التاسع عشر، إذ احتلت الشخصية مكانة بارزة في العمل الروائي بخاصة، بأنها لم تستقل عن الحدث فحسب بل زاد على ذلك أن أصبحت الأحداث نفسها مبنية – أساساً – من أجل إمدادنا بمزيد من المعرفة بالشخصيات، ونجد لذلك تبريراً عند النقاد والدارسين،  فيعزو الآن روب جرييه هذا الاهتمام الذي أولاه الروائيون للشخصية في القرن التاسع عشر إلى  صعود قيمة الفرد في المجتمع، ورغبته في السيادة، فأضحت الشخصية عاملاً مختزلاً لمميزات الطبقة الاجتماعية، حتى أضحت كل عناصر السرد تعمل على إضاءة  الشخصية وإعطائها الحد الأقصى من البروز، وفرض وجودها في جميع الأوضاع( ).
ويستفيض عدد من العلماء في تفسير العلاقة بين الشخصية في العمل والمجتمع الذي تنغرس فيه وتعبر عنه، إذا لم تعد الأهمية لما تمثله الشخصية في العالم بل لما يمثله العالم بالنسبة لها، وما تمثله الشخصية بالنسبة لنفسها( ) وبعبارة أخرى ما عاد الرواية الجديدة تعني كتابة مغامرة بل أصبحت مغامرة كتابة.
وغني ن البيان أن الشخصية ليست هي المؤلف الواقعي، وذلك لسبب


بسيط هو أن الشخصية محض يبدعه المؤلف لغاية فنية محددة، وحسب ما يرى تودوروف فإن قضية الشخصية هي قضية لسانية، فلا وجود للشخصيات خارج الكلمات، لأنها ليست سوى كائنات من صنع المؤلف، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشخصيات – أحياناً- تمثل أشخاصاً فعلاً وذلك بأن تعكس بعض جوانبهم وفق صياغات خاصة بالعمل الفني( ).
وازداد الاهتمام بالشخصية حتى أصبحت الشخصيات ذات وجود مستقل، بينما الحدث تابع لها ( ).
ومن خلال دراستنا لأعمال زكريا القصصية لاحظنا أن بناءها الفني يقوم على عنصر الشخصية كمرتكز أساسي، بعد أن أسقط الحادثة من محور القصة، وهذه من أهم سمات التجديد الفني التي امتاز بها زكريا عن غيره من الأدباء العرب في فترة السبعينات، فقد سلط الضوء في المجموعات " صهيل الجواد الأبيض" و " ربيع في الرماد" على الفرد المسحوق ذي المعالم التائهة، فلا هوية، ولا اسم يمتاز به بطل زكريا فهي شخصية ذات قوة جذرية أو كما يسميها رولان بورنوف بقائد الحركة في الحدث، كما أن الحدث الذي يقوم به قائد الحركة عند زكريا يمكن أن ينشأ من رغبة أو حاجة أو من خوف( ).
امتازت الشخصية القصصية عند زكريا بالعمومية فاختفت الأسماء وأضحت الأشخاص أقرب ما تكون إلى  الذوات، فلا نعرف شيئاً عن نشأة الشخصية أو ماضيها ويأتي ظهورها في العمل دون مقدمات سابقة،
حتى يمكننا أن نطلق عليها اسم الشخصية الجماعية، لما نستشف من خلالها ملامح الشعب العربي ومأساته وأزماته أمام السلطة بكافة مؤسساتها فيجد


القارئ شخصيته متحققة – جزئياً – في إحدى شخصيات القصة فيتحقق امتزاج القصة بتصورات القارئ وتخيلاته، كما يرى ذلك برناردي فوتر نظراً لما يحدث من تجاوب بين بعض انفعالات القارئ وعواطفه وبين القصة نفسها، وربما يصل الأمر إلى  أن يجد القارئ رمزاً لحياته الخاصة ( ).
أما مجموعة " دمشق الحرائق" فقد سلطت الضوء على عدة شخصيات أفرزها زكريا من المجتمع الشامي الشعبي، ورسمها بدقة متناهية توحي بواقع البيئة المحلية للقاص. فرؤية القاص للواقع هي التي تفسر طريقته  في رسم الشخصيات، وكذلك مدى رعيه للعلاقة بين الإنسان والواقع.
وحتى تقوم الشخصية بدورها الفاعل لا بد للكاتب من المزج بين عوالم الشخصية وأبعادها الثلاث: الخارجي والداخلي والاجتماعي ( ).
قد استخدم زكريا تامر الطريقة التحليلية غير المباشرة (الملحمية) ( ) والطريقة التمثيلية المباشرة في رسم شخصيات العمل القصصي فاعتمدت مجموعته الأولى " صهيل الجواد الأبيض" على الطريقة لتمثيلية المباشرة، بينما تكشفت الطريقة التحليلية في باقي المجموعات، والتي لم تخل من بعض القصص التي تعتمد الطريقة غير المباشرة في السرد.
وشخصية البطل في قصص زكريا جدلية متوترة  وفي حالة صراع دائم مع السلطة بكافة مؤسساتها وتتسم بثبات الموقف منذ بدء القص حتى نهايته، فنحس أمامها بنبض الحياة، ومأساة الواقع. وشخصية أبطاله التي ظهرت
في " صهيل الجواد"، و"ربيع في الرماد"، و " الرعد"، و " النمور" ذات ميزات خاصة يمكن أن نعبر عنها بنموذج الإنسان المثقف ابن الطبقة البرجوازية الصغيرة الذي اصطدم بواقعه فانفصل عنه وارتد على نفسه ممزقاً

عابثاً حزيناً.
ويستوقفنا السؤال: من أين استمد زكريا تامر شخصياته ؟ يقول مبيناً أنه لا انفصام بين الواقع وعالمه القصصي "....أحب القصة التي تنجح في إقناعي بأن عالمها هو عالم حقيقي وأرضها صلبة وبشرها من لحم ودم، ولغتها لغة صادقة حارة "( ). لذا جاءت الشخصية مدركة لواقعها المعاش الفقير، المهزوم ومقره له دون محاولة الثورة أو الاحتجاج، كما استمدها من واقع المثقف العربي، ومن التاريخ ثانياً، ومن الحياة الشعبية ثالثاً.
فتنطلق شخصياته من الواقع الاجتماعي والطبقي، لكنها تدرك طبيعة خضوعها له ويظهر ذلك من خلال ما يعتمل في نفس الشخصية من قلق وعقد وكوابيس واضطرابات، فتحاول المقاومة بذاتها الإنسانية ووجودها وأحلامها، وتسعى إلى  الخلاص من القيود التي تكبد تطلعاتها وحاجاتها الطبيعية (الحب والخبز، والحرية ).
ويتكئ زكريا على الواقع، في بناء شخصياته غير الواقعية واللامعقولة، كما في " الفريسة" و " مغامرتي الأخيرة"، و "عباد الله".
وبسبب تشوه الواقع، يقدم زكريا الشخصية مشوهة من الداخل، وهذا ما سنفسره أثناء عرضنا للظاهر النفسية للشخصية إذا اصطدمت الشخصية بالواقع ولم تستطع الانفلات منه أو تجاوزه مما خلق توتراً مزمناً وخصاماً مستمراً مع العالم، فتبلورت الرؤية العبثية (اللامعقول) كما في شخصية بطل " القبو" و " صهيل الجواد" ويوسف في " البدوي "، وينكر الأهل ابنهم كما في " ابتسم في وجهها المتعب " ويشهدون ضده أمام المحكمة كما في " الجريمة".
وزيادة على ذلك تمتد شراسة الواقع نحو الحلم، فتقتل الرغبات فيه ويتحول إلى  كابوس فظيع يساعد في استسلام الفرد وهزيمته ويظهر ذلك


واضحاً في قصة " القبو"، و " الاغتيال"، و " الفندق".
أولاً – الشخصية المحورية:
أ- الشخصية المثقفة:
تعتبر شخصية البطل المثقف الشخصية المحورية في أعمال زكريا مستلبة تماماً لرؤية الكاتب الفكرية (السؤال عن معنى الوجود، والشعور بالاغتراب، والظلم ) أكثر من استلابها للحدث القصصي الذي يكاد يخبو في بعض القصص، فجاء الشكل منبثقاً عن حركة رؤيوية تمازج فيها الشكل والمضمون في حدة واحدة، وتطابقا في التعبير عن أفكار الكاتب كما في قصة " الزهرة"( ) مثلاً، التي تعبر عن رؤية الكاتب القاتلة باستحالة الانبعاث في واقع التفسخ الراهن إذ تجسد المعنى في الشكل حتى وضعنا في صميم الفكرة التي رسميتها اليد الخشنة عندما حاولت أن تنبثق من التراب لتنتشي رائحة الطبيعة الجميلة، لكن خمسة رجال ومعهم امرأة وابنتها الصغيرة يتفاوضون على ممارسة الرذيلة في حين تثبت الطفلة (البراءة المدمرة) جدارتها وتفوقها على أمها. لذا ترتعش اليد الخشنة النحيلة وتنسحب هاربة نحو الظلمة والتراب.
ولم تتحرك الشخصية من خلا عواطف خاصة تسيطر عليها بل على العكس من ذلك، فلم يتفاعل الفرد مع الأحداث أو حتى مع مجتمعه بقدر ما
 هو قائم بذاته يملك همومه (الخاصة – العامة) ذات الملامح الوجودية أحياناً والتي تنسحب عليها هموم المثقف وأحاسيسه فقد عانى الفرد من استلاب روحي في الوسط الانحطاطي لهذه الطبقة والتي ظن الناس بقيامها يكون الخلاص إلا أن هذه الطبقة أخذت تتجذر وتبني مصالحها الخاصة
متناسية مصالح الشعب، لذا نما شعور باغتراب الوعي المتجاوز في
بنية ثقافية تجمع (الإلحاد، والميتافيزيقا، والإقطاع، والرأسمالية، والقومية،


والوجودية، والاشتراكية ) هذه البنى – التي تعد المكونات الذهنية للبرجوازي الصغير – خلقت حالة من الشعور بالفراغ وانعدام الماهية عند المبدع الحساس المثقف( ).
على الرغم من أن زكريا يعد ابناً لهذه الطبقة على المستوى الاجتماعي – في المآل لا في الأصل – إلا أنه عبر عن حالة الاستلاب الإنساني، والمعاناة الثقافية والاجتماعية التي يعيشها المثقفون من خلالها، ورفض – روحياً ووجدانياً – كل وصوليتها وزيفها وقمعيتها وانحطاطها على مستوى الوعي عنده.
وتجدر الإشارة إلى  المقولة التي يرددها النقاد وهي أن هموم الفرد عند زكريا ذاتية جداً ولا تخدم المجمع، كما أن وحدته تعود لسبب خاص به لا ينسحب على الآخرين كمقياس. ومن هؤلاء نبيل سليمان وبوعلي ياسين في كتابهما "الأيدلوجيا في الأدب"، ومحمد كامل الخطيب في " السهم والدائرة" ورياض عصمت في " الصوت والصدى " إلا أننا ننكرر هذا الفهم لما نلمسه من ملامح للمثقف العربي ومأساته على صعيد الفرد، فالشخصية الفردية لا يمكن إلا أن تعبر عن الفرد على المستوى الفني بينما على المستوى الاجتماعي للشخصية فهي تعكس الذات الاجتماعية لا الفردية، لأن الفرد لا يوجد الا ككائن، كما أن الكائن لا يوجد إلا كفرد، والرؤية هي التي تعبر عن وعي فردي أو وعي جماعي، ورؤية زكريا – في مجملها – تعبر عن وعي جماعي بصيغة فردية.
ويشترك ابطال زكريا بسمات عامة تجمعهم جميعا رغم اختلاف ملامحهم كشخصيات في القصص، وهذه السمات تقودنا للقول بفردية
بطل زكريا، فالشخصية القصصية في المجموعات " صهيل الجواد" و
"الرعد" تخوض حرباً ضد المجتمع بكامل أو جهه والفارق الوحيد أنه
كلما تعمقنا بها ازدادت سوداويتها وعبثيتها في واقع اجتماعي، واقتصادي،


وسياسي مظلم، فالشخصية دائة البحث عن الثلاثي (الخبز، والجنس، (الحب) والحرية) في مواجهة الخصم (الثلاثي) الذي يورث (الجوع، و الفقر، والكبت) وتدور معظم الأعمال حول هذه الأزمات الثلاث، تبلورها الفكرة المركزية " الفرد وحيد ضد المجتمع" فالسارد في بحثه عن الحب يصطدم بالكبت وهذا ما يفسر اندفاعه الجنسي نحو النساء الجميلات " أنا لا أحب سوى النساء اللواتي استطيع مضاجعتهن"( ) ويتمثل الحرمان الجنسي كذلك في قصة
 " وجه القمر" إذ تولد الكبت عند سميحة بفعل سلطة أبيها الذي ضربها وهي صغيرة بسبب انحسار ثوبها عن فخديها، وتبع ذلك تعرضها لحالة اغتصاب، مما أدى إلى  فشلها في زواجها.
في حين يرسم زكريا محاولة الخلاص التي تراود سميحة من هذا الكبت بتمنيها الاختلاء – يوماً ما – بالمعتوه الذي يجوب الحارة، وتتعرى أمامه بإرادتها وتمارس معه الجنس بحريتها، ودون قيود. لذا فقد خلف الكبت الجنسي رغبة في ممارسات غير مشروعة.
وفي بحث البطل عن الخبر يصطدم بكرهه للعمل الذي يسلب حريته ويحوله إلى  (شيء) مما يورثه الجوع والكآبة " لا أملك سيارة ولا بناية شامخة في شارع لا يسكنه الفقراء...." ( ) ويظهر الجوع المميت عن عباس في
 " الرغيف اليابس" جوع للرغيف ممزوج بجوعه للجنس الذي يعاني من كبته فلا يستطيع ممارسته مع ليلى ( ابنة عمه) التي يحبها، فجوعه للخبز المفقود فاق جوعه الجنسي، لذا تخلى عن ليلى مقابل الانفراد بالرغيف. ويسبح الفرد بعالم من الأحلام تنفيساً عن الكبت الذي يعاني، فيحلم كل من بطل " الكنز"، و " صهيل الجواد"، و" الأغنية الزرقاء"، و " المسرات الصغيرة" بأن يصبحوا ملوكاً، وذلك لتعويض النقص الحاصل في الحاجات الأساسية والتي لا تتوافر- في هذا الوقت – إلا لمن يكون بمنزلة الملوك.

ونستطيع القول إن كره السارد للعمل يكاد يكون مسوغاً من حيث طبيعة العمل الذي يمارسه – كما يرى زكريا- فهي طبيعة غريبة مستوردة ليست من فعل حضارته لحساب عدد من الناس، وبسبب هذا الكره يتعرض البطل للجوع والفقر. ".... أشتغل في اليوم ثماني ساعات... أتعب.... ابتلع طعامي بسرعة عجيبة..." ( ).
وتتجلى أزمة الحرية التي تشكل محوراً رئيساً في معظم القصص ن فيرفض سلطة الأب المقيدة لحريته كما في " ثلج آخر الليل"، ويرفض العمل كما في " الرجل الزنجي"، ويرفض الزواج كما في " الصقر" و " صهيل الجواد"، ويرفض السلطة السياسية كما في " التثاؤب"، " ورحل إلى  البحر"، ويرفض القيم الاجتماعية كما في " موت الشعر الأسود" و " البستان" و " الراية السوداء " و " الخراف "، ويرفض الظلم الطبقي كما في "الشنفري" و " الليل" و "شمس الصغار".
ورغم التحول من استخدام ضمير المتكلم إلى  ضمير الغائب (الرواي) في مجموعتي " ربيع في الرماد"، و " دمشق الحرائق" فقد انصرفت به بعض الهموم إلى  الذات الموضوعية التي ترصد المشكلات الاجتماعية والأوضاع السياسية، إلا أن هذا التحول بقي ظاهرياً فالذات الفردية برؤيتها وسلوكها بقيت في العمل على الرغم من اختفائها ظاهرياً، لأن هذا التحول لم يستطع أن يمنح الشخصية سماتاً إيجابية، بل بقيت مستلبة لسلبية مسيطرة وغير قادرة على الدخول في عراك مع العالم الخارجي، فالشخصية عنده تواجه بنى قديمة مرفوضة لكنها لا تزيد على مواجهتها بالاندحار أمامها والاستسلام دون رغبة أو قدرة على المقاومة بسبب الاغتراب، كما في " الجريمة" و" النهر" و  "القرصان"، و " الحفرة: فما يكون منها إلا الهروب لعالم الخيال والأوهام كما في ("الكنز"، " الاغتيال" و "البدوي"، " رحيل إلى  البحر"، " أقبل اليوم السابع")، أو الاستسلام للظلم والموت بطريقة بشعة (الراية السوداء، الخراف، مغامرتي الأخيرة، الابتسامة).

على الرغم من أن الفرد بشخصيته سلبي مسحوق إلا أن هذه السلبية مبررة ويمكن لنا اعتبارها إيجابية لأنها تظهر ضديتها للروح السلطوية الرسمية المتكلفة، فتناوئ الرموز السلطوية على شكل خصوصات الفرد مع السلطة والمجتمع حتى وإن كانت بالإشارة إلى موضع العيب والثغرة ببعض السلوكات البسيطة كالبصق كما في "الرجل الزنجي، الصيف"، أو التقيؤ
كما في "القبو" أو الشتائم كما في "السهرة" أو بعض الألقاب المخزية كما
في "المسرات الصغيرة" أو السخرية اللاذعة كما في "الأعداء"، و "عباد
الله"، و "اللحى".
فالفرد في مواجهة الواقع عليه اللجوء إلى واحد من الخيارات الثلاث
إما أن يصطدم بالواقع صداماً مباشراً يفرز الغالب والمغلوب، وإما أن
يستسلم دون مقاومة، وإما أن ينصهر في المجتمع ويجاري الركب، والأخيرة يمكن اعتبارها السلبية المطلقة التي لم يلجأ زكريا في تبرير سلوكيات شخصياته، كما يدرك أن الحل الأول محسوم النتيجة لصالح المجتمع بينما الفرد فمغلوب لا محال فيفقد النص عمقه ودوره في التغيير، لذا يبقى أمامنا الخيار الأوسط القابل للمناورة الفنية، هي التي تعامل معها زكريا بدراية
جيدة.
وبذلك يكون سلوك الفرد مبرراً، فالفرد بريء والآخرين هم المجرمون، وهو الضحية والجماعة هي الجلاد. لذا يكون الفرد من وجهة نظر زكرياً ممثلاً لعنصر الخير دائماً بينما الجماعة تمثل الشر. مهما كانت قوتها.
لأنها ستفرض على الفرد ما لا يريد.
وبسبب من الوحدة التي تعيشها الشخصية لم تستطع أن تحقق
تواصلاً حتى مع الأم التي يفترض أنها (نموذج الحب والحنان وسعة
الصدر) كما لا يستطيع أن يحقق تواصلاً مع أحد، فلماذا تنظر فتاة
وشاب إلى "الرجل الزنجي" بازدراء؟. ولماذا لا يسأل عنه أحد من
الأصدقاء؟ لذلك ينعدم التواصل بينه وبين المجتمع وبالتالي ينعدم الفعل، لذا


تستلم الشخصية أمام الواقع مسحوقة وتنتهي إلى "كومة لحم بائسة لا
يستطيع مساعدتها أي إله"( ).
وتلجأ الشخصية الفردية إلى تلمس وفاق محددي الملامح من مثل الحصان الأبيض في "صهيل الجواد"، والبحر في "رحيل إلى البحر" والمقهى والشارع في الأغنية الزرقاء، والرجل الزنجي...، والمرأة التي يمكن مضاجعتها (المومس)، في "رحيل إلى البحر" و "رجل من دمشق".
وتقسم الشخصيات في المجموعات القصصية إلى قسمين الشخصية المحورية التي يقوم عليها بناء الحدث، وتستوحذ على اهتمام السارد كما أسلفنا والشخصيات الثانوية التي وجدت لخدمة الشخصية المحورية جذباً أو قمعاً والتي نستطيع تقسيمها إلى نموذجين اثنين: النموذج الجاذب كرجل الدين والمرأة، والنموذج المرهوب كالأب، والشرطي.
ثانياً – الشخصيات الثانوية
1- الجانب الجاذب
أ- شخصية رجل الدين
تعتبر شخصية رجل الدين جاذبة تستأثر باهتمام الشخصيات الاعتبارية كأهل المدينة، ورجال الحي، والآباء والأمهات، والحراس، والحاشية وغيرهم فتكتسب تعاطفاً جماهيرياً بفضل ميزة تنفرد بها عم عموم الشخصيات كالوقار البادي على إيهاب الشيخ.
وقد استطاع زكريا أن يقيم علاقات منطقية متلاحمة بين وجود
الشخصية ( المظهري والباطني ) وبين السياق الاجتماعي والذهني الذي يندرج فيخ ذلك الوجود. "فالسمات المظهرية أو النفسية للشخصية سواء أكانت
دقيقة مفصلة أم إجمالية تكون دائماً متضامنة مع رؤية العالم التي تميز لحظة


من لحظات الواقع"( ) ورجل الدين ذو حلية بيضاء طويلة، وجبة عريضة ومنظر مهابة ووقار، والمتأمل يجد أن هذه الصورة تعبر  عن نموذج الاعتزاز بالأصولية إلا أن الكاتب يقدمها على سبيل السخرية بأسلوب الدلالة المعاكسة، التي يصف من خلالها شيئاً ليوحي بشيء آخر، وينتقد الأيدلوجية الدينية كذلك، كما هي في قصة "الخراف" إذ تتجسد هذه السلطة المعنوية بالشيخ محمد       ( دلالة الاسم ) لذي لا غنى لأهل الحي عنه، فليجأون إليه بوقت الشدة ويشعرون بجلال قدره وهيبة لحيته الطويلة البيضاء، فيدعون له بطول العمر وينتظرون بلهفة موعد صلاة العشاء كي يصطفوا خلفه بخشوع، كما لا يتوانون عن تقبيل يده، فهو الأب الروحي للجماعة ( أهل الحي )، وبفضل هذه السمات ينجح الشيخ محمد في إحكام سلطته على أهل الحي، ويصبح البؤرة التي تستقطب الجميع، فيقنعون بكل ما يقول وبكل توجيهاته.
وبذلك استطاع زكريا – بفضل السمات الجاذبة التي ألصقها برجل الدين – أن يقنع القارئ بأن هذا النموذج المتعاون مع الشخصيات الاعتبارية الأخرى، استطاع أن يقمع الفرد ويهزمه.
ب- شخصية المرأة:
تعد المرأة نموذجاً للشخصية الجاذبة للفرد الممزق الذي يحاول التنفيس عن كبته برصد الملامح الجمالية فقط، وذلك لأن مظهر الجذب لم يتعد الصفة المظهرية، فعمل الكاتب على إبرازه من خلال تركيزه على درجة التناسق والتناغم في جسد المرآة، (شدة بياض الجسم، وسواد الشعر الطويل وسعة العينين...) أما عن السمات النفسية الداخلية للمرأة فقلما جرى الحديث عنه لاعتبار الكاتب أن هذه الشخصية لا تشكل وزناً في العمل إلا على سبيل الجذب فقط، فم يسخرها للتأثير في احدث، بقدر ما أبقاها


موضوعاً جنسياً خاضعاً لرغبات الرجل (الرجل الزنجي، الرغيف اليابس، والشنفرى، وحقل البنفسج).
فالمرأة لا تسترعي الانتباه ولا تثير الإعجاب إلا بقدر ما يكون حظها من الجمال وحسن المظهر، حتى وإن حظيت الشخصية النسوية على درجة من الذكاء إلا أنه لم يول ذلك عناية، باستثناء إلى عائشة ابنة عبد الله الحلبي بأنها طالبة جامعية( ).
لذا تعد سلطة الجسد محور الاستقطاب بالنسبة لعلاقة الفرد بالحياة، وسواء أكانت المرأة حية ظاهرة في العمل، أو مجرد خيال يعتري ذهب البطل، أو حتى تمثالاً من الجبص ( رجل من دمشق ) فهي لا تقوم إلا على أساس جاذبيتها المظهرية.
2- النموذج المرهوب:
على الرقم من التقسيم الظاهري لنماذج الشخصيات الثانوية إلا أن هذين النموذجين يتفقان في الهدف رغم اختلاف الصورة. فرجل الدين مثلاً يشترك مع الشرطي والأب في قمع الفرد وتحطيمه، ولنأخذ نموذجاً:
أ- شخصية الأب:
يعد الأب نموذجاً سلطوياً بارزاً في المجموعات، وذلك لأن بطل زكريا رافض لشتى القيود الأسرية والخارجية، فوالد يوسف في "ثلج آخر الليل" يبيع المذياع مع علمه أن المذياع هو الصديق الحميم لابنه، كما يقف للحيلولة دون تمتع يوسف بقراءة الكتب لأنها مضرة بالعقل، ومنحه حرية التدخين. وفي "قصة الصقر: يخشى البطل والده الميت ويتخيل أنه يخاطبه صارخاً في وجهه ( قوة حالة أزلية ) آمراً إياه بالكف عن التدخين.
لقد ركز الكاتب على نفوذ الآباء الممارسة على أبنائهم وزوجاتهم داخل البيت، بينما لم نجد صدى لصورة الأب وسلطته خارج البيت، ويعود سبب


ذلك إلى أن الأب يتعرض في الخارج لقمع شرس من قبل المسؤولين عنه في العمل ومختلف المؤسسات، فما يكون إلا أن يمارس دوره في قمع أهل بيته كنوع من تخفيف الكبت فيبقى الجميع في حالة صراع مستميت.
ب- شخصية الشرطي:
وهي رمز السلطة القمعية التي تمارس واجبها في الخارج ورمز القوة الحالة في الوجود لشر أزلي، وعداء للفرد أينما كان وكيفما ظروفه.
ويشتد ظهور هذه الشخصية في مجموعة "الرعد"، و "دمشق الحرائق"، و "النمور في اليوم العاشر" فصورها بأنها تمارس قمعها بلا عقلانية، وأنها فاعل مطلق لا يقف في وجهها أي عائق، إذ تستمد قوتها من وجودها ذاته والذي أبرزه زكريا منذ البداية في قصة "الذي أحرق السفن" فقوة وجود الشرطي مستمدة من قوة وجود الكون ذاته، وقوته هذه لا تزول أو تضعف سواء أمام البطل في "الصقر" لأنه تثاءب، واعتقال عمر السعدي في "النهر" دون تهمة مسبقة وقدرته شبه الإلهية التي تمكنه من استدعاء الموتى وكسر حواجز المعقول "المتهم – عمر الخيام" ويوسف العظمة في "الاستغاثة"، ومحاكمة أبطال التاريخ بحيثيات جديدة كما في "الذي أحرف السفن – طارق بن زياد" و "الجريمة – سليمان الحلبي" أو الجمادات كما حاكم الشرطي دمية الطفل في "المتهم" كنوع من التنفيس الداخلي الذي يسلمه للتسلط لأنه اليد المنفذة لأصحاب القرار.
وبقوته تلك تبقى ويدوم في الأزل بينما ينتهي الفرد سواء بإرادته أو دون إرادته. فالعلاقة قائمة بين الفرد والشرطي ( رمز القوة ) – كما يراها زكريا -  على صراع الوجود الذي عادة ما يختتم لصالح الشرطي.
فالفرد معاقب على وجوده قبل أن يعاقب على أفعاله. كما يتحرك الشرطي في وسطه الخاص ( السجن، والمحكمة، والقبر والشارع ) فيحاصر الفرد حصاراً مميتاً لا يستطيع الانفلات منه، حتى وإن حاول فسيكون الموت بانتظاره كما في "عبد الله" و "الشرطي" و "الحصان".

ثالثاً – الشخصية التاريخية:
لقد أعاد زكريا تامر صياغة التاريخ من جيد فما عاد تاريخ السفّاحين عبر العصور مداناّ إذا ما خضع لظروف الواقع الحالي بتناقضاته.
واستخدم زكريا نموذجين من الشخصيات التاريخية النموذج الإيجابي ممثلاً بالأبطال، والنموذج السلبي ممثلاً بالسفّاحين، على اعتبار مردهم في الأصل أنهم يواجهون مجتمعاً مليئاً بالمتناقضات:
أ- النموذج الإيجابي:
لقد وظف زكريا بعض نماذج البطولة التاريخية، توظيفاً عكسياً، فجعل من طارق بن زياد، وعمر الخيام، وسليمان الحلبي، ويوسف العظمة، شخصيات مجرمة في الحاضر، فول قدر لهذه الشخصيات أن تعيش في الوضع الراهن – لما استطاعت أن تحقق بطولاتها المنوطة بها – ربما هذا ما يريد قوله زكريا – لا لأنها لا تملك القدرات النضالية بل لأن الواقع أشد ظلماً وقسوة، لذا فسر تلك البطولات على أنها إجرام وخروج  على القوانين، كما فسر الإخلاص على أنه تآمر على الدولة...
وبذلك يتضح لنا الحاضر بيروقراطيته وانحطاطه الذي يشوه كل
المفاهيم والقيم البطولية، كما يسلخ سمة القداسة عبر التاريخ وبطولاته، فلا يكون من الشرطة إلا اعتقال الأبطال من الشوارع والقبور دون مراعاة لكرامتهم.
ب- النموذج السلبي:
اعتبر زكريا تامر النماذج التاريخية السفّاحة نماذج إنسانية مظلومة تستحق التعاطف معها، كما برر سلوكها الإجرامي على مرّ العصور بأنه ردة فعل لواقعها المؤلم، الذي يضطرها أن تسلك مسالك الشر كي تدافع عن
نفسها أمام شراسة العالم المعاصر، فجنكيرخان مثلاً لم يتوج ملكاً إلا بعد

أن ذاق مرارة الجوع وتيمورلنك لم يجتح المدينة طمعاً وتجبراً بل رحمة بالحلاّقين الذين كسدت تجارتهم بسبب تمسك أهل المدينة باللحى.
وتنطلق فكرة تبرير سلوكات الفرد على شخصية شهريار إذ دفعتا زكريا تامر للتعاطف مع هذه الشخصية مجانبين في ذلك الحقيقة الأسطورية التي قتلها الفراغ فعاثت فساداً وتلذذت في ذبح النساء، فجاء شهريار نموذجاً للبطل المدافع عن مدينته المضحي بشهرزاد في سبيل إنقاذ المدينة...؟ !!
كل ذلك جاء في قراءة زكريا الخاصة للتاريخ؛ يخدم – من خلالها – مصلحة الفرد على حساب الجماعة، حتى وإن كان ذلك على حساب قلب الحقائق التاريخية، إذ يحق له التلاعب بالتاريخ لخدمة أهدافه الفنية ورؤيته الفكرية، وبذلك يكون الفرد بريئاً عبر التاريخ إلا أن الواقع المؤلم يجعله يلك سلوكات شرسة.
رابعاً – الشخصية الشعبية:
استمد زكريا تامر بعض شخصياته من البيئة الشعبية الشامية وعكس من خلالها واقع الحياة الشعبية البسيطة المحيطة به.
واستند في رسم شخصياته الشعبية على الوصف التصويري إذ أظهر من خلاله ملامح الرجل الدمشقي، وصفاته الرجولية "القبضاي"، كما أطلق على الشخصيات أسماء ذات بعد دلالي واضح يميزها عن غيرها من الشخصيات من ذلك: أبو شكور، أبو صياح، أبو كاسم، أو حسن، عمر السعدي، عبد الله الحلبي، مصطفى الشامي، فقدّم هذه الشخصيات من خلال الشخصية الشعبية البدائية التي تتصف بالجلافة والوحشية المعتمدة على القوة العضلية.
وظهرت هذه الشخصية في مجموعة "دمشق الحرائق" واتسمت بالوحشية واللاإنسانية في موجهة القيم الجديدة، فمارست دور الشر والقتل كما في "الراية السوداء" و "موت الشعر الأسود" و "الخراف".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق