الخميس، 13 أبريل 2017

أسس تكوين القوانين السيكوفيزيائية

أسس تكوين القوانين السيكوفيزيائية

 يترتب على ما سبق أن قوانين الطبيعة تتسم بالوحدة البنوية، وفي إطار هذه الوحدة البنيوية تصبح القوانين الخاصة بكل مستوى من مستويات الوجود مختلفة عن تلك الخاصة بباقي المستويات. ولكن في نفس الوقت، من الناحية البنيوية، تتسم تلك القوانين بنوع من الوحدة من حيث صورتها البنيوية. وهذا يضع حلا مناسبا لإشكالية استقلالية العلوم غير الأساسية عن علم الفيزياء وارتباطها معا في نفس الوقت. ولكنه في نفس الوقت يخلق مشكلات جديدة بالنسبة لمفهوم قوانين الطبيعة في فلسفة العلم.

أ‌-       نظرية كل شيء

من المعروف أنه في إطار النموذج الميكانيكي للوجود حاول العلماء تحقيق شمولية القوانين سواء في مجال المادة غير الحية أو مجال المواد الحية أو في المجال الإنساني في علم النفس وعلم الاجتماع. ومن المعرف أيضا أن هذه المحاولات قد فشلت، فقد ظهر أنه لا يمكن معاملة النفس الإنسانية أو المجتمعات الإنسانية معاملة ميكانيكية. ولذلك ظهرت التصورات البديلة للمفهوم الميكانيكي للقانون، وظهرت الوظيفية في البيولوجيا والمخ والأعصاب وعلم الاجتماع على حد سواء. وانفصلت العلوم عن بعضها البعض، وظهر ما سمي باستقلال العلوم غير الاساسية كمثل البيولوجيا وعلم النفس عن العلوم الأساسية وهي العلوم الفيزيائية.

ولكن في الإطار الذي نقدمه في هذا البحث يمكن التوفيق بين هاتين النظرتين للعلوم وللقوانين التي تحكمها وترتبط بها. فالنظرة البنيوية للقوانين والاعتماد على سمة التناظر في الطبيعة تمكننا من طرح قوانين للطبيعة تكون مختلفة من حيث التطبيق الفعلي ومستقلة عن بعضها البعض فعليا بما يحقق استقلالية العلوم غير الأساسية عن علم الفيزياء. وفي نفس الوقت تكون تلك القوانين مرتبطة ببعضها بنيويا، بما يحقق الفكرة البديهية والقائلة بوجود قوانين شاملة في الطبيعة.
فيمكن مثلا أن تتحقق أحلام الفيزيائيين في توحيد القوى الأربع الاساسية في الطبيعة وتكون النظرية التي تحقق ذلك قابلة للتطبيق ايضا على الإنسان من الناحية البنيوية فقط. فتكون الطاقة المادية لها ما يقابلها من طاقة نفسية، والكتلة البنيوية لها ما يقابلها من كتلة نفسية، وتكون القوة المادية لها ما يقابلها من قوة نفسية. كما يمكن أن يحدث العكس، فيتم بواسطة تلك المفاهيم الأساسية، الطاقة النفسية والكتلة النفسية والقوة النفسية، اكتشاف قوانين إنسانية عامة يمكن انطلاقا منها اكتشاف النظرية الفيزيائية المقابلة لها.
ولسوف يكون من الضروري في هذه الحالة طرح مفهوم نفسي مقابل لمفهوم المكان الفيزيائي، وكذلك مفهوم نفسي مقابل للأبعاد الأربعة الأساسية في الطبيعة، إذا كنا نتحدث عن نظرية النسبية. وسوف يكون من الضروري في هذه الحالة أن يكون لكل بعد في هذا النظام معنى نفسي مقابل له يمكن أن يوضع له تدريج كيفي بحيث يمكن أن يقاس بشكل كيفي عليه معدل الانتقال النفسي من حالة إلى حالة، أي السرعة النفسية. وبناء على ذلك يصبح ممكنا انطلاقا من إضافة مفهوم الكتلة النفسية تعيين مفاهيم القصور الذاتي والعجلة النفسية..الخ من المفاهيم الفيزيائية الأساسية.
ب‌-  اللغة ونظرية كل شيء
تطرح النظريات عن الطبيعة من خلال اللغة، سواء اللغة الطبيعية أو اللغة الرمزية أو اللغة الرياضية. وترتبط مشكلة اللغة التي تطرح من خلالها النظرية بمشكلتين. الأولى هي أن توحيد نظريات الطبيعة يستلزم نوع من التراتبية بين النظريات، فتكون بعض النظريات اكثر أساسية بالنسبة للبعض الآخر، وبالتالي تفسرها. ولكن إذا توصلنا إلى النظرية التي تفسر كل النظريات الأخرى "نظرية كل شيء" فستكون المشكلة هي أنه إذا أردنا لها تفسيرا فسوف يكون ذلك من خلال نظرية أعلى منها. لذلك فالنظرية التي تفسر كافة ظواهر الطبيعة يجب أن تكون خالية من المضمون، اي مجرد بنية مكونة من مجموعة رموز يتحدد معناها حسب التطبيق المحدد.
والمشكلة الثانية ترتبط بالعلاقة بين اللغة المستخدمة في النظرية والمفاهيم الجديدة التي تضيفها النظرية. فإذا كانت النظرية جديدة حقا فإنه من المرجح أن تكون المفاهيم التي تضيفها إلى الطبيعة جديدة وغير معروفة من قبل. وهو ما يفرض الارتباط بين المفاهيم الجديدة والنظرية، فتكون المفاهيم الجديدة معتمدة على النظرية، وتكون النظرية في نفس الوقت معتمدة على المفاهيم الجديدة.
فعلى سبيل المثال إذا وحدنا المفاهيم في النظرية التي توحد قوانين الإنسان وقوانين المادة في شكل أكثر رمزية، فسوف يكون مفهوم "الطاقة" قابلا للتطبيق على المجالين. وفي هذه الحالة سوف يكون هذا المفهوم مجرد رمز يتحدد معناه عندما نطبقه مثلا على الجانب المادي للطبيعة فيصبح معناه هو المعنى المعروف لدينا في الفيزياء المعاصرة. وعندما نطبقه مثلا في على الجانب الإنساني للطبيعة يتحدد معناه بحسب ما هو معروف لدينا في علم النفس المعاصر. ولكن في نفس الوقت سوف يكون لمفهوم الطاقة معنى مختلف على مستوى الخلية الحية مثلا. فسوف يكون للخلية الحية نوع من الطاقة "الحيوية" التي تحدد قدرتها على الاختيار. ولذلك سوف يكون من اللازم استحداث مثل هذا المفهوم حتى يمكن توحيد قوانين الطبيعة.
والأمر بالمثل في كافة المفاهيم الأخرى كمثل الكتلة والشحنة والقوة والسرعة والمسافة ..الخ. سوف يكون من اللازم اعتبارها خالية من المضمون في النظرية الكلية الشاملة لكل مستويات الطبيعة. ثم سيكون من اللازم استحداث المفاهيم الجديدة اللازمة حتى يمكن تطبيق النظرية على المستويات المختلفة للوجود.
ت‌-  القوانين السيكوفيزيائية والقدرة على الاختيار
في مثل هذه الحالة ستكون قوانين الطبيعة قوانين سيكوفيزيائية، أي سيكولوجية من جانب وفيزيائية من جانب آخر. وهذه القوانين ذات الطبيعة السيكوفيزيائية ستكون معتمدة على ما سبق أن طرح في بعض الأدبيات من أنه يمكننا إضافة قوة جديدة إلى الطبيعة هي "الوعي" (وفي حالتنا هذه سيكون الوعي والقدرة على الاختيار شيئا واحدا)، وذلك إضافة إلى الكتلة والشحنة. وفي مثل هذا التصور تكون كل الموجودات الطبيعية ممتلكة لهذه القوى الأساسية. وبذلك لن يكون صحيحا الحديث عن الوجود المادي، أو عن المادة، بالمعنى المتعارف عليه في الأدبيات. ولن يكون ممكنا التفرقة بين ما هو فيزيائي وسيكولوجي، إذ المادة الفيزيائية ذاتها ستكون ممتلكة للوعي والقدرة على الاختيار اللذان يمثلان سمات سيكولوجية حسب المصطلح المستقر في الأدبيات حاليا.
لذلك سيكون من الضروري استبدال التفرقة بين الفيزيائي والسيكولوجي بالتفرقة بين الداخلي والخارجي. فالقوانين الخارجية لأي موجود ستكون هي المعبر عما نسميه الآن القوانين المادية الفيزيائية. أما القوانين الداخلية لأي موجود ستكون هي المعبر عما نسميه الآن بالقوانين العقلية السيكولوجية. ويكون لكل موجود قوانينه الداخلية التي تعبر عن اختياراته، وقوانينه الخارجية التي تعبر عن سلوكه في الواقع.
وستكون كل من القوانين الداخلية والخارجية متسمة بنفس السمة الاساسية للقوانين في الطبيعة، وهي التناظر. فإذا طرحنا قوانين تعبر عن الكتلة كان لها ما يناظرها من قوانين تعبر عن الوعي والاختيار. وإذا كان تعقد المواد والأجسام باعتبار سمتها الخارجية وهي الكتلة مؤديا إلى تعقد قوانينها الخارجية (قوانينها الفيزيائية باللغة الحالية). فإن تعقد ذات الأجسام باعتبار سمتها الداخلية وهي والوعي واتخاذ القرار يؤدي إلى تعقد قوانينها الداخلية (قوانينها النفسية بلغة اليوم).
وفي النهاية ستكون حركة كل جسم هي محصلة تأثير البيئة الخارجية عليه إضافة إلى محصلة تأثير قراراته الذاتية الداخلية. فإذا كانت قرارته الداخلية تتسم بدرجة محدودة من الحرية، كما في حالة الأجسام غير الحية، كان المؤثر الأساسي هو القوانين الخارجية، التي نسميها الآن بالقوانين الفيزيائية. اما إذا كانت قراراته الداخلية تتسم بدرجة عالية من الحرية، كما في حالة الحيوان والإنسان، كان المؤثر الاساسي هو القوانين الداخلية، التي نسميها الآن بالقوانين السيكولوجية. ولكن في كل الأحوال تكون حركة الجسم وقرارته بموجب تأثير القوانين الخارجية والقوانين الداخلية معا وعلى حد سواء.
والخلاصة بالنسبة للعنصر الثالث في النموذج اللاميكانيكي الجديد للطبيعة هي أن سمة التناظر في الطبيعة يمكن أن تمدنا بالصورة العامة البنيوية لقوانين الطبيعة التي تقبل التفسير "المادي" الخارجي والتفسير "النفسي" الداخلي. وأن هذه القوانين تتمثل حاليا في نفس القوانين المعروفة حاليا والتي تسمى بالقوانين المادية، وهي قوانين نيوتن والنسبية وميكانيكا الكم. ولكن بدلا من رد القوانين النفسية والحيوية في المستويات المتتالية للطبيعة إلى الصورة الرياضية لهذه القوانين. بدلا من ذلك يتم إعادة تفسيرها بحيث يكون لكل مستوى من مستويات الطبيعة معنى معين لهذه القوانين ينتج عن درجة الحرية التي يتمتع بها.

الخلاصة

طرحنا في هذا البحث قضية أساسية بالنسبة لكل من الفكر العلمي والفلسفي المعاصر من ناحية وتطور الحضارة الإنسانية في لحظتها الراهنة من ناحية أخرى. هي قضية ظهور ملامح عامة لنموذج جديد للطبيعة غير معتمد على النظرة الميكانيكية التقليدية التي ظهرت مع الحداثة الأوروربية. وأن هذه الملامح تنبئ بتغير جذري في المفاهيم العلمية والفلسفية تشبه من جوانب كثيرة التغيرات التي صاحبت ظهور النموذج الميكانيكي في نهايات العصر الوسيط وبدايات عصر الحداثة.
واعتمدنا في إثبات مشروعية هذه القضية على عرض موجز لأهم المفاهيم الفلسفية والعلمية التي ظهرت في أدبيات فلسفة العلم في الثلاثين عاما الأخيرة. وأثبتنا أن هناك عدد كبير من المفاهيم الجديدة التي تتسم بأنها لا تنتمي إلى النموذج الميكانيكي في صورته التقليدية. وبينا أن هذه المفاهيم تطرح إما باعتبارها نوع من التجديد للنموذج الميكانيكي أو باعتبارها مفاهيم جديدة غير مرتبطة به، أو باعتبارها مفاهيم مناقضة له من حيث المبدأ.
وانطلاقا من تلك المفاهيم قمنا بوضع تصورنا عن النموذج الجديد البديل للنموذج الميكانيكي، على مستويات ثلاث. مستوى الفروض الأساسية، وهذه استقيناها من تلك المفاهيم الجديدة على وجه العموم. ومستوى المفهوم الجوهري المعبر عن النموذج الجديد، وهو مفهوم حرية الاختيار. وهذا اسسناه على بعض الأعمال التي طرحت في الفكر العلمي والفلسفي في الإطار الاكاديمي في مجالات علمية متعددة، بما يثبت أن فرضية حرية الاختيار لها ما يدعمها بقوة في الفكر الفلسفي والعلوم التخصصية المختلفة.
ولأنه من أساسيات وجود نموذج للطبيعة وجود قوانين تعبر عن هذا النموذج، كما هو الحال في النموذج الميكانيكي والقوانين الميكانيكية، وهو المستوى الثالث. لذلك فقد قدمنا تصورنا للقوانين التي تعبر عن حرية الاختيار باعتباره المفهوم الجوهري في النموذج الجديد للطبيعة. وأسسنا هذه القوانين على مفاهيم التناظر وبنيوية القوانين وشموليتها، والتي هي مفاهيم أساسية في فلسفة العلم المعاصرة. وأنتج ذلك المفهوم الأساسي وهو أن قوانين الطبيعة الميكانيكية الحالية تقبل التطبيق على كافة مستويات الطبيعة بما فيها المستوى الحيوي والمستوى الإنساني. وبالعكس أن القوانين العقلية تقبل التطبيق على مستوى المادة غير الحية.
وكانت النتيجة هي طرح تصور جديد لقوانين الطبيعة يسمي في الأدبيات بالقوانين السيكوفيزيائية. ومع التحليل التفصيلي لهذا التصور يتبين أنه أنتج تعقيدات كثيرة تحتاج إلى بحث تفصيلي كموضوع مستقل. وهذا أمر طبيعي لأن العالم الطبيعي هو عالم شديد التعقيد، ومن المتوقع أن تكون أية مجموعة من القوانين البسيطة الشاملة مؤدية إلى تطبيقات جزئية شديدة التعقيد. وهو ذات الأمر الذي حدث في حالة النموذج الميكانيكي. فقوانين نيوتن الميكانيكية هي مجموعة بسيطة من القوانين ولكنها أنتجت منظومات من القوانين الفيزيائية الجزئية بعد ذلك كانت من التعقيد بحيث أنها استغرقت عدة قرون من البشرية حتى يتم اكتشافها.
وإذا كان وجود نموذج للطبيعة هو أمر أساسي بالنسبة للفكر العلمي والفلسفي، وإذا كان النموذج الحتمي الميكانيكي هو على أقل تقدير في مرحلة أفول بسبب المصاعب العلمية والفلسفية التي تقابله. وإذا كانت الأعمال العلمية والفلسفية الكثيرة المعاصرة تشير بشكل ظاهر إلى صورة لا ميكانيكية للطبيعة. إذا كان كل ذلك فإن تصورنا المطروح في هذا البحث يعد أحد التصورات القليلة في الفكر الفلسفي المعاصر عن قضية النموذج الجديد البديل اللاميكانيكي للطبيعة.
إضافة إلى ذلك فإذا كانت هناك تصورات عديدة من داخل الأكاديمية ومن خارجها مطروحة مسبقا بخصوص اعتبار مبدأ حرية الاختيار بمثابة المبدأ الأساسي في الطبيعة. وإذا كانت هناك بعض التصورات المحدودة التي تطرح تصور عن النموذج الجديد اللاميكانيكي. إذا كان هذا وذاك مطروحان مسبقا فإن ما يضيفه تصورنا هذا هو طرح غير مسبوق للصورة البنيوية لقوانين الطبيعة القابلة للتطبيق على المادة غير الحية والمادة الحية والإنسان في نفس الوقت. وإذا نجح هذا الطرح في التحقق في أرض الواقع بوصفه الصورة الجديدة لقوانين الطبيعة المعبرة عن النموذج اللاميكانيكي المعتمد على مبدأ حرية الاختيار، فإن النتيجة ستكون تغييرا شاملا في المفاهيم الأساسية في الفكر العلمي يتحقق من خلالها التواصل البنيوي بين علوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والإنسان.   



 مواضيع ذات صلة


أسس تكوين القوانين السيكوفيزيائية

بحث عن العالم ويليام فونت

اسهامات ولهلم فونت

اسهامات فونت في علم النفس

بحث عن العالم فيلهلم فونت

العالم فونت

مؤلفات فيلهلم فونت

بحث عن فيلهلم فونت

اعمال العالم فونت


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق