الجمعة، 14 أبريل 2017

سيميائية الأهواء

البرامـــج الاستهوائية
يقوم البرنامج الاستهوائي على مجموعة من المحطات الأساسية كالتطويع الاستهوائي، والتأهيل الاستهوائي، والإنجاز الاستهوائي، والتقويم الاستهوائي. دون أن ننسى مجموعة من الجهات الكيفية الذاتية ذات البعد الانفعالي، والتي لها علاقة بعملية التأهيل والترشيح والتطويع. ومن هنا، فسيميائية الهوى تقر بوجود علاقة بين الذات وعالم الموضوعات والأشياء، وهذه العلاقة قائمة على التواصل أو الانفصال، بإظهار مجموعة من الانفعالات والعواطف والمشاعر والأحاسيس تجاه الموضوع المرغوب فيه أو المرغوب عنه. وهنا ، ينبغي علينا أن نحدد تحركات الذات، ونستكشف برامجها في الواقع. ومن ثم، يمكن التمييز بين برنامجين استهوائيين داخل الرواية: برنامج هوى الكراهية، وبرنامج هوى الحب.
الفرع الأول:  برنامـــج هوى الكراهية
تخضع الذات البطلة في هذا البرنامج السردي لعملية التحفيز والتطويع الاستهوائي من قبل جماعة التوعية التي تحاول أن تجند الذات، بغية تأهيلها مستقبلا لعمليات استهوائية عنيفة تتسم بالتطرف والترويع والترهيب. وتتكون جمعية التوعية من شيوخ إرهابيين يستغلون الطلبة المتفوقين لتدريبهم، وتأطيرهم قصد الزج بهم في عمليات إرهابية عنيفة:"فما كنت سوى بضعة أسابيع حتى كنت محط أنظار جماعة أنشطة دينية بالمدرسة، كان يطلق عليها جماعة التوعية، وكان أغلب المتفوقين من الطلاب والمؤثرين وذوي الطاقات الفذة بداخلها، ويشرف عليها معلمون متدينون، تبدو عليهم سمات الزهد وتعلو الهيبة ملامحهم...
كلفوا واحدا من الطلاب من منسوبيهم مهمة أن يسحبني إلى أنشطتهم وأن يغريني بأي شيء لآتيهم ولو لمرة واحدة فقط!
كان اسمه سعيد، وكنت أعرفه من أيام المدرسة الابتدائية، لقد كان لبقا وذكيا، وكانت شخصيته تعجبني، رغم كل ما يحيط تصرفاته من الغرابة، وكان من الطلاب النادرين يمتلكون سيارات في سن مبكرة كهذه، وهذه صفة مغرية بالنسبة لي!" [1]
ويلاحظ أن المحفز أو المرسل يحاول تحفيز الذات أو الفاعل الإجرائي بشكل تدريجي بالإغراء المادي، والإقناع الذهني والوجداني، عبر التطويع الديني، بغية التأثير عقليا ونفسيا وحركيا:"ومن أول ليلة برمضان كنت أصطف مع عدد ضخم من الطلاب في ساحة المدرسة، ليحدثنا الشيخ حميد عن برنامج الجماعة طيلة ليالي رمضان، وقوانين البقاء بها واحترامها، وأن وجود أي منا هنا يجب ألا يكون لمجرد لعب الكرة فقط، فهناك محاضرات وندوات ودروس علم وحفلات وعظية وتذكير بالله وصلاة وعبادات كثيرة، وعلينا أن نلتزم بحضور كل شيء وسيكون للدورة الرياضية وقتها من كل ليلة!"[2]
ويلاحظ أن التحفيز لا يتم مباشرة عن طريق المرسل، بل هناك واسطة قد تم تحفيزها من قبل وساطات أخرى. بمعنى أن هناك قطبا أوشيخا محفزا، ومريدا يتم تحفيزه ، ليقوم بدوره بتحفيز مريد آخر يقبل على الجماعة. أي: إن هناك تعددا في المحفزين والمرسلين. ومن ثم، فعلاقة المرسل بالذات هي علاقة إرسال وتطويع وتحفيز وتأثير وغواية وإقناع.
وعليه، يتحقق التحفيز بالإقناع والترغيب والترهيب، واستغلال العاطفة الدينية لدى المراهقين عن طريق التوعية غير الصحيحة:" كانوا يدخلون إلى ضمائرنا عبر طريقين، أحدهما: استغلال الجانب الوجداني، عبر الترهيب والترغيب، والطريقة الأخرى هي مايكلفوننا به داخل المركز وخارجه من البحوث والدروس والمشاركات، وما يلقى علينا من المحاضرات والكلمات، وغير ذلك! وينتهي المركز، وقد خرج المشرفون الحركيون عليه بمجموعة كبيرة جدا من الطلاب المنتمين للقاءات الأسبوعية الحركية، وأصبحوا مهيئين مجندين لتنفيذ توجه هذه الجماعة، وبدرجة عالية جدا من الولاء، والاعتقاد حيالها بفكرة الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، وغير ذلك أيضا، وكنت أتساءل كيف يمونون المراكز والمخيمات والرحلات حتى علمت أنهم يأخذون أموال الدولة، متكئين في سرقتها على الفتاوى الوافدة من تكفيريي بعض الدول المجاورة، والتي ترى أن سرقة مال الدولة الكافرة لصالح الدعوة والجهاد أمر يحبه الله ويرضاه!"[3]
وبعد اختبار التحفيز القائم على الولاء والتطويع والإقناع والتأثير، ننتقل إلى اختبار التأهيل الذي يتمثل في اختيار الذات الفاعلة الإجرائية للقيام بمجموعة من الأفعال اعتمادا على مجموعة من الكفاءات الجسدية والذهنية والنفسية، مثل:القدرة، والمعرفة، والإرادة، والواجب. ومن هنا، لم تختر جمعية التوعية الفاعل إلا لكونه يتصف بمجموعة من المؤهلات التي تميزه، وتجعله قادرا على تنفيذ الأفعال، والنجاح فيها إمكانا وافتراضا وتحققا. ومن بين هذه المؤهلات تفوق البطل عن أقرانه في الدراسة والرياضة والاستجابة والمعرفة:" كنت محط أنظار جماعة أنشطة دينية بالمدرسة، كان يطلق عليها جماعة التوعية، وكان أغلب المتفوقين من الطلاب والمؤثرين وذوي الطاقات الفذة بداخلها، ويشرف عليها معلمون متدينون، تبدو عليهم سمات الزهد وتعلو الهيبة ملامحهم...
كلفوا واحدا من الطلاب من منسوبيهم مهمة أن يسحبني إلى أنشطتهم وأن يغريني بأي شيء لآتيهم ولو لمرة واحدة فقط!"[4]
وإلى جانب القدرة المعرفية، نستحضر القدرة البدنية كما في هذا الشاهد النصي:"وبعد نوم الجميع، يقوم أمير الرحلة باستدعاء ستة نفر من الأشداء الأقوياء بقيادة أحد الجامعيين، وتعد خطة الهجوم الليلي على المخيم، وبالتنسيق مع مشرف الحراسة يخرج هؤلاء النفر إلى فلاة قريبة حتى يحين وقت الهجوم بالساعة الثانية ليلا."[5]
وبعد مرحلتي التحفيز والتأهيل، تحين مرحلة الإنجاز الفعلي، بتحصيل الموضوع المرغوب فيه، عبر الصدع بالحق، والجهر بالتغيير، ومحاربة الفساد الأخلاقي، من خلال تمرده عن أسرته الكافرة الفاسقة حسب منظوره الشخصي:" كانت تلك السنة إعلانا ضخما مني لعصيان أسرتي وإرادتها، فكم ضربت وهددت، وكم اشتبكت وإخوتي، ولأنني أحمل لسان الدين المقدس فإنني كنت أنتصر نهاية الأمر، حتى على والدي الذي غض طرفه عن امتناعي لرعي الأغنام وتوقفي عن أداء أي عمل متعلق بالأسرة، وكيف أسكن مع هؤلاء الفاسقين الكفار...!"[6]
ويتمظهر الموضوع المرغوب فيه كذلك  في الاستعداد لمحاربة الواقع السياسي الفاسد لإقامة إمارة دينية صالحة:" وبعد أربعة لقاءات أخبرني أن هذه اللقاءات ليست مجرد حلقات ذكر، بل هي فوق هذا عمل سري منظم على مستوى المناطق كلها، يهدف إلى إقامة كيان جديد، على هذه الأرض، يحكم بشريعة الله وسنة رسوله وتخطط لهدم دول الكفر والظلم، وتعمل لإعادة المجتمع إلى حياض الدين وإخراجه من جاهليته، ثم حدثني عن سرية هذا التنظيم ومدى خطورة الحديث عنه، أو البوح بأي شيء يخصه!"[7] . ويعني هذا قيام مجتمع صالح في مقابل مجتمع طالح.
ومن هنا، فالمهمة التي أنيطت بالذات البطلة هي أن يكون الفاعل جنديا في سبيل الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بعد أن تلقى تدريبات مكثفة في مراكز التأهيل والتجنيد:" يا إلهي..أي مجد هذا الذي أنا فيه، فمن كل حرماني الذي مضى إلى جندي في سبيل الله، يخطط ويعمل ويقدم ويؤخر لإقامة شريعة الله بدولة جديدة...ها أنا بعد كل هذا من الطائفة المنصورة التي ينصرها الله من بين كل الطوائف، ومن الفرقة الناجية التي ستذهب كل الفرق عداها للنار، وأنا من الذين يجددون للأمة دينها، ويخرجونها من الظلمات إلى النور، ويحيونها بعد مواتها!"[8]
وهكذا، فقد انضم البطل إلى الجماعة الحركية لتنفيذ ما يطلب منه الشيوخ الحركيون من مهمات استهوائية لترويع الآخرين وترهيبهم، فصار خطيبا يقدم دروسا في الترغيب والترهيب بطريقة فيها مغالاة وتطرف. بل طلبوا منه أن يستعد للرحيل إلى أفغانستان للجهاد:" وفي قمة زهوي بما أنا فيه من الانصهار، مع هؤلاء، كدت أرحل لأفغانستان، حيث جاءني أحدهم، وقال:" أستطيع استخراج جواز سفرك لك، إن كنت تريد الهجرة إلى حياة المجاهدين هناك..."، فطلبت منه أن يمهلني لأفكر، ولا أدري ما الذي جعلني أعود إليه، قائلا:" إن الوقت لم يحن بعد لأكون مجاهدا، فما زلت أحتاج لتقوية إيماني أكثر... نظر لي نظرة ريب وانصرف!"[9]
وقد تمثل الإنجاز الفعلي في الصدع بالحق في كل مكان، وتوعية الآخرين، والالتزام بالأنشطة الدعوية، والإكثار من التدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شوارع المدينة، واستعمال أسلوبي الترغيب والترهيب في ذلك." هكذا، كانت هذه السنة، سنة من التصوف والحق والعمل والدعوة، والانضباط بالصف الحركي، وهكذا، صرت منارا عباديا قويا على غيري من عصاة الله، رحيما وحنونا على كل من معي"[10]
أما محطة التقويم، فتتمثل في أن الفاعل الإجرائي قد حقق ما كان يصبو إليه المركز الحركي، وإن كان هذا النجاح نسبيا فقط؛ لأن الفاعل الإجرائي رفض أن يسافر إلى أفغانستان. بيد أن هذا التقويم مرتبط بسياق الحركة المتطرفة، وتقويمها الأخلاقي والإيديولوجي المبني على ترويع الآخر، وكراهية الغير.
هذا، ويقوم البرنامج الاستهوائي على البنية العاملية التالية:
المرسل ( هوى الإرهاب)    محور التواصل       المرسل إليه: الإرهابيون

الذات (زاهي الجبالي)        محور الرغبة تغيير الواقع الفاسد

المساعد (الشيوخ- المؤطرون- الكتب المتطرفة)    محور الصراع        المعاكس: (الأسرة، المجتمع الكافر، والنظام الفاسد).
ومن هنا، يتمثل التركيب السردي في اتصال الذات مع الموضوع المرغوب فيه الذي يتمثل في تغيير العالم الموضوعي، أو تصحيح الواقع الفاسد. ويعني هذا، الانتقال من هوى الحب إلى هوى الكراهية والترهيب. ومن ثم، يقوم الفاعل الإجرائي بمجموعة من الأدوار التيماتيكية والأدوار الانفعالية الاستهوائية. وتتمثل الأدوار التيماتيكية المعجمية في: الطفل-الراعي- اللاعب- المتعلم- المتفوق- المنخرط- المؤطر- الواعظ- الراهب- المحتسب- المنشق- الطالب الجامعي- الشاعر- المسالم- المدرس- الناقد- الواعي- المنعتق...
أما الأدوار الانفعالية والاستهوائية، فيمكن توضيحها على الشكل التالي: العاشق- الخائف- المنتمي- العاق- المنعزل- المتطرف- الإرهابي- المهان- الغاضب- الناقم- الثائر- المتمرد- الساخط- المنسلخ- المتسامح- المحب- المتحرر.
هذا، ويلاحظ أن الأدوار الغرضية تتداخل، بشكل من الأشكال، مع الأدوار الانفعالية والعاطفية، وهذا ما يجعل سيميائية الأهواء تجد صعوبة كبيرة في تفريد خطابها الوصفي، وتمييز قاموسها المعجمي والانفعالي  عن المدونة القاموسية لسيميائية العمل.
ومن جهة أخرى، تنصب هذه اللكسيمات والصور المعجمية والانفعالية كلها على التشاكلات السيميائية التالية:
/التشاكل النفسي أو التشاكل الانفعالي/:+/ النقمة /+/ الغضب/+/السخط/+/الكراهية/...
/التشاكل الديني/: +/ الإرشاد /+/التوعية/+/الأمر بالمعروف/+/النهي عن المنكر/...
/التشاكل السياسي/:+/ الجمعية/+/الحركة/+/ القيادة/+/التأطير/+/النظام/...
/التشاكل التربوي/:+ /التربية/+/الدراسة/+/ النجاح/...
ويعني هذا على المستوى القيمي أن الإرهاب ظاهرة سياسية دينية قائمة على الاستغلال الديني والاستقطاب الترفيهي والتربوي، تستهدف ترويع الآخر، وممارسة العنف ضده.
الفرع الثاني: برنامــج هـــوى الحب
انتهى برنامج الانتماء والاتصال أو برنامج الكراهية بفشل الذات في الامتحان، وغضب الأسرة عليها لوما وعتابا وتأنيبا، ونشوب توتر صدامي بين الفاعل الهووي الإجرائي وبين أعضاء  الجمعية الحركية:"كنت مهيأ لي توتر بيني وبين هؤلاء رغم كل تمسكي بهم وحبي لهم،أي احتكاك سيوقد التساؤلات التي تجاهلتها طويلا وأعميت عقلي عنها، حتى لاتخدش صورتهم التي تمثل لي خلاصا كبيرا، لكن هذا الاحتكاك وقع..."[11]. ويعني هذا أن هوى الكراهية بدأ في التولد، وذلك بعد أن تحول مركز الاستقطاب والاستدراج والترويع إلى فضاء توتري قائم على الصراع والسخرية والازدراء والعنف والصراعات الشخصية.
ومن ثم، سيساهم هذا التوتر الاستهوائي في تغيير مسار الفاعل الإجرائي من شخصية سلبية تصدر عن هوى الكراهية أو الهوى الإرهابي إلى شخصية إيجابية تنطلق من هوى الحب والتسامح والتعايش:"كان تغير ذهنيتي، على حد كبير، عبر هذه القراءات الجمالية، وكانت عودة الأسئلة، التي تجاهلتها من جديد، محرضا للبحث عن كتب فقهية تتحدث عن الجانب الآخر من الذي كانوا يتعمدون إخفاءه بكل وسيلة ممكنة، فإن انكشف وصموه بأنه بدعة وأنه ضلالة وأن علماءه على زيغ كبير!
قرأت (فقه السنة) لسيد سابق، و(الحلال والحرام في الإسلام) ليوسف القرضاوي، واطلعت على فقه ابن حزم والشوكاني...وغيرهم، وصدمت حين اكتشفت أن الموسيقى، التي حرمتها على نفسي كل هذه السنين، جمال يستحيل أن يحرمه الإسلام، وأنه لاضير في أن أقص لحيتي، أو حتى أن أحلقها، وعرفت أن تغطية المرأة وجهها ليسا من الحجاب في شيء، وأن التصوير والزينة مما لايثير غضب الله، وأن الحياة جميلة، وتستحق أن يكون المرء أنيقا ومحبا ومتسامحا.أما قضايا التكفير فلم تكن عندي موضع اهتمام أبدا، على أني عرفت أن التكفير طريقة الخوارج ومنهجهم، إنها اعتقاد القتلة باسم الله على مر التاريخ!" [12]
و يتمظهر التطويع أو التحفيز ضمن هذا البرنامج السردي في الانطلاق من هوى الحب والرغبة في الحياة، والإقبال على الشعر والجمال، والاستمتاع بالحياة:" انتصر الحب والجمال الذي غرقت فيه عبر الشعر والروايات، والجانب الآخر الجميل من الدين، الذي يسرق الناس باتجاه الحب والجمال والموسيقى والشعر."[13]
أما المرسل إليه على مستوى التواصل، فيتمثل في الفاعل ذاته(زاهي الجبالي). ويعني هذا أن ثمة فعلا انعكاسيا مادام أن الفاعل هو المستفيد، وليس الآخرون كما في الفعل المتعدي. أما موضوع الذات الفاعلة فهو تحقيق هوى الحب، والإحساس بالجمال، وفعل الخير، وهذا كله على مستوى الرغبة. أما على مستوى الصراع، فيمكن الإشارة إلى أن المساعد يتمثل في الكتب المعتدلة، والنجاح في الدراسة، والإقبال على الجامعة التي غيرت الكثير من معارفه السابقة.أما المعاكس، فيتمثل في الإرهابيين والمتشددين الذين كانوا يضمرون للفاعل الإجرائي الكراهية والحقد والشنآن:"انهالت علي سيول من اللكمات، والرفسات، والصفعات، ومرغوني بالأرض، وكلما ازدادوا عنفا زدت صمتا، وما توقفوا عن شراستهم تلك حتى بدأ الدم يغشاني، ويلون ثوبي الأبيض بحمرته، فكفوا وكان آخر ما فعله أحدهم أن ركلني بقدمه في صدري بأعنف ما يطيقه، ثم تركوني ممددا هناك ومضوا!
قمت بعد اختفائهم وما بجسمي خلية واحدة لاتؤلمني، وبوجهي وسائر جسدي من الكدمات والدماء ماكان يكفي على الأقل للبكاء من القهر والألم! قمت وتحاملت على مابي، ومشيت حتى بلغت الشارع ووقفت أحرك يدي، ربما يقف أحدهم لي، ويعيدني لبيتي، لكن منظر الدم وحمرته بثيابي لم يكن ليشجع أحدا أن يغامر ويأخذني معه في سيارته!أخيرا وقف لي أحدهم، وحين رآني فتح فمه مذهولا مما يكسوني من الجراح والدماء."[14]
هذا، وتقوم صور الرواية ولكسيماتها السياقية والنووية في البرنامج السردي الثاني على مجموعة من التشاكلات السيميائية مثل:الإنساني، والجمالي، والانفعالي.
وعلاوة على ذلك، ينبني البرنامج السردي الثاني على هوى الحب باعتباره حافزا. أما الفاعل الاستهوائي، فيكمن في الإقبال على الحياة بما فيها من خير وجمال وإخاء:" سنتان..شهدت في الأولى الانعتاق من بوتقتهم، وفي الأخرى الإقبال النهم على السهر، واللعب، واللهو، والجمال، والحياة بكل أشكالها، وأيضا فإني مازلت الشخص المتدين، لكن بطريقتي وبمنهجي، ولا أقبل أبدا أن يظن أحد ما أني غير هذا المتدين، وإن كل ما أعيشه حلال، ومادمت أتحرك داخل الحلال، فأنا لم أتبع هواي، ولم أخرج عن الدين!"[15]
ويعني هذا كله أن الفاعل الاستهوائي مرتبط بالانعتاق والتحرر من قيود الماضي ، وتخليص قلبه من هوى الحقد والكراهية والخوف:"الكتب الجديدة، والقراءات الأخرى، والرياضة، والسهر، والرفاق، والأسفار، والسيارة الأنيقة، التي اشتراها لي أهلي، كل هذه الأشياء وغيرها، كانت انفجارا كبيرا بداخلي، جعلني أتعلق بالحياة وجمالياتها، حتى إني ماكنت لأترك يوما يمر دون أن أوقع تاريخه بلذة ما، وصرت على هيام بالشعر والتجول بالسيارة في الطرق المظلمة، خارج المدينة، أكثر من أي شيء. كنت أبتعد عن أبها بعض الليالي أحيانا مائة كيلومتر، فمعنى أن تغمرني العتمة وأنا رهين لسحر فيروز، أو أية موسيقى ، ألا تستدير سيارتي لتعود إلى أبها وقد قارب الفجر على أن يفقأ عين العتمة." [16]
ويتمثل التقويم في التخلص من هوى الكراهية والحقد، والانتقال إلى هوى المحبة:"حانت لحظات التخرج، وانصرمت المرحلة الجامعية، التي كانت في أغلبها ناعمة هادئة، باستثناء سنتها الأولى، وبعض سنتها الثانية، وفيما بعد نجحت في إقناع أهلي بشخصيتي الجديدة، وأن ما أنا فيه لم يكن مجرد تمرد على أولئك السابقين، وإنما هو تمدد علمي أخرجني من الضيق على السعة، ومن التشدد للتسامح، ومن ظلمة الكراهية إلى فناء الحب، الحب لكل الناس." [17]
ويعني هذا أن البنية الدلالية للمربع السيميائي أو الكثافة الهووية تتمثل في التقابل بين هوى الكراهية وهوى الحب.ويمكن توضيح العلاقات المنطقية لهذا المربع السيميائي على الشكل التالي:
1- علاقات التضاد: الحب والكراهية؛
2- علاقات شبه التضاد: اللاحب واللاكراهية .
3- علاقات التناقض: الحب واللاحب ، والكراهية واللاكراهية؛
4- علاقات التضمن: الحب واللاكراهية، والكراهية واللاحب.

            الكراهية                                         الحب
     اللاحب اللاكراهية
ويعني هذا المربع الاستهوائي أن البنية الانفعالية التي ولدت مختلف التمظهرات الاستهوائية في الرواية تنحصر في جدلية هوى الحب وهوى الكراهية. ومن ثم، فهناك تصادم شعوري وتوتر انفعالي بين عالمين متضادين: عالم الكراهية (عالم الإرهاب والتطرف) وعالم الحب(عالم التسامح والتعايش). بيد أن الانتصار والبقاء، في الأخير، كان لعالم الحب المرتبط بالخير والجمال والحياة والشعر. كما يحيل هوى الكراهية على مجموعة من المشاعر الانفعالية السلبية الطالحة: الإرهاب، والغضب، والترويع، والحقد، والخوف، والانغلاق...في حين، يحيل هوى الحب على مجموعة من المشاعر الصالحة النبيلة، مثل:الانعتاق، والتسامح...
ويلاحظ أن هذه الرواية تعتمد على زمنين للأهواء: هوى منغلق(هوى الإرهاب والكراهية)  مرتبط بحاضر الذات الاستهوائية، حاضر في الكينونة والوجود،وزمن الهوى  المنفتح (هوى الحب والتسامح) مرتبط بالمستقبل. وينتقل الفاعل الاستهوائي عبر المقطعين النصيين: من ذات طالحة إلى ذات صالحة، ومن ذات جاهلة منغلقة إلى ذات منفتحة واعية.
وعليه، يلاحظ أن هوى الإرهاب في رواية( الإرهابي)لعبد الله ثابت، على مستوى التخطيب ، يقوم على العناصر البنيوية التالية: الاستقطاب، والترغيب، و الترهيب. في حين، يقوم هوى التسامح على البنيات التالية: الوعي، والحب، والانعتاق.
وخلاصة القول: تحوي رواية ( الإرهابي 20) لثابت بن عبد الله تمظهرين دلالين كبيرين، وهما: الكراهية والحب، أو الإرهاب والتسامح. أي: إنها تصور هويين انفعاليين متناقضين، وهما: هوى الإرهاب باعتباره هوى منغلقا سلبيا طالحا مرتبطا بزمن الحاضر والكينونة الوجودية، وهوى التسامح باعتباره هوى إيجابيا صالحا منفتحا يمتد إلى المستقبل، ويقوم على نبذ العنف، و الابتعاد عن ترويع الناس، وتخويفهم باستعمال العنف والقتل. هذا، ويعبر هوى الإرهاب عن الانحطاط، وتدمير الآخر، وممارسة العنف بطرائق غير شرعية وغير قانونية، ويحيل أيضا على الكراهية والانغلاق. لذلك، فهو غير مثمن أخلاقيا، وغير ممجد اجتماعيا. على عكس هوى التسامح، فهو مقبول، لأنه يساهم في البناء المجتمعي والحضاري، ويحد من سلطة العنف. ويعني هذا أن الرواية تعبر عن ذات انفعالية منحطة، ومنفصمة، وشاذة، ومضطربة، ومتآكلة، ومتهاوية ذهنيا ووجدانيا وحركيا، على عكس الذات المتسامحة التي تحس بالحب، والراحة، والسعادة، والاستقرار، و تساهم في العطاء، وتأسيس في بناء مجتمع وطن صالح.
وعلى العموم، تقوم الرواية العربية السعودية على نسق أكسيولوجي(أخلاقي)، يرفض الإرهاب والتطرف والكراهية والعدوان بأي حال من الأحوال. في حين، يمجد هذا النسق القيمي التسامح والتعايش والتواصل والانفتاح والحوار البناء. ومن ثم، فلقد واجهت الرواية العربية السعودية هوى الإرهاب والكراهية والترويع مواجهة شديدة، عن طريق النقد والسخرية والمعالجة الموضوعية، مع الاستعانة بسلاح الإبداع والحب والجمال ، والتصحيح المعقلن الهادف، صارخة بكل ما أوتيت من بلاغة  وفصاحة وبيان في وجه الإرهاب والعنف بكل أشكاله وصنوفه المادية والرمزية.
وهكذا، فقد رأينا ، من خلال هذه الدراسة ، أن الهوى بمثابة تردد بين الجذب والنبذ، والتجاذب بين الصالح والطالح. كما أن سيميائيات الهوى تحاول - بشكل من الأشكال- أن تتوسط العقل والحواس، وأن تخلق جدلية بين الذات وعالم الأشياء. وبتعبير آخر، هي" محاولة لتقليص هذه الفجوة الفاصلة بين المعرفة[العقل] والحس [التجربة]."[18]




[1] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:213-214.
[2] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:215.
[3] - عبد الله ثابت: نفسه، ص:232.
[4] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:213-214.
[5] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:223.
[6] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:229.
[7] - عبد الله ثابت : نفسه ، ص:230.
[8] - عبد الله ثابت: نفسه، ص:230-231.
[9] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:247.
[10] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:254.
[11] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:258.
[12] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:266-267.
[13] - عبد الله ثابت : نفسه ، ص:266-267.
[14] - عبد الله ثابت: نفسه، ص:273.
[15] - عبد الله ثابت : نفسه ، ص:2275.
[16] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:276.
[17] - عبد الله ثابت: نفسه ، ص:277.
[18] - كريماص وجاك فونتنيي: نفسه،ص:68.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق