السبت، 15 أبريل 2017

صورة المرأة و الزوجة عند تامر زكريا

صورة المرأة و الزوجة عند تامر زكريا
تتضح صورة المرأة من خلال ما بثه الكاتب من آراء، وتصورات، وصفات، ومميزات يتمنى أن يراها أبطال قصصه في المرأة، وكذلك مستوى تعامل المجتمع مع هذه المرأة وهل اعترف بكيانها واستقلاليتها أم لا ؟.
إن صورة المرأة التي ظهرت في معظم الأعمال غالباً ما تكون صبية جميلة ناصعة البياض، ذات شعر سود متهدل عل كتفيها، كما أنها غالباً ما تكون ضعيفة معتدى عليها، يختطفها الرجال، مهجورة، تحن إلى  علاقة مع رجل ما، كما يتضح في " ليلة من الليالي" إذ قالت إمرأة لأبي حسن " تزوجني، وسأكون خادمك" ( ). وهي إمرأة وحيدة تبحث عن زوجها المفقود وتقع ضحية المجتمع المتخلف، حتى إن المرأة المتعلمة تعتبر بخلعها المفقود وتقع ضحية المجتمع المتخلف، حتى إن المرأة المتعلمة تعتبر بخلعها الملاءة خارجة على عادات الحارة وتقاليدها، وتستحق الموت. والمرأة كذلك من وسط شعبي لا تتعداه فلا نلحظ لها دوراً على الصعيد السياسي أو الفكري، وينحصر دورها في إطار العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وهي دوماً مشتهاة ومرتبطة بشوق الرجل للحياة والدفء. يقول البطل في قصة القبو " وتذكرت آنئذ سميحة الفتاة التي كانت تحبني ببراءة وصدق، وكان يعذبني بقسوة اشتهائي المجنون لجسدها "( ).
لقد ركز الكاتب على مظاهر القمع الاجتماعي، وانسحاق الإنسان في الحياة، كما كشف عن ضيق العقلية الشعبية وتخلف رؤيتها للمرأة. كما أن بطل زكريا لا يريدها أية امرأة بل يريد امرأ وهو صانعها، فيشكلها كما يشار " سيصنع إمرأة من ذهب وسيحبها بضراوة "( )، وكل ما يتمناه " من الحياة

لا يتعدى بيتاً صغيراً يعيش فيه مع فتاة لم يقابلها بعد، ولكنه واثق أنه سيجدها يوماً ما، وسيحبها بإخلاص"( ). وكذلك يملك شوقاً دائمً لاحتواء المرأة، وتلمس جسدها بشوق، فيتمنى عباس أن " يتحول إلى  هواء تستنشقه ليلى ليستقر في صميم كل خلية من خلايا جسمها "( ).
وعندما لا يعثر على مراده تتعمق الحساسية الجسدية للمرأة حتى تصل أبواب الرؤية السادية فتتدفق رائحة الشهوة العدوانية الدموية، فيحدث الشنفرى قطته عن المرأة قائلاً " أنا لست متزوجاً، والمرأة التي أحبها سأكل فمها وأبتلع لحم شفتيها الدامي الطري، ثم أضرب رأسها بقطعة خشب صلدة، وأكسره وألطخ وجي بدمها الساخن ثم أدفنها تحت سريري، وأنام مرتاح البال "( ) فمتى نال البطل حبيبته يعني ذلك أنها انتهت بالنسبة له، كما قال حسن لأحد أصدقائه في المقهى عندما كان يكتب شعراً في محبوبته: " ألا تحرق أشعارك إذا نلت حبيبتك؟"( ) فالحب عند بطل زكريا ما هو إلا نجمة عالية لا يشتهي نواهلا! ( ).
كما تخيل محمد امرأة جميلة، وبعد أيام رآها نفسها في الشارع فتبعها حتى عرف منزلها.. وأصبحت أمنية محمد أن تنظر إليه وتبتسم  لكن المرأة لم ترمقه بنظرة في أي مرة. ها هي صورة المرأة التي يريد حتى لكأنها ليست من عالم الأرض، وهو يريدا حرة طليقة لا سبية مغلوبة على أمرها
لذا رفض محمد أن يأتيه الساحر بها نائمة قائلاً: " أريد أن تكون عيناها مفتوحتين، تنظر إلي بود، أريدها أن تبتسم لي... "( ) فالمرأة بالنسبة له جزء من الطبيعة أو هي الطبيعة الجميلة وهو دائم البحث عمن تعمق تماسكه

مع الطبيعة " ففطمة امرأة جميلة ضحكتها حديقة خضراء"( ). وسميحة " لها جناحا عصفور صغير"( ).
فالمرأة نموذج مثالي لا ينبغي أن تدنسه الأيدي، لهذا السبب سيصنع امرأة خاصة به تتناسب وعالمه، وسيشكلها كما يشاء، كذلك سيدافع عنها أمام هذا الواقع الصعب، لأنها في الواقع الحالي لا تعجب بطل زكريا كما لا يعجبه حالها لأنها امرأة لا تعيش إلا بجسدها فقط، فهي خاوية الروح، مسلوبة الإرادة، حتى أضحى الرجل يرى أن " كل النساء مومسات"( ). وعاش أبطال زكريا مشتتين بين وهم المرأة المفقودة، وواقعها الاجتماعي المزري، وبين المرأة الكابوس التي تطل بين الحين والآخر فترعب بملمسها الحريري الناعم الرجل الذي ما إن تتمكن منه حتى تتحول إلى  أفعى قاتلة( ).
في ضوء هذه الرؤى المتباينة أصبح بطل زكريا – نتيجة خوفه منها وخوفه عليها – يفكر بامرأة لا يشتهي نوالها.... كالمرأة الصديقة فيقول: " كم أتمنى أن تكون لي علاقة صداقة مع فتاة ن لا أريد أن أحبها، إنما أريدها فقط صديقة لا أكثر.. وذلك كي يحدثها عن كآبته التي تغله إلى الشوارع، ولكي يبكي بين يديها دون خجل.
1- صورة الأم
من المألوف أن تظهر صورة – المرأة- الأم رمزاً للعطاء والتضحية في معظم الأعمال الأدبية ؛ لأنها الموجه والمربي والمدافع عن الأبناء أمام سطوة الآباء.لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل بقيت صورة الأم مشرقة في أعمال زكريا أم لحقها من التدنيس والتشويه ما لحق غيرها من النماذج النسوية في خضم صراعات هذا العالم المشوه؟

لقد سلط زكريا الضوء على حقيقة الأم ومشاعرها، كما جردها في أحيان كثيرة من أمومتها، فرصد سلوكاتها من خلال الظروف المحيطة بها ومن خلال تفاعلها مع المجتمع الحافل بالأزمات.
فامتازت الأم – عموماً- بالبساطة الشعبية ن والسذاجة والجهل الممزوج بالحنان الفطري، والخوف على الأبناء، فيستعصي عليها فهم أبنائها كما في قصة " الرجل الزنجي" إذ تتهم الأم ابنها بالجنون عندما رأته يدير حواراً مع نفسه (صديقه الوهمي).
هذه هي أولى مظاهر التصادم وأول مبررات غربة البطل التي تبدأ من البيت حيث السلطة الأبوية. وفي قصة " رندا" تتنصت الفتاة الصغيرة إلى  الأرض فتسألها أمها عما تسمعه فتقول رندا: إنها تسمع غناء جميلاً فتجيب الأم: " ما هذا الحكي الأبله ؟ هل تريدين أن يقول الناس إن رندا مجنونة ؟ الأرض مجرد تراب وحجارة " ( ).
إن أبطال زكريا يتمتعون بنوع خاص من النضج الفكري فلا يهادنون أو يجاملون مع أنهم ربما يستسلمون لسطوة الواقع الذي غالباً ما يكون أقوى منهم. كما أن الأمهات لا يملكن القدرة على فهم ذا الجيل أو استيعابه ويعتبرن أفكار الأبناء مخيفة مرعبة تقود إلى  الجنون.
وهناك من الأمهات من يقدرن على توجيه أبنائهن لكن هذا التوجية
غالباً ما يكون سلبياً، فبدل أن تكون الأم هي الملاذ الحقيقي لأبنائها،
تكون بجهلها وخوفها أولى وسائل التدمير النفسي والضياع لهؤلاء الأبناء. ففي قصة الأعداء (الأبناء) مثلاً يسأل الطفل أمه – كعادة الأطفال- عن
فوائد العينين والإذنين واللسان، فترتعد الأم خوفاً وتضلل الإجابة قائلة له بأن العينين خلقتا كي ينظر فيهما باحترام إلى  الحكام والمسؤولين، والأذنين
كي تسمعا الأوامر الرسمية، والخطب السياسية، واللسان لا يفيد في شيء


سوى المضغ( ). ويكمن سر تضليل الإجابة عن لسان الأم التي حطمها الرعب في الواقع السياسي القمعي الذي يفرض سياسة قمعية تشوه الناس. لذا نرى الأمهات وهن يندفعن إلى  قتل أبنائهن فكرياً وروحياً، حتى يصبحوا أجساداً تتحرك بلا روح ؛ وذلك لأنهن يخضعن لقمع خارجي، وتتكرر هذه الصورة في شهادة أم سليمان الحلبي في قصة " الجريمة" ضد ابنها أمام المحكمة( ).
ونتيجة للخوف الذي تمارسه الأم على أبنائها فهي تسلم الأبناء لمزالق أدناها السلبية والهروب من مواجهة الواقع فالأم في قصة " الأطفال" تحذر ابنها من الاقتراب من النهر لأنه يخطف الأطفال، وبعد قليل تؤنبه لأنه يخبرها بأنه سرق غيمة لأن الكذب عيب( ). في مثل هذا التناقض الذي وضعته الأم بين يدي طفلها تكون قد ساهمت في رفع درجة الشعور بالغربة والضياع، فالفعل
 " سرق" مثل الفل خطف عند الطفل وكلاهما فعل، لكن الأم لم تتنبه لذلك ؛ ولهذا السبب نستطيع تفسير إصرار أبطال زكريا على العيش بوحدة مطلقة، ورفضهم للمجتمع وعدم قبولهم لأسرهم وبيئاتهم.
لقد أظهر زكريا نماذج لبعض الأمهات اللائي يتمتعن بوعي ممزوج بالصرامة، فتمارس الأم من خلاله دور الرقيب الحسيب على سلوك
أبنائها المراهقين لكن هذه الصرامة غالباً لا تكون إيجابية بل تخلق في نفوسهم ردة فعل عنيفة نستطيع تسميتها سلبية، فأم الفتاة الشابة في قصة " قرنفلة للإسفلت المتعب" تنصح ابنتها ببعض النصائح التي تفيد بأن " الرجال كلهم يعبدون المرأة بذل، عندما يشمون رائحتها، ولكنهم يبتعدون عنها بقرف لحظة تنطفئ شهوتهم"( ) مثل هذه النصائح ولدت عند الفتاة إحساساً قرياً بكره

والدتها حتى صارت تتمنى لو أن أمها ميتة كي تعيش دون نصائح. ومن الجدير بالذكر أن كل أشكال النصائح مرفوضة عند أبطال زكريا.
ويقاس على ذلك موقف سميرة من أمها التي تعاملها معاملة الخادم( )، لذا فهي لا تحبها إلا من منطلق الواجب.
لم  يغفل زكريا صورة الأم البسيطة المسالمة – على قلتها – التي تسهر على راحة أبنائها كما تقوم بدورها الطبيعي كأي أم حنونة، منها أم أحمد في قصة " جوع" وأم عمر القاسم ف قصة " يا أيها الكرز المنسي".
وقد تضطر الأم للجوء إلى  طرق الرذيلة كي تعود آخر النهار محملة بالمال اللازم لأبنهائها – وغالباً ما يختفي دور الأب في هذه الأعمال- كما في قصة " ابتسم يا وجهها المتعب" وقصة " الابتسامة".
وتتكرر صورة الأم الساذجة الجاهلة المغلفة بالحنان غير المقبول من قبل الكاتب والذي يعتبره مأخذاً عليها، فالأم في " رجل من مشق" دائمة السؤال لابنها عن العمل شاكية له الوضع المادي السيء والأعباء الكبيرة، لكن ابنها المتسكع في الشوارع يقنعها بأنه دائم البحث عن عمل ويتعب لأجل ذلك إلا أنه م يوفق بعد، فتصدق الأم كلام ابنها المهل وتتعاطف معه، وتتكرر الصورة في قصة " ثلج آخر الليل". وفي قصة " رحيل إلى  البحر" لم تترقرق الدموع في عيني الأم عندما أخبرها ابنها أنه سيسافر بل اكتفت بالتساؤل إن كان سيرجع غنياً أم لا ؟ (لاحظ قسوة الحياة التي تتعرض لها الأم).
إن هذه الصورة الساذجة الممزوجة بالجهل والحنان لم تأت عبثاً، فالجوع قد استشرى في المجتمع حتى تغلب على العواطف، وهذا ما كرره زكريا في معظم الصور التي سجلها للأم الخاضعة لظروف اجتماعية متأزمة، واقتصادية صعبة، وسياسية قمعية تتحكم في مسيرة تربيتها لأبنائها، فأم

الجريح الذي يرقد في المستشفى إثر إحدى المعارك في قصة " النابالم" جاءت تبحث عنه لكن عاطفتها الميتة لم تستطع أن تقودها إلى  مكانة فهمت بالخروج إلا أن صوته أيقظها من بعيد، فما كان منها إلا أن أخذت في سرد أخبار العائلة فرداً فرداً وتتبعها بأخبار الجيران الاجتماعية دون الالتفات منها إلى  وضع ابنها المناضل الجريح ودون السؤال عن حاله. يتضح من هذا الدور الذي أوكله زكريا للأم أنها الضحية ضحية الجهل والخوف، والعادات البالية، وضحية الرجل المتسلط وتمرد الأبناء، والفقر، والسياسة ؛ لذا كانت سلبية بمعنى الكلمة حتى في تعبيرها عن حبها لأبنائها. إنها الأم الرمز، رمز الجذور التي ضلت طريقها فتمزقت مع الريح، كما أنها الأصل الذي تشوهت معالمه فزادت من عناء الفرد وضياعه.
2- صورة الزوجة:
تناول زكريا تامر حياة الأسرة في المجتمع الشعبي الكادح، وصور لنا نماذج من الزواج التقليدي الذي يخلو من التفاهم أو الحب، كما أظهر الطابع العام لنماذج الزيجات التي لا تقوم على الوفاء والإخلاص للزوج، وذلك نتيجة نظرة الزوج لزوجته على أنها متعة جسدية وآلة لإنجاب فقط، إضافة إلى  أنها المستهلكة في حين أنه المنتج، لذا عكس زكريا قسوة الزوج على الزوجة المسكينة. مساهمة منه في زيادة القمع الاجتماعي الذي يقع على المخلوقة الضعيفة.
فأم يوسف في قصة " البدوي" لم تحب زوجها في البداية لكنها كفت عن التذمر مع طول المعاشرة. وغالباً ما تقع السيدة ف مثل هذا الزواج ضحية، في حين أنها لو خيرت لما اختارت هذا الزواج مثلاً. وفي قصة " موت الشعر الأسود " يقول زوج فاطمة – التي زوجت دون رغبتها- " أنا رجل وأنت امرأة، والمرأة يجب أن تطيع الرجل، المرأة خلقت لتكون خادمة للرجل، فتجيب فطمة: " إنني أطيعك وأفعل كل ما تريد"  فيصفها قائلاً بنزق: " عندما أتكلم يجب أن تخرسي "، فتبكي وتمسح دموعها وهي تضحك.

أما عائشة في " العائلة" فيموت زوجها دون أن تولول عليه أو تحزن بل على العكس من ذلك تسارع في دفنه فيعود شبابها وتعود نضارتها رغم كبر سنها وهرمها، لقد سارعت في دفن زوجها وذلك حتى تدفن مع كل القيود، وتعود لها حريتها المفقودة المتمثلة بالنضارة والشباب رمز الحرية والانطلاق( ).
وتنتحب لما كذلك في قصة " السجن"( ) على موت زوجها مصطفى الشامي، وفي الليل تلقي برأسها على الوسادة هادئة ووديعة، مستسلمة للنوم، كما أن الابتسامة لم تفارق وجهها. فماذا تقول تلك الابتسامة التي تظهر ليلاً أثناء خلوتها بنفسها ؟ إنها مسرورة بتحررها وانعتاقها من قيود زوجها، لكن قيود المجتمع تنتظرها في النهار حيث يجب عليها أن تمارس دور الزوجة المخلصة المفجوعة على زوجها.
هذه هي الصورة التي رسمها زكريا للزوجة المتعبة التي لا علاقة بينها وبين زوجها سوى الأولاد خلا صورة نموذجية واحدة، يظهر من خلالها فضل الزواج الذي تم برضى الطرفين وحبهما، فسميرة في " سيرحل الدخان" تعيش مع أحمد الفقير، فتجوع وتعرى إلا أنها تقنع بذلك وتسعد به لأنه الزواج الذي تم باختيارها دون أن يفرضه أحد عليها.
3- صورة الحبيبة:
من الأسئلة الصعبة التي تواجهنا في أعمال زكريا تامر السؤال عن مشاعر البطل " الفرد " الحقيقية، ومدى صدقها وفاعليتها في الحياة.
أن أبطال زكريا لا يعرفون معنى الحب في حين أنهم دائمو البحث عنه، إلا أنهم يلمسون جوهره السامي ن كما أنهم يمارسونه مع فتياتهم، بصورته المادية، المحسوسة، مرهوناً بالمتعة الجسدية في حين يكون هذا الحب صادقاً

بريئاً من قبل المرأة، وفيه بعض الروحانية، كما تدافع عنه حتى الموت، لكن ردة فعل البطل تجاه هذا الحب متباينة، ففي قصة " الرجل الزنجي" تقع فتاة في حب البطل إلا أن أهلها يلزمونها الزواج من رجل آخر لكنها تبقى متمسكة بحبها لمن اختارته هي لا أهلها، بينما يفكر البطل كيف سيمارس هذا الحب عها، فتستسلم له بسهول. وفي قصة " الصيف" تستسلم عطاف لماجد وتطلب منه الوفاء بالوعد والزواج إلا أنه يرفض ذلك ويتمنى لو أنها استسلمت له كدليل على حبها وليس ثمناً للزواج.
نلمس في مثل هذه النماذج الروح النرجسية التي تغلف صورة بطل زكريا الباحث عن شيء يسعده، ولكنه لا يجد رغم كل المحاولات التي قد تسمى أحياناً بالحب أو التضحية. لذا لا نجدهم يتكلفون التفكير بهذه المرأة التي ضحت بكل ما تملك لأجل الحب السامي إلا أنها لا تفوز به.
وتتبلور رؤية البطل للحب في قصة " النهر ميت" عندما كان جميلة تعود أم طارق المريضة كل يوم، فتعلق قلبها بطارق دون أن تجرؤ على المبادرة، في حين أن طارق اشتهى جسدها وكم تمناه ملكاً بين يديه وعندما سألته أتحبني؟ أجاب بأنه يحب نجمة زرقاء لا يشتهي نوالها.
بذلك نرى أن أبطال زكريا لا يعتبرون ما ينالونه من علاقة جسدية حباً، مع العلم أن العلاقة هذه تروق لهم في بادئ الأمر، ويمنون النفس بأسعد الأيام كما ينعتونه حباً، ولكن بعد أن تنطفئ نار الشهوة يتخلون عن اللواتي أحببنهم بصدق وذلك لأن الحب شيء لا يودون نواله، حتى يبقى محتفظاً بوهجه ودليل ذلك موقف يوسف في قصة " البدوي" إذ أحب سميرة ابنة صحب البناية التي يسكن في قبوها كما بادلته الحب بحب جارف وتمنت أن تهرب معه على الرغم من الفارق الطبقي بينهما، في حين تمنى يوسف أن ينال جسدها الذي طالما حلم به وفي ذلك تعبير مطلق عن انتقامه من الأغنياء ( ).

إن تدرج الأحداث في عمال زكريا يوصلنا دائماً إلى  هذه النهاية وكأن الحب الذي يريد هو الحرية التي لا يملكها لذا لا يستطيع البطل الاحتفاظ بالحب لمدة طويلة.
لقد ذكرنا سابقاً أن ظاهرة الجوع في أعماله عامة وواضحة حتى إن المرأة إذا ما تعرضت لفاقة تسلك طرقاً غير مرضية كي تسكت جوعها فعباس مثلاً يحب ابنة عمه ليلى وهي بدورها تحب أخاه الكبير وكم تمنى عباس أن يحظى بها حتى أنه بات يحلم بذبح أمه وأخيه كي يفوز بليلى، وعندما جاع سرق رغيف خبز فتحرك الجوع بمعدة ليلى حتى توجهت إلى  عباس مستسلمة له مقابل الرغيف، لكنه ينادي الرجولة في دمه فيفشل، عندها فقط يترك ليلى وقد بدأت تستمرئ طعم عباس، ويهرب بالرغيف خارج البيت( ). لقد تغلب الجوع المادي على نفسه فماتت رجولته وماتت ليلى بروحه، كل ذلك مقابل رغيف الخبز الذي لا يضاهيه شيء في حياة أبطال زكريا. والعشق مقرون بالفعل الذي ينتهي بمجرد التفكير بإتيانه لذا لا شيء أقصر من عمر الحب عند أبطال زكريا الذين يلهثون بحثاً عنه وعندما يجدونه لا يلبثون أن يفقدوه.
ترى د. ناديا خوست أن الحب في علام زكريا القصصي نوع من ممارسة الحرية، ولقاء اختياري بين اثنين، لذا تبدو الدنيا من خلاله رقيقة وجميلة. في حين أننا نرى بمحدودية الحالات التي اتسمت بالصدق المطلق كما في " سيرحل الدخان"، و " النار والماء"، وكيف لنا أن نعتبر الحب لقاء اختيارياً بين اثنين، ولم نر إلا أن المرأة تقبل على عالم الرجل بصدق ومحبة في حين يقبل عليها متشهياً جسدها متوهجاً بضياء الجسد لمدة قصيرة جداً ينتهي بهدها كل شيء يربطه بالمرأة.
4- صورة المومس:
تناول زكريا موضوع المومس في أعماله كما تناول المرأة بعامة، فلم

يظهر تعاطفاً معها، بل يعتبرها وسيلة للتنفيس التي يلجأ لها الفرد الممزق بين الحين والآخر، وهي امرأة تسعى وراء المال من خلال هذه المهنة وذلك كي تتمكن من العيش في عالم فرض عليها ذلك، بسبب التباين الاقتصدي بين الفقير والغني، وعدم وجود المساواة بين الرجل والمرأة، والاختلال في توزيع الجنسين جغرافيا. وكذلك تحول الناس في الحياة الصناعية إلى  سلع جاهزة للتداول كلما اقتضى رأس المال ذلك ( ).
دخل فرد زكريا عالم المومس في المواخير والشوارع، فالبطل في قصة " رجل من دمشق" يفضل عاهرات الشوارع على عاهرات الماخور( ) لأسباب خاصة به. وسلمى مومس قديمة في قصة " موت الياسمين" لم تعين في المدرسة إلا بعد أن تبتت شهادتها بأنها ضاجعت 927 رجلاً في سنة واحدة، فعهد إليها بتدريس الصف الأول، وكانت فرحة لأنها ستتعامل مع أطفال لم يعرفوا طعم المرارة والهزيمة إلا أنها تكتشف أن الأطفال قد فقدوا براءتهم وتحولوا إلى  وحوش تريد أن تفترس جسدها الدافئ إلى  أن أخذوا يقرضون لحملها( ).
لقد حاول زكريا أن يرسم قذارة العالم على وجوه الأطفال، فعمد إلى  تشويه البراءة وقتلها في كثير من المواقف، ففي قصة " القرصان" تكشف فتاة التسعة أعوام عن فخذيها حال رؤيتها القرصان وتطل من عينيها نظرة عاهرة عجوز، فينزعج القرصان لذلك وينصحها بترك هذه الحركات والانطلاق في الحياة ببراءة قبل أن يفوتها ذلك.
ها هم الأطفال يتحولون إلى  وحوش شرسة فيقرضون اللحم بطريقة وحشية وينبذون النصائح ويتمردون على كل مظاهر الحياة بسبب ما خلفه لهم

هذا العالم من متناقضات قاسية. أفقدتهم طعم الحياة الحقيقي الأصيل. كما هو حال الفتاة الصغيرة التي تمارس وأمها البغاء في قصة " الزهرة" إذ يتحلق خمسة رجال حول المرأة، فتطلب أن تساعدها ابنتها لأن عددهم يتعبها فيتعجبون لذلك الطلب ؛ لأن الفتاة صغيرة إلا أن البنت تصرخ بحنق قائلة لأحدهم: " جربني وستجد أني أفضل من أمي، وستدفع لي كثيراً" ( ).
ذكرنا سابقاً أسباب انتشار البغي وتفلت المجتمعات وقلنا إن الجوع أبرز سبب لهذا التفلت القيمي فأميمة فتاة جميلة قتلها الجوع، فتحولت إلى  مومس تمارس الرذيلة، ولا أحد من أهل الحي يعرف مكانها ( ).
ويصف زكريا تامر عالمهن الخاص قائلاً " ولا يخجلن وهن يتناولن النقود من يد رجل ما، عالمهن حقيقي مكتظ ببشر أحياء خاضعين للنزوة، والحماقة، والشهوة، والحقد، والآهة المصطنعة... والآهة المنسلة من العظم"( ).
لقد تعرض زكريا لنماذج من المومسات ممن وجدن طريق التوبة فسهلت عليهن وذلك عندما وجدن الرجل المناسب، مثال ذلك ليلى في " رحيل إلى  البحر" التي عرضت نفسها مقابل مبلغ من المال وقالت لحسن بأن الحب لا يكفي للحياة والحب ليس خبزاً، لكنها استطاعت أن تملك قلب حسن الذي أحبها، وارتبطا برباط الزوجية المقدس، فوعدته بأنها لن تعود إلى  مهنتها السابقة إلا أن المجتمع لم يرحمها إذ تعرض لها عدد من الرجال وعلى الرغم من مقاومتها إلا أنها سقطت تحت أجسادهم خجلة، وفي الصباح تركها حسن وهجر المدينة كلها( ).
فعلى الرغم من أن المرأة ضحية مجتمع سلبي شرس إلا أن هذه


النماذج لم تلق قبولاً أو محاولة للدفاع عنها من قبل عالم زكريا فكما يرفض المجتمع المتسلط، يرفض كذلك كل ما ينتجه هذا المجتمع لذا سيبقى بطل زكريا يحلم بعالم امرأة ليست من الأرض، تعبر في مشيتها عن غربته، وتحس به دون أن يتكلم، إنه يريدها لصقه لا تنفصل عن روحه، يريدها سامية عن ظلم المجتمع مترفعة عن سلبياته. فلم تستطع الأم أن تقوم بدورها المثالي تجاه أبنائها، وكذلك الزوجة المنقادة لآراء زوجها المتسلط والحبيبة التي لم تتجاوز دور العشيقة. والمومس تلك الصورة الجسدية البحثة التي ينبذها المجتمع بتقاليده وقيمه لكن رجاله يتهافتون عليها ويلهثون وراءها كنوع من التنفيس عن الرغبات المكبوتة.
إن عالم المرأة هذا مرفوض تماماً، ولا يلقى صدى عند أبطال الكاتب، وما زال البحث مستمراً لعله يعثر على عالمه بعد أن يعثر على نفسه ومعنى وجوده.
الموقف من المدينة:
لقد شكلت المدينة رؤية سلبية في ذهن الأديب (شاعراً كان أم قاصاً أو روائياً) فموقف الفلاسفة والمفكرين من قبل امتاز بسمة التشاؤم من المدينة وذلك لأنها – بطبيعة نشأتها – تمتاز بالازدحام والتضخم السكاني، وتفسخ العلاقات الاجتماعية، حتى صار أولئك المفكرون يرون أن المدينة مكان للرذيلة، ومفسدة للأخلاق عدا عن أن المادة هي التي تحكمها وتسيطر عليها( ). ومما تمتاز به المدينة العصرية، الجدران العالية، والأبنية الشاهقة، والمصانع، والآليات، هي عبارة عن حياة ديناميكية تعج بالفوارق الطبقية، فتكونت الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة الشعبية ( ).

وتتأثر رؤية الأديب للمدينة تبعاً لعمق المعاناة التي يلقاها فيها كما أن الظروف النفسية والاجتماعية تؤثر بدورها في تكوين الشخصيات في الأعمال الأدبية، على أن معظم الأدباء انحدروا من وسط ريفي وجاءوا للعيش في المدن الكبيرة علي تعمل على تعميق شعورهم بالمرارة وإحساسهم بالغربة والضياع بسبب انبهارهم المشوب بالرهبة من التقنية الحديثة والأضواء، والمنشآت والمباني، والمعارض، ودور السينما والخمارات، والملاهي (رمز الفراغ وصورة من صور الخلاص) فهذه المدينة التي تحكمها المادة، تعمل على قتل القيم الحسنة، والصدق والطيبة فلا أحد يلتفت إلا لساعته التي في يده، كما أن الحياة في المدينة في صراع مع الزمن ( ). 
يرى الدكتور إحسان عباس أن علماء الاجتماع قد ذهبوا إلى  أن " كثيراً من الإحباطات التي يحس بها ساكن المدينة إنما هي نتيجة صراع أساسي بين القيم: بين الذات والمجموع، بين الحرية والسلطة، بين التنافس الحاد والمحبة الأخوية "( ) فتشوهت تبعاً لذلك صورة المدينة في الأدب عموماً.
لقد كتب زكريا تامر عن المدينة العربية الأصلية الملامح ذات الشرفات العالية والمآذن والساحات العامة – متأثراً بين الحين والآخر بعالم المدينة الغربي – كما خص بالذكر مدينة دمشق التي ولد في أحد أحيائها الفقيرة " حي البحصة"( )، وكان لهذا الحي الأثر البالغ على نفسية زكريا والتي انعكست بدورها على نفسية أبطاله فتنقل أبطاه بين حي وحي كانت المدينة (دمشق) مسرح الأحداث الذي له وجهان حي الفقراء الشعبي وحي الأغنياء مقيماً بينهما المفارقات التي توحي كما لو كان يتحدث عن مدينة في مقابل يف. وذلك نظراً لبساطة الحياة في حي الفقراء وتمسك أهله بالقيم والعادات والتقاليد في حين تفسخت العلاقات وضاع الفرد في زحمة حي الأغنياء. ونشب بداخله صراع حاد بين نمط الحياة المختلف في كل من الحيين.

وتفوح من مدينة زكريا رائحة دمشق وحاراتها وغوطتها وشمسها ورطوبتها، وهي في حالة تمزق ناجم عن لحظات مأزومة حادة، إنها دمشق بحقيقتها وكوابيسها وماضيها، ولم يخف زكريا هذه الحقيقة التي ما لبث أن صرح بأن مدينته المقصودة هي دمشق.
نستطيع أن نحدث تقسيماً – لغرض الدرس – في موقف بطل زكريا من المدينة فنرى أن المدينة عبارة عن المدينة الحاضر المدينة الكبيرة (المعقدة) التي تتضمن حياً للفقراء وحياً للأغنياء وثانياً المدينة الرمز، وثالثاً المدينة الماضي، ورابعاً المدينة الرؤياً.
يقول أحد أبطال زكريا الذين نبتوا في شرايين المدينة والتي أورثتهم التشرد والضياع "وعدت إلى  المسير.... آه يا مدينتي.... لقد ولدت في يوم ما على أرصفتك، وسأظل حتى الموت مغلولاً إليها...." ( ).
لقد حددت نشأة المدن من وجهة نظر الفرد عند زكريا فقال: " وكان النهر في القديم وحيدا تتدفق مياهه عبر أرض مقفرة ولقد ظلت الأرض مقفرة والنهر وحيداً حتى أقبل إنسان ما، وجثا، وقبل التراب بخشوع، وعندئذ نبتت البيوت والدكاكين والمآذن والمقابر"( ).
إنها نشأة المدينة المفعمة بالحيوية والصدق مع أنه لم يحدد هوية الإنسان الذي أحياها بل تعمد أن يبقيه نكرة لأنه لا أهمية إلا للإنسانية المجردة، والصدق المطلق. وماذا بعد هذه النشأة الصافية ؟ إنها المدينة الكبيرة المليئة بأناس لا يعرفون بعضهم بعضاً ولا يربطهم ببعضهم بعضاً سوى الآلة والمادة كما أن الإحساس بالزمن معدوم.
صورة المدينة الكبيرة (المعقدة)
إن الصورة التي يرسمها للمدينة الكبيرة ذات الشوارع العريضة،


صورة دموية بشعة لا تعدو أن تكون مستنقعاً للآفات والسجون والملاهي، يقول: " نهر المخلوقات البشرية تسكع طويلاً في الشوارع العريضة المغمورة بشمس نضرة حيث المباني الحجرية تزهو بسكانها المصنوعين من قطن أبيض.... وتعرج النهر عبر الأزقة الضيقة وبين المنازل الطينية... المكتظة بالوجوه الصفراء والأيدي الخشنة وهناك امتزجت مياهه بالدم والدموع، وبصديد  جراح أبدية، وعثر النهر في ختام رحلته على نقاط مبعثرة بمهارة مختبئة في قاع المدينة"( ).
إن موقفه من المدينة – المشوب بمسحة تأثرية غربية (عصر الآلة) – موقف النفور والنقمة، إلا أنه يدرك أنه جزء لا يتجزأ منها، وأن إنكاره لها لن يلغيها فهي تتسم بالبشاعة وهي قاتلة، وظالمة، وساحقة للإنسانية، فالمدينة منفرة، ويضيع فيها كل معنى للحياة البشرية لأن المادة والآلة تحكمانها. وتتعامل مع الأشياء على أسس أن كل شيء له ثمن.
 إنها مدينة مستسلمة بفتور لضياء الشمس الآفلة ومعلقة بين الواقع والخيال " باع الشنفرى سيفه قبل سنين، دون أن يلطخ سيفه بدماء رجل وعاش بعدئذ في مدينة تفترسها شمس من نار "( ).
ومن أهم أسباب نفوره من المدينة أنها كبيرة ضخمة، يخشى الضياع فيها عبر الشوارع العريضة، ويخشى أن يقع فريسة الغربة التي حولت البشر إلى  آلات صماء. " ورواد هذا المقهى عمال يشتغلون في المصانع القريبة، وفلاحون وبائعون متجولون، وسائقو سيارات، وتراكتورات، وحمالون وأناس بلا عمل – مثلي – يجلسون جميعاً باسترخاء، يحتسون الشاي على مهل ويثرثرون دون أن يكون بينهم أي معرفة سابقة "( ).
فكبر حجم المدينة أدى إلى  ضياع الناس فيها، فلا أحد يعرف الآخر،

ولا يوجد للإنسان فيها صديق يلجأ إليه وقت الشدة، كما أن إحساس الفرد بالوحدة قاتل، فصورة هذه المدينة في ذهن ساكنه الذي بات غريباً عنها صورة بشعة، إذ يتخبط في خطاه لا يعلم أين يذهب ولا يعلم ماذا يريد المهم أنه يحس بمأساة الغربة، وقسوة الحياة كما يشعر أنه منبوذ في هذا المجتمع. وتتعامل هذه المدينة التي لا تعرف العواطف مع الإنسان على أنه كتلة أو شيء لا معنى لوجوده إلا من خلال العمل الآلي الذي يقدمه " شارع فؤاد الأول يتمطى سعيداً تحت ضياء شمس الربيع وثمة ناس كثيرون منتشرون على أرصفته، والسماء فوق رحبه، وديعة زرقاء، وأنين عربات الترام وهدير محركات السيارات يمتزجان معاً في صوت واحد يجعلني أحس بغربة بلهاء " ( ). وفي موضع آخر يقول: " وبصقني صالون الحلاق بعد قليل إلى  الشارع، وعادت السيكارة إلى  الاحتراق، السيكارة صديقتي وهي تظل على الدوام معلقة بين شفتي، بينما أنا أسير حاملاً تعاستي وهرم أعماقي على وجهي الشاحب" ( ).
إنها موحشة حد الفزع، فتقتل كل من قام إليها بهدوء، دون أن تذرف نقطة دمع واحدة. " وسار مأمون في شارع جديد، وإذا بحشد من الناس متحلقين حول ترام، فشاهد صبياً ممدداً على السكة الحديدية وقد بترت عجلات الترام ساقيه، وكان لون الدم أحمر امتزج بعويل الصبي الفاجع...، وبكى مأمون بصوت عال، ودفع الناس الذين كانوا يصخبون حوله... ما بك يا ولد ؟
- أريد ماما.
- أين أمك ؟
- في البيت.

- أين بيتكم ؟
- وحاول مأمون أن يجيب لكن صوته اختنق" ( ).
في هذا البحث عن الأم الممزوج بالحنين لها، دليل على عمق النفور من المدينة، ومحاولة البحث عن منبع الحنان، هذه المحاولة غالباً ما تبدأ بالحنين إلى  صورة نقية كالريف مثلاً أو الأم، أو الحنين إلى  الماضي، أو العودة إلى  الطبيعة، أو ربما خلق مدن جديدة ذات سمات مفقودة في الواقع. من سيتعرف على هذا الصبي ؟ لا أحد يعرفه في خضم المدينة المكتظة سوى نفسه، وهذه المعاناة (الضياع) هي من أبرز ألوان المعاناة في حياة ساكن المدن.
لقد باتت الحياة بالنسبة لساكن المدينة مملة معروفة البداية والنهاية، لذا لا يجد ساكنها معنى لها " وأفاق القرصان في الصباح، وقعد في ردهة الفندق، وكان ثمة أناس حوله غرباء كلهم أتوا من مدن وقرى نائية، وتساءل لماذا أتوا إلى  هنا ؟ سيموت الرجل الهرم، ستتزوج الصبية ستنجب أطفلاً.... سيكبر الطفل، وسيتعرف إلى  الكلمات، والله والمدن، وستعانقه الأفراح والأحزان، وسيبحث عن الفرح وحده ولن يجده"( ).
في هذا البحث المستمر عن معنى الوجود لا يستطيع الفرد إلا أن يرهب المدينة الكبيرة التي لا تزيد وجوده إلا ضلالاً. يقول د. إحسان عباس: " هي حقاً غربة من يبحث عن حرارة المشاعر في القلوب – كما كان يحسها في الريف – فلا يجدها، وليس في المدينة صاحب وإنما الوجود والمودات فيها بلون الطريق... طريق مقفر شاحب، كأن كل المدينة لشدة الاغتراب والعزلة بين الواحد والآخر غريب صامت، يضن بالتحية على من يمر به من الناس"( ).
وتتكون مدينة زكريا – كما أسلفنا سابقاً – من أحياء عدة أبرزها حي
الفقراء، وحي الأغنياء وكلاهما يقبع في قعر مدينة مهشمة الملامح إلا أن تصويره لحي الفقراء يأتي مشوباً بلمسة رقيقة مناسبة فيها نوع من الحنان المفقود، وغالباً ما يصور كلا الحيين معاً، فيعقد، مقارنة بينهما حتى يستدر عواطفنا تجاه حياة حي الفقراء في حين نتوجه بالنقمة والسخط عل حي الأغنياء. " وكان الليل بأقدامه الزجاجية السوداء يتجول في الشوارع حيث الإعلانات الكهربائية تضيء، ثم تنطفىء، فنادق دور سينما... مكتبات... مقاه... مطاعم.... سيارات... ومضى يوسف يسير مبتعداً عن صخب المدينة والأبنية المضاءة وتغلغل شيئاً فشيئاً في عالم الأزقة الضيقة، الأزقة طويلة، تنتصب على جانبيها بيوت من تراب متقاربة متآلفة، وتسرب إلى  أعماقه حنان مباغت"( ).  ويقول في موضع آخر " وكان بانتظاره الإسفلت الرمادي والشمس، وأبواق السيارات، والرجال والنساء المتحركة أقدامهم بإيقاع حاشر بين السير البطيء والسير السريع وواجهات المحال الزجاجية، وصفارات الشرطي الزاعقة، وصيحات بائعي الصحف واليانصيب. دخل يوسف إلى  أحد المطاعم، وأكل بشراهة ثم عاد إلى  الشوارع يمشي دون هدف إلى  أحد المطاعم، وأكل بشراهة ثم عاد إلى  الشوارع يمشي دون هدف وأحس أنه وحيد على الرغم من الضوضاء والناس، ثم قادته قدماه إلى  الأزقة، وأحس وهو يمشي بين البيوت الطينية أنه يستنشق بعد مرض طويل هواء حقيقياً ممتزجاً بضياء الشمس، وبدا له الأمس، مجرد حلم أسود بدده الصباح" ( ).
إن أبطال زكريا هم من أبناء الحي الفقير الذين خرجوا على أمل الفوز بحياة أفضل في حي المدينة الكبيرة (المركز) وقد تتبعنا كيف أن أبطاله يعودون إلى  الأزقة الضيقة بعد طول معاناة وضياع وأنهم يرون في العودة مشفى حقيقياً.
ولكن لنتتبع الحالة النفسية لأولئك الفارين من رطوبة الأزقة الضيقة


عندما يخرجون من الحي الشعبي متوجهين حيث الأضواء لاعتقادهم أنه الملاذ والأمل ؟ إنهم يبتعدون عن الحي الشعبي ابتعاد السليم عن الداء المعدي ولكن ماذا يجدون؟؟. " غادر [فواز] البيت بخطا مسرعة، وعندما أصبح في الحارة، وقف برهة، وتلفت فيما حوله، فبدت لعينيه البيوت الترابية المتلاصقة بقايا هيكل عظمي لحيوان قديم  فاستأنف السير مشدود القامة سريع الخطا.. قاصداً الشوارع العريضة"( ). و " يجيء الليل كفناً أسود فيبتعد أبو حسن بخطى هارب عن حارته الخرساء، وأزقتها الملتوية المظلمة، وناسها العجاف، وبيوتها الرثة المتلاصقة، وحين يبلغ الشوارع العريضة، تبهره ضوضاؤها وسيارتها المسرعة، فيمشي بخطى ذاهلة متباطئة، مرفوع الرأس شديد الزهو بشاربيه..." ( ).
إن الإنسان الذي يطمع بمكان غير مكان إقامته – مجبراً كان أم مختاراً – ضائع لا محالة يسير في متاهات المدينة الكبيرة وليس هذا فحسب بل يتعرض لما يهين كرامته ويحقره، كما حصل مع أبي حسن الذي فقد شاربيه (رمز الرجولة) وتحول إلى  مخلوق آخر بين يدي رجال الشرطة، وهذا ما نلمسه أيضاً في قصة " النمور في اليوم العاشر " التي تحكي قصة نمر عاش سيداً في الغابات (الموطن) يأكل اللحوم، ويختال بقوة، بكنه صار في القفص تحول إلى  حيوان أضعف (بسبب الترويض) وصار يستمرئ الحشائش بدل اللحم.
هذه هي المدينة القبيحة والتي تبهر زائريها بالأضواء ولكن سرعان ما تكشر عن أنيابها أمامهم فتنهشهم ليعودوا مضرجين بدماء وحدتهم وتمزقهم.
إن معاناة الفرد في أعمال زكريا تقف إلى  جانب معاناة الأديب على المستوى الفكري، وتجربته في الحياة بشكلها البشع الذي يحول كل قادم إلى  حي الأغنياء يحوله إلى  عبد مأمور وآلة مطيعة وإلى مخلوقات أخرى غير

البشر. "ليتني من المدى المتوحشة المنغرسة في قلب لا تعطي أولادها سوى الجوع والتشرد والكآبة.... أنا عدو المدينة المجهول، وإني أذرع طرقاتها كضبع جائع بينما ترقد في جيبي سكين عتيقة... اشتريتها في يوم من الأيام... فقد كان من الممكن أن تنقض السكين في أية لحظة غضب على كتل اللحم المتحركة عبر خواء المدينة، وتستحم في الدم الأحمر.... ما أجمله...." ).
لقد أصبح الإنسان المشوه سادياً، يتلذذ برؤية الدماء المراقة، ويتشهى رؤية الناس وهم يتعذبون، لعل ذلك يخفف – قليلاً- من حنقه على العالم، فيضفي على البشر بعضاً من نار عالمه الداخلي الذي يحرقه ويمزقه شيئاً فشيئاً. إنها مدينة تنعدم فيها صور البراءة والمحبة " إنه قابع في داخلي.... إنه طيب بريء كطفل ولد بعيداً عن المدن"( ). ويتعاظم الإحساس بالضآلة عندما يسكن الفرد الممزق المدينة الكبيرة.
لقد عبر عن عناصر مدينة أبطاله بالمقهى والشارع فيقول: " مدينتي صليبها مقهى وشارع"( ) فغالباً ما يجوب أبطاله الشوارع العريضة يتسكعون في الطرقات سكارى، حتى إن الشارع ليحتل قسماً كبيراً من أحداث القصص وذلك لأن معظم الأحداث القصصية والمغامرات تتم عبر جنباته، كما أن المقهى هو المحطة الثانية التي يأوي إليها سكارى الشارع ومشردوه.
صورة المدينة – الرمز:
يجرد زكريا تامر مدينته – أحياناً – من قالبها البشع وتقنيتها القاتلة، ليشبهها بوجه امرأة ناضجة، عذبة رقيقة. " وكان فم المرأة عنباً فجاً أحمر،

ولنهديها رائحة نبات بري "( )، فالمدن في أصلها ونقائها وبراءة نشأتها تشبه امرأة عفيفة طاهرة.
إنه التوحد بين طهر المرأة ونقائها، وطهر المدينة ونقائها عندما لا تشوبها شائبة، حتى أننا لا نستطيع التفريق بين الاثنتين ولا يترك زكريا فرصة تمكنه من ذكر مدينته المفقودة التي طالما كانت تشبه امرأة جميلة وصوتها عذب " وكان ثمة امرأة تغني... صوتها مدينة خضراء تسافر عبر شمس ناعمة الضوء.... وعصافير تبحث عن ربيع لا يرحل..." ( ). وعلى لسان بطله الممزق المشرد في الشوارع الذي يقابل في طريقه عدداً من الفتيات فتبتسم له واحدة منهن ابتسامة حانية تضيء وجهها الوديع، عندها يشعر بالحسرة والأسى ويقول: "أواه أيتها الفتاة الطيبة... إني لا أستحق ابتسامتك، فلو تمهلت في سيرك ربما دنوت منك وقلت: سأكون إنساناً طيباً لو كانت مدينتي مثلك"( ).
ويقول أيضاً: " لقد أحببت إحدى الفتيات في يوم ما.... أحببتها بقوة مثلما أحب الخبز والشوارع. لكن الحب لم يمنحني سوى الكآبة.... كذلك منحني نظرة جديدة إلى  المدينة التي أعيش فيها، فأصبحت أجدها سخيفة قاسية"( ).
إنها قسوة المدينة التي يصعب العيش فيها بجو يورث الفرح، إنها مسكونة بأرواح سيئة تطارد كل المحبين، وتغتصب الفتيات البريئات فتتحول فكرة الحب إلى  كابوس مدمر، " وتابعت سيري في تلك اللحظات كانت المدينة مومساً عجوزاً ذات وجه شاحب متعب لا يعرف الابتسام"( ).

إن تصور الشاعر الحديث للمدينة في صورة امرأة ثم في صورة امرأة متعهرة يكاد يكون قسطاً مشتركاً بين عدد كبير من الأدباء"( ) هذا ما يراه الدكتور إحسان عباس مقاساً على الشعر ويعلل استعمال هذه القرينة (المرأة – المدينة) بأن المدينة في اللغة مؤنثة وفي معظم الأحيان كانت حركة التاريخ ضد المدن فتحاً واجتياحاً واغتصاباً لها ولنسائها ولمواردها، وهي ما تزال كذلك حتى يومنا هذا فلا يجد الأدباء بداً من ربط هذين النموذجين بعضهما ببعض للتعبير عن مأساة الإنسان العربي المغتصب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق