السبت، 15 أبريل، 2017

اللغة والسرد والحوار

اللغة والسرد والحوار
يرى النقاد أن قصة تحيل الواقع إلى عالم ساحر، وأن اللغة فيها وسيلة لصنع الرموز التي تلتحم معاً لصنع الحركات والشخوص( ).
تعد اللغة المصدر الأساسي في بناء العمل الإبداعي، إذ تنبع أهميته من سيطرتها على الشكل الخارجي للعمل الفني، فهي ليست مجرد ناقل أو مادة خام تدم عناصر العمل الفني بل هي العنصر الأساسي الذي يكتشف العالم الداخلي، ويوحد بينه وبين العالم الخارجي كما أن اللغة تختلف عن بقية العناصر الفنية بأنها الوعاء الحامل لفكر الإنسان، وهي القادرة على جعل الماضي واقعاً معاشاً كما أنها تمتد بالحاضر إلى رؤية مستقبلية مشحونة بالتوقعات، وتمتاز كذلك بالدينامية في بنائها، فتشكل تجانساً في العمل من خلال أدوارها، وعليها أن تكون منسجمة مع أسلوب الكاتب في رسم شخصياته( ).
لقد جاءت لغة زكريا تامر مليئة بالحدة والتوتر، ناقلة لنا أنماط القهر والاضطهاد والتمزق الإنساني الذي تعانيه الشخصية القصصية، عاكسة لنا نفسية أبطاله المهزومين الذي يتسمون بالسيادة والعدوانية أحياناً، والانهزامية أحياناً أخرى. وذلك لأن موضوعاته تدور حول قضية انهزام الإنسان وتمزقه أمام مجتمعه ووجوده وذاته، وأن عالمة قائم على القتل (موت، انتحار، إعدام)، والجوع (الفقر)، والاغتصاب (الكبت).
وقد تميز زكريا بقدرته على استعمال مفردات اللغة العربية بشكل كبير، وتشكيل الصور التعبيرية والرمزية المثيرة مما يجعل القارئ يحس وكأنه


في عالم من الأساطير والرؤى والسحر مع العلم أنها صورة من العالم اليومي المألوف( ).
ومن الجدير بالذكر أن مستوى شخصياته التي تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة، قد فرض على لغة العمل القصصي عبئاً إضافياً، فبطل زكريا البرجوازي الصغير، المثقف، مأزوم الفكر والحياة، ويعيش في صراعات عدة، لذا جاءت لغة زكريا من مستوى هذا النمط من اللغة د فرض على بقية الشخصيات، ومع علمنا بضرورة أن تكون اللغة مناسبة للمستوى الفكري لكل شخصية على حدة، إلا أن زكريا تامر تجاوز ذلك ليفرض لغته الخاصة (الفصيحة، دون اللجوء إلى العامية تقريباً) على جميع الشخصيات سواء أكانت رئيسية أم فرعية، مثقفة أم شعبية، محتفظاً بالمستوى الفكري لكل شخصية للدلالة عليها.
لقد امتازت لغته بالانفعالية وهي الشائعة في الأدب لأنها تجسد الانفعالات إزاء موضوع معين ويسميها البعض باللغة الشعرية لأنها تمتزج بحالات الشعور وتنوعاته (الرمزية، التكثيف، الحدس، التصوير...) وباعتماد اللغة القصصية على العناصر الإيحائية صارت القضية وسطاً بين القصة والشعر، إذ أصبح الكاتب يولد جملاً شعرية ذات كثافة عالية، وخصوبة بيانية وصور إيحائية وذلك عندما يمازج بين الفكرة والإحساس.
واللغة الشعرية تباين اللغة التقليدية، فهي لغة ذات جمل قصيرة متلاحقة، ومتواترة مكثفة، غنية بالإيحاء، كما تشارك في صياغة الحدث وتوظيف الأسطورة وتعمد إلى التكرار، وتوظف الكلمات توظيفاً جديدا( ).
والقصة الشعرية ليست أكثر من لحظة شرود ذهني، شغلتها التداعيات


وصورها الحوار الباطني مع الذات. ولغة القصة الشعرية عبارة عن دفقات شعرية تتسارع بجملها القصيرة مع النبض القصصي والتصاعد النفسي للشخصية المتوترة. ويعد زكريا تامر شاعر الرعب والجمال لأنه يدنو( ) بالقصة من وضع العشر، فقصته جاءت على شكل منمنمات صغيرة وأساطير محدودة، تلعب الصورة الشعرية فيها دوراً هاماً في ترجمة الأفكار إلى مواقف محددة.
وبما أن العلاقة التي تحكم الفرد مع الآخرين في عالم زكريا هي علاقة صادم وصراع وجودي، فإن لغة هذا النمط لم تخرج على كونها لغة
غرائبية مجردة من مثل كثرة استخدام "بشر، كائنات، مخلوقات..." فهو إذ يبتعد عن المألوف في اللغة ويستخدم مفردات الحم والكوابيس بتوترها ولامعقوليتها كما تفارق دورها في التعبير لتشارك في صنع الحدث، وتعميق الإحساس به، فتغدو اللغة صرخات مدوية تزلزلنا وتوقظ أحاسيسنا عندها،
فلم تعد الشمس  تبعث بنورها للصباح بل لتغتال الناس وتشترك مع العوامل الأخرى ( رجال الشرطة) في سحق الإنسان. لذلك تتحول اللغة بين يدي
زكريا من أداة تعبير إلى فعل تفجير وتدمير. يقول بطل قصة "النهر ميت" عبر تيار الوعي الجارف "حقدي يتسلق صخور جبال موحشة، الجراد يطفئ
أفراح الحقول... النهر ميت، تمزق القناع، هذا وجهي، أنا ذبابة المدينة،
النهر ذو الشفاه القاتمة الذي غمر لهيبها الشرس، صبية نضرة كسنبلة
خضراء، كانت نائمة، غير أن لحمها الأبيض أوقظ شمساً مجنونة، ركضت
في شوارع الدم المرتعد"( ). ويأتي تعقيب على لسان السارد في قصته
القرصان "وابتدأت مدية الليل تنغرس في قلب النهار وتساقطت العتمة ثلجاً أسود"( ). وفي قصة العصافير يروي السارد حكاية بنت اسمها ندى


"وجهها أبيض لفرح خفي، يجعلها مبتهجة تضحك فتنحدر النجوم من أعلى، وتختبئ في شعرها الأسود المديد"( ). كما أن الموت من وجهة نظر أبي مصطفى "وردة من ثلج مختبئة في شرايينه، وها قد جاء صاحبها.. وكان الحزن آنذاك حمامة ترتدي ثياب الحداد، وتطير هلعة تحت أمطار غزيرة"( ). ويقطب طارق بن زياد جبينه "بينما كان الدم المتدفق في شراينه رعداً شرساً"( )... ويطول بنا الاستشهاد حول لغة زكريا الشعرية التدميرية الغرائبية... وهذا ما سنلمسه لاحقاً.
ويجدر بنا أن نلقي الضوء على بعض الأساليب اللغوية التي صاغ بها كتاب القصة أعمالهم، ومدى انعكاسها في أعمال زكريا.
السرد والحوار
يعد السرد والحوار من أهم العناصر الفنية في العمل. وأبرز الأساليب السردية هي: الطريقة الملحمية التي يتولى الراوي – من خلالها – سرد الأحداث بمير الغائب، فيرسم شخصياته من الخارج، ويشرح عواطفه وبواعثها وأفكارها، كما يعقب على بعض تصرفاتها، ولا ينسى أن يعطينا رأيه صريحاً في بعض الأحيان وتعتبر هذه الطريقة الأكثر شيوعاً في السرد.
والطريقة الثانية هي: اعتماد السرد من خلال ضمير المتكلم، فتعبر الشخصية عن نفسها دون اللجوء إلى وساطة( ). وهناك من يعتبر هذه الأساليب كلاسيكي النظر إلى عدد من الأساليب التي ظهرت بظهور الرواية


الجديدة، وهي الارتداد إلى الماضي (الاسترجاع) والقطع المكاني والزماني، والمراوحة بين الحلم والواقع، وتيار الوعي، المنولوج (الحوار الأحادي) ( ).
لقد نوع زكريا في استخدام الأساليب السردية، فاستخدم أسلوب السرد المباشر وغير المباشر، ونستطيع القول بأننا لمسنا حضوراً واضحاً للسرد من خلال ضمير المتكلة في مجموعته الأولى "صهيل الجواد الأبيض" إذ يكاد يغلب هذا الأسلوب على القصص جميعها، وذلك لانسجامه مع المضمون، الذي يهدف إلى تسليط الضوء على عنصر الشخصية أكثر من الحدث.
إن وظيفة السرد والحوار هي الكشف عن مستوى الشخصية، وتحديد طبيعتها إلا أن الوسيلة الفضلى لقراءة فكر الشخصيات هي الحوار. والحوار ذو شقين: الحوار الخارجي الذي يدور بين الشخصيات، والحوار الداخلي الذي يدور مع الذات ( المنولوج ) وقد اعتمد زكريا على السرد الذي يقوم على تيار الوعي والمنولوج، بينما نلحظ ضآلة استخدام الحوار الخارجي (بين الشخصيات ) في المجموعة الأولى – مثلاً – ويعود سبب ذلك إلى أن البطل قد قطع علاقته مع العالم الخارجي واقتصرها على ذاته فقط، لذا جاء حواره معها، وذكرياته، وتخيلاته، كما حاور شخصيات مغيبة وذهنية كشف من خلالها عن أزمته النفسية
وانهزامه كما في قصة "القبو" عندما حاور شخصية ذهنية تدعى ماريا. فظهر من خلال الحوار محاولة التعبير عن رغباته الجنسية المكبوتة إلا أن هذا الحوار ينتهي بكابوس مرعب( ).
وبسبب من توجه العمل الروائي والقصصي نحو المنظور النفسي
الذاتي ظهر الأسلوب التعبيري الجديد (المنولوج الداخلي) – كما أسلفنا – والذي تطلق عليه سيزا القاسم "الأسلوب غير المباشر الحر" الذي يجمع بين

الأسلوبين الكلاسيكين اللذين قام عليهما فن القصص وهما السرد المباشر وغير المباشر، وأضحى الكاتب يملك حرية أكبر في نسج كلام الشخصية داخل كلام الراوي، كما فيه تعبير عن مشاعر الشخصية وعواطفها بلا وساطة( ).
وتستطيع الشخصية التعبير عن أفكارها المكنونة (اللاوعي) دون تنظيم منطقي، أي تحرر من قيود التنظيم والترتيب، كما أنه بفضل هذه الطريقة يمكن دراسة الشخصية الإنسانية وعرضها برسم القطع الداخلي لحياتها العقلية والنفسية. (الشعور واللاشعور) ( ).
ويشترك تيار الوعي بهذه الصورة، إذ يبني على تداعي الخواطر وتشابكها مفتقداً المنطق والتسلسل المألوف، فتتحدث الشخصية بطريقة التداعي الذهني والشعوري لتكشف عن طبيعتها تجاه الشخصيات الأخرى وتجاه الأحداث كما في قصة "البدوي". هذا وقد شبه روبرت همفري قصص تيار الوعي بجبل الثلج الذي يطفو على سطح الماء، وتيار الوعي ما هو إلا ذلك الجزء الذي يرقد تحت سطح الماء من هذا الحبل( ). وحتى لا يجرفنا تيار التشتت تجدر الإشارة هنا إلى أن تيار الوعي يعد أشمل من المنولوج، أي أن المنولوج جزء من تيار الوعي، كما أنه ليس كل تيار وعي منولوج. وما يهمنا هنا هو الالتفاف إلى العلاقة بين المنولوج وبين حالة التأزم والقهر والاغتراب التي يعيشها البطل القائمة على الجدلية، فيرتد البطل على نفسه ليعيش معها بطريقته الخالصة. كما نلمس من خلال هذه الطريقة الجديد (المنولوج وتيار الوعي) الحس الوجودي، والصور السريالية، والعبثية والتعبيرية والنفسية والحلمية والكابوسية التي تسيطر على البطل ويتوقع بداخلها وهذا ما سنراه لاحقاً.

من ذلك نستطيع القول إن عالم زكريا القصصي يقوم – ببنائه – على تيار الوعي والمنولوج.
لقد استعانت الشخصيات على ذلك بلغة تتناسب ونفسيتها الممزقة السادية في كثير من الأحيان، مع ذلك "كومة لحم بائسة"، "مخلوق ضائع في زحام مدينة كبيرة"، "عدو المدينة المجهول الذي يذرع طرقاتها كضبع جائع".
وتكثر في قصص زكريا الألفاظ الدالة على أنماط الوحدة والغربة والعزلة والكآبة، والشقاء، حتى إننا لا نستطيع أن نلحظ جملة تخلو من هذه الألفاظ، وكلها تصب في انهزام البطل أمام ذاته ومجتمعه سواء أكان هذا الالتزام مبيرراً أم غير مبرر من ذلك: "وحيد ككلب الأسواق الأجرب.. يحتويني فراغ غرفتي... سأموت... وابتدأت أبتلع الحبوب الملساء الصغير وأنا أبتسم متشفية.. هي وحدها باستطاعتها أن تنقذني من تعاستي... وكنت وطواطاً هرماً أعمى، جناحاه محطمان لا أجد خبزي وفرحي"( ).
فلا نجد دلالة توحي بها هذه الألفاظ أكثر من الإيحاء بالدونية والقزمية والحيوانية، ففي المعجم اللغوي الخاص بزكريا تكثيف مركز على الجانب السوداوي الموغل في السوداوية، فالدمار والخراب والظلام والرماد، والرؤوس المقطوعة، والسحب الممزقة، والرعد والقنابل، والطفولة المشوهة، عالم مخصب بالسوداوية حتى إن قارءة قصة واحدة مثل "رجل من دمشق" تغني عن بقية القصص التابعة للمجموعة الأولى.
وللجمل في قصص تامر دلالات ورموز، تساهم مع الألفاظ السابقة  في خدمة رؤية الأديب لاغتراب الفرد. فالأشجار في الشراع "كفت عن الغناء لحظة تحلق عدد من رجال الشرطة.. حول رجل يمشي على الرصيف سيفاً هرماً"( ) كما "هربت النجوم من سمائنا وكف الأولاد عن اللعب، وتحو غناء العصافير إلى شهيق خافت"( ) لحظة تحليق تيمورلنك بجيوشه حول المدينة


، فهول القادم وشراسته أفزعت النجوم، وأوقفت الأولاد عن اللعب، وحوّلت الغناء إلى شهيق. بذلك اشتركت الطبيعة والطفولة في إدراك حقيقة القادم وخطره، لذا ينتهي دور هذين العنصرين عند هذه الجملة ويبدأ بعد ذلك السرد بتفصيل الأحداث حول موقف الناس من هذا القادم والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم تصب الشمس بالذعر كغيرها من العناصر؟ لقد تعمدت أنا الراوي أن تبقي الشمس مشرقة وذلك لأن الشمس التي تعتبر من أكبر المظاهر الكونية لا ينبغي لها أن تفزع لخطر قادم على أناس جهلاء، فهم يستحقون هذه النهاية    ( الموت ).
وفي قصة "النابالم" تساقطت إثر قنبلة، دمرت المقاهي والمآذن والمدارس والمستشفيات... وأحرقت الليل والمطر، غير أن أحمد أمر بقذف المزيد من القنابل"( ).
فساقط القنابل يحمل دلالة تعبيرية احتجاجي من قبل أحمد على الواقع والمجتمع وذلك عندما أحس بقمع صاحب البناية الممارس عليه، وكبت حريته في إحضار من يشاء إلى بيته، فبإسقاط القنابل يسقط أحمد غضبه على شكل صورة تدميرية.
أما نعيب الغراب في "أقبل اليوم السابع"( ) ففيه دلالة تشاؤمية يحملها الراوي للبطل اينما حل، لذا قرر البطل الانتحار كسبيل للخلاص غير أنه راجع نفسه فترة من الزمن ( المقاومة ) ليجوب البلاد، إلا أن صوت الغراب (التطير والتشاؤم ) لازمه، فيدلل زكرياً على أن الفرد مطارد بشؤم لا يعرف سببه منذ ولادته.
وفي قصة "امرأة وحيدة"( ) يعلنا الراوي بأن عزيزة تخاف القطط


السوداء، ودلالة القط الأسود في موروثنا الشعبي تعني أن الجان متمثل في القط الأسود، وفي هذه الجملة مفتاح القصة بأكملها فتستسلم عزيزة للعراف سعيد، الذي يخبرها بأن مشكلتها لا تحل إلا برضى الجان عنها وبما أنها تخاف القطط السوداء لا بد لها من إطاعة العرّاف الذي أوهمها باستحضار الجان، وتستسلم له دون مقاومة لعلمها بأن المقاومة تغضب الجان وهي تخاف من غضبهم كما تخاف القطط السوداء.
لقد أكثر زكريا من الإيحاءات والرموز في أعماله، فالنهر مثلاً يرمز للخلود، والخلود قضية تثقل كاهل المؤرق الباحث – دوماً – عن حقيقة وجدوده فيقول بطل النهر ميت "آذار، نيسان، مايس، الثلاثاء، الأربعاء، متى يتوقف هذا الركض المجنون؟ سأدفن يوماً في حفرة، ويظل النهر حياً... ليتني نهر"( ) كما أن الشمس تحمل – في أكثر من موضع – دلالة الحرية.
أما في قصة "رحيل إلى البحر" فقد كثرت الإيحاءات والدلالات فحمل زكريا دلالة البحر كل ما يقوله في مجموعاته حول فكرة الحرية المطلقة، بطريقة فلسفية، وحول المنشود من معرفة معنى الوجود "يا سيدي، أعط دمس ضحكة طفل، أعطني بحراً"، إلاّ أن للبحث عن البحر يضنيه، "مياه البحر ستغسل الجسد، شمس البحر ستصرع الحيوان وسيفقد الإنسان غبراه، ويصبح كما يشتهي، طفلاً، شاعراً، قديساً، بطلاً"( ) إلا أن هذا البحث المستميت الذي كلّفه الوقوع في المخاطر أكثر من مرّة – لا يستمر طويلاً فيعود أدراجه نحو مدينته البائسة، ويبدأ البحث عن عمل ( القناعة التي فرضها الاستسلام ) ولو قدر للبطل أن يعثر على البحر لانتهت مسألة صراع البحث عن معنى الوجود، ولقال زكريا كل ما يريد قوله، ولما احتاج إلى كتابة المزيد من القصص.
لقد استخدم زكريا لغة الكوابيس التي تبتعد عن اللغة الواقعية لتلعب

دوراً وظيفياً يظهر الواقع خارجاً على المنطق العقلاني، فيمزج زكريا بين الشعر والحلم والرسم ويجمع بين التجريد الشعري وغرابة الحلم، والإيحاء والرمزية، والانتقال التدريجي من الحلم الشعري إلى حدود الكابوس كما في قصته القبو "وتغلغلت الموسيقا المرحلة في الهواء الذي استنشقه، ومن مقعدي القابع قبالة النافذة كنت أستطيع مشاهدة رؤوس أشجار عارية، متهجمة إلى السماء الصافية بصلاة خاشعة، قالت المرأة: اسمي ماريا.. أترقص؟
قلت: أنا لا أتقن الرقص.
وشرعت ترقص، كان في جسدها إله راح يعبر عن بأسه وعجزه وخيبته الأبدية، في رقصة متنافرة، مع إيقاع الموسيقا العنيفة وبدت في تلك اللحظة أكثر جمالاً من سماء قمرية كبيرة.. وتسلل إغراؤها إلى أعماقي كموجة عطر ناعمة، واتسولى علي حنين متوحش إلى تجرع خور إلاله المجنون المختبئ في جسدها...، وفجأة فوجئت بتبدل بشع، إذ أخذ اللحم يهترئ ويتفتت ويتساقط إلى الأرض قطعاً صغيرة صفراء كريهة الرائحة، فأذهلني هذا التحول، وتراجعت إلى الوراء مذعوراً، واندفعت نحو باب ففتحته بضربة من قدمي، وانطلقت إلى الخارج تتبعني ضحكة باردة طويلة"( ). هيهات لهذا البطل من خلاص يوقه وينقذه من عالمه الكابوسي، فها هي الأيدي الغريبة تتلقفه في الشارع وتجره نحو جثة يتم بأنه قاتلها فينكر ذلك ويتساءل كيف له أن يقتل أباه". إلا أن الحيصات الكابوسية تعلو مطالبة بشنقه... ومن قمة التأزم يعود زكريا للواقع "وقبل أن تطلق صرخة هلع مدوية تشرق شمس كبيرة وتغدو السماء زرقاء رائعة، ويتلاشى الثلج الأسود. وفجأة يسمع صوت امرأة تناديه، فيفتح عينيه ليجد أمه منحنية فوقه وتسأله إن كان بخير".
إنها لحظة تحول الواقع من حال إلى حالة، تتبدل من خلالها الرقة والجمال بالبشاعة، والألوان القرمزية بالصفراء، والرائحة الطيبة بالكريهة.

ولا يقل الحلم أهمية عن العالم الكابوس، فكلاهما لغة اللاشعور كما ان في الحلم تحقيقاً مقنعاً لرغبة مكبوتة تمكن أهميته في الكشف عن محتويات اللاشعور والرغبات المكبوتة.
يراوح زكريا بين الحلم والواقع ويتعانق الحلم مع الرمز ليشكلا عالماً خاصاً، كما استخدم أسلوب المراوحة الذي يعد من أهم الأساليب الفنية الجديدة واستخدم زكريا الصورة الحلمية الكابوسية، فوظف أحلام اليقظة كذلك، مراوحاً من خلالها بين المتناقضات، وبين الماضي والحاضر، ونستطيع اعتباره خيالاً تعويضياً يشبع – البطل – من خلاله رغباته المكبوتة (الجنس، الجوع، الحرية). ويتخلل بطل "الأغنية الزرقاء الخشنة" لو أنه توج ملكاً على المدينة، فماذا عساه أن يفعل؟ لقد تكشفت لنا نفسية البطل التي تعاني الكبت والحرمان من خلال هذا التخييل، فأول ما سيحققه هو أن يشبع رغبته الجنسية بزواجه من امرأة شاهدها في الشاعر، وسوف يعطي صاحب المقهى مبلغاً ليجدد فيه مقهاه (فقر إشباع - غنى) وسيسمح له بتسميته بمقهى الملك ( إثبات الوجود ) وسوف يهدم المعامل، وسيجمع الآلات ويدمرها ( حرية ) كل هذه الرغبات مبنية على عنصر تخلي واحد، وهو أن يكون ملكاً ( قوة ) يمثل من خلالها سلطة لا تعلوها سلطة أخرى. ويكون الحلم بالغنى من أجل ألا يجوع الإنسان "هل سأصبح غنياً؟ ألن أجوع؟ "( ).
وفي "المسرات الصغيرة" يقر البطل أن "لا بد إذن بالتمتع مسراتي الصغيرة التي أخلقها بمفردي.. على الطاولة المجاورة يجلس رجل كهل لأتخيله مليونيراً متنكراً في تلك الملابس الزرية"( ).
وكما أن زكريا قد عبر عن مظاهر البشاعة الواقعية بأسلوب حلمي     ( الكابوس – اليقظة ) فقد عبر بأسلوب سريالي يثير الغرابة أيضاً، فيفقد


المألوف قدرته الجمالية، من خلال التوفيق بين صور متضادة، وزعزعة الرؤى اليومية الثابتة، لذا وجد السرياليون منبعهم في اللامعقول، والعقل الباطن بجنونه وأحلامه وهلوساته، وهذيانه، فغاصت في اللاوعي( ).
ويسرد الراوي في قصته "القرصان" كيفية هجوم الخناجر على الرجل – الشرير الشقي – في آن واحد ثم تتراجع بشكل خاطف منسجمة من اللحم، فيتدفق الدم من خمسة ثقوب، وتمزق رؤوس الخناجر اللحم"( ) وفي "رحيل إلى البحر" يقبل رجال نحو حسن بلا رؤوس صائحين: هذا قاتل الله، ويجرونه نحو بناية صفراء الحجارة – هكذا بدت لعيني حسن -( ). في هذه المراوحة بين الكابوس والواقع تدلل على أن من يفقد رأسه يفقد حواسه جميعها وبذلك تسهل قيادته لخدمة أعداء الإنسان، ويلتقي حسن في القصة نفسها برجل لا يدرك عمق حبه لحبيبته، ولا يحس أنها ملك لا إلا عندما يصير دمها نبيذه، عندها يشرب دمها بسعادة تجري في عروقه( ). ويتعمق زكريا في رسم بشاعة الواقع الذي ينتهك حرمة البشر، إذ يرى حسن رجلاً ينتحب بحرارة، وعندما يخلع الرجل معطفه، يكشف عن جسد مثخن بجراح طويلة عميقة، تظل منها رؤوس فئران ضئيلة الحجم، فما كان من حسن إلا أن يبتعد عنه مهرولاً تحت المطر"( ).
إنها صورة الواقع التي عكسها زكريا من خلال العبث والسريالية واللامعقول. والكوابيس، والفنتازيا، والرسم، فجمع أدواته من الواقع لكنه لم يركبها تركيباً معقولاً، بل ركبها تركيباً غير مألوف. فكيف تنمو الفئران في جسد إنسان ما؟. وكيف تتحول الفتاة إلى أفعى؟ وكيف يأكل الإنسان


لحم طفل ما؟؟. بذلك فقد تلاشى الحدود بين العالم الخارجي والداخلي للشخصيات معبراً عن اللواعج النفسية التي تؤرق الفرد، فاتسمت بطابعها السريالي المهجن بالفنتازيا والهلوسات المرضية القائمة على التشتت والتناثر، وافتقاد التماسك في عالم قصصي هلامي لا يكاد يبين فيه الخيط الحكائي بوضوخ. لذا فهناك علاقة وثيقة بين الفتنازيا وعلم النفس، وعلى الكاتب أن يقنعنا بأن غير المألوف هو المألوف والعكس صحيح، وبما أن الفتنازيا خرق للقوانين الطبيعية يعكس جوانب من منطقنا أو قوانيننا المألوفة( ) فقد وظفها زكريا كي يشير إلى بطله المريض نفسياً، لذا لا بد من التحليل النفسي – علم اللاشعور – أحياناً. وعلم اللاشعور هذا عبارة عن لغة الإنسان بما هو راغب مقابل لغته لما هو عراف، وتمتاز الصورة النفسية بمحدودية أسبابها وفرديتها، وتعلقها بصاحبها كما في قصة "وجه القمر" فالسبب الذي يحرك مكامن خوفها، واضح لديها تماماً، وهو راس منذ القدم (الطفولة) مترسب في عقلها الباطن، لا ينكشف إلا من خلال التحليل، فسميحة فتاة بسيطة تعرضت لقمع والداها في الصغر كما تعرضت لحالة اغتصاب، فصار مجرد التفكير بالجنس يثير أعصابها وهذا ما يفسر فشلها في زواجها فيما بعد. وعلى وقع ضربات الفأس التي تحاول اقتلاع شجره الليمون القديمة المزروعة في باحة البيت، تبدأ ملامح الكبت لدى سميحة بالظهور على شكل تيار الوعي والتداعيات وذكريات الطفولة، ومع كل ضربة من ضربات الفأس تتخلص سميحة من نقطة من نقاط ضعفها، وذلك بالتناغم مع صوت المعتوه الذي يوقظ شهوتها الجنسية شيئاً فشيئاً، وبتوالي ضربات الفأس الممتزجة بصراخ المعتوه تتناغم هذه الضربات مع الضربات النفسية الداخلية عند سميحة، فكلاهما يقتلع موروث الطفولة (الشجرة التي تحمل ذكريات الطفولة (اللعب حولها)، ونفسيتها التي باتت تتخلص من قمعها وكبتها، كل ذلك يتم من خلال تتابع الجمل الشعرية ذات الدفقات


المتنامية والمتصاعدة في نفسيتها نحو التخلص من مرضها (الكبت)، حتى تصل إلى مرحلة ( الخلاص ) تنتمي فيها أن تخلي بالمعتوه وتتجرد من ملابسها أمامه بكل شجاعة وتشبع رغبتها الجنسية المكبوتة بسادية مرعبة يتحول خلالها المعتوه "إلى طوفان من المدى، يحتاج جسدها ممزقاً لحمها على مهل ثم يتركها وججاً لوجه مع الرعب الهرم"(1).
ويستطيع بطل زكريا ممارسة احتجاجه على من هم أضعف منه كالمرأة أو الحيوان أو الجمادات ( الدمى ).
فيوسف في قصة البدوي أحس بضآلة نفسه أمام سميرة التي تحبه لكنه لا يستطيع أن يفكر بالزواج منها لأنها ابنة رجل غني ( صراع الطبقات ) فما كان منه إلا أن عبر تعبيراً احتجاجياً بأن أمسك دمية وتأملها، فطغى عليه سخط وحشي لعلمه أنه لن يكون في الأيام القادمة سوى مخلوق مهمل.. فأخرج من درج الطاولة مدية وفصل بحدها رأس المدية. وبسبب إحساسه بالضياع وفقدان ماهية الوجود يعبر تلك التعبيرات السادية ويتصرف بعداوينة شرسة كنوع من الانتقام من الوجود ( اغتصاب سميرة والهرب ).
يتضح للدارس أن معظم قصص زكريا تبدأ من لحظة معقولة، فالشرطي يدخل المقبرة مخاطباً عمر الخيام الميت ( المتهم )، ويتحاور البطل مع والداه الميت في المقبرة ( القبو ). فتسير القصة من عالم المعقول إلى عالم اللامعقول. وكأنها تفيض بواقعية سحرية تراوح من خلالها في الحدث الصغير بين الواقع واللاواقع، ونلحظ عكس ذلك في قصص أخرى إذ يبدأ زكريا القصة من اللامعقول لتتجول الأحداث عبر الواقع المعقول، في محاولة للانسجام معه لكنها تفشل في إيصال العالمين معاً كما هو في "ابتسم يا وجهها المتعب" والتي يجعل فيها مٍسألة التنقل بين الحياة والموت مسألة إرادية بيد الفرد "ماذا سأخسر لو عدت إلى العالم"(1).
وفي قصة "مغامرتي الأخيرة" نموذج آخر من نماذج تحطيم قواعد المعقول فيخسر من خلالها بالواقع ويتكئ على اللامعقول في بيان سخف


ماهية الوجود. ويسرد البطل حكايته الغربية بضمير المتكلم، إذ يشتري بيضتين من أحد الباعة إلا أن البيضتين تقعان وتتحطمان، فيتشاءم الرجل الجائع ويخرج من البيضتين منكر ونكير ( تراث ديني ) اللذان يبادران بالاعتذار للبطل الجائع بأنهما قدما خطأ إليه، إلا أن البطل يقرر أن البائع قد غشه، فماذا يفيده الخطأ في حين خسر البيضتين، ويذهب إلى البائع ليجده قد مات. وفي سيارة الإسعاف يدور حوار بين الميت والبطل الذي يصّر على استرداد نقوده وعندما لا يحد تجاوباً يلقي بالجثة من السيارة ويتمدد مكانها ليجد نفسه بعد ذلك ممدداً في مكان مظلم (القبر) ويلتقي مرة أخرى بمنكر ونكير, وتبلغ السخرية من الحياة والموت حدها عندما يتعاقد ( البطل الميت ) مع الجرذان بأن يعطيها أطرافه مقابل أن تحضر له راديو.. ( ). وهكذا ومن خلال هذه الصياغات المليئة بالإيحاء واعبث واللامعقولية استطاع زكريا أن يتجاوز القصة التقليدية إلى القصة التعبيرية.
لقد كثرت الأنماط اللغوية السردية التي استخدمها تامر في لغته إذ أسهمت مجتمعة في تشكيل عالم القصة وفي تحقيق بنيتها الدلالية ومن أبرز هذه الأنماط: السرد الوصفي الذي يعتمد أسلوب الرسم والفن التشكيلي فتتلاحم هواجس النفس، وملامح الحياة، مع مناظر الطبيعة وحركتها لدرجة أنه يمزج بين المشهد الطبيعي والحدث، وبحلو الحركة من فعل الحدث إلى المشهد المتعدد الألوان، ذات الدلالات المختلفة والتي تعكس بدورها وقع كل ون على نفسية البطل، فحياة الكادحين والمدن الممزقة هي المعادل الموضوعي لتمزق البطل الداخلي، فلا يرى ما يراه الناس ولا يستطيع الناس أن يروا ما يراه، وكأننا بزكريا تامر رسام مبدع يتقن رسم المناظر الطبيعية كما يتقن مزج الألوان معاً، فيخرج بلوحة بديعة.
وفي حالة من هدوء نفس البطل ووداعته نرى اللوحات اللغوية هادئة بديعة إيجابية أيضاً "وجه القمر يحتضنه شعر أسود متهدل بفوضى، عينان


خضراوان"( ). وشاهد أحمد في "سيرحل الدخان" "الصيف، وكان طفلاً ذهبي الشعر والوجه، يلعب على شاطئ رملي"( ).
وإذا اسودت الأشياء بنظر البطل فإنها تنعكس سلبياً على اللوحات اللغوية، فتأتي مشوهة سوداء "وأهبّ واقفاً بحركة مباغتة، ويبدو الحقل يعيني رقعة سوداء كبيرة تترنح في أرجائها وحشة مقبرة قديمة مهجورة، ويغدو الهواء مفعماً بنتانة، لا أردي من أين أتت، ويطلق كلب قابع في مكان ما نباحاً طويلاً ممطوطاً"( ).
كما "وقف القرصان طويلاً أمام قابعة في واجهة إحدى المحلات، وشاهد في المرآة رجلاً أصفر الوجه ينتحب، في عينيه فقراء الأرض كلهم، وخيل إلى القرصان أنه يرى هذا الرجل لأول مرة، ثم توهم خلال لحظات أنه أبصره"( ) لقد تعرض القرصان لثلاث حالات أولها فعل الشاهدة (شاهد)، والمشاهدة عادة هي عين الحقيقة، وثانيها الخيال "خيل إلى" فقد خيل إليه أنه يرى تلك الحقيقة، وثالثها الوهم "توهم" والوهم أضعف من الخيال، فربما يكون قد شاهد هذه الحقيقة ( الوجه الأصفر )، وربما لا يكون قد شاهدها وباجتماع المشاهدة الفعلية مع التخيل مقابل التوهم ترجه الرؤية على عدمها، وبذلك ينسى القرصان نفسه في لحظة من لحظات الجوع، وربما في مرّة أخرى يشاهد مخلوقاً آخر.
ليس هذا فحسب بل برع زكريا في استنطاق الطبيعة وجعلها تساهم في رسم الملامح النفسية للشخصية الممزقة، ويبرز ذلك في معظم بدايات قصصه إذ يصور الطبيعة والمدينة وارتباطهما بالشخصيات "الأشجار


الخضراء في الشارع، كفت عن الغناء لحظة تحلق عدد من رجال الشرطة المتجهمي الوجوه حول رجل يمشي على الرصيف سيفاً هرماً"( ).
كما جاءت اللغة الوصفية في قالب يحمل الصورة الكابوسية المرعبة في ثناياه، فيرسم الاستغاثة القادمة ليلاً إلى دمشق بصورة مهشمة "أقبلت الاستغاثة ليلاً إلى دمشق نائمة طفلة مقطوعة الرأس واليدين وتراباً يحترق وطيوراً تودع أجنحتها السماء والأشجار"( ).
ويوظف زكريا الممحسوسات المختلفة لرسم اللوحة السردية، فالأصوات والروائح والألوان، كلها أشكال ساهمت  في التعبير عن الذات المبعثرة، والمتشظية لإنسان زكريا في اغترابه.
ومن الأمثلة على اجتماع اللون والرائح في سرد وصفي واحد قول ليلى لأحمد في قصة "النابالم" "سيموتون موتاً بطيئاً، ليتك تبصرهم يا أحمد، ليسوا بشراً كتل لحم محترقة سوداء، لها رائحة لن تنساها حتى بعد أن تموت"( ).
ويحمل اللونان الأصفر والأسود دلالات عدة عند زكريا، فهما يردفان كل حالات اليأس، والقنوط، والانهزام النفسي "... كل شيء أسود... وبلهفة يمزق الجرح ضماده الأصفر ليستقبل حشداً من قبلات الموتى"( )، كما يغدو لون الثلج بعينيي بطل زكريا أسود (إسقاطات نفسيو) والسماء سوداء... حتى أن اللون لأبيض قد فقد إيحاءهُ الصافي في كثير من الأحيان فيحمل دلالة سلبية عندها يصف الميت الذي يرتدي الملابس البيضاء والشرطة الذين يرتدون اللون الأبيض في قصة "السجن"، والحلاق الذي يقطع رأس الرجل ذي الأسنان المنخورة يرتدي اللون الأبيض أيضا( ).

ونكاد لا نجد لونا يحمل شفافية وأملاً حقيقياً مثلما هو اللون الأخضر. كما في قصة "الأطفال" و "خضراء".
ويكثر زكريا من التشبيهات فلا تكاد تخلو فقرة من فقرات قصصه إلا وتضم  تشبيهاً أو أكثر كيف لا واللغة الشعرية التي استخدمها زكريا قي أعماله تعتمد أسلوب تكثيف العبارة فاستخدام التشبيه البليغ كثيراً "وجهها هديل حمامة، فهما قرنفل مرتجف"( ) "وكان فم المرأة عنباً فجأ أحمر"( ). واختزل بالتشبيه وصفاً طويلاً "فيرتمي أحمد على الجثة التي فقدت صوتها حتى الأبد، وينتحب كمومس"( ) "وتطلعت حفلي فشاهدت البناية الصفراء وكانت كحيوان مفترس"( ).
ويجد زكريا – أحياناً – نفسه منسجماً في السرد، فيطيل بالمشبه به على حساب المشبه ومن ذلك: "وكان ثمة امرأة تغني... صوتها مدينة صفراء، تسافر إليها الشمس ناعمة الضوء، وسماء زرقاء، وعصافير تبحث عن ربيع لا يرحل، وأصداء أجراس عذبة الإيقاع عبر سهوب شديدة الحزن"( ) و "الليل أفعى تزحف متغلقة في صميم العالم"( ).
نلاحظ أنه قد سخر الأشياء المادية كالحراب الصدئة، والحيوانية
كالأفعى والكلب، عندما يشغل بالحديث عن الإنسان الممزق كنوع من توظيف المناسب لهذا المقام فالإنسان المهزوم لا يختلف عن الحيوان أو الأشياء الصدئة التي لا أهمية لها. بينما نجده يستخدم التشبيهات المستمدة من الطبيعة
كالقرنفل والعنب والبحر عند الحديث عن المرأة التي كانت تعد – أحياناً -


العنصر المضيء في حياة البطل والعنصر الذي يزداد بهاءً لو قدر له لخلاص (فهو – دائماً – مذبوح مغتصب).
فكل مستوى بنائي له لغة خاصة به تعبر عنه بصدق، وتوحي – من خلاله – بكل ما يريد زكريا قوله.
لقد استخدم زكريا تامر الثنائيات اللغوية القائمة على المتضادات في لغة الشخوص وفي الأحداث، ونستطيع القول أن التضاد اللغوي نتيجة حتمية لإدراك التضاد بين الخارج الموضوعي والداخل النفسي على السواء، وتجتمع هذه الثنائيات لتشكل عالم القصة المتمازج المتماسك دون أسي تناقص. ومن تلك الثنائيات: الغربة والانتماء، إذ كثر ظهورها في أعماله وتمازجت تمازجاً يخدم البناء العام، من ذلك "ولم تمض سوى لحظات حتى أنحدر إلى أسفل، وحينما صفت الباب خلفي شعرت بطمأنينة غريبة، غير أني اكتأبت بعض الشيء إذ وجدت أمي لا تزال ساهرة تنتظرني"( ) فعلى الرغم من أن مكانه الخاص به لا يتجاوز القبر، إلا أنه يشعر بطمأنينة خاصة كان قد فقدها خارج القبو، حتى أنه تخلص من إحساسه بالغربة.
وكثر الحديث عن ثنائية الغنى والفقر، فطرحها زكريا على شكل قضية اجتماعية هامة جداً ممثلة بالسؤال التالي: لماذا لا يتزوج الفقير من الغنية؟ ونجد هذا التساؤل في كل من "سيرحل الدخان" و "البدوي" و "الليل". أما
ثنائية اللذة والعذاب فقد شاعت في الأعمال لتعبر عن سادية الأبطال الذين لجأوا إلى هذه الطريق بعد أن تصدى لهم المجتمع وحرمهم من حرياتهم كما في "الشنفري"، ومن الثنائيات أيضاً، ثنائية الحب والاضطهاد "أبي رجل
هرم يحب أشجار الزيتون، ومن غصن شجرة الزيتون تدلى مشنوقاً"( ) وفي قصة الحب "أطلقت صفارات الإنذار صراخها الممطوط الحاد، فأطفأت
المدينة أضواءها محاولة خنق شهقة ذعر، وتعانق بلهفة رجل وامرأة مستقلين


على سرير ضيق"( ). ومن ثنائية الجمال والقبح أيضاً "طفلي صغير لم يتكلم بعد، كان جميلاً، ولكم كان قبيحاً وبشعاً لحظة رأيته مذبوح العنق"( )، فسر الجمال لم يطل لأن لحظة الاغتيال تنتظر بلهفة، وحب الرجل لأغصان الزيتون لم يمنعها من أن تكون سبب حتفه، ففي هذه المفارقات العجيبة نفس لغوي جميل جداً. يختصر كلاماً سردياً كثيراً لا ضرورة له في جو التكثيف الشعري الذي يلجأ إليه تامر.
ومن ثنائيات الواقع والحلم، هرب القط من واقعه المزري المزمن نحو الحلم بأن يقبض على عصفور مسكين فغرس أسنانه الصغيرة الحادة في عنقه ممزقاً حنجرته العفنة"( ).
ومن أكثر الثنائيات سخرية وبشاعة ثنائية الرومانسية والشراسة كما في قصة "الجريمة" إذ يحز الجلاد بنصل المدية عنق سليمان الحلبي بينما ذهنه مشغول بالبيت الذي ينتظر العودة إليه بفارغ الصبر وذلك حتى يقرأ قليلاً من الشعر"( ) إنها مفارقة عجيبة تطرح بلغة شعرية مكثفة وأسلوب ساخر، سذاجة الواقع ومهانة الفرد الذي يعذب دون ذنب.
وتطرح لغة زكريا – بطريقة إيحائية – الحاجة إلى السعادة المفقودة عبر القبض على القائم ( الشقاء ) ومن خلال تقديم الغائب بوصفه أنشودة الروح التي لم تفن ولن تفنى في مثل هذا الواقع.
أما عن اللغة المشبعة بالإيحاءات التراثية فقد أفاد منها زكريا إفادة جيدة فعبر من خلال الأمثال والمأثورات الشعبية والصور والطقوس الدينية
والأغاني واللغة الثالثة ( الوسطى ) الشيء الكثير، فكثر استخدام الأمثال

الشعبية في المجموعتين الأخيرتين (دمشق الحرائق، والنمور) وذلك لأن هاتين المجموعتين تناولتا قضايا من المجتمع المحلي والعربي ومن الأمثلة التي جاءت على لسان الشخصيات الشعبية ( الثانوية ) قول أحدهم في قصة "يا أيها الكرز المنسي": "إذن عمر القاسم صار وزيراً فسبحان من يعطي دون أن يسأل وصدق من قال إن من جدّ وجد"( ). وقول أحدهم في قصة "رجل غاضب" "جبان حي أفضل من شجاع ميت"( ). وورد في "الخراف" "إن الوردة تلد شوكة"( ) كما يقول أبو سميرة في "السهرة" "العين بصيرة واليد قصيرة"( ).
لم يغفل زكريا مناسبة اللغة لكل شخصية من شخصيات العمل، فلجأ إلى اللغة الثالثة التي تقع بين العامية والفصحى والتي تمتاز لفصاحة المفردات والإعراب ودلالة مفردات الجمل إلا أنها تقترب من الاستعمال العامي إذ قرئت بتسكين أواخر كلماتها"( ) مع العلم أن تركيب الجملة ودلالة المفردات توحيان بالعامية أكثر لشيوع استخدامها في العامية لا الفصيحة. مثال ذلك: "صار وجهه كالليمونة"( ) وصراخ الأم بوجه ابنها محمد المشاكس "الله لا يكبرك"( ).
وظهرت كذلك التعبيرات الشعبية التي تقرب العامية لتدلل على
مستوى الشخصية الفكري، وغالباً ما يستخدمها في لغتهم من مثل
قول والد يوسف له مؤنباً إياه على كسله وخموله "هل تكسر حجارة في


النهار"( )، وقوله وهو في حالة نزق من هرب ابنته "آه يا ربي... ما الذي فعلته حتى تفضحني في آخر عمري"( ) كما يقسم الشاهد ذو اللحية الطويلة أنه سمع بأذنيه اللتين سيأكلهما الدود بعد موته... أنه سمع المتهم يمجد الخمرة( ).
ويشتم كل من صياح وقاسم غسان بشتيمة تعد ن أقبح الشتائم الشعبية وأكثرها إهانة للرجل إلا وهي نعته بأنه امرأة ويطلق هذا النعت في موقف الشجاعة والجبن فيقول صياح: "أرأيت إنه امرأة ولو كان رجلاً لما سكت"( ).
ولم تخل قصص زكريا من التضمينات الثقافية، فظهرت ثقافة القاص في لغته على لسان شخصياته البرجوازية إذ تعتبر هذه الشخصيات الكتاب خير صديق، وترى في الموسيقا عالماً يفوق – رقة وعذوبة وصفاء – عالم البشر، فحسن في "رحيل إلى البحر". مولع بروايات أرسين لوبين( ). ويظهر بطل قصة "قرنفلة للإسفلت المتعب" ثقافته الأجنبية الواسعة عندما يورد في حديثه – متسلفاً – أسماء أشهر الأدباء العالميين وذلك ليدلل على سعة اطلاعه فيقول: "كلنا مجانين... ديستوفسكي ضفدع حزين، لوركا بلبل أسود.. كافكا صرصار من حجر جميس ماسون طبل..." ويعقب صديقه على هذا العبث قائلاً "كلنا طبول ممزقة فقدت حتى الصوت الأجوف، ما الفائدة من الوقوف تحت الشمس؟"( ).
وتكثر كذلك الإيحاءات الفلسفية التي يسوقها الأبطال مشيرين بذلك


إلى وضاعة الواقع وسعة اطلاعهم، يقول الرجل الزنجي معلقاً على المارة في الشارع "أحذية اسمها الرؤوس"( ).
ونظراً لسعة اطلاع زكريا وثقافته المتنوعة فقد ظهرت التضمينات القرآنية والنبوية والتي غالباً ما وظفها على لسان الشخصيات الثانوية في مواجهة البطل المأزوم من ذلك: رؤية يوسف في المنام سبع بقرات عجاف ذات خوار حزين، ترعى في حقل بلا عشب( ). ويستشهد والد البطل في قصة "الصقر" مرغباً ابنه في الزواج "الأبناء زينة الحياة الدنيا"( )، وقول الشيخ محمد "لا مهب من الموت وأنا اليوم بلغت من العمر عتيا"( )، وقول القاضي في قصة "المتهم" "الله أكبر لقد زهق الباطل وانتصر الحق"( ).
فالقاضي المكلف يقمع الفرد لا يكتفي بقمعه شخصياً بل يستعين على ذلك بالموروث الديني الذي أصبح كالكابوس المسلط على رقاب أبطال زكريا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق