الأربعاء، 12 أبريل، 2017

مسائل في القضاء والقدر

مسائل في القضاء والقدر
المسألة الأولى:
كيف يمكن أن تكون كل الأحداث معلومة بتفاصيلها قبل حدوثها؟!
عندما يعجز الإنسان عن تصوّر قضية ما، فإنّ العقل قد يكون قادراً على حل الإشكال وتحصيل القناعات على الرغم من تجلي عجزه عن التصور. أي أنّ بإمكاننا أن نتعقّل الأمور التي نعجز عن تصورها.
مثال: لدينا ورقة سمكها 0.1 مليمتر، قمنا بشقها نصفين، فيكون سمك القسمين مجتمعين 0.2 مليمتر. ثم قمنا بشق ذلك قسمين أيضاً فكان سمك المجموع 0.4 مليمتر، وهكذا ... ونكرر ذلك 50 مرّة. وهنا نسأل: كم يبلغ سمك المجموع بعد التمزيق رقم 50 ؟!
إذا قلنا إنّ سمك المجموع يساوي المسافة بين الأرض والقمر فإنّ الناس يعجزون عن تصوّر ذلك. فكيف بهم إذا علموا أنّ السُّمك الحقيقي هو المسافة بين الأرض والقمر مكررة 317 مرّة؟! نعم هذا فوق قدرة الإنسان على التصوّر. ويكمن حل اشكال عدم القدرة على التصوّرعن طريق التعقّل؛ فبإمكاننا أن نحسب ذلك رياضياً بسهولة فتتحصّل القناعة العقليّة على الرُّغم من عجزنا عن تصوّر المسألة.
بإمكان الإنسان أن يتوقّع المستقبل على ضوء المقدمات التي تُرهص بهذا المستقبل، وكلما قويت هذه المقدّمات كان توقّع المستقبل أقرب إلى الصّدق، فبالإمكان أن نتوقع هطول المطر في جو عاصف، ويصعب ذلك في جو مشمس. وبإمكان الطبيب أن يتوقّع وفاة العجوز المريض، ويصعب ذلك في الشاب الصحيح ... وهكذا. ومثل هذه المسألة مفهومة ولا تعتبر إشكالاً في العقل البشري، ولكن عندما تنعدم المقدّمات يصبح من المستحيل توقّع المستقبل بصورة جازمة. وإليك هذا المثال التوضيحي:
قال شخص: أتوقع في الغد، وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، أن يحدث صدام بين حافلتين؛ الأولى بيضاء قادمة من الشرق، والثانية سوداء، قادمة من الغرب، ويكون التصادم في الشارع الفلاني، وفي النقطة الفلانيّة. وينتج عن هذا التصادم جرح اثنين في الحافلة البيضاء، وقتل سائق الحافلة السوداء. إنّ مثل هذا التوقع هو من المستحيلات، لأنّه لا توجد مقدمات، كما أنّ عناصر الحدث متعددة، فالحدث معقد، والمقدمات منعدمة. ولأنّ مثل هذه الأمور من المستحيلات في عالم البشر فقد صح في العقل أن يكون الإخبار الجازم بها من المعجزات الدّالة على صدق الأنبياء.
في الوقت الذي نحكم فيه باستحالة الإخبار بمثل هذا الحدث عن وعي في حالة اليقظة، نقبل أن يكون هذا الخبر نتيجة لرؤيا مناميّة، وهي ما نسميه الرؤيا الصادقة، لعلمنا بحصول ذلك في الواقع الإنساني. بل هو متواتر في المجتمعات البشريّة، ولا توجد أمّة تجهل ذلك. ولقد شكلت الرؤيا الصادقة إحراجاً للملاحدة عبر العصور، لأننا نجد أنّ المستحيل في حالة الوعي يتحقق في المنام. ولا يجد العقل تفسيراً مادّياً لهذه الظاهرة. فوجود صورة للحدث قبل حصوله بأيام يُثبت وجود العلم به قبل حصوله، على الرغم من انعدام المقدمات والدواعي. ولما لم يجد الملاحدة تفسيراً مادّياً لهذه الظاهرة المتواترة، ذهبوا إلى القول بأنّ ذلك يحدث على وجه الصدفة. وهذا القول باطل من وجوه:
أولاً: لو كان الأمر من قبيل الصدفة لما كان متواتراً في الأمم والشعوب. وقد قمنا بدراسات إحصائيّة فوجدنا أنّ جميع الفِئات المستطلعة يعلمون بهذه الظاهرة.
ثانياً: هناك الكثير من الرؤى الصادقة تتعدد فيها عناصر الحدث بحيث يصعب، بل يستحيل أحياناً، تصور حدوث ذلك على وجه الصُدفة.
ثالثاً: من الظواهر الموجودة في المجتمعات البشريّة أنّ هناك أشخاصاً مُعينين تتكرر عندهم الرؤى الصادقة بشكل لافت، في حين نجد الكثيرين لا يرون شيئاً من ذلك على مدى العمر. وهذه الظاهرة تلغي احتمال حصول ذلك على وجه الصدفة.
لقد جاءت النبوّات، وكذلك الرؤى الصادقة، لتخبر الإنسان بوجود العلم بالحدث قبل حصوله، وخاصة في القضايا التي تنعدم مقدماتها. فالنُبُوّات رحمة، وكذلك الرؤى الصادقة، لأنّ الإخبار بالغيب المستقبلي يجعل الإنسان متعقّلاً لقضّيةٍ يستحيل تصورها، فمن يستطيع أن يتصور كيفيّة معرفة الغيب قبل سنوات من وقوع الحدث؟! وبمعنى آخر: كيف يمكن للإنسان أن يتصور وجود القضاء قبل وقوعه قدراً ؟! والذي لا يستطيع أن يتصور ذلك لا بد أن ينكر. وهو معذور في إنكاره، لأنّه لا يطيق ذلك، فجاءت النبوّات والرؤى الصادقة لتجعل الأمر في دائرة التعقل. ومن هنا لم يعد هناك عذر للمنكر.
المسألة الثانية:  مسيّر أم مخيّر
يدرك كل البشر على المستوى الشعوري أنّهم مخيّرون، والنص الديني يُصرّح بذلك. من هنا سيبقى هذا السؤال مطروحاً في عالم الفلسفة فقط. وسيبقى واقع الناس محكوماً للإدراك الشعوري المنسجم مع النص الديني.
بعد أن آمن الإنسان، عن طريق النبوّات والرؤى الصادقة، بوجود العلم بالواقع قبل حصوله واقعاً، أي بوجود القضاء قبل وقوعه قدراً، نشأت لديه هذه المشكلة الفلسفية، والتي لا تزال تُحيّر عقول البشر. ويمكن تلخيص هذا الإشكال العقلي في الآتي:     
                   بما أنّ الله يعلمُ ما سأفعل،
وبما أنّ علم الله لا يُخطئ،
إذن أنا لا بد أن أفعل،
إذن أنا مجبر
قلنا إنّ هذه المشكلة في الحقيقة هي مشكلة فلسفيّة، والإنسان لا يشعر بها قبل أن تطرح على عقله، بل لم يكن ليطرحها قبل أن يؤمن بأنّ علم الله المطلق يحيط بكل شيء، بما فيه المستقبل. وهي مشكلة تتناقض مع ما يشعر به الإنسان من حريةٍ واختيار. وبإمكان الإنسان أن يحل هذه المشكلة بالتعقّل، حتى وإن عجزنا عن التصور.
إذا كان (س+ص) = (س+ع) فإنَّ ص تساوي ع وهذا بَدَهي في العقل. وإذا استخدمنا هذا المنطق في عالم اللانهائيّات فسوف نصل إلى نتائج تُناقض بدهيات العقل.
 يصح في المنطق الرياضي أن نقول:
(ما لا نهاية + 1000) = (ما لا نهاية – 1000)
وإذا كان هذا يصح في المنطق الرياضي، فهل يصح أن نقول: وعليه فإنّ (+1000) يساوي (-1000)؟! طبعاً لا يصح،  ولكن أين الخلل في هذا المنطق؟!
عندما كنا نتعامل مع عالم النهائيّات أمكننا أن نقول: بما أنّ (س= س) فإنّ (ص= ع). ولكن بما أننا لا نعرف قيمة اللانهائي، فلا يصح أن نقول: بما أنّ (ما لا نهاية) تساوي (ما لا نهاية) إذن (-1000 = +1000)، فمفهوم التساوي لا وجود له في عالم (اللانهائيات). والتناقض الناتج عن قولنا إنّ     (-1000) تساوي (+1000) هو في الحقيقة نتيجة للمقدمة غير الصحيحة.
عندما يُعرّف علماء الرياضيات مفهوم اللانهائيّة في الأعداد الطبيعيّة، مثلاً، يقولون: " لكل عدد صحيح يوجد عدد صحيح أكبر منه "، وهذا يكشف لنا بعض أسرار عبارة "الله أكبر"، ولا نقول: الله كبير، لأنّ قولنا الله كبير يوهم التناهي، أما قولنا الله أكبر فيعني بالضرورة اللانهائي. فالله سبحانه وتعالى مطلق في ذاته وصفاته ومنها صفة العلم. ومهما يخطر ببالك من كبير فالله أكبر. وفي الوقت الذي يحاول فيه الإنسان تصوّر الوجود اللانهائي يعجز ويضطرب في منطقه، ولا تعود المقدمات المنطقية لديه ذات صلة بالنتائج.
صفة القدرة هي صفة مؤثرة في الأشياء، فعندما نتحدث عن عالم التأثير نُعبّر بالقدرة. أمّا صفة العلم، فهي صفة كاشفة، غير مؤثرة في العالم الخارجي، وهذا أمر بدهي. إذا عرفنا هذا أمكننا أن نوجد حلاً للمشكلة الفلسفيّة المطروحة: "بما أنّ الله يعلم ما سأفعل، وبما أنّ علمه لا يُخطئ، إذن أنا لا بد أن أفعل، إذن أنا مجبر"، وذلك عن طريق كشف الخطأ في هذا المنطق، ويكون ذلك بسهولة إذا عوّضنا مكان كلمة (يعلم) و (علمه)، كلمات: (يكشف) و(كشفه) فتصبح المقولة: "بما أنّ الله يكشف ما سأفعل، وبما أنّ كشفه لا يُخطئ، إذن أنا لا بد أن أفعل، إذن أنا مجبر" بهذا التعويض يظهر زيف هذا المنطق؛ فالمقدمة تتحدث عن صفة العلم، والتي هي صفة كاشفة غير مؤثرة، والنتيجة تتحدث عن القدرة، والتي هي صفة مؤثرة، لأنّ الإجبار لا يكون إلا بالقدرة، فقولنا: "إذن أنا مجبر" يعني: "إذن أنا مؤثَّر عليّ"، فأين القدرة في المقدمات، وكيف أنتج الكشف تأثيراً؟!
إذن هو التناقض الناتج عن محاولة تصور اللانهائي، والناتج عن استخدام منطق عالم النهائي لفهم عالم اللانهائي. وبهذا نكتشف عجز العقل البشري عن تصوّر عالم اللانهائيّات، فلم تعد المقدمات المنطقيّة تقود إلى نتائج صحيحة. وبعد أن تكشّفت لنا حقيقة العقل البشري ومحدوديّته، كان لا بد من الاكتفاء بالنبوّات والرؤى الصادقة لإثبات واقعيّة عالم القضاء والقدر. فإذا كان الشعور بحرية الاختيار كافياً لاقناع الإنسان بأنّه مخيّر، فإنّ الإحاطة بعالم الغيب المستقبلي قبل حصوله يكفي لتحصيل القناعة بحقيقة هذا العالم.
مثال على الرؤيا الصادقة:
د. جفري لانغ، عالم رياضيات أمريكي معروف، أسلم وكتب كتاباً حول تجربته مع الإسلام، وتُرجِم هذا الكتاب تحت عنوان (الصراع من أجل الإيمان). والذي يهمنا من الكتاب هنا رؤيا صادقة يستهِلُّ بها كتابه فيقول:
" لقد كانت غرفة صغيرة ليس فيها أثاث عدا سجادة نموذجيّة، ألوانها الأساسيّة الأحمر والأبيض، كانت تغطّي أرض تلك الغرفة. ولم يكن هناك أي شيء من الزينة على جدرانها الرمادية – البيضاء. وكانت هناك نافذة صغيرة مواجهة لنا أشبه بنوافذ القبو تملأ الغرفة بالنور الساطع. كنا جميعاً في صفوف، وكنت أنا في الصف الثالث. وكنا جميعاً رجالاً من دون النساء جالسين على أقدامنا مواجهين للنافذة.
كنت أشعر بالغربة إذ لم أكن أعرف أحداً منهم. ربما كنت في بلد آخر. وكنا ننحني على نحو منتظم ووجوهنا تقابل الأرض. وكان الجو هادئاً وساكناً، وكأنّ الأصوات جميعاً قد توقّفت. وسرعان ما كنا نعود للجلوس على أقدامنا. وعندما نظرت إلى الأمام أدركت أنّ شخصاً ما يَؤمنا، وكان بعيداً عني من جهة الشمال، وفي الوسط تحت النافذة تماماً. كان يقف بمفرده، وكنت ألمح على نحو بسيط ظهره، وكان يرتدي عباءة بيضاء طويلة، وعلى رأسه لفحة بيضاء عليها رسم أحمر. وفي تلك الأثناء كنت أستيقظ من نومي.
رأيت هذا الحلم القصير نفسه عدة مرات خلال الأعوام العشرة التالية تقريباً. وفي البدء لم يكن ذلك ليعني لي أي شيء على الإطلاق. ولكنني أصبحت أعتقد فيما بعد أنّ لذلك دلالة دينيّة. وعلى الرّغم من أنّ مقرّبين لي رأوا هذا الحلم مرة أو مرتين على الأقل، إلا أننا لم نكترث به كثيراً. ولم يكن هذا الحلم ليزعجني، بل في الحقيقة كنت أشعر بارتياح غريب عندما كنت أصحو من نومي إثره".
وبعد أن يسرد جفري لانغ في صفحات طويلة قصته مع الإسلام، وفي وصفه لصلاة يؤدّيها مع آخرين نُفاجأ أنّ الرؤيا التي تكررت لأعوام تحققت بتفاصيله. يقول جفري لانغ:
" الله أكبر، يُكبّر غسان، فنجلس على أقدامنا مقتدين بغسّان، كنت أنا في الصف الثالث. الله أكبر، يكبر غسان ثانية للسجود نسجد ثانية ووجوهنا ملامسة السجادة الحمراء والبيضاء. كان الجو هادئاً وصامتاً وكأنّ الأصوات أخمدت، ثم جلسنا ثانية على أقدامنا.
عندما نظرت أمامي كان بمقدوري أن أرى غسّان بعيداً عن يساري في الوسط تحت النافذة التي كانت تملأ الغرفة بالنور. كان وحده دون صف باعتباره إماماً، وكان يرتدي عباءة بيضاء طويلة، وكان معتماً بلفحة بيضاء ذات رسم أحمر.
صرختُ في داخلي إنّه الحلم، إنه الحلم ذاته! كنت قد نسيته تماماً. أما الآن فقد صُعقت وذعرتُ وتساءلت في نفسي: أأنا في حلم حقاً، وهل سأستيقظ ؟! حاولت التركيز على ما يجري لأرى إن كنت حقاً نائماً. سَرَت موجة من البرد في جسدي فجعلتني أرتجف. يا إلهي، إنني في الواقع. ثم تلاشى البرد فيَّ وتبعه دفء رقيق يُشع من الداخل، ففاضت عيني بالدموع.
التفتنا نحو اليمين ونحن نقول هذه الكلمات: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله". كررنا قول هذه الكلمات ونحن نلتفت إلى اليسار.
انتهت الصلاة. جلستُ على السجادة أتأمل الجدران الرماديّة البيضاء محاولاً أن أجعل معنى من كل ذلك. إنّ الأحلام شيء غريب، وهناك الكثير مما نجهله عنها. ولكن مهما تكن الآلية المتحكمة فإني من خلال حلمي هذا رأيت قِطعاً من حياتي؛ (أشياء فعلتها، أناساً قابلتهم، حالات مررت بها، خيارات حققتها دون أن تعني لي شيئاً في حينها) قادتني إلى هذه الصلاة لتصل إلى ذروتها في هذا السجود. أدركت أنّ الله كان قريباً دوماً مني يوجه حياتي ويخلق لي الظروف والفرص كي أختار. ومع ذلك كان يترك لي مجال الاختيار في المسائل الحاسمة. تملكني الخوف والرهبة عندما شعرت بالحب والعطف الظاهرين، لا لأنّا نستحق ذلك، ولكن لأنّ هذا الحب والعطف كانا دوماً موجودين، وكل ما علينا عمله للحصول عليهما هو أن نعود إلى الله". ا.هـ[1]


المسألة الثالثة:
" يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء":
يذهب البعض إلى القول إنّ المعنى: يُضلُّ الله من يشاءُ لنفسه الضلال، ويهدي الله من يشاءُ الهداية. وهذا المعنى غير صحيح للآتي:
1.     هناك آيات كثيرة تبين أنّ الأمر مرتبط بالمشيئة الإلهيّة:
"وما كان اللهُ ليُضلَّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يُبين لهم ما يتّقون" التوبة:115
"ويُضل اللهُ الظالمين، ويفعلُ الله ما يشاء" إبراهيم: 27
"إن تحرص على هداهم فإنّ الله لا يهدي من يُضِل" النحل: 37
2.     ليس صحيحاً أنّ الله يهدي من يشاءُ لنفسه الهداية، ولا يقف الأمر عند حدود المشيئة والعزم الداخلي، بل لا بد من السلوك والممارسة.

دفع إشكال:
إذا كان الله يُضلُّ من يشاء ويهدي من يشاء، ألا يوهم ذلك الجبر ويتناقض مع العدالة ؟!
الجواب عن ذلك من وجوه:
1.     هذه الآيات ومثيلاتها في القرآن الكريم تبين أنّ المشيئة الإلهيّة مطلقة، ولا يتعلق الأمر بالهداية والضلال فقط، بل يتعلق بكل شأن. وهذه الإرادة المطلقة لا يقيّدها إلا هو سبحانه وتعالى.
2.     الإرادة الإلهيّة مُطلقة، ولا يُتصوّر هنا الظلم، لأنّ الله تعالى من صفاته العدل والحكمة. وقد جاء نفي الظلم في أكثر من آية:
"إنّ الله لا يظلم مثقال ذرة" النساء:40
"إنّ الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون" يونس:44
"... ولا يظلم ربك أحداً" الكهف: 49
3.     تُحمل الإرادة المطلقة على ما جاء في آيات كثيرة منها:
"وما يُضلُّ به إلا الفاسقين" البقرة: 26
"وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون"التوبة:115
".. ويهدي إليه من أناب" الرعد: 27
"كذلك يُضلّ الله من هو مُسرفٌ مُرتاب" غافر:34
"كذلك يُضلّ الله الكافرين" غافر:74
4.     إنّ دعوة القرآن الناس إلى السلوك الإيجابي والإكثار من الوعد والوعيد، لهو الدليل القاطع على أنّ الإرادة المطلقة لله جعلت الإنسان حرّاً في اختياره ومسئولاً عن هذا الاختيار.
5.     شاء الله أن يهدي الصادق وأن يضلّ الكاذب، وفطر الناس على حب الصدق والنفور من الكذب، ثم جعلهم مُؤاخَذين على مخالفة الأوامر والخروج على الفطرة. وهنا يرد سؤال: لماذا لم يشأ الله تعالى أن يُضلّ الصادق وأن يهدي الكاذب؟! 
ويأتي الجواب مختصراً:
"لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون" الأنبياء: 23
"يُضلّ الله من يشاء ويهدي من يشاء" المدثر: 31


قضيّة للنقاش:
لا خيار  للإنسان في طاعة الأمر، وإنّما خياره في قدرته على الطاعة أو العصيان اللذين تترتب عليهما المسئوليّة.


المسألة الرابعة:
 التناسب الطردي والعكسي:
يمكن أن نصوغ قانوناً يستند إلى الأدلة الشّرعية يقول:
 " يتناسب الإثم تناسباً عكسياً مع الضغوط، ويتناسب الثواب تناسباً طردياً مع الضغوط".
والضغوط يمكن أن تكون داخلية، ويمكن أن تكون خارجية؛ فالأمراض النفسيّة والغضب، مثلاً، هي من الضغوط الداخلية، والإكراه هو صورة من صور الضغوط الخارجيّة. وعليه فكلما زادت الضغوط قلّت المسئولية، حتى تتلاشى عند حد ما، فلا يكون المرء عندها مسئولاً عن تصرفاته، كما هو الأمر في الإكراه. وفي المقابل، إذا صبر الإنسان وقاوم الضغوط يكون ثوابه أعظم.
أما فيما يتعلق بالعلم فيمكن صياغة القانون كالآتي:
" تتناسب المسئولية تناسباً طردياً مع العلم"؛ فكلما زاد العلم زادت المسئوليّة، فمسئوليّة الذي درس وعاين البراهين هي أكبر من غيره ممن هم أقل منه علماً وإحاطة.
عندما سأل الحواريون أن تُنزل عليهم مائدة من السماء، قال عيسى، عليه السلام: "اللهمّ ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ..."، فجاءت الاستجابة في الآية 115 من سورة المائدة:" قال الله إنّي مُنزلها عليكم فمن يكفر بعدُ منكم فإنّي أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين"؛ أي يُعذّب عذاباً لا يعذبه حتى طغاة الكفرة وقتلتهم، لأنّ العلم الذي تحصّل لديهم نتيجة مشاهدتهم نزول المائدة يجعل مسئوليتهم أكبر من غيرهم ممن لم يشاهدوا مثل هذا البرهان. ثمّ إنّ هذا البرهان قد جاءهم وعندهم ما عندهم من الإيمان، على خلاف ما كان عند فرعون مثلاً.
من هنا ندرك أنّ العدالة كاملة، إذ إنّ البشر بذلك يتعرضون للاختبار والامتحان نفسه، فكلما زادت الضغوط زاد الثواب وقلّ الإثم. وكلما زاد العلم زاد إثم العاصي مقارنة بمن هم دونهم في العلم.
تنص التشريعات والقوانين البشريّة على معاقبة من يخالفها، وهناك ظروف مخففة. ولا يُعقل أن يعاقب من يرتكب جريمة في حالة الغضب الشديد بمثل عقوبة من يرتكب الجريمة نفسها عن سابق إصرار وتخطيط.
هذا في عالم الواقع، أمّا في عالم النظريات، فهناك بعض الفلسفات تحاول أن تعذر المجرم، على اعتبار أنه اكتسب ميله الإجرامي وراثياً. وهناك من يرى أنّ الإنسان من صنع بيئته. وهناك من يرى أنه من صنع البيئة والوراثة معاً. وقد يروق للبعض أن يتبنّى مثل هذه النظريات لتبرير سلوكه وانحرافه. ونحن هنا لا نريد أن نثبت خطأ أو صواب مثل هذه النظريات، وإنما نريد أن نُسلّم جدلاً بصحتها، لعل فيها قدراً من الصحة.
عندما نراقب سلوك الناس يُلفت انتباهنا أنّ سلوك الأفراد يختلف باختلاف المواقف؛ فالأم تصبر كثيراً على سلوك وانحراف ولدها، ولكنها هي نفسها تثور بسهولة في وجه حماتها، مثلاً، أو في وجه كل من تُبغضه. وإذا كانت هذه المرأة لا تسيطر على أعصابها في مقابل من تكرهه نجدها تسيطر على غضبها في مواجهة من تحبه، أو في مواجهة من تخافه. هذا يعني أنّ كل إنسان منا يملك في داخله قوة تضبط وتسيطر على الدوافع والرغبات والنزوات والشهوات.
فالمجرم يبادر إلى الجريمة في حال القوة والأمن من العقوبة، ولا يسهل عليه في هذه الحالة أن يسيطر على دوافعه. وفي المقابل إذا كان هذا الشخص ضعيفاً ويخشى وقوع العقوبة نجده يُصَعّد من قوته الداخلية فيضبط نفسه ويتكلّف السلوك الإيجابي.
لاحظ سلوك السكرتير في مواجهة مديره ثم لاحظ سلوك السكرتير نفسه مع الموظف الذي هو تحت إمرته. ولاحظ سلوك الزوج مع زوجته التي يحبها ثم لاحظ سلوكه معها لو كان يُبغضها. لاحظ سلوك الناس في حالة الخوف الشديد، ثم لاحظ سلوكهم في حالة الأمن والرفاه.
نعم، هناك قوة هائلة داخل كل إنسان تساعده على الانضباط، وهي تجعلنا قادرين على السيطرة على غرائزنا وشهواتنا ودوافعنا، بغض النظر عن دور المجتمع أو الوراثة.
يحتاج كل إنسان منا أن يضبط ويسيطر على نوازعه ودوافعه، من هنا لا بد من التربية التي تقوي فينا الإرادة. جاء في الآية 45 من سورة العنكبوت:" إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، وجاء في الآية 183 من سورة البقرة: " كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" .
وكذلك فإننا بحاجة إلى العلم الذي يجعلنا أكثر وعياً وإحساساً بالمسئوليّة. ثم نحن بحاجة إلى نظام العقوبات الذي يساعدنا في السيطرة على أنفسنا، سواء كانت هذه العقوبات دنيويّة أم أخرويّة.

المسألة الخامسة:
لماذا الشّر؟ مقال مقتبس من كتابنا: (رسائل نون)
" الشّر من المسائل التي خاض فيها الفلاسفة طويلاً، وهي قضية تثار أحياناً للتشكيك في حكمة الله الخالق؛ إذ كيف يخلق الله الشّر، وما الحكمة من ذلك؟! وبلغت هذه المسألة عند البعض درجة المعضلة التي لا حل لها. ونحن هنا نقدّم وجهة نظر تبدو لنا أقرب إلى الصواب؛ إذ الشّر غير موجود ابتداءً، ولكنه وُجد تبعاً بعد أن خُلق الإنسان وغيره من القوى المدركة. وقد تشكّل هذا المفهوم في الذهن البشري كنتيجة لأمرين ينحصران: في كون الإنسان مخلوقاً ناقصاً، وفي موقف الإنسان من الأمر الإلهي. وإليك تفصيل ذلك:
أولاً: الكمال لا يكون إلا لله تعالى، وكل ما خلق الله فهو ناقص ومحتاج إليه، ولا مجال لان يكون المخلوق كاملاً. فعلى مستوى الوجود نجد أنّ نقطة البداية لمخلوق ما تجعل عمره دائماً في دائرة النهائي، ومن هنا كان الأزلي فقط هو الذي لا بداية له، وبالتالي لا نهاية له. ولا نريد هنا أن نعقّد الأمر، لذا نقول ببساطة: طالما أنّ المخلوق ناقص، ولا كامل إلا الله، فلا بد أن ينبثق عن هذا النقص ما نسميه بالشّر؛ فالموت، مثلاً، نوع من النقص، وهو يُنهي حياة الإنسان، لذا يعتبره الإنسان نوعاً من الشّر. والإنسان أيضاً يمرض، والمرض يمكن أن يؤدّي إلى الضعف أو الموت، ومن هنا كان المرض في نظر الإنسان شّراً. وفي الوقت الذي يبقى فيه الإنسان صحيحاً فلا يمرض، ويخلد فلا يموت، عندها ستتلاشى فكرة الشّر المتعلقة بالمرض والموت. وهذا يكون في الجنة لأهل الإيمان.
ثانياً: أما السبب الثاني لوجود مفهوم الشّر في الفكر البشري، فهو نزول الرسالات الإلهيّة، والتي هي رحمة ونور وهدى للناس. ويمكن تمثيل هذه الرسالات بـ (الكاتالوج) الذي يرسله الصانع للتعريف بالمصنوع وكيفية التعامل معه. فالرسالات جاءت بالتعليمات والأوامر والنواهي لتحقيق الانسجام بين الإنسان والوجود. وعندما تمرّد الإنسان على هذه التعليمات والأوامر نشأ عندها مفهوم الشّر.
هذا يعني أنّ الشّر غير موجود ابتداءً، ولكن عند وجود المخلوق الناقص، والذي سيبقى ناقصاً لأنّه ليس بإله، وجد مفهوم الشّر. ثم عندما تمرد هذا الناقص على أوامر الكامل تبلور مفهوم آخر للشر.
ويقودنا هذا إلى القول بانّ الشّر قضيّة اعتباريّة، فعندما يعتبر الإنسان أنّ الموت شّر فليس بالضرورة أن يكون الأمر كذلك على مستوى الواقع. وإذا كان وجود الإنسان ونموّه خيراً، فلماذا نعتبر فناءَهُ وتحلله شرّاً؟! قد يكون الجواب: لانّ الإنسان يُحب الحياة ولا يريد الموت. ولكن ما الذي يدرينا أنّ حب الإنسان للبقاء في الدنيا هو خير حتى نقول إنّ الموت هو شر. وعليه يبقى الشّر الحقيقي والجوهري هو مخالفة الناقص لأوامر الكامل. وبذلك نكتشف أنّ الإنسان هو الذي يصنع الشّر، وبالتالي يفوّت على نفسه فرصة أن يُكَمِّل نقصه عن طريق هبة الخالق الكامل، والتي هي الخلود والسعادة التامّة، وبلوغ الإنسان درجة النفس الراضية المرضيّة ". ا.هـ[2]


[1].  مقدمة كتاب: الصراع من أجل الإيمان، جفري لانغ، دار الفكر المعاصر، بيروت، 2005م
[2]. رسائل نون، بسام جرار، الرسالة الأولى، مركز نون للدراسات القرآنية، البيرة، فلسطين، ط1، 200م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق