الأربعاء، 12 أبريل، 2017

الاغتراب في علم النفس

الاغتراب في علم النفس
الاغتراب حالة معروفة وشائعة في جميع العصور وهي لا تخرج عن نطاق المعاناة الذاتية للإنسان , حيث نجد أن معظم الدراسات قد تناولت هذه ظاهرة الاغتراب في صورتها السالبة وكأنها ظاهرة مرضية ولم تعطي للجانب الايجابي فهي تتعامل مع المغتربين كأفراد ينبغي مساعدتهم في فهم مشكلاتهم وإكسابهم القدرة على حل صراعاتهم  لداخليه , والالتفات إلى أن الاغتراب مرتبط بالوعي الإنساني وانه يعبر عن حرية الإنسان, وهو موجود بوجود الإنسان في المجتمع وارتباطه بوعيه وهو بالتالي بالوعي الاجتماعي وتأثير البيئة الاجتماعية. (حافظ, 1980, ص544)
وبعد تطور حياة الإنسان وتشابك علاقاته وخاصة بعد الثورة الصناعية التي أحدثت تطوراً في تقنية الإنتاج ووسائله وأصبح الإنسان يعاني من اضطهاد أصحاب العمل وسلبت حريته , مما أدى إلى إحساس الإنسان بنوع من الاغتراب ويتحقق هذا الإحساس كلما تسلط وجو الغير عليه .
فيجد الفرد نفسه عاجزاً أمام مجتمع تسوده القوانين وأحكام اجتماعية فاسدة, فهذه القوانين والأحكام تقف بوجه الإنسان وتمنعه من  تحقيق تطلعاته ورغباته, مما يؤدي إلى إحساسه بالإحباط الذي يدفعه إلى الانعزال عن نفسه وعن الآخرين إذ يرى علماء النفس أن هذه الظاهرة تنشأ في ظل ظروف نفسية واجتماعية وأوضاع اقتصادية وله أضرار تشمل كل من الفرد والمجتمع. (الشاروني، 1979, ص69)
إذ وجد علماء النفس أن حالة الاغتراب التي يشعر بها الإنسان والتي تنعكس في سلوكياته اليومية هي انفصال الإنسان عن ذاته أولاً , وعن الآخرين ثانياً , فهذه الحالات التي يشعر بها الإنسان بالاغتراب بسبب عدم قدرته على امتلاك زمام ذاته والتحكم بها والتكيف مع الآخرين , "فلإنسان غالباً ما يشعر بأنه لو أراد تحقيق أهدافه فعلية عدم التصرف بموجب المقاييس المتعارف عليها اجتماعياً وأخلاقياً. (النورجي, 1990, ص41)
غير إن ذلك لا يعني أن الاغتراب مضر دائماً وبمختلف أنواعه ودرجاته , فالصورة المعتدلة منه وفي بعض أنواع خاصة ضرورية لتقدم المجتمع , حيث ان  ثمة قدر من الاغتراب لدى الأفراد يعد أمراً طبيعياً بحيث يصبح دالة على زيادة التغير الاجتماعي ولكي لا يكون للإفراد مجرد نسخ مكررة لما هو موجود في مجتمعهم فالمصلحون والمجددون والمخترعون يشعرون بالاغتراب عن قيم ومعاير مجتمعهم وينادون بقيم وأخلاقيات قد تختلف قليلاً أو كثيراً عما هو سائد في المجتمع لدفعه نحو ما تتطلبه روح العصر. (الجبوري, 1996, ص43)
فرويد(1856-1939)
يرى (فرويد) أن الاغتراب عند الإنسان يأتي نتيجة الانفصام بين قوى الشعور واللا شعور الذي هو مخزن الدوافع الأولية ومناط قوى الحياة ومجال العمليات النفسية الأولية وصراع قوى الحياة مع قوى الموت , حيث أقام (فرويد) مستودعاً لخيبة أمل الإنسان في الحياة الاجتماعية والنفسية ذلك هو اللا شعور , إذ نكبت كل الرغبات والحاجات التي يفشل الإنسان في إشباعها بالواقع. (فرويد, 1962, ص72)
فنلاحظ أن هنالك صراع دائم بين الغرائز وإطلاق الفنان لها , فالأفكار المقبولة تذهب إلى الشعور ويعبر عنها الإنسان بكل حرية , أما الأفكار غير المقبولة فنجدها تذهب إلى اللا شعور ويعبر عنها الإنسان أما بالسلوك الرمزي الغريب أو الخيالات وغير من الاساليب وكل هذه السبل تدفع الإنسان إلى الاغتراب والهروب من الواقع المعاش لواقع أفضل يجده في اغترابه.
لهذا وجد (فرويد) أن الاغتراب سمة متأصلة في الذات وفي حياة الإنسان إذ لا يمكن تجاوز الاغتراب بين (الأنا) و (ألهو) و (الأنا العليا) ولا مجال لإشباع الدوافع الغريزية , كما يستحيل التوفيق بين فيما يتصل بالأهداف والمطالب بين بعض الدوافع الأولية وبعضها الأخر (فرويد, 1980, ص28) وإن الإنسان بفطرته ضد المجتمع وان وظيفة المجتمع هي قمع الدوافع الغريزية عن طريق تحويل الدافع الجنسي إلى أهداف رمزية تظهر عن طريق (التسامي). (brown, 1977, ص149)
وأخيرا تمكن (فرويد) من الاهتداء إلى أن الاغتراب يحدث نتيجة الصراع بين رغبتين متضادتين حيث ينتهي بحكم النفس لصالح إحدى الرغبتين والتخلي عن الرغبة الأخرى , فالسلوك الإنساني مدفوع للحصول على أهداف معينة , فإذا أحبطت هذه الأهداف أو منعت أدت إلى انهيار الإنسان بسبب صراعه مع العالم الخارجي مما يؤدي إلى اغترابه الانعزال عن مجتمعه .
اريك فروم (1900 – 1980)()
انطلق (فروم) في فهمه لقضية الاغتراب من خلال رؤية أنثروبولوجية حيث يرى أن الإنسان جزء من الطبيعة لكنه يتجاوزها ويعلو عليها, والإنسان إذ ينفصل عن الطبيعة (يجد نفسه عارياً خجلاً, انه وحيد حر, مع هذا عاجز وخائف, والحرية المكتسبة الجديدة تبدو كلعنة, أنه حر من القيد الحلو للفردوس لكنه ليس حراً كي يتحكم في نفسه وتحقيق فرديته). (فروم، 1972, ص35)
استقر (فروم) مفهومه عن الاغتراب من خلال مصدرين أساسيين هما المصدر الأول: الكتابات اللاهوتية الأولى حيث يرد مفهوم الاغتراب ليدل على معنيين أحدهما يفيد انفصال الإنسان عن الله من خلال تورطه في الذنوب والمعاصي, أما المعنى الثاني فيسير إلى مفهوم العبادة الصنمية, والصنمية ليست فقط مايصنعه بيديه بل يمكن أن تكون الأشياء التي يصنعها الآخرون أو الآخرون أنفسهم, لذلك يمكن أن نحدد الصنمية على أنها: خضوع الإنسان للأشياء على نحو يجعله يفقد ذاته وإنسانيته ويصبح عبداً لها.
المصدر الثاني: كتابات (كارل ماركس) وبخاصة كتابات الشاب الذي اعتمد عليها (فروم) بصورة أساسية. (حماد, 2005, ص274-275)
ووضح لنا (فروم) بأن الأساليب التي يهرب الإنسان من حريته هي نفسها الأساليب التي تؤدي به إلى الاغتراب عن ذاته ولعل أبرز تلك الأساليب تتمثل فيما يأتي: (حماد, 2005, ص149)
الامتثال أو الخضوع للحشد.
الخضوع السادي – الماكوزي .
الخضوع للسلطات المجهولة .
ويستخدم (فروم) مصطلح الاغتراب ليصف به في حالة معينة لعلاقة الإنسان بنفسه وبغيره من الناس وبعمله وبالأشياء المحيطة به, فالإنسان قد خلق لنفسه عالماً من النظم المختلفة تم فصل نفسه عن هذه النظم فلم يعد جزءً منها أو منسجماً معها, بل باتت عبئاً ثقيلاً عليه مغترباً عنها بسبب انعدم تفاعله معها عاطفياً وفكرياً, لهذا يشعر بالأمان وينتابه الملل والقلق باستمرار (فالإنسان المغترب لايشعر بأنه مركز لعالمه أو خالق لعامله ومتحكم فيه, لكن أعماله صارت متسيدة عليه ومتحكمة فيه وعليه طاعتها). (فروم, 1960, ص27)
يفرق (فروم) بين نوعين من الفنون, الفن الجماعي كما يتمثل في الدراما الإغريقية والطقوس الجماعية كالرقص الهندي وأشكال الرقص والغناء الجماعية بوجه عام, والفن الفردي ويقصد به الفن الذي يكون فردياً سواء في إنتاجه أو في استهلاكه أو ممارسته. (فروم، 2005, ص270)
كما نلاحظ إن تحليل (فروم) لقضية قهر الاغتراب وبناء المجتمع السوي تنتهي إلى نتيجة واحدة هي إيمان (فروم) الخفي بالصفوة الممتازة, ذلك الإيمان الذي يتضح من خلال عدة مواقف فكرية أهمها تسليم (فروم) بفكرة الذات الأصلية ورفضه لعملية الامتثال أو الخضوع للحشد, ثم قوله بالارتباط التلقائي بالعالم وبالآخرين والذي لايمكن أن يقوم به إلا القلة المبدعة, وأخيراً موقف (فروم) من قضية تغيير المجتمع والتي تنتهي فيها إلى أن القوة التي ستبعث المجتمع الجديد سوف يكون مصدرها القلة غير المندمجة في النظام القائم. (فروم, 2005, ص260)
كينيث كينستون
قدم (كينستون) نظريته في اغتراب الشاب من خلال كتابه الشهير (اللاملتزم) والذي وضع فيه اغتراب الشاب الأمريكي, وميّز فيه بين الاغتراب الجديد والاغتراب القديم موضحاً أن أصل الاغتراب الجديد يقع في مختلف المجتمعات تاريخياً ويأخذ المجتمع الحالي شكلاً جديداً وهو (التمرّد) بدون سبب, بمعنى الرفض للحضارة القائمة بدون تقديم نقد بناء لما يجب أن يحل محلها.
ويرى (كينستون) أن للاغتراب خصائص عديدة منها فقدان الثقة بالآخرين, وغالباً مايبدو عدم الالتزام نحو المجتمع والجماعة والآخرين النظرة التشاؤمية إلى الظروف الإنسانية باعتبارها سبب المشكلات دون الالتفات إلى أن السبب قد يرجع إلى أسباب شخصية مثل غياب الشعور بالمسؤولية, وليس للمغترب أهداف طويلة الأمد وتصبح لذة اللحظة الحاضرة أكثر أهمية من أي شيء آخر ويظهر المغترب الغضب والاحتقار إلى هؤلاء المخادعين الجاحدين. (حافظ, 1980, ص63)
أميل دوركهايم (1858 – 1917)()
تناول (دوركهايم) الاغتراب بصورة ضمنية في تحليله لما أسماه (بالأنوميAnomie) أو تحليل المعايير حيث تتضمن نظريته العلاقة بين الأهداف الثقافية والوسائل الاجتماعية وكيف يؤدي عدم الاتساق بينهما في حالات اجتماعية معينة إلى حالة (الأنومي), وهو يعني عند (دوركهايم) سوء النظام الاجتماعي لانطوائه على ضمير جمعي ضعيف إذا لم توجد قواعد مشتركة أو معايير للسلوك في المجتمع, وإذا كانت الأهداف التي تعنيها هذه القواعد غير قابلة للتحقق والبلوغ. (شتا, 1984, ص81-85)
فهذه التحولات تؤدي إلى ظهور قرارات وأحوال جيدة تعمل عرقلة إمكانية انسجام أفكار الأفراد الثقافية مع هذه الأوضاع الجديدة, مما يخلق حالة من عدم التوازن (الأنومي) التي تؤدي بطبيعة الحال إلى الاغتراب, وهنا يصفها (دوركهايم) بأنها: (غياب التكاملية البنائية لعملية التفاعل والانهيار التام للنظام المعياري) (اسكندر, 1988, ص179), أي انعدام التكافؤ بين أهداف الفرد وبين المعطيات الاجتماعية, وبالتالي اعتقاد الفرد بعدم المقدرة على تحقيق أهدافه أو كيفية الوصول إليها.
ثالثاً: الاغتراب في العلوم الاجتماعية
للعلوم الاجتماعية المختلفة أدوار متفاوتة في التعريف بمفهوم الاغتراب, فالمختصون في هذه الميادين العلمية يعكسون خلفياتهم العلمية التخصصية حين يختارون ما يناسبهم من المنطلقات والاتجاهات في معالجة موضوع الاغتراب ولكي تتضح مساهمات هذه الاختصاصات بذكر بعضها وكلاً ضمن إطاره العلمي المتميز:
السوسيولوجيا والاغتراب
السوسيولوجيا أو علم الاجتماع له دور بارز في جميع العلوم الاجتماعية في تطوير مفهوم الاغتراب, فهناك معطيات كثيرة رافقت تطور هذا المفهوم من إطار اللاهوتي والغيبي إلى الأطر الإنسانية والعلمانية, وقد نما فهم قدرة الإنسان على تحمل الوحدة والانفلات من المعايير والاندفاعات التدميرية, ووجد له تعبيراً في بحوث الفلكلور والأدب والمطبوعات الحكومية المتعلقة بالطبيعة البشرية. (النوري, 1979, ص34)
ومن يراجع نشاطات علماء الاجتماع في دراسة الاغتراب يخرج بالملاحظات الآتية:
إدراك السوسيولوجيين لجدوى هذا المفهوم كمشخص حضاري إلى تركيب اجتماعي محدد.
ينبغي تطبيق المفهوم بشكل دقيق على بعض الظواهر كظاهرة التحليل ألقيمي أو المعياري بالنسبة للسلوك السياسي.
هناك سيولة واضحة في استعمالات السوسيولوجيون لهذا المفهوم بسبب تذبذب الآراء.
توجد ملاحظات حول ضرورة تسخير المعرفة العلمية لتوجيه التربية وإعادة تنظيم واقع الفرد والمجتمع.
إن بحث الاغتراب قد يحفز المجتمع لتحقيق درجات أكبر من المساواة والعدالة.
إن استعمال هذا المفهوم قد يكسب آراء بعض المتطرفين عمقاً فكرياً وإنسانياً.
علم الانثربولوجي والاغتراب
تناول الدراسات الانثربولوجية مفهوم الاغتراب من زاوية الظواهر المرتبطة بالنظام الاجتماعي العام, بدرجة أكبر من بحثه من الزوايا البنائية التفصيلية.
إذ يصبح الاغتراب من وجهة النظر الانثروبولوجية والاثنوجرافية تدهوراً نفسياً لا يرجع لضياع هدف محسوس, أو لانخفاض الاعتبار والاحترام الناتج عن ذلك الشيء أو الهدف بل نتيجة لأزمة سببها تناقض المعاني والقيم الروحية التي تتجاوز الواقع المادي إلى المجال الرمزي.
ج. التربية المعاصرة والاغتراب
هناك بعدان رئيسيان في العملية التعليمية يعبران عن ظاهرة الاغتراب: أولهما يتجسد في عملية الفصل (Separation) الملازمة للإجراءات والأساليب المستعملة في التربية والتعليم. وهي طابع اجتماعي ومؤسسي وغير عائلي, وثانيهما يتصل بعوامل الفصل الأخرى التي تضاعف في آثارها الأعداد الكبيرة للتلاميذ والتعقيدات الكثيرة والموجودة في المؤسسات التعليمية نفسها والإجراءات المصممة للتعليم.
وهناك زاوية أخرى تقرّب من فهم الاغتراب في التعليم وهي تتصل بالمعلمين والمربين أنفسهم, فالمعلمون عموماً يتصفون بالحساسية الذهنية العالية إزاء عدد كبير من المؤسسات والأفراد في المجتمع, لأنهم يكونون مسؤولين أدبياً وفكرياً عن جميع الناشئين في مجتمعهم بغض النظر عن اختلافاتهم الذكائية والسلوكية والمعرفية, وإلى جانب ذلك فاغتراب المربين يأتي من كون الخطط والأساليب التعليمية الموضوعية في مدارسهم لا تخضع لاجتهاداتهم وآرائهم الشخصية بل هي برامج رسمية مستقلة عن نزاعاتهم وميولهم الفردية. (النوري, 1979, ص37, 38)


الاغتراب في علم النفس
الاغتراب النفسي
اسباب الاغتراب النفسي
انواع الاغتراب
علاج مشكلة الاغتراب
تقرير عن الاغتراب
علاج الاغتراب النفسي
مقياس الاغتراب النفسي
الاغتراب النفسي لدى المراهق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق