الاثنين، 17 أبريل، 2017

التنمية البشرية في العالم العربي

التنمية البشرية في العالم العربي
يشهد العالم تحولات وتغيرات متعددة، كما تشهد الدول العربية أيضا تحولات وتغيرات ومنعطفات سياسية وثقافية واجتماعية عبر قرن من الزمان، وقد زادت وتيرة هذه التغيرات بشكل ملحوظ، على جسر الألفية الثالثة، وما واكبها من صراعات سياسية وعسكرية وثقافية، تعصف في المنطقة العربية بشكل واضح وخطير.
هذا، وينطوي عن الطبيعة البشرية بشكل عام تعقيدات كبيرة، وتنوع في التجارب، واختلاف وديناميكية واضحة في بيئة المؤسسات، والدول، مما يصعب معه وضع افتراضات محددة لسبر أغوار تلك الطبيعة البشرية (Ali 1989). وتزداد القدرة على التنبؤ ووضوح الرؤية صعوبة في العالم العربي، كما يؤكد بروفيسور عباس علي في كتاباته التحليلية الهامة في هذا الإطار، حيث يؤكد عبر أكثر من عقدين في كتاباته، بأن الثابت الوحيد في منطقتنا هو التغير. فمنطقتنا العربية غنية بالموارد كما أنها منطقة جذب للصراع العالمي أكثر من أي دولة أو منطقة أخرى في العالم[i].
تشهد المنطقة العربية في الوقت الراهن تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية، إضافة لرياح العولمة، التي تهب على المنطقة، بخيرها وشرها. إن لهذه التحولات تأثيرا واضحا على الممارسات الإدارية في واقع المؤسسات الاقتصادية في العالم العربي والإسلامي. فمن أهم هذه التأثيرات والتغيرات تلك التحولات المتسارعة نحو العولمة والخصخصة والإقبال على البرامج الدولية المتعلقة بتحرير التجارة، وفتح الأسواق، ورفع القيود المحلية، وتقريب المسافات من خلال التكنولوجيا، والثورة المعلوماتية والرقمية، وثورة الاتصال، ومن خلال ما توافره شبكة المعلومات العالمية، والفضائيات من تحويل العالم إلى قرية عالمية صغيرة، لا بل إلى شاشة حاسب أو تلفاز من خلال مشاهدة ما يجري والإطلاع على ما يحدث والاتصال بالآخرين بسرعة هائلة وربما بتكلفة قليلة[ii].

 هذه الصراعات والتحولات والتغيرات بلا شك تؤثر وستؤثر مع مرور الزمن على عنصر هام وحيوي في المجتمع العربي والإسلامي، وهذا العنصر هو الثقافة العربية والإسلامية.

التمكين في التاريخ الإسلامي

لم يرد مصطلح التمكين في الثقافة العربية الإسلامية سوى من مصدر واحد، وهو القرآن الكريم، فقد ذكرت كلمة التمكين في القرآن الكريم في أكثر من موقع، وفي عدة مناسبات، وخاصة في سورة الحج حيث يقول تعالى: )الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ( [الآية:41] وفي سورة يوسف عليه السلام حيث يقول تعالى: )وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ([الآية: 56] )وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ( [الآية: 57]
طرحْ مفهوم التمكين هنا في القرآن قد يختلف، من حيث طبيعة التمكين، فهنا نرى بأن التمكين رباني، أي أن الله سبحانه وتعالى يمنح التمكين لأنبيائه وللصالحين من عباده، من خلال تمسكهم بالدعوة وتبليغ رسالته للناس فيمنحهم تمكيناً من عنده سبحانه وتعالى حماية لتلك الدعوة، ومساندة لتلك الرسالة، وتكريماً لرسله وأنبياءه. ولكن الاستشهاد بهذا المصطلح في سياق هذا الكتاب، هو من حيث الجوانب التي تتشابه فيها المعاني مع اختلاف وجه الشبه بين تمكين الله سبحانه وتعالى لرسله، وتمكين الإنسان للآخر في حياة البشر. ففي سورة يوسف عليه السلام يبين لنا القران الكريم أهمية التمكين ومقوماته (راجع مقومات التمكين كما وردت في الفصل الثاني) التي تتمثل هنا بثقة الملك وامتلاك سيدنا يوسف لأسباب العلم والمعرفة، وموهبته في تفسير الأحلام، ومن خلال المعلومات وتدفقها بين الملك وسيدنا يوسف عليه السلام بواسطة بعض الناس الذين أبلغوا الملك عن قدرة سيدنا يوسف عليه السلام على تفسير الأحلام، وأخيراً الجوائز العظيمة التي مُنحت لسيدنا يوسف في الدنيا والآخرة، والتي ساهمت أيضاً في رفعته، وتمكينه، ومكانته العظيمة في الدنيا والآخرة .
ومما يثير الدهشة انقطاع الكتابة حول هذا الموضوع حتى عصرنا الحديث وخاصة بعد الثمانينات من القرن العشرين، ومما يثير الدهشة أكثر من ذلك هو وجود هذه الدراسات والكتابات حول التمكين في البيئة الغربية وخلو بيئتنا العربية والإسلامية من الكتابة في هذا الموضوع ذي الجذور القرآنية منذ أكثر من (1400) عام خلت.

التمكين في العالم العربي[iii]

يؤكد القريوتي على تزايد الاهتمام في الدول النامية بتحسين كفاية الإدارة لتحقيق أهداف تنموية طموحة، ومن هنا يحاول المعنيون بمواضيع التنمية الإدارية، التعرف إلى مختلف العوامل التي من شأنها أن تساهم ببلوغ هذا الهدف. كما يؤكد القريوتي من خلال دراسته التي شملت 332 مديرا من مؤسسات مختلفة على عدم قدرة كثير من المنظمات على اختلاف مسمياتها على الوصول بالعاملين إلى تطبيق مفهوم التمكين. ومن أهم الأسباب التي تعيق تطبيق هذا المفهوم حسب هذه الدراسات هو في أساليب الإشراف والإدارة التقليدية البيروقراطية، ومحاولة تطبيق التعليمات والقوانين بشكل حرفي دون التفكير في منح الثقة للمرؤوسين فكثيرا ما تسمع من المديرين قولهم:" أنا أعلم بأن هذا الأمر أو الرأي هو الصحيح ولكن لا يمكنني مخالفة التعليمات، أو التعليمات تنص على كذا وكذا، وهذا مخالف للتعليمات، على الرغم من أنه صحيح. وبما أنه مخالف للتعليمات، فالتعليمات هي الأصح". هذه اللغة في الإدارة العربية شائعة، وتتردد في كل وقت وهي اللغة الشائعة والمسيطرة في كثير من المنظمات سواء أكان ذلك في القطاع العام أم في منظمات الأعمال (القريوتي، 2004).
ففي منظمات الدول الغربية، نجد أن الاهتمام منذ زمن بعيد قد بدأ يظهر في منح العاملين نوعا من التمكن، والتمكين من خلال برامج مختلفة، مثل برامج المشاركة، وتقديم الاقتراحات، والإدارة بالأهداف (Management by Objectives) ، ودوائر الجودة (Quality Circles) ، وتدرج الأمر حتى وصل إلى موضوع التمكين إلى ما هو عليه، كما تم الإشارة إليه في فصول أخرى من هذا الكتاب.
طرح هذا الموضوع، أي موضوع التمكين، قد يساهم في تكريس أهمية التمكين والقيام بدراسات ممتدة ومتصلة لمعرفة أبعاده المختلفة، مما قد يساهم في تحسين مستويات الأداء، الأمر الذي قد يساهم في تفجير الطاقات الإبداعية الكامنة لدى العاملين في مختلف مستويات المنظمة.
وقد توصلت الدراسة التي قام بها القريوتي إلى وجود اتجاه سلبي في علاقة الرؤساء بالمرؤوسين، ويدلل على ذلك عدم وجود معززات من قبل المديرين لتمكين العاملين. وبينت الدراسة أيضا أهمية التعليم في التمكين، أي أن الأفراد الأكثر تعليما يهمهم التمكين بمستويات أكثر لأنهم يشعرون بأهمية أكبر للأدوار التي يقومون بها من الأفراد غير المتعلمين. ويوصي الباحث، القريوتي، في دراسته بزيادة الاهتمام بتوفير الظروف المناسبة للتمكين، من خلال إيلاء هذا الموضوع الأهمية اللازمة، من خلال برامج التطوير الإداري، وتنمية المنظمات في القطاع العام وفي القطاع الخاص.
كما أكدت دراسة القريوتي أهمية اعتماد المؤهلات العلمية المناسبة بصفتها متطلبات ينبغي توافرها فيمن يتم تعيينهم في وظائف إدارية، وتأهيل المديرين والموظفين الحاليين، وذلك للعلاقة الواضحة بين العوامل المعززة للشعور بالتمكن ومستوى التأهيل العلمي، إضافة إلى تأكيد الباحث على أهمية إجراء دراسات تتناول بشكل واضح العلاقة بين إنتاجية الموظف، والتمكين أو دراسة العلاقة بين التمكين، والإبداع.
إن نقص الوعي في موضوع التمكين في البلاد العربية قد يعود لأسباب مختلفة، منها: عدم جدية الأنظمة السائدة في تطبيق مفهوم التمكين على المستوى العام للأنظمة العربية، فالعلاقة بين الشعوب والحكومات تقوم على الشك وعدم الثقة بدلا من الحكم الرشيد أو الحكمانية الحقة (الكايد،2003). لا يستطيع المواطن العربي أن يقر ويقتنع بأن الدولة العربية هي دولة القانون التي يتساوى أمامه مواطنوها، أو أنها الدولة التي تسودها المساواة الاجتماعية وتوفّر الفرص المتساوية لجميع مواطنيها وتوسع خياراتهم وتفتح آفاقهم وتمنحهم فرص للتنمية والتطوير.
فالتمكين في الدول المتقدمة ربما هو نهج بدأت مقدماته وبوادره في العلاقة بين الدول وشعوبها، فلم يكن مستهجنا أن ينعكس ذلك على المؤسسات المدنية والعامة والخاصة وجميع المؤسسات الاجتماعية في أشكال من التمكين وحرية الاختيار. أما في دولنا العربية فنجد عدم ثقة في مبادرات التمكين حتى لو وجدت، بسبب عدم وجود مقدمات حقيقية وبوادر سابقة للاستناد عليها. فالدولة الديمقراطية في بلادنا أصبحت حتمية وملحة أكثر من أي وقت سبق نتيجة للتحولات العالمية والتغيرات المختلفة التي تتطلب من حكوماتنا ممارسة الشفافية والمحاسبة والمشاركة والثقة في الشعوب، من أجل أن تنطلق عمليات التنمية والتطوير وتنطلق مؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات الخاصة والعامة في الاستفادة من تجارب الحكومات ومحاولة محاكاتها في تفعيل دور المشاركة وحرية الرأي والتفكير وتقديم رؤى إبداعية خلاقة في طريق التنمية والتقدم.
كما يؤكد الكايد (2003)[iv] ثانية على ضعف مستوى المشاركة السياسية الشعبية في الوطن العربي، مع تفاوت في حجم المشاركة السياسية من دولة عربية إلى دولة أخرى، فبينما تجرى انتخابات للمجالس التشريعية، أو البرلمانية في بعض الدول، لا توجد أي مشاركة ديمقراطية في دول أخرى، فيما تمارس دول عربية درجة أكبر من الحرية في التعبير ووجود تعددية سياسية. وعلى الرغم من توافر هذه الحرية، إلا أنها أقل منها في دول أمريكا اللاتينية، وشرق وجنوب شرق أسيا وكثير من دول جنوب صحراء أفريقيا حيث يتقلص دور الأنظمة المركزية فيها لحساب المستويات المحلية (الكايد، 217).
وكثيرا ما تلجأ بعض الدول العربية إلى فرض حالة الطوارئ التي تحد من ممارسة المواطن لحقوقه السياسية، الأمر الذي يجعل المواطنون لا يثقون في مبادرات الدول التي تنادي بالحرية المدنية والمشاركة السياسية[v].
كما يعاني المواطن في بعض الدول العربية من تحديات أساسية وظروف حياتية ومعيشية قاسية بسبب الفقر والبطالة التي تتراوح بين 15-25% من حجم القوى العاملة وهذه المشاكل بطبيعة الحال لها أثار كبيرة على قدرة المواطن العربي على المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن المشاركة في الحياة السياسية والعملية الديموقراطية[vi].
هذه الحالة العامة على مستوى ممارسات الدول والحكومات وضعف الثقة بين الحكومات والشعوب وبالعكس، تساهم في خلق ثقافة اليأس والإحباط التي قد تنتقل عدواها إلى كافة الأنظمة على مبدأ نظرية النظم التي تنظر إلى العلاقة بين النظام الفرعي والنظام الكلي حيث إن النظام الفرعي (مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة مثلا) جزء لا يتجزأ من النظام الكلي (الدولة في سياساتها وممارساتها وقوانينها). فالدول الديموقراطية قد تنتج مؤسسات ديموقراطية والدول البيروقراطية أو الديكتاتورية قد تنتج مؤسسات بيروقراطية أو ديكتاتورية.

التنمية البشرية في العالم العربي
تشير تقارير التنمية البشري التي تصدر عن الأمم المتحدة بضعف الأداء الاقتصادي لعموم أقطار الوطن العربي وقد انعكس هذا الأداء على الجوانب الاقتصادية الأخرى المرتبطة بالتنمية البشرية مثل معدل النمو السنوي الذي لا يتناسب مع الزيادة السكانية، مما أدي  إلى تراجع حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. يضاف إلى ذلك التراجع في معدل الاستثمار وزيادة الدّيْن الخارجي بمعدل أعلى من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، مما أدى إلى ارتفاع معدل التضخم وزيادة في حجم البطالة الفعلي. لقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لكل البلدان العربية في عام 1999 ما مقداره 531 بليون دولار أمريكي أي أقل من دخل دولة أوروبية واحدة مثل أسبانيا والبالغ ناتجها المحلي الإجمالي 595 بليون دولار أمريكي.
والعالم العربي يعاني في مجمله من ضعف إنتاجية رأس المال المادي المصحوب بمعدل نمو منخفض نسبيا، كما يشكل انخفاض إنتاجية الفرد في العالم العربي تحديا خطيرا للمنطقة.ويمثل تغير الإنتاجية عبر الزمن مقياساً أكثر تعبيراً من مقياس الإنتاجية نفسه،على سبيل المثال، فقد كان نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي في مصر عام 1962 نحو 2500 دولار أي خمسة أضعاف مثيله في كوريا الجنوبية الذي بلغ نحو 480 دولاراً في العام نفسه. وبعد أربعة عقود انقلب الحال ليصبح نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي في كوريا الجنوبية 8910 دولارات وفي مصر 1490 دولاراً في عام 2000[vii].
وهناك ثلاثة تحديات أساسية تواجه الدول العربية وهي:

نقص الحرية

دلت عدد من المؤشرات التي تقيس مظاهر متنوعة للعملية السياسية والحريات المدنية والحقوق السياسية واستقلال الإعلام على أن الناس في المنطقة العربية، كانوا الأقل استمتاعا بالحرية على الصعيد العالمي في تسعينيات الألفية الأخيرة، وفي المرتبة الأخيرة، لجميع مناطق العالم على أساس حرية التمثيل والمساءلة.
وما زالت المشاركة السياسية في المنطقة العربية دون المستوى المتحقق في جميع مناطق العالم، على الرغم من الإنجازات المتحققة في بعض البلدان العربية، في ربع القرن الأخير، أما مقياس التمتع بالحرية فيتحدد بتوافر خمس “حريات وسائلية” هي: الحريات السياسية، التسهيلات الاقتصادية، الفرص الاجتماعية، ضمانات الشفافية، الأمن الاجتماعي ( توفير شبكات الأمن الاجتماعي المناسبة للمجموعات الضعيفة في المجتمع)[viii].

مشكلة تمكين المر أه

أكد تقرير التنميةالبشرية لعام 2000 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن النساء يشغلن ما نسبته 3،5% من جميع المقاعد البرلمانية في البلدان العربية مقابل 4،2% في شرق آسيا (دون الصين) و 8،4% في أفريقيا و 12،7% في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي و 12،9% في بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي و 21،2% في الصين وشرق آسيا وهذا يبين بشكل لا يحتمل الشك تدنياً واضحاً في مشاركة المرأة العربية في المساهمة في التنمية السياسية والاجتماعية، على الرغم من أنها تشكل نصف المجتمع، ولا تتنافى مشاركتها مع قيم ومبادئ المجتمع، فقد كانت السيدة عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، من أكبر المشاركات رضي الله عنها في رواية الحديث ونقله للمسلمين، عن الرسول صلى الله عليه وسلم ،وهنالك مشاركات لنساء عربيات ومسلمات عبر التاريخ الإسلامي (لا يتسع المجال للحديث عنها) شاركن في التنمية المجتمعية والسياسية والاقتصادية[ix].
وقد أكد القريوتي في بحثه الميداني أهمية مشاركة المرأة وتوفير فرص أكبر لمشاركتها في الوظائف القيادية، حيث إنه لم يجد علاقة بين الجنس وبين التمكين، أي لا يوجد ما يعيق مشاركة المرأة واختلاف قدراتها في المشاركة والتمكين عن الرجل. ويؤكد انه ليس هناك أساس علمي أو أخلاقي لاستمرار تحجيم المرأة ومنعها من تقلد مناصب قيادية أو إدارية أو على الأقل حرمانها من المشاركة في حرية التصرف والمشاركة في الرأي واتخاذ القرار.
وفي عدد من البلدان العربية تعاني النساء أيضاً من عدم المساواة في حقوقهن الوطنية وفي الحقوق القانونية. وفي بعض البلدان العربية التي يوجد فيها مجالس وطنية منتخبة ما زالت المرأة تُحرم من الحق في الترشيح والانتخاب. وما زالت واحدة من كل امرأتين عربيتين لا تعرف القراءة أو الكتابة، فيعاني المجتمع بأكمله من تجميد نصف طاقاته المنتجة.

نقص المعرفـة

التحدي الثالث، بعد تحديات نقص الحرية، والتحديات التي تواجه المرأة، تأتي مشكلة نقص المعرفة ضمن تلك التحديات الخطيرة في وجه التنمية البشرية وتحرير الإنسان العربي من القيود والحدود. تحدٍ خطير آخر تواجهه البلاد العربية، وهي فجوة المعرفة التي تستلزم وضع استراتيجيات سليمة لتحقيق التكامل بين استيعاب المعرفة واكتسابها ونشرها. كما يلزم إيجاد صلات واضحة تربط المبدعين والباحثين ومحللي السياسات مع المنتجين أو صانعي القرارات
وعلى الرغم من أن العالم العربي ينفق على التعليم نسبة من الناتج المحلي الإجمالي أعلى مما تنفقه أي منطقة أخرى في العالم النامي، وارتفاع الأنفاق على التعليم بنسبة 50% بين عامي 1980 ـ 1995، ظلت هناك أمور يتعين الاهتمام بها. فمن أهم القضايا في التعليم، النوعية والكيفية، التي تتطلب من أصحاب القرار في العالم العربي وضعها ضمن أهم الأوليات ذات العلاقة في البرامج التنموية. وتجدر الإشارة إلى دراسة شملت 132 بلدا خلصت إلى إن رأس المال البشري والاجتماعي يساهم بما لا يقل عن 64% من أداء النمو، أما رأس المال المادي ـ آلات ومبان وبنى أساسية ـ فنسبته 16%، في حين يساهم رأس المال الطبيعي بالنسبة المتبقية أي في حدود [x] %20

البحث والتطوير في أرقام

لقد اتسعت الفجوة بين البلدان العربية والعالم المتقدم، وازدادت هجرة العقول العربية إلى الخارج، مما يتطلب ضرورة الاهتمام بالعقول العربية المهاجرة والنظر في أسباب وجودها ونجاحها بالخارج، وتوفير الإمكانيات اللازمة لاستقطاب هذه العقول حتى تتمكن الدول العربية من اللحاق بركب التقدم والتنمية والرفاه، لشعوبها.
أما في مجال الإنفاق على البحث العلمي، فما تزال نسبة الإنفاق تشكل مؤشراً جلياً على أن البحث العلمي لا يشكل الأولوية التي يشكلها البحث العلمي في الدول المتقدمة والدول الصناعية، من الاهتمام والرعاية.
فمثلا، تنفق دولة الإمارات على البحث العلمي: 0،6% والكويت: 0.2% والأردن: 0.3% وتونس: 0.3% وسورية: 0.2% ومصر: 0.2% وإذا نظرنا إلى بعض الدول المتقدمة نجد فارقاً واضحا عن الدول العربية في مجال الإنفاق على البحث العلمي
فتقرير التنمية البشرية لعام 2003 [xi]  يشير إلى أن الدول المتطورة تنفق 4.2% من ناتجها القومي الإجمالي على البحث العلمي، وتنفق دولة إسرائيل 3.0% من ناتجها القومي الإجمالي على البحث العلمي. ولكن بالمقابل تنفق الدول العربية 0.2% من الناتج القومي الإجمالي على البحوث العلمية. كما تبين الدراسات أنّ مساهمة العالم العربي في المعرفة أقل بنسبة 40% مما تساهم به دولة إسرائيل في إنتاج المعرفة والمشاركة بها[xii].
وتنفق الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي، فقط ما قيمته 0.15% من الناتج المحلي فيما يصل المعدل العالمي إلى 1.4%. وتذكر تقارير التنمية البشرية أن المسلمين يشكلون 20% من سكان العالم ، ومع ذلك، فنسبة العلماء من المسلمين لا تتجاوز 1%.
ومن المؤسف حقاً عدم وصول أي جامعة من جامعات الدول العربية ضمن تصنيف جامعة Tong "لأعلى 500 جامعة في العالم" فيما أوصلت إسرائيل 7 من جامعاتها أو معاهدها ضمن ذلك التصنيف ولم تقم بهذا التصنيف دولة متحيزة فقد قامت به جامعة تونق في شانجهاي في الصين[xiii]
إن حوالي واحد من كل أربعة أفراد بالغين في العالم العربي لا يمكنهم القراءة والكتابة، والمرأه هي من أكبر المتضررين في هذا الموضوع، حيث أنّ 50% من النساء في العالم العربي، هنّ أُميات. وخلال القرن العشرون أقل من 10،000 كتاب تمت ترجمتها إلى العربية. وأقل من 6% من العرب يستخدمون الإنترنت وأقل من 1.2% لديهم قدرة على استخدام الكمبيوتر. أما هجرة العقول فهي الأسوأ، حيث أنّ حوالي 25% من الخريجين الجدد في الهندسة والعلوم والطب يهاجرون بلادهم العربية في كل عام. ويستطرد تقرير التنمية لعام 2003 مبيناً: يحتاج المواطن العربي بالمعدل إلى 140 عاماً لكي يتمكن من مضاعفة دخله أو دخلها، وهذا الرقم قد يصل في دول أخرى إلى أقل من 10 أعوام لفعل الشيء ذاته. وواحد بين 5 من العرب يعيشون على أقل من دولارين في اليوم
واليوم، أوروبا تمتلك 10 أضعاف رقم الكتب لكل نسمة مقارنة مع الشرق الأوسط، وعدد الكتب التي ترجمت إلى العربية خلال ألف عام مضت تساوي تقريبا عدد الكتب التي ترجمت إلى اللغة الأسبانية في عام واحد.

المسؤولية في تردي مستويات التنمية البشرية في العالم العربي

إن استراتيجية البحث العلمي في العالم العربي غير واضحة أو محددة، فليس صحيحاً تحميل الجامعات وبعض المراكز البحثية مسؤولية إخفاق البحث العلمي وضآلة النتاج العلمي بشكل عام، فالإبداع العلمي هو حصيلة النشاط المؤسسي في بيئة علمية صحيحة، وهذه البيئة لا تنحصر في الجامعة أو مراكز البحث فحسب، بل تشمل النظام الثقافي والمعرفي الاجتماعي بشكل عام. ومعوقات التنمية في المجتمع العربي عديدة ، ومن أهم هذه المعوقات: عدم وجود استراتيجية تنمية بشرية متكاملة. ومحور التنمية يجب ألا يعني فقط النمو في معدلات الناتج المحلي الإجمالي أو التوازن الكافي في ميزان المدفوعات فحسب، ولكن يجب أن يعني أيضاً القضاء على الفقر والبؤس وامتهان الكرامة المقترن بذلك، وينبغي أن تتاح للجميع فرص العمالة، وان يكون للجميع نصيب في عائدات الرخاء الاقتصادي. والعقبات الرئيسية للتنمية البشرية، تتمثل في الفساد الإداري وضيق الهامش الديموقراطي فبالإضافة إلى التكاليف والخسائر المادية الكبيرة الناجمة عن الفساد وتعطيل فرص التنمية الاقتصادية، فإن الفساد يقتل روح المبادرة والتنافس العلمي الشريف ويحبط رغبة الإفراد في الترقي وفي تحصيل العلم والمعرفة، وهو في الوقت نفسه يشوه قيم الثقافة الوطنية المجتمعية، ويولد بالتالي أفراداً ضعفاء، لا منتمين، وغير قادرين على النهوض بأعباء المشروع التنموي والثقافي، وهم غير قادرين في نفس الوقت على مواجهة التحدي الذي تفرضه العولمة الجارية وتحديات بناء القدرات الذاتية[xiv].
لا شيء يعبر عن هذا المفهوم أكثر من الجملة التي وردت في النص الإنكليزي لتقرير التنمية البشرية واصفاً العالم العربي بأن: "غناه يفوق مستوى تطوره" ) (Richer than it is Developed، خلافا للحال في التطور والتنمية في كل أنحاء العالم. لكن عن أي غنى نتحدث؟ الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية مجتمعة عام 1999 بما فيها بلدان النفط كان531  مليار دولاراً أميريكياً، أقل من 595 مليارا دولار لإسبانيا، ؟! 

مواضيع ذات صلة 
 

وضع العرب في تقرير التنمية البشرية
أعلام التنمية البشرية العرب
اقع التنمية البشرية في الدول العربية من خالل مؤشرات عالمية
قضايا التنمية البشرية بالعالم العربي
واقع التنمية البشرية في الوطن العربي
التنمية البشرية في العالم العربي
تقرير التنمية البشرية 2014
تقرير التنمية البشرية 2016
ترتيب الدول حسب مؤشر التنمية البشرية 2015
تقرير التنمية البشرية 2015
مفهوم التنمية البشرية
التنمية البشرية
التنمية البشرية وتطوير الذات
قصص تنمية بشرية



مصادر وهوامش الفصل
[i] Ali, A. (1989), A Comparative Study of Managerial Beliefs about Work in the Arab States, Advances in International Comparative management, 4, 95-112.
[ii] الطعامنة, محمد. الحكومة الإلكترونية: مدخل معاصر لتحديث وتطوير الإدارة العامة في الأردن، المؤتمر العلمي الأول للإدارة العامة، جامعة مؤتة، الكرك، الأردن، 20-22 نيسان ،2004. و الطعامنة، محمد. وطارق شريف، الحكومة الإلكترونية وتطبيقاتها في الوطن العربي، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة، 2004، ص ص 149-150.
[iii] القريوتي، محمد ، آراء المديرين من مستوى الإدارة الوسطى في الأردن بشأن العوامل المعززة للشعور بالتمكن: دراسة ميدانية، 2004، أبحاث اليرموك. ص 1607-1636
[iv] الكايد، زهير. (2003) الحكمانية Governance : قضايا وتطبيقات، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة.
[v]  برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002، المكتب الإقليمي للدول العربية، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية، عام 2002، ص 104-106.
[v] UNDP, Human Development report 2000, Oxford University Press, N.Y., U.S.A.


[vii] من تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية التي تقدم أرقاما ومعدلات سنوية للتنمية البشرية، وهي متاحة من خلال الشبكة العالمية، الإنترنت.
[viii] التميمي ، علاء (2002)، في محاضرة في المنتدى الثقافي، أبو ظبي، 21 ، أكتوبر
[ix] UNDP, Human Development report, Op cit.
[x] التميمي، علاء (2002)، مرجع سابق.
[xi] Arab Human Development Report (2003) issued by the United Nations Development Program
[xii] Arab Human Report, Op cit.
[xiii] Reported by the institute of Higher Education, Shanghai Jiao Tong University in China.
[xiv] عن محاضرة للدكتور علاء محمود التميمي(2002)، مرجع سابق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق