الخميس، 13 أبريل 2017

العوامل الاقتصادية التي تعيق النمو في الجمهورية اليمنية

العوامل الاقتصادية التي تعيق النمو في الجمهورية اليمنية

ينظر بعض المهتمين بالشأن الاقتصادي إلى النمو على أنه حل المشكلة الاقتصادية الرئيسية، المتمثلة في الندرة النسبية للسلع والخدمات المطلوبة لسد حاجات الإنسان المتجددة. ليصبح مفهوم النمو الاقتصادي هو الزيادة في إنتاج السلع والخدمات، لتكفي الحاجات الكلية في المجتمع وتفيض عنها، لتحقيق مستوى أعلى من الرفاهية، ويطلق اصطلاح النمو الاقتصادي على مدى تحقيق بلد ما لنمو دخلها ونصيب الفرد من الدخل ، بحيث يكون ذلك مصحوباً بتغيرات جذرية في هيكلها الاقتصادي .. هذه التغيرات تشمل تزايد أهمية النشاط الصناعي بالمقارنة مع النشاط الزراعي، وهجرة العمال من المناطق الريفية المختلفة إلى المناطق الحضرية الصناعية، وتناقص الاعتماد على واردات السلع الاستهلاكية الأكثر تقدماً والسلع الإنتاجية، وكذلك تناقص نسبة الحاصلات الزراعية والمواد الأولية ضمن صادراتها، وأخيراً تناقص الاعتماد على المساعدات الأجنبية لتمويل الاستثمارات، وبذلك يصبح لدى الدولة النامية القدرة على أن تولد نموها بنفسها ويقترن بهذه التغيرات الاقتصادية تغيرات أخرى اجتماعية وسياسية مثل تزايد الوعي لمصلحة المجتمع في مجموعه، وإصلاح نظام ملكية الأراضي الزراعية واستغلالها وتقدم التعليم وخاصة في النواحي المنهجية والعلمية .. إلخ وواضح أن الهدف الأساسي لعملية النمو الاقتصادي هو رفع مستوى المعيشة وتحقيق الرفاهية العامة للمجتمع في مجموعه* كما أشرنا سابقاً فالنمو المتواصل في الطاقة الإنتاجية للمجتمع تؤدي إلى نمو الدخل القومي، كما أن هناك اتفاق على أن معدل النمو يتوقف على عوامل كثيرة منها معدل نمو القوة العاملة ومعدل التقدم التكنولوجي متضمناً التقدم في مهارة القوة العاملة والكفاية التنظيمية.
لقد بقيت النظريات المعنية بالنمو الاقتصادي حتى اليوم تتميز بالتجريد (Abstraction) والشكلية، حيث أعطت الاهتمام الكبير لدراسة الخصائص الرياضية لنماذج النمو التي تقدمها دون الاهتمام بارتباطها بالواقع التجريبي، ومن أمثلة هذه النماذج نموذج (هاردر ودومار).
أن الاهتمام العام بالنمو الاقتصادي ينبع من أن ارتفاع معدل النمو يرتبط بارتفاع مستوى الرفاهية في المجتمع، إذا بقيت العوامل الأخرى ثابتة، وهناك كثير من التعريفات للنمو الاقتصادي فقد عرفه الاقتصادي " s.kuzenets " في كتابه (النمو والهيكل الاقتصادي) بأنه أساس ظاهرة كمية، وبالتالي يمكن تعريف النمو الاقتصادي لبلد ما بالزيادة المستمرة للسكان والناتج الفردي. في حين عرفه "جون ريفوار" على أنه التحول التدريجي للاقتصاد عن طريق الزيادة في الإنتاج أو الرفاهية ، بحيث تكون الوضعية التي يصل إليها الاقتصاد في اتجاه واحد نحو الزيادة وبصفة أكثر دقة يمكن تعريفه بالزيادة في إجمالي الدخل المحلي للبلد ، مع كل ما يحققه من زيادة في نصيب الفرد من الدخل الحقيقي(1) وهناك خمسة أنواع من النمو أهمها:-
1.          النمو الاقتصادي الموسع: وفيه يكون معدل نمو الدخل يتماشى بنفس معدل نمو السكان.
2.          النمو الاقتصادي المكثف: وفيه يكون معدل نمو الدخل أكبر من معدل نمو السكان وبالتالي يكون دخل الفرد مرتفع بعكس الاقتصاد الموسع الذي يبقي دخل الفرد في حالة ثبات وسكون.
وفي المجتمعات النامية ، أو الأقل نمواً ، من النادر تحقيق فائض في الميزان التجاري  نظراً لكونه جزء من عوامل النمو للزيادة المطردة لمعدلات النمو السكاني وضعف القاعدة الإنتاجية المتمثلة بهشاشة البنى التحتية وضعف التكنولوجيا. ولأن أسعار التقانة المستوردة أعلى بكثير من أسعار السلع المنتجة محلياً، يتم الاكتفاء بما هو متاح من تقانة صناعية قاصرة، في الغالب ، على الصناعات التحويلية التي تلبي بعض احتياجات السوق المحلية، ولأن النمو الاقتصادي يتمثل في زيادة الإنتاج من أجل الرفاهية ورفع مستوى المعيشة عند المواطنين، باعتبار أن مشكلة الندرة النسبية هي محور النظام الاقتصادي، ينصب الاهتمام الحكومي على معالجة معوقات النمو، وتترك مسألة توزيع الثروة، أو توزيع الدخل القومي، لقانون العرض والطلب في ظل التوجهات الاقتصادية الليبرالية، إلا أن المتغيرات الاقتصادية توضح بشكل كبير تحديد مسار النمو الاقتصادي لارتباطها المباشر بهذه العملية وارتباطها الوثيق بعملية التنمية في مختلف البنى الاجتماعية.
أولاً: الاستثمارات المحلية والأجنبية
ومن غير الخفي أن ارتفاع معدلات النمو في قطاع الصناعة وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي تعكس مدى عمق عملية التحديث والتنمية ومدى اتساع فرص التحسن لمعدلات النمو الاقتصادي ولذلك تلعب الاستثمارات المحلية والأجنبية دوراً حاسماً وانطلاقاً من هذه الحقيقة .فقد حرص المشرع اليمني على إصدار القوانين التي تستهدف ترويج وتنظيم استثمار رؤوس الأموال اليمنية والعربية والأجنبية في كافة القطاعات الاقتصادية في البلاد ، باستثناء استخراج النفط والغاز والمعادن ، وقد نتج عن انفتاح السوق اليمنية أمام تدفق السلع والمنتجات الأجنبية إلى تحقيق الأرباح الوفيرة التي ينشدها التجار، وفي المقابل ترتب على هذه الإجراءات، هروب رأس المال المحلي من الأنشطة الإنتاجية إلى الأنشطة التجارية، بعد أن صار هذا القطاع مدراراً للأرباح أكثر من غيره بفضل سياسة تحرير التجارة وإلغاء قيود العملة ، وعلى الرغم من أن سياسات الحكومة تتجه نحو توفير التسهيلات والامتيازات والحوافز اللازمة لجذب الاستثمارات الأجنبية والتي تضمنها قانون الاستثمار وتعديلاته المتتالية، إلا أن حجم الاستثمار الأجنبي في القطاعات الإنتاجية يظل محدوداً ومتواضعاً (فعند مراجعة أداء قطاع الصناعات التحويلية يتضح أن أداء هذا القطاع يتسم بالثبات ، بل والتراجع سنة بعد أخرى، الأمر الذي يحتم المراجعة لمستويات أدائه)(2) .
ومن العوامل التي تعمل على تراجع دور هذا القطاع، بل وأهم سبب في ذلك يرجع إلى:-
-   عدم تطبيق قانون الاستثمار في الواقع العملي مما يجعل معظم الحوافز التي تضمنها القانون حبراً على ورق.
-   عملية التشويه في تحرير القطاع العام من هيمنة الدولة ، وتدخل أصحاب النفوذ السياسي في تبني المشاريع الاستثمارية ، بما يقلل من فرص الاستثمار الأهلي ، ففي ظل استمرار الفساد وتغلغل السياسة في عمل القطاع الخاص يتوقف النجاح أو الفشل على مدى القرب أو البعد عن السلطة بما يحد من دور رأس المال الوطني والأجنبي، ويفسح المجال أمام بروز شريحة طفيلية تستغل مواقعها السياسية ، بما يعيق إمكانية التنافس الخلاق والمتكافئ لتحقيق النمو الاقتصادي الرشيد. ففي أحدث تقرير حول مدى حماية المستثمرين في دول العالم المختلفة (حصلت اليمن على المرتبة 144 في تقرير 2006م ثم تراجعت إلى المرتبة 118 في تقرير عام 2007م) ومن أهم المؤشرات التي تم الاعتماد عليها في هذا التصنيف :-
-   تدني عدد الشركات المساهمة في اليمن فمعظم الشركات تتسم بالطابع العائلي.
-   عدم إنشاء سوق الأوراق المالية.
-   عدم تطبيق مبادئ ومعايير حوكمة الشركات.
-   عدم وجود أنظمة وآليات لتطبيق معايير حوكمة الشركات)(3) ولن يتسنى للاقتصاد اليمني تجاوز هذه العوائق إلا من خلال
               ‌أ-   تدعيم العمل المؤسسي وتعميق الالتزام بالقانون.
            ‌ب- تحييد المناصب العامة وجعل السياسة في خدمة الاقتصاد لا الاقتصاد في خدمة السياسة.
             ‌ج- تفعيل قانون الذمة المالية.
تهيئة المناخات اللازمة لتحرير الاقتصاد نظرياً وعملياً.
ثانياً: تحويلات المغتربين
صنفت اليمن بحسب تقرير دولي ضمن العشرة الدول الأولى المتلقية للتحويلات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إذ تشير نتائج التعداد العام للسكان والمساكن في اليمن، والذي جرى في نهاية العام 2004م (بأن عدد المهاجرين والعاملين اليمنيين في الخارج بلغ حوالي 1.8 مليون مهاجر، تراوحت تحويلاتهم خلال الفترة 1995م – 2005م ما بين واحد مليار دولار و 1.3 مليار دولار سنوياً) في حين بلغت التحويلات خلال العام 2008م واحد مليار و 420 مليون دولار وتراوحت (مساهمة هذه التحويلات في الناتج المحلي الإجمالي لليمن بين 6 – 7 بالمائة، الأمر الذي يوجب على الحكومة الاهتمام بهذا المورد الاقتصادي الهام من خلال تفعيل أداء وزارة شئون المغتربين لمتابعة ومعالجة أوضاع المغتربين في بلدان المهجر والعمل على استقطاب استثماراتهم  إلى اليمن)(4) ، حيث أن حجم استثماراتهم خارج اليمن تصل إلى أكثر من 33 مليار دولار بحسب الإحصاءات الصادرة عن الغرفة التجارية والصناعية في أمانة العاصمة، وعلى الرغم مما تتسم به تحويلات المغتربين من طابع شبه ريعي ، لا يعبر عن تطور قطاعات إنتاجية حديثة ، تضمن استمرار تقدم النمو، لأنها تظل مرهونة بطبيعة السياسة الخارجية ومرهونة بطبيعة المتغيرات الدولية، إلا أن مساهمتها ذات صلة وثيقة بتعزيز جهود التنمية الاجتماعية ، من خلال تحسين المستويات المعيشية لعوائل المغتربين، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاستثمار (إضافة إلى أنها شكلت وتشكل مصدراً هاماً من مصادر النقد الأجنبي ومصدراً لتمويل خطط التنمية في اليمن، كما ساعدت وتساعد في دعم ميزان المدفوعات، حيث ساهمت في بعض السنوات في تحويل العجز في ميزان المدفوعات إلى فائض)(5) مع الاعتراف بأن اعتماد الاقتصاد الوطني، في جزء منه، على مثل هذه المصادر يجعله عرضة للتقلبات وفقاً للمتغيرات الدولية ويجعله رهناً بمدى تحسن العلاقة أو تأزمها بين اليمن ودول المهجر، كما أن هجرة هذا العدد الكبير من المهاجرين والعمال اليمنيين، تفصح عن عجز الاقتصاد الوطني عن جذب رؤوس الأموال المهاجرة للعودة من أجل الاستثمار داخل الوطن، وفي نفس الوقت تعمل الهجرة على إفقار سوق العمل الوطنية من أكثر الأيدي العاملة مهارةً وتدريباً وقدرةً على العطاء.


ثالثاً: دور القطاع الخاص
إن أهمية أي قطاع من القطاعات الاقتصادية لا تتوقف على مدى اتساعه أو على حجم العمالة المنتسبة إليه بقدر ما تتوقف على مدى مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.
وفي الجمهورية اليمنية (شهد الاستثمار في القطاع الخاص زيادة متواضعة خلال السنوات الماضية)ومع أنه لا يزال(يستحوذ على 95% من المنشآت الصناعية العاملة) إلا أن هذه النسبة لا تعكس تنامي دور القطاع الخاص في المجال الصناعي بقدر ما ترتبط بضعف الإقبال على الاستثمار في القطاعات الصناعية من جهة ، وتراجع دور الدولة عن الاستثمار في الصناعات غير النفطية، بما يتوافق مع اتجاهها نحو تحرير الاقتصاد وانتهاج طريق الخصخصة من جهة ثانية.
(ويسهم القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي بحوالي 99% من ناتج القطاع الزراعي) إلا أن غلبة الأساليب التقليدية على الزراعة وتواضع إسهاماتها في الناتج المحلي الإجمالي تقلل من أهميتها ، وعلى الرغم من دورها في التوظيف والتشغيل للجزء الأكبر من الأيدي العاملة، (والذي يصل إلى حوالي 81% من إجمالي القوى العاملة، مقابل 19% للقطاع الحكومي والعام )(6) إلا أن ذلك لا يعني، بأي حال من الأحوال، محورية دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني (فالعلاقة بين القطاعين العام والخاص ، في ظل الأوضاع الحالية ، هي علاقة تبعية ، إلى حد كبير، حيث يعتمد النشاط في القطاع الخاص على مستوى النشاط الاقتصادي في القطاع العام وخطط الإنفاق العام بالميزانية العامة، مما يعيق تنمية دور القطاع الخاص في ظل تركز الإنفاق الاستثماري بيد القطاع الحكومي)(7) إضافة إلى ما تتسم به شركات القطاع الخاص العاملة من طابع عائلي ، يحد من إمكانية الشروع بإنشاء سوق الأوراق المالية. 



العوامل الاقتصادية التي تعيق النمو في الجمهورية اليمنية
الاقتصاد اليمني 2016
الوضع الاقتصادي في اليمن 2015
اخبار الاقتصاد اليمني
تدهور الاقتصاد اليمني
اليمن الاقتصادي
ثروات اليمن الطبيعية
الاقتصاد اليمني الى اين
عدد موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين في اليمن



* * في تفصيل ذلك أنظر مراحل النمو الاقتصادي للدكتور عبد العزيز فهمي هيكل ،السعة الاقتصادية،دار النهضة ،بيروت ،ص275
(1)  الانترنت: موقع منتدى طلبة جامعة بسكرة.
(2) النشرة الفصلية للمستجدات الاقتصادية . مصدر سابق.ص13,14
(3) التقرير الاقتصادي النصف سنوي .مصدر سابق.ص81
(4) الانترنت :موقع نبأ نيوز ، بقلم :رضوان الهمداني، السبت – 1أغسطس 2009م.
(5) التقرير الاقتصادي النصف سنوي. الصادر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي . العدد الأول .فبراير 2007م.ص47
(6) النشرة الفصلية للمستجدات الاقتصادية. الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي ، السنة الرابعة ، العدد 12،13 ، سبتمبر 2006م،.ص49
(7) ) خالد العديني . التحديات الاقتصادية (ورقة عمل غير منشورة) ندوة التحديات الاستراتيجية التي ستواجه اليمن خلال الفترة الرئاسية القادمة.منتدى التنمية السياسية. بالتعاون مع مؤسسة فردرتش الألمانية .مكتب اليمن.صنعاء 3-4 سبتمبر 2006م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق