الجمعة، 14 أبريل، 2017

سيميوطيقــــا الـــــذات

سيميوطيقــــا الـــــذات

لقد انتعشت السيميوطيقا الكلاسيكية ذات الطابع الموضوعي في سنوات الستين والسبعين من القرن العشرين مع كريماص (Greimas) وجوزيف كورتيس(J. Courtès) وجماعة أنتروفيرن(Entrevernes)، فقد كان هدفها الأساس هو تحليل النص أو الخطاب بحثا عن البنى العميقة الثاوية، واستجلاء تجلياتها السطحية والظاهرة عبر المسارين: السردي والتوليدي، اعتمادا على المربع السيميائي، والمرور ببعض المكونات المتضافرة، مثل: المكون التركيبي، والمكون الخطابي، والمكون الدلالي، إلا أن السيميوطيقا المعاصرة، منذ سنوات الثمانين من القرن نفسه، قد انفتحت على الذات والمرجع والانفعالات والجسد والتوتر  والتأويل ، فظهرت السيميوطيقا الذاتية مع جان كلود كوكي (Jean Claude Coquet)، و سيميوطيقا الأهواء مع جاك فونتاني (Fontanille) وكريماص(Greimas)، وسيميوطيقا التوتر مع جاك فونتاني(Fontanille)  وزلبربيرج (Zilberberg)...
وما يهمنا في هذه الدراسة هو التعريف بالسيميوطيقا الذاتية التي نشأت في أحضان مدرسة باريس مع جان كلود كوكي لدراسة البنى السيميوطيقية و الظاهراتية التي تتحكم في الذات المتلفظة والإدراكية دالا ومدلولا، بعد أن كان تحليل الذات مقصيا في مجال السيميوطيقا الموضوعية، وكانت الأشياء أو مواضيع القيمة هي التي تشكل مضامين هذه السيميوطيقا .إذاً، ما السيميوطيقا الذاتية؟ وما سياقها التاريخي؟ وما مرتكزاتها النظرية؟ وما تصوراتها المنهجية؟ هذا ما سوف نتناوله في هذه المباحث التالية.

المبحث الأول: مفهــــوم سيميوطيقـــا الـــذات

من المعلوم أن ثمة نوعين  كبيرين من السيميوطيقا في الحقل الثقافي النقدي الغربي: سيميوطيقا موضوعية وسيميوطيقا ذاتية، فالسيميوطيقا الأولى تدرس الذات في علاقتها بالأشياء أو مواضيع ذات القيمة بالتركيز على الفعل أو العمل. لذا، تسمى هذه المقاربة بسيميوطيقا الأشياء أو سيميوطيقا الفعل أو العمل أو السيميوطيقا الموضوعية، مادام موضوعها هو دراسة الأشياء في عالمها الموضوعي المدرك. ومن ثم، فقد كانت الذات مستبعدة بنيويا في السيميوطيقا الكلاسيكية لصعوبة رصدها بشكل علمي دقيق ، والتحكم فيها منهجيا ؛  نظرا لانتمائها إلى الجسد وحقل الأهواء والانفعالات والمشاعر والوجدان والحساسية. وبطبيعة الحال، هذا لا يمكن إخضاعه لما هو علمي ولساني. بيد أن مدرسة باريس - منذ سنوات الثمانين من القرن الماضي- اهتمت بالذات المتلفظة والإدراكية ضمن سيميوطيقا جديدة، تسمى بالسيميوطيقا الذاتية التي ارتبطت كل الارتباط بجان كلود كوكي(Jean-Claude Coquet)[1].
هذا، وتهدف هذه السيميوطيقا إلى دراسة الذات الحاضرة في علاقتها بالذات الغائبة أو شبة الذات، في ضوء رؤية ظاهراتية ولسانية. والهدف من ذلك كله هو استجلاء القوانين السيميوطيقية التي تتحكم في الذات على مستوى التلفظ والإدراك، وتبيان علاقة هذه الذات بعالم الأشياء على مستوى الإدراك  مضمونا وتعبيرا. ويعني هذا أن السيميوطيقا الذاتية  نظرية تعنى بالإجراءات التلفظية والإدراكية التي تتحكم في الذات عبر مسارها الخطابي.

المبحث الثاني: السيــــاق التاريخــــي

يعد جان كلود كوكي (Jean-Claude Coquet) من مؤسسي مدرسة باريس السيميوطيقية منذ سنة 1965م، وقد أرسى دعائم سيميوطيقا جديدة تعنى بدراسة الذات نظرية وتطبيقا ، تلك الذات التي أقصيت  في السيميوطيقا الموضوعية مع صاحبها ألغريداس جوليان غريماص(A.-J. Greimas.). وقد بلور جان كلود كوكي نظريته في سيميوطيقا الذات عبر التحليل السيميوطيقي لمجموعة من النصوص الأدبية لكبار كتاب فرنسا، مثل: أبولينير(Apollinaire)، وكامو(Camus)، وكلوديل(Claudel)، ودورا(Duras)، وجيونو(Giono)، ولافونتين(La Fontaine)، وبروست(Proust)، وريمبو(Rimbaud)، وفاليري(Valéry)...[2]
ويمكن القول :إن سيميوطيقا الذات هي في الحقيقة نتاج ما بعد الحداثة التي جاءت بمثابة رد فعل على البنيوية السانكرونية التي كانت منشغلة بتحليل البنية السردية الثابتة فقط، دون الانفتاح على الذات والمرجع والتأويل. وقد جاءت السيميوطيقا الذاتية، في سنوات الثمانين من القرن العشرين، لتهتم بالجسد والذات والحساسية والحضور والهوية والإدراك والأهواء والمشاعر ، فضلا عن تبيان دور الإدراك في بناء المعنى أو الدلالة، ودراسة حالات الروح الوجدانية . و يعود هذا الاهتمام إلى تأثر جان كلود كوكي بلسانيات التلفظ عند إميل بنيفنست (Émile Benveniste)[3]، وتمثله لظاهراتية موريس ميرلوبونتي(Maurice Merleau-Ponty ) [4]. وقد ساهمت أفكار بنيفنست اللسانية في الانتقال من سيميائية كلاسيكية سردية خطابية موضوعية إلى سيميائية الحضور  أو السيميوطيقا المعاصرة. ويعني هذا إذا كانت الذات عند بنيفنست لها دور أساسي في عملية التلفظ، فهناك ذات إدراكية أخرى تقوم بعمليتي الإدراك والحساسية.
إذاً، هناك مصدران معرفيان أساسيان يتحكمان في نظرية جان كلود كوكي هما: الفلسفة واللسانيات. وقد تأثر أيضا بأفكار كل من: بول ريكور(Paul Ricoeur) وهوسرل (Husserl) بصفة خاصة، وأفكار الظاهراتيين  أو الفينومينولوجيين بصفة عامة. [5]
إذاً، ينحصر التجديد السيميوطيقي عند جان كلود كوكي في ما هو تلفظي وظاهراتي. وفي هذا السياق، يرى  لويس بانيي (Louis Panier ) أن" مشكل التلفظ هو الذي أدى إلى الاهتمام بالخطاب الإنجازي، وطرح سؤال الحساسية الذي استلزم استحضار مشاكل الظاهراتية."[6]
ويعني هذا أن نظرية السيميوطيقا الذاتية تنبني على مقومين رئيسيين هما: التلفظ والإدراك. ومن ثم، يقول التركي نيدرت أوزطوكا(Nedret Öztokat): إن الموضوع الحقيقي للسيميوطيقا المعاصرة  هو تأكيد الأولوية للذات، إذ ركزت الأبحاث السيميوطيقية الأخيرة جهودها على تبيان خصائص الخطاب على المستوى الحسي والانفعالي والتعبيري لمعرفة العلاقة الموجودة بين الذات وتمثيل العالم عبر واسطة الجسد[7].
وعلى العموم، تتداخل السيميوطيقا الذاتية لدى جان كلود كوكي مع اتجاهات سيمويطيقية أخرى، مثل:  سيميوطيقا الخطاب، وسيميوطيقا الجسد، وسيميوطيقا الأهواء، وسيميوطيقا التوتر...


المبحث الثالث: التصـــور النظــــري

يعد جان كلود كوكي من أهم السيميوطيقيين الفرنسيين الذين أعادوا الاعتبار للذات وحضورها الجسدي، في كتابه (الخطاب وذاته) الذي نشره سنة 1984م[8] . ومن ثم، فقد رفض توجهات الشكلانية والمحايثة البنيوية، واهتم بأفكار الظاهراتيين الذين ربطوا الذات بالموضوع أو بعالم الأشياء كما عند بروندال (Bröndal)، ورومان جاكبسون(Jakobson) وتروبتسكوي(Troubetzkoy). ومن ثم، يترجم حضور الذات والجسد والجلد ، عبر ضمير المتكلم، تجربتنا الخاصة في العالم الذي نتفاعل فيه مع الأشياء أو الظواهر المدركة. وقد سبق هوسرل إميل بنفينست إلى تعميق مجموعة من  مفاهيم الذات، مثل: الوضع، والحركة، ومركز التلفظ، وحضور الشخص...

المطلب الأول: ثنائية الإخبــــار والتوكيـــد

ذهب جان كلود كوكي، في كتابه الموسوم (الخطاب وذاته )[9]، إلى أن الذات لها حضور مزدوج: حضور لساني لغوي تلفظي شكلي يعبر عنه ضمير المتكلم(أنا)، وحضور واقعي يحيل على الذات في تواجدها الحسي والإنساني. وفي هذا السياق، يتحدث جان كلود كوكي عن اللغة والواقعية. بمعنى أن الذات تلبس رداءين: رداء اللغة الشكلية ورداء الشخص الواقعي. ويثبت أيضا أن الذات العاملة تقوم بوظيفتي الإخبار والتوكيد.أي: إن الذات العاملة قادرة على الحكم  والتقويم، وإبداع مسارها التلفظي والحضوري.
هذا، وينطلق جان كلود كوكي من نظرية تانيير (L.Tesnière) النحوية حول العامل الذات، فيميز بين العامل الأول (الذات الحاضرة أو الغائبة) ، والعامل الثاني (الموضوع) ، والعامل الثالث (المستقبل).
ويعني هذا أن جان كلود كوكي يركز على بنية عاملية ذات علاقة ثلاثية، العامل الأول يحيل على  الذات الحاضرة ، ويسمى بعامل الحكم والتقويم، أو يحيل على  الذات الغائبة التي تسمى بالعامل الوظيفي أو العامل الهووي؛ والعامل الثاني يتعلق بالموضوع ؛ والعامل الثالث يتحدد بالسلطة والقدرة،  وهو قريب من مفهوم المستقبل. علاوة على ذلك، فالذات الغائبة هي محور التحليل الاستهوائي. ومن هنا، يقابل جان كلود كوكي بين عامل التقويم (الذات الحاضرة) وعامل الهوى (الذات الغائبة). ومن ثم، يقترح تحليل الذات الغائبة في ضوء البعد الهووي. و يرى جان كلود كوكي أن دراسة الأهواء عند كريماص قائمة على مقولات تعارضية ، مثل: /العقل/ م/ الهوى/...
وترى دونيس برتراند (Denis Bertrand)، في كتابها(الموجز في السيميوطيقا الأدبية)، أن سيميوطيقا الأهواء تدرس البعد الهووي انطلاقا من سيميوطيقا العمل على المستوى التركيبي[10].. في حين، تدرس السيميوطيقا الذاتية أو سيميوطيقا إلإجراءات حالات الروح أو الذات عبر المحور التداولي. وكلا المقاربتين نابعتان من الفلسفة الإدراكية الظاهراتية.
هذا، وقد حاول جان كلود كوكي ، في كتابه (الخطاب وذاته)، أن يبلور سيميوطيقا الهوية أو الكينونة عند العامل الذات، وهي تتعارض مع الكفاءة الإنجازية في السيميوطيقا الموضوعية. ومن ثم، تنبني هوية الذات العامل على الرغبة والإرادة والمعرفة والقدرة في علاقة تامة مع المواضيع أو الأشياء التي لها قيمة. وقد تكون هذه الهوية كلية أو جزئية، إيجابية أو سلبية، ويتحدد كل ذلك حين تكون الذات قادرة أو عاجزة عن تملك الأشياء وتحصيلها، سواء أكان ذلك على مستوى الاتصال أم على مستوى الانفصال. بمعنى أن الذات ، في السيميوطيقا الذاتية ، ترتبط بموضوع القيمة على مستوى الفعل ( الرغبة في الفعل، وإرادة الفعل، ومعرفة الفعل). في حين، ترتبط الذات بذلك الموضوع على مستوى الكينونة أو الذات ( تريد الذات- تعرف الذات- تقدر الذات...).

المطلب الثاني: التصنيف العامــــلي

تنبني صنافة جان كلود كوكي العاملية على التمييز بين ذاتين أساسيتين: ذات حاضرة وذات غائبة على الشكل التالي:


التصنيـــف العاملــــي

الذات الغائبة خارجة عن الحدث     الذات الحاضرة تعيش الحدث
خبر0  خبر1  خبر2  خبر3  خبر4
جاهلة  قادرة
        عارفة عارفة قادرة
عاجزة قدرة شكلية
آلية    معرفة شكلية
آلية    معرفة
واقعية
حقيقية قدرة
واقعية
حقيقية
إذاً، تنقسم صنافة جان كلود كوكي إلى قسمين: قسم خاص بالذات الحاضرة، وقسم خاص بالذات الغائبة. ومن ثم، فالذات الحاضرة هي ذات تملك هويتها الوجودية لغة وواقعا، تعيش الزمان والمكان بجسدها وجلدها، تتميز بكفاءة المعرفة والقدرة. كما تعد صاحبة الأفعال والحركات، قادرة على الحكم والتقويم، وتفرض هويتها ووجودها وحضورها في الزمان والمكان، وتسترجع ذكرياتها كيفما كانت.
في حين، تتميز الذات الغائبة أنها ذات جسدية صفرية محايدة، تفقد الرغبة، والمعرفة، والقدرة. وهي بعيدة عن الأحداث والوقائع، عاجزة عن الفعل والحركة. فهي بمثابة دمية آلية شكلية مبرمجة ، مثل: الحاكم لوكي لوك (Lucky Luke) وكازانوفا (Casanova) لفيليني (F.Fellini).

المطلب الثالث: من العامل الأول إلى العامل الثالث

تعتمد سيميوطيقا الذات على ثلاثة عوامل رئيسية: عامل الذات المستقل الذي له علاقة تفاعلية مع عامل الموضوع،  وعامل الذات المستقبل الذي له علاقة بالذات الأولى . ومن ثم، يتفاعلان إيجابا أو سلبا حول موضوع القيمة. ويعني هذا أن هناك الذات المرسلة والذات المستقبلة والذات الموضوع، وهي ذات وسيطة تحيل على العالم بأشيائه وأشكاله ووضعه الزماني والمكاني، وتجمع في طياتها بين الذات الأولى و الذات الثانية[11].
ومن جهة أخرى، فقد قدم جان كلود كوكي في مكان آخر صنافة متدرجة من ثلاثة مستويات: الذات الحاضرة، وشبه الذات(Quasi Actant)، والذات الغائبة. ومن هنا، فالذات الحاضرة عبارة عن عامل يمتلك جهتي المعرفة والقدرة، ويتصرف بوعي. أما الذات الغائبة،  فهي بمثابة عامل يفتقد قدرة الحكم والتقويم، ويتصرف عن غير وعي. أما شبه الذات، فهو عامل ينتقل من الوعي إلى اللاوعي، ويتصرف عن غير وعي، لكنه يسترجع وعيه بسرعة حين يعي حركاته. بيد أن نظام العوامل غير ثابت، بل يتحرك ويتغير بشكل جزئي داخل الخطاب بواسطة الجهات الوسيطة كالرغبة، والقدرة، والمعرفة. ويشبه جان كلود كوكي العامل بمكان التقاء الجهات. ومن هنا، فالذات هي عامل الجهة مصحوب بالقدرة، والرغبة، والمعرفة. في حين، تعد الذات الغائبة عبارة عن عامل غير مقيد بتلك الجهات الوسيطة، بل هو عامل بدون جهة، تتحدد هويته بوظيفته الشكلية المبرمجة.

المطلب الرابع: من الخطاب اللفظي إلى الخطاب غير اللفظي

لقد تعامل جان كلود كوكي مع الخطاب اللفظي أثناء تحليله لمجموعة من النصوص الأدبية لكبار كتاب فرنسا ، مثل: أبولينير(Apollinaire)، وكامو(Camus)، وكلوديل(Claudel)، ودورا(Duras)، وجيونو(Giono)، ولافونتين(La Fontaine)، وبروست(Proust,)، وريمبو(Rimbaud)، وفاليري(Valéry)...
وفي الوقت نفسه، فقد تعامل مع الخطاب غير اللفظي باحثا عن الذات. بيد أن السيميوطيقا الذاتية قد استخدمت في المجالات النفسية والمعرفية لرصد مختلف السلوكيات التواصلية غير اللفظية فهما وتفسيرا وتأويلا[12]. فما ينطبق على الذات الأدبية أو اللسانية، يمكن أن ينطبق أيضا - بشكل من الأشكال- على الذات النفسية ، برصد حركاتها وتصرفاتها غير اللفظية. كما أنجزت دراسات كثيرة حول الجسد في حضن مدرسة باريس في علاقته بالموضوع المدرك شعوريا ولاشعوريا. وأجريت كذلك في هذه المدرسة نفسها دراسات حول سيميوطيقا الهوى والانفعال والتوتر ...

المطلب الخامس:  الــــذات المدركــــة
تتكئ السيميوطيقا المعاصرة، في تحليلها للظواهر النصية والخطابية ، على ظاهراتية الإدراك لموريس ميرلوبونتي، بالتركيز على ما تدركه العين ، وما تحصله الذات عبر الحواس. وللإشارة، فلقد استبعدت السيميوطيقا الكلاسيكية ، وخاصة السيميوطيقا الموضوعية مع كريماص، مبدأ الحساسية من الدرس والتحليل الموضوعي، ولم يكن لهذا المبدإ أي اعتبار علمي إلا في سنوات الثمانين من القرن الماضي مع السيميوطيقا الذاتية، وسيميوطيقا الأهواء، وسيميوطيقا التوتر، وسيميويطقا الجسد. وفي هذا السياق،، نسجل أن السيميوطيقا الذاتية هي ظاهراتية المنبع؛ لأنها استفادت كثيرا من تصورات الإدراك لدى موريس ميرلوبونتي الذي درس العلاقة التفاعلية بين الرؤية والحساسية، والتجربة الحسية للجسد والإدراك. وترتكز مقاربته الظاهراتية على فلسفة الحواس الخمس( الرؤية، واللمس، والشم، والذوق، والسمع). فهي بمثابة الطرائق الرئيسية التي تؤدي بالذات إلى إدراك الشيء شكليا أو ماديا، أو تحصيل الموضوع المدرك رؤية وحسا ووجدانا، والتقاطه ذاتيا وموضوعيا. ومن ثم، يرتبط فعل الإدراك ارتباطا قويا بالأشياء والموضوعات عبر الذات الحاضرة أو الجسد الحسي. ويعني هذا أن الظاهراتية تؤمن بجدلية الذات والموضوع عبر الجسد الإدراكي . ومن ثم، يقوم الإدراك بدور مهم في تكوين الصورة  التمثيلية عن العالم أو إغناء عملية التصوير أو التشخيص أو التجسيد.
وينضاف إلى ذلك، أن إدراك الشيء  مرتبط بالتجربة الحسية للذات المدركة، سواء أكانت سمعية أم بصرية أم شمية أم ذوقية أم لمسية.. فالإدراك هو إعادة بناء العالم في كل لحظة، ويتحقق ذلك  بواسطة الحواس التي تلتقط الشيء على طريقتها. ومن المعلوم، أن كل حساسية هي سياقية.أي:  زمانية ومكانية.
وعلى العموم، فالنص أو الخطاب في ضوء الرؤية الظاهراتية عبارة عن تجارب حسية مدركة من قبل الذات التي تعبر عنها بواسطة ملفوظات لغوية،  وتترجم لنا-  بكل جلاء- علاقة الذات بالأشياء المدركة حتى في شكليتها المجردة عن المادة وفق نظرية اللامادية لبيركلي (Berkeley). ويكون التفاعل الذاتي مع الموضوعات وأشياء العالم الخارجي أو الحسي بواسطة الجسد الذي يرتبط  بالشيء، أو ينزوي عنه  اتصالا وانفصالا. وهكذا، يمكن القول: إن الشيء لا يمكن أن ينفصل بتاتا عن الذي يدركه.
وتأسيسا على ما سبق، تنطلق السيميوطيقا الذاتية من تصورات الفلسفة الظاهراتية، وخاصة ظاهراتية الإدراك عند ميرلوبونتي، بالبحث عن دلالات المدرك الحسي، وكيف يتحول العالم المدرك إلى عالم دال؟! وما أحوجنا اليوم إلى دراسة الرحلات السفارية أو السياحية في ضوء سيميوطيقا الذات لمعرفة التجارب الحسية للذات المتلفظة والمدركة في تعاملها مع العالم المحيط ! والهدف من ذلك هو بناء  السيميوزيس الذاتي وتحصيله، وإعادة تركيب دلالاته إن مضمونا وإن تعبيرا.
المبحث الرابع:  التصـــــور المنهجــــي

تستند السيميوطيقا الذاتية إلى دراسة الذات في مختلف أوضاعها الإدراكية والتلفظية والواقعية والسياقية والعامليةن بغية البحث عن آثار الدلالة أو السيميوزيس الذاتي. وتستخدم هذه المقاربة في تحليل النصوص والخطابات ، وتعتمد في مقترحاتها على ما كتبه جان كلود كوكي في كتابيه (الخطاب وذاته) و( البحث عن المعنى). ومن ثم، ترتكز المنهجية على التحليل البنيوي الداخلي للنصوص والخطابات ، دون الاعتماد على المعطيات المرجعية والقرائن الخارجية، مادام الهدف الخاص هو تحليل النظام السيميوطيقي للذات المتلفظة التي تقوم بعدة وظائف، مثل: الإخبار، والتوكيد، والتثبيت، والتقويم، والتحكم في العواطف والمشاعر ، وذلك كله في مقابل الذات الغائبة التي لا تتوفر فيها مزايا الذات الحاضرة. ومن ثم، فهذه المقاربة المنهجية هي بمثابة تفكير حول الذات ونظامها ودراسة الجهات (القدرة-الإرادة- الرغبة- المعرفة) التي تؤهل الذات لتنفيذ برنامجها السردي إنجازا وفعلا وأداء وإدراكا وتلفظا.
ومن هنا، فثمة كتابات إبداعية توظف ذاتا واحدة كما في الكتابات السردية الكلاسكية (البطل أو الشخصية الرئيسية)، أو ذواتا متعددة كما في الكتابات المعاصرة كالرواية الجديدة أو ما بعد الحداثة، وقد تكون الذات حاضرة كما في النصوص ذات المنظور الداخلي، أو تكون غائبة كما في النصوص ذات المنظور الخارجي، أو النصوص ذات المنظور الصفري بمفهوم جيرار جنيت (Gérard Genette)[13].
هذا، وحينما نريد مقاربة النص أو الخطاب الأدبي أو غيره لابد من التوقف عند الذات المتلفظة التي تقوم بوظيفة التلفظ من جهة ، و عند الجسد الإدراكي الذي يقوم بوظيفة الإدراك الظاهراتي من جهة أخرى، وإبراز مجمل الوظائف التي يقومان بها داخل النص أو الخطاب في علاقة مع العالم التمثيلي. ومن ثم، تبنى الدلالة السيميوزيسية عبر رصد التفاعل الموجود بين الجسد أو الذات في ترابطهما مع عالمها الحسي المدرك .
علاوة على ذلك، فقد حدد جان كلود كوكي مجموعة من الإجراءات المنهجية التي تستند إليها السيميوطيقا الذاتية في تحليل الخطاب ،  وتتكون من أربعة مكونات: إجراء الأساس (الجسد)، وإجراء التقويم والحكم (العقل)، وإجراء المحايثة (القوى الداخلية)،  وإجراء التعالي (القوى الخارجية). والمقصود من هذا كله أن الإجراء الأول يتعلق بمسار إدراك الظواهر بواسطة الجسد، وإجراء التقويم  الذي يقوم على الاستدلال العقلاني أو البرهنة الذهنية، وإجراء المحايثة الذي يرصد القوى الداخلية (الأهواء والانفعالات)، وإجراء التعالي الكوني أو الرمزي الذي يتعلق بالقوى الخارجية المؤثرة في إجراء الأساس (الجسد)[14].
و للإشارة، فإن السيميوطيقا الذاتية هي بمثابة مقاربة ظاهراتية للظواهر النصية والخطابية. لذا، فهي من الناحية المنهجية، تتناول مشاعر الذات وإحساساتها الداخلية على مستوى المضمون. كما تدرس ما تحس به الذات خارجيا في الزمان والمكان على مستوى التعبير أو الشكل.  في حين، تتموقع الذات المتلفظة بين المضمون والتعبير، أو بين المحور الداخلي الوجداني الانفعالي والمحور الخارجي الذي يحيل على العالم .
هذا، وتنبني السيميوطيقا الذاتية على مجموعة من المصطلحات النقدية الإجرائية، مثل: الذات الحاضرة، والذات الغائبة، وشبه الذات، والعامل، والتوكيد، والإخبار، والاستقلالية، والحقل التموضعي، والافتراض، والمحدود واللامحدود، والجسد، والحضور، والمستقبل، والمتشارك، والتجربة، والقوة، والتحول، والخطاب، والفضاء، والحدث، ومبدأ المحايثة، والموضوع، والإجراء، والمقصدية، والتقويم، والحكم، والذات الحاضرة ،  والذات الغائبة، والعامل الأول، والعامل الثاني، والعامل الثالث، والأهواء، والظاهراتية، والممارسة التلفظية، واللغة، والواقعية، والسيميوطيقا الذاتية، والسيميوطيقا الموضوعية، والإدراك، والأشياء، والحواس، والزمان، والمكان، والحقيقة، والحساسية،...

المبحث الخامس: الدراسات النظرية والتطبيقية
من أهم الدراسات التي أنجزت حول سيميوطيقا الذات نذكر  ما كتبه كريماص (A.J.Greimas ) في مؤلفه (حول المعنى /Du Sens)[15] ، ومقاله الذي خصصه لــ( جهات الذات)[16].  ويعني هذا بداية الشروع في التعامل مع سيميائية الحضور، والاهتمام بالمشاعر الجسدية والأهواء الذاتية، بعد أن كان التعامل سابقا مع سيميائية الأفعال والأشياء أو مع السيميوطيقا الموضوعية. ومن جهة أخرى، يهتم هذا المقال بدراسة تكييفات الذات الاستهوائية باستحضار منطق الجهات: القدرة، والإرادة، والرغبة، والواجب[17].
وبعد ذلك، ألف جان كلود كوكي كتابه ( الخطاب وذاته) [18] في جزأين لبناء قانون سيميوطيقي للذات، اعتمادا على تصورات إميل بنيفنست وظاهراتية الإدراك عند موريس ميرلوبونتي. و يوحي الكتابان معا بمسار الانتقال من السيميوطيقا الموضوعية إلى السيميوطيقا الذاتية، أو الانتقال من سيميوطيقا الأشياء أو العمل إلى سيميوطيقا الذات. ويعني هذا أن كريماص قد تناول الذات في أثناء حديثه عن منطق الجهات والمسار الجهي للذات في علاقتها بموضوع القيمة. ومن ثم، فقد بين لنا أن هناك جهات للذات تتمثل في الرغبة، والوجوب، والقدرة. وتتميز هذه الجهات عن جهات الفعل لدى الذات ، مثل: الرغبة في الفعل، والقدرة على الفعل، ومعرفة الفعل، ووجوب الفعل، وهذا ما يسمى بالكفاءة الجهية لذوات الفعل. ومن هنا، فالسيميوطيقا الموضوعية تدرس علاقة الذات بالموضوع ذي القيمة على محور الفعل. في حين، تدرس السيميوطيقا الذاتية علاقة الذات بالموضوع ذي القيمة على محور الكينونة الذاتية[19].
وإذا عدنا إلى جهات الذات، فهناك مجموعة من العلاقات التي تتحكم في الذات من خلال علاقتها بالموضوع ، مثل: المرغوب وغير المرغوب بالنسبة لجهة الرغبة، والضروري وغير الضروري بالنسبة لجهة الوجوب، والممكن وغير الممكن بالنسبة للقدرة. ومن ثم، فهناك انتقال من حالات الأشياء إلى حالات الروح . ويؤشر هذا على ظهور سيميوطيقا جديدة هي سيميوطيقا الأهواء. وقد كانت البداية الحقيقية لسيميوطيقا الأهواء مع كريماص في بحثه حول (الجمالي / esthétique )  المنشور   سنة 1987م في ( الخلل/ De l’imperfection)، ودراسته حول (سيميوطيقا الأهواء) باشتراك مع جاك فونتاني(Jacques Fontanille) سنة 1991م. وبعد ذلك، تبلورت سيميوطيقا التوتر مع كلود زلبيربيرج (Claude Zilberberg) سنة 1998م، في كتابه (التوتر والأدب) ، باشتراك مع جاك فونتاني. وتعني سيميوطيقا التوتر في الحقيقة وجود  الذات في صراع ما ، إذ تسند الذات للموضوع الواحد قيما إيجابية وسلبية. مثال ذلك: يمكن لموضوع الجهة أن يكون مرغوبا فيه من قبل الذات، لكن من غير الممكن تحصيله. ويعني هذا أن الهوى يستوجب الجمع بين جهتين على الأقل كجهة الرغبة وجهة عدم القدرة، فاستحالة الربط  بين الذات وموضوع القيمة المرغوب فيه يسبب التوتر لدى الذات.
ولا نغفل أيضا جهود جان كلود كوكي الذي جدد السيميوطيقا سنة 1984م، حينما دقق في مجموعة من المبادئ المتعلقة بالذات في كتابيه (الخطاب وذاته) و(البحث عن الدلالة)، في ضوء مفاهيم فلسفية ولسانية، حيث أعطى للجسد دورا مهما ، واعتبر الذات المتلفظة مصدرا للخطاب ومنطلق كل تنظيم خطابي.
هذا فيما يتعلق بالمقاربة السيميوطيقية الذاتية في الحقل الثقافي الغربي، أما فيما يخص الساحة النقدية العربية، فلا توجد - حسب علمي- دراسة ما في سيميوطيقا الذات أو السيميوطيقا الذاتية، بل تكاد تكون غائبة بشكل كلي ، فلم نجد إلى يومنا هذا (2013م) دراسة نظرية أو تطبيقية تحسب على هذه السيميوطيقا باستثناء مقالنا التعريفي هذا، على الرغم من  وجود أبحاث لابأس بها في مجال سيميوطيقا الأشياء، والكلام، والأهواء، والتأويل ...
وخلاصة القول، إذا كانت السيميوطيقا الموضوعية مع كريماص تهتم بالأشياء في علاقة تركيبية مع الذات الفاعلة، فإن السيميوطيقا الذاتية مع جان كلود كوكي تعنى بدراسة الذات دلاليا بغية رصد مختلف التفاعلات الإدراكية الحسية والجسدية التي تقيمها الذات الحاضرة مع العالم الخارجي أو الحسي. ومن ثم، تنطلق هذه السيميوطيقا من مقتربين إبستمولوجيين متكاملين: المقترب اللساني التلفظي كما عند إميل بنيفنست، والمقترب الظاهراتي للإدراك كما هو موجود عند موريس ميرلوبونتي . ويعني هذا أن السيميوطيقا الذاتية تدرس الذاتين: المتلفظة والإدراكية في تفاعلهما مع العالم الخارجي، بما فيه من أشياء، وأشكال ،  وزمان، ومكان . ومن ثم، فهي تدرس انفعالات الذات الداخلية على مستوى المضمون من ناحية، و تحلل أحاسيسها تجاه العالم الخارجي على مستوى التعبير من ناحية أخرى.
 مواضيع ذات صلة


مواضيع ذات صلة
سيميوطيقا التوتر بين النظرية والتطبيق
سيميوطيقــــا الـــــذات
تعريف السيميوطيقا
مدخل الى السيميوطيقا
سيميوطيقا بيرس
علم السيميولوجيا
السيميائية
السيميولوجيا
تعريف السيميائية
الفرق بين السيميولوجيا والسيميوطيقا




[1] - Vocabulaire des études sémiotiques et sémioloqiques, Sous la direction de Driss Ablali et de Dominique Ducard, PUF, Paris, 2009,p :61-66.
[2]- J.C.Coquet : Sémiotique littéraire. Contribution à l'analyse sémantique du discours, Jean-Pierre Delarge et Mame, 1973.
[3]- E.Benveniste : Problèmes de linguistique générale, 1, 1966, Paris, Gallimard : Problèmes de linguistique générale, 2, 1974, Paris, Gallimard.
[4] - Maurice Merleau-Ponty : Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, 1945.
[5]- J.C.Coquet : Phusis et Logos. Une Phénoménologie du langage, Presses universitaires de Vincennes, collection "La philosophie hors de soi", 2007.
[6] - Louis Panier : ( Ricœur et la sémiotique : Une rencontre “improbable” ? ), Semiotica, volume 168, numéro 1/4, 2008,
[7] - Nedret Öztoka : ( L’esthésie, la présence et l’imperfection dans l’univers de Chateaubriand ), Frankofoni : Revue d’études et recherches francophones, no 16, Ankara, 2004, pp. 135-145.
[8] -Jean-Claude Coquet : Le discours et son sujet I, Paris, Klincksieck, 1984.

[9]-  Jean-Claude Coquet : Le discours et son sujet I, Paris, Klincksieck, 1984 ; Le discours et son sujet Tome 2 Pratique de la Grammaire modale, Paris, Klincksieck, 1985.


[10] - Denis Bertrand :Précis de sémiotique littéraire, Paris, Nathan, 2000, p. 225.
[11]- Ivan Darrault-Harris :( Sémiotique subjectale), Vocabulaire des études sémiotiques et sémiologiques, Sous la direction de Driss Ablali et de Dominique Ducard, PUF, Paris, 2009, p : 61-66.
[12] - J.C.Coquet : Linguistique et psychanalyse. Freud, Saussure, Hjelmslev, Lacan et les autres, Klincksieck, 2002.
[13] - Gérard genette : Figures III, coll. « Poétique », 1972.
[14] -J.C.Coquet : La Quête du sens. Le Langage en question, Presses universitaires de France, collection "Formes sémiotiques", 1997.
[15] - Algirdas Julien Grimas :Du sens II, Paris, Seuil, 1983, p. 97.
[16] - A.J.Greimas :(De la modalisation de l’être), Actes sémiotiques, Bulletin9, p : 9-10.Repris dans Du Sens2, Paris, 1983, p : 93-102.
[17] - انظر: كريماص وجاك فونتنيي: سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، :ترجمة: د. سعيد بنكراد، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:46.
[18] - Jean-Claude Coquet : Le discours et son sujet I, Paris, Klincksieck, 1984.
[19] - Algirdas Julien Greimas :Du sens II, Paris, Seuil, 1983, p. 96-97.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق