الخميس، 13 أبريل، 2017

الفكر الاجتماعي في الحضارات القديمة

الفكر الاجتماعي في الحضارات القديمة
الفكر الاجتماعي في مصر القديمة
تعريف الفكر الاجتماعي
الفكر الاجتماعي عند اليونان
تاريخ الفكر الاجتماعي
كتاب تاريخ الفكر الاجتماعي
تاريخ الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون
تعريف تاريخ الفكر الاجتماعي
تطور الفكر الاجتماعي عبر العصور
الفكر الاجتماعي قبل الميلاد :
ارتبطت بدايات الفكر الاجتماعي الإنساني بالحضارات القديمة و خاصة المصرية و اليونانية و بالذات عند أفلاطون   و تلميذه أرسطو  ، و قد مهدت لهما أعمال خالدة لمفكرين من الشرق و الغرب الأقدمين أمثال : سولون   ( 640 – 559 ق.م ) صاحب كتاب دستور سولون و اكتيانوفون      ( 570 – 480 ق.م ) الذي بحث في الاقتصاد المنزلي و التربية الاجتماعية السياسية و الطغيان و أثره على الفرد و المجتمع كما لا ننسى دور سقراط ( 469 – 399 ق.م ) و منهجه القائم على الشكل و التجربة كدليل مقنع كما لا ننسى دور الفيلسوف اليوناني  أبيقور  ( 341 – 270 ق.م ) مكتشف الدوافع الإنسانية .
2 – الفكر الاجتماعي عند المصريين القدماء 
إن التاريخ المصري القديم حافل بالإسهامات الفكرية الإنسانية بما حواه من فكر اجتماعي ناضج ، و قد برز الفكر الاجتماعي المصري القديم من خلال :
-        برز المصريون في عدة مجالات علمية ( صناعة الحلي ، الأواني النحاسية و الذهبية ، تشخيص الأمراض           و معالجتها ، التحنيط ، الزراعة ، حفظ المعلومات و الدواوين ، ... )
-        إتباع المصريين لمناهج علمية مثل المسوح الاجتماعية الشاملة ، و ملء الاستمارات لجمع البيانات ، و قد أكد جورج سارتون في كتابه ( تاريخ العلم ) 1956 فقال ( المصريون القدامى لم يبدأوا إقامة العلم و استخدامه فقط و إنما قطعوا أشواطا طويلة في نفس الطريق ـ طريق المنهج العلمي ـ الذي ما زلنا نسير فيه حتى اليوم ) .
هذا و قد لعبت جامعة الإسكندرية المؤسسة في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد دورا بارزا في التعاون بين علماء مصر    و علماء الإغريق ، فقد كان ستراتون أول رئيس لها ، و من علمائها أرخميتس الرياضي الشهير و بطليموس الفلكي       و إقليدس المهندس و جالينوس الطبيب الفاضل .
-        إضافة إلى ما سبق فإن المجتمع المصري كان بناؤه اجتماعيا يتكون من ثلاث طبقات ( آل فرعون و رجال الدين طبقة ، الأشراف طبقة ثانية ، و الشعوب طبقة ثالثة )
3 – الفكر الاجتماعي اليوناني القديم
ارتبط الفكر الاجتماعي اليوناني القديم بإسهامات أفلاطون و أرسطو
أ ) أفلاطون : ترك أفلاطون ثلاث كتب أبرز ما فيها فكره الاجتماعي و هي ( الجمهورية ) ( السياسة ) ( القوانين ) لخص فيها إسهاماته الفكرية البارزة و هي :
       تطور المجتمعات الإنسانية : اعتبر أفلاطون أن أي مجتمع تطور حسب المراحل التالية :
-        المرحلة البدائية : تتميز بوجود تجمع رعوي قليل العدد و اسر صغيرة يحكمها العرف و الرئاسة للأب .
-        المرحلة الزراعية : يتطور المجتمع فيكثر سكانه و يكون الحكم ارستقراطي مطلق
-        المرحلة المدنية : يتطور المجتمع حتى يكتمل سياسيا
       الإنسان و المجتمع عند أفلاطون :
-        الإنسان : هو نسيج عنصرين مادي ( الجسم ) و إلهي ( النفس ) و النفس أهم من الجسم لخلودها .
و قسم النفس إلى عقل روج و شهوة ، و جعل السيطرة للعقل الموجه للروح ، و اعتبر النفس خيّرة إذا أحن العقل سيطرته على الروح و الشهوة .
-        المجتمع : قسم أفلاطون المجتمع من خلال كتابه ( الجمهورية ) على ثلاث طبقات :
1 – الفلاسفة : طبقة عليا بمثابة العقل للمجتمع .
2 – المحاربون : طبقة وسطى بمثابة القلب في الصدر الحامي للجمهورية
3 – الزراع و التجار : طبقة سفلى بمثابة الشهوة التي تتنازعها رغبات عديدة .
-        بعد سن 18 تتوقف الدراسة و يتجه الشباب نحو الجيش ، و الممتازون منهم يوجهون لدراسة علم الفلك ، الحساب ، الهندسة و الموسيقى
-        ما بين 30 – 35 : تدرس مادة الفلسفة للشباب ثم يتوجهون للحياة العملية حتى سن 50 سنة ، و الممتازون منهم يمارون السلطة ، بينما المتخلفون عن الدراسة يوجهون للجندية
ب ) أرسطو : 384 – 322 ق . م :
معلم الإنسانية الأول ، تلميذ أفلاطون ، ساهم بمنهج مخالف لأفلاطون ، و من أهم أفكاره السوسيولوجية أو الاجتماعية :
-        الإنسان مدني بطبعه ( لا يحيا إلا في مجتمع )
-        الأسرة الخلية الطبيعية الاجتماعية الأولى للمجتمع
-        الأسرة مملكة صغيرة يحكمها الرجل ، تنعم فيها المرأة بحق المشاركة و العبيد جزء منها
-        تتنوع إشكال الحكومات كما يلي :
       حكومة الفرد المعتمد على العقل و الحكمة
       حكومة استبداد ناتجة عن سوء استخدام العقل و الحكمة
       حكومة ارستقراطية هي حكومة الأقلية الحاكمة
       حكومة الأولياركية هي حكومة الأقلية القوية ( الغنية أو المستبدة )
       حكومة الشعب : هي حكومة الأغلبية الفقيرة ، قليلة الكفاءة ، تظهر بها ثورة و يتزعمها فرد
هكذا عالج أرسطو شؤون الإنسان و المجتمع والأسرة التي اعتبرها أول خلية فيه ، و اجتماعها سبب في نشأة القرية و المدينة و الدولة التي هي أكمل الوحدات الاجتماعية
4 – نماذج من الفكر الاجتماعي عند بعض المسيحيين :
ارتبط الفكر الاجتماعي الإنساني  بمساهمات عديدة لمفكرين مسيحيين أمثال كليمان الاسكندري ( 150 – 212 ق م ) ، القديس أوغسطين ( 354 – 430 ق م ) ، توماس الاكويني ( 1255 – 1274 م ) .. الخ
كليمان الاسكندري : ( 150 – 212 ق م )
لاهوتي يوناني مسيحي ،  تتلمذ على يد رئيس مدرسة التعليم الديني بالإسكندرية ، له إلمام بالآداب الإغريقية ، دعا لتحرير العباد ، و حارب التمييز العنصري ، و نادى بالمساواة الاجتماعية بين الأحرار و العبيد  .
القديس أوغسطين : ( سانت أوغستان ) 354 – 430 ق م
مزج بين المسيحية و الفلسفة اليونانية و تصور مجتمعين :
-        مجتمع سماوي فاضل
-        مجتمع أرضي أناني
و اعتبر الدولة ضرورية لأنها تدافع عن حقوق الأفراد
توماس الاكويني : ( 1225 – 1274 م )
فيلسوف لاهوتي ايطالي كاثوليكي دافع عن المسيحية و اهتم بنظام الرق و نادى بالقضاء على الفوارق بين الأغنياء و الفقراء و دافع عن الملكية الفردية
5 – الفكر الاجتماعي الإنساني عند المسلمين
      أبدع المسلمون في عدة مجالات علمية و خاصة في العلوم الاجتماعية و الإنسانية و من هؤلاء : الفارابي ، ابن مسكويه ، البيروني ، الإمام الغزالي ، ابن حزم الأندلسي ، ابن سينا ، ابن خلدون ، .. الخ
1 - الفارابي : ( 257 – 339 هـ ) ( 870 – 950 م )
من خلال كتابه ( آراء أهل المدينة الفاضلة ) عرض أفكارا اجتماعية إنسانية عديدة منها :
-        التجمع الإنساني ضروري لأن الإنسان منطور عن التعاون و الاجتماع
-        حدد الفارابي أشكال التجمع الإنساني و صنفها إلى مجتمعات كاملة و أخرى عكس ذلك ، فالمجتمعات الكاملة تكون على مستوى المعمورة ثم على المستوى القومي ثم على المستوى المدني ( المدينة ) .
-        طبيعة المدن صنفها الفارابي إلى مدن فاضلة تتعاون فيها الأفراد و يرأسها رئيس ناجح بشروط مكتسبة أساسها الحكمة و شروط فطرية .
-        حدد الفارابي عوامل توحد المجتمع و تفككه ، فعوامل التوحد تنقسم إلى عوامل عرقية ( وحدة الجنس ) و ثقافية ( وحدة اللغة ) و طبيعية ( وحدة البيئة ) و اجتماعية ( المصاهرة ) و نفسية ( وحدة الأخلاق ) ، و عوامل التفكك هي البعد عن أسباب الفضيلة ، و عدم القدرة على تحقيق السعادة ( سعادة العقل ) و ( فعل الخير ) و ( القرب من الله )

2 - ابن مسكويه : ( 330 – 421 هـ ) ( 932 – 1030 م )
ابن أحمد بن يعقوب ، فيلسوف مؤرخ شاعر فارسي من مدينة الري بإيران لقب بالمعلم الثالث للإنسانية .
قدم ابن مسكويه من خلال كتابيه ( تهذيب الأخلاق ) و ( الفوز الأصغر ) عديد من الاراء الاجتماعية التي لا تقل أهمية عما قدمه علماء في العصر الحديث و منها :
-        الأخلاق عند مسكويه : مصدر الأفعال الحسنة تنبع من النفس لا من الجسد ، الأخلاق الحسنة تكتسب بالتربية و التعليم ، الحياة الاجتماعية مقياس لكمال الإنسان ، ..
-        المجتمع عند مسكويه : الاجتماع الإنساني ضرورة اجتماعية و خلقية عماده الأخلاق ، المجتمع كائن عضوي تتضامن أعضاؤه لتحقيق الخير و السعادة اعتمادا على الدين و العدل ، يتفكك المجتمع حينما يغيب العدل و حاكم لا يطبق أوامر الله .
3 - البيروني ( 362 – 440 هـ ) ( 973 – 1048 م ) القرن 11
بحث البيروني في شتى نواحي الحياة الإنسانية اعتمادا على دراسته للرياضيات ، علم الفلك ، الطب التاريخ و تأثره بابن سينا و الفارابي و بالثقافات اليونانية و الهندية ، و تمكن من وضع منهج علمي فريد استفاد منه اللاحقون .
       الملامح العامة لمنهج البحث عند البيروني :
-        الاعتماد على الملاحظة المباشرة و المشاركة أحيانا مما جعله أول مستخدم لمنهج دراسة الحالة و ليس لويس بلان في القرن 19
-        الاعتماد على التجارب العلمية الميدانية
-        استخدام العقل في الاستنباط و التعليل .
-        الرجوع للمصادر الأصلية في البحوث .
-        الاعتماد على القياس الكمي و الاستقصاء الحسي كلما كان ممكنا .
       إسهامات البيروني المنهجية :
-        إرساء قواعد المنهج التاريخي من خلال كتابه ( الآثار الباقية عن القرون الخالية ) حيث اتصل بالمصادر و قارن معلوماتهم ثم انتقدها .
-        المزاوجة في البحث التاريخي بين علم الفلك و التاريخ ، حيث يقدم للحوادث التاريخية مقدمات فلكية .
-        اعتماد مقدمة قصيرة في بحوثه تتضمن الخطوط العريضة للدراسة
-        إرساء دعائم الملاحظة بالمشاركة من خلال كتابه ( الهند الكبير ) حيث تعلم لغة المبحوثين ( الهنود ) و تعرف على عاداتهم و عايشهم فترة .
-        استخدام المنهج المقارن حيث كان يقارن أهل الهند و حضارتهم بحضارات أخرى
       البيروني مؤسس الأنتربولوجيا ( علم دراسة الشعوب [ مختلف الجوانب ] ) بكل المقاييس
 لأنه تعرض لمختلف الموضوعات التي يتناولها هذا العلم في الوقت المعاصر ، حيث درس المجتمع الهندي ( ديانته ، عاداته ، معتقداته ، بناؤه الاجتماعي ، أنماطه الثقافية ، علاقاته الداخلية ، أصوله ، ... إلخ )
4 – ابن خلدون ( 1332 – 1406 م ) القرن 14
ابتكر ابن خلدون علما وليدا اسماه ( علم العمران البشري ) أو ( علم الاجتماع الإنساني ) ، حدد موضوعاته و صلاته بالعلوم الأخرى و مجال دراسته و منهجه العلمي .
       إسهاماته السوسيولوجية :
-        وفر ابن خلدون طريقة وسبل فهم الحوادث التاريخية فضلا عن تفسيرها من خلال الكشف عن قوانينها و أسبابها  .
-        أكد ابن خلدون أن المعرفة لا تتحقق إلا بمنهج استقرائي فطري يبدأ من المعرفة التجريدية إلى محاولة تطبيقها و التحقق من صدقها عن طريق إخضاعها للواقع
-        أكد ابن خلدون استقلالية علمه الحديث عن الأفكار الدينية الفلسفية السائدة في عصره أو على قواعد مثالية نظرية مثلما طرحها أفلاطون و الفارابي .
-        أكد ابن خلدون أن المؤرخ لابد له أن يحصل على قدر كاف من ثقافة المجتمع المدروس حيث قال : ( إن المؤرخ يحتاج إلى العلم بقواعد السياسة و طبائع الموجودات و اختلاف الأمم و البقاع و الأمصار  في السير و الأخلاق و النحل و المذاهب و سائر الأحوال ، و القيام على أصول الدول و الملل و مبادئ ظهورها و أسباب حدوثها و دواعي تكونها  )
-        كما حدد واجبات المؤرخ الباحث في تناول الظواهر العمرانية حسب المراحل التالية :
1.      الملاحظة المباشرة و ما تؤدي إليه التجربة
2.      تعليل و تفسير الظواهر
3.      مقارنة الأحداث
4.      قياس الأخبار على أصول العادة و طبائع العمران
5.      دراسة تطور الظواهر و النظم العمرانية .
       صنف ابن خلدون في مقدمته أنواع الظواهر الاجتماعية حتى تصبح صالحة للدراسة مثل علم الاجتماع السياسي ، علم الاجتماع الديني ، البدوي ، الاقتصادي ، الأنتربولوجيا
       رغم تأكيده استقلالية علم الاجتماع إلا ان ابن خلدون حدد صلاته بالعلوم الأخرى كالتاريخ و علم النفس و غيرهما ، فقد اعتمد علم الاجتماع على علم النفس في تفسير الظواهر الاجتماعية حينما بين ( أن المغلوب مولع بتقليد الغالب عن طريق المحاكاة ) كما أكد ابن خلدون على دور العوامل الاقتصادية و الجغرافية و الحضارية في تفسير الظواهر الاجتماعية .
       أمن ابن خلدون بتطور المجتمعات عبر أجيال أربعة و هي : البداوة  - الملك ـ الحضارة – الهرم ( دور المجتمع البشري ) .
       رأى ابن خلدون أن المجتمع ما هو إلا كيان طبيعي نشأ لضرورات اقتصادية ، أمنية ، أحاسيس شعورية .. تدفع الإنسان للإسئناس بغيره  .
5 - أوغست كونت ( 17ء98 – 1857 )
بعد حوالي 5 قرون من جهد ابن خلدون جاء الفيلسوف المبدع الفرنسي صاحب الفلسفة الوضعية أوغست كونت فنفض الغبار عن أفكار ابن خلدون و دعا إلى علم جديد ، انتقد فيه طرق البحث المستخدمة في زمانه ، و من أهم إسهاماته السوسيولوجية ما يلي :
1 – من خلال الفلسفة الوضعية تصور كونت أن التقدم الاجتماعي للكائن الحي مر بمراحل ثلاث :( اللاهوتية – الفلسفية – الوضعية )
-        المرحلة اللاهوتية : كانت الظواهر الاجتماعية تفسر دينيا لأن الإنسان كان يعبد الآلهة و هو في مرحلة الطفولة الإنسانية المبكرة ، علما أن التفكير اللاهوتي مر بمراحل ( الطوطمية ـ تعدد الآلهة ـ وحدة الإله )
-        المرحلة الفلسفية  ( الميتافيزيقية ) : و فيها تغير تفسير الظواهر الاجتماعية من عوامل غيبية دينية إلى طبيعة الأشياء .
-        المرحلة الوضعية ( العلمية ) : في هذه المرحلة تطور فكر الإنسان و أصبح يؤمن بوجود قوانين تفسر مختلف الظواهر مركزا في ذلك على العقل الواعي و الملاحظة  ............................ التفكير الوضعي و هذه الأخيرة هي الخطوة الحاسمة عند كونت
2 – وضع كونت نظام تسلسلي للعلوم قاعدته الرياضيات و قمته علم الاجتماع الذي اعتبره كونت أكثر تعقيدا من غيره لهذا دعا إلى اعتماد مناهج منها المنهج الوضعي ( الملاحظة ، التجريب ، المقارنة )
3 – قدم كونت أيضا تعريفا أو تفسيرا لعلم الاجتماع فقال ( إنه الدراسة الواقعية المنظمة للظواهر الاجتماعية ) كما فسر الثقافة باعتبارها المحصلة الكلية لإنجازات العقول الإنسانية المتفاعلة .
6 -  كارل ماركس : (  1818 – 1883 )
اهتم كارل ماركس في دراسته على المنهج التاريخي المقارن علاوة على المنهج الإحصائي تأكيدا على دعوته المستمرة بضرورة الاهتمام بالتاريخ و فلسفته ، و من أهم أفكاره نظرية التحليل الاجتماعي للمجتمع الغربي ، فقد اعتبر المجتمع مكونا من طبقتين متصارعتين هما : الطبقة الأولى الرأسمالية البرجوازية ، الطبقة الثانية : العمال ( البروليتاريا ) .
و هما نتاج للتنظيم الاجتماعي الذي تولد عن الثورة الصناعية الأولى ، و قد يحدث بين الطبقتين صراع حتمي ، بين الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج ، و الطبقة المالكة لجهدها و عرقها ، و سينتهي الصراع حتميا بانتصار البروليتاريا و سيادة النظام الاشتراكي الشيوعي .
7 - ايميل دوركايم : ( 1858 – 1917 )
يعتبر رائد لعلم الاجتماع بعد كونت ، له كتاب ( تقسيم العمل في المجتمع ) 1893 ، ( قواعد المنهج الاجتماعي )  1895 ،  و كتاب ( الانتحار )  1897 .. الخ .


و من أهم إسهامات دوركايم الاجتماعية ما يلي :
-        عارض تفسير الظواهر الاجتماعية تفسيرا ذاتيا ، بل طالب باعتبار الظواهر ذات طبيعة موضوعية .
-        حدد مفهوم الظواهر الاجتماعية و خصائصها من خلال كتابه قواعد المنهج و اعتبرها تلقائية جبرية عامة و خارجية
-        تعرض دوركايم لموضوع التضامن الاجتماعي من خلال كتابه تقسيم العمل الاجتماعي فوجد أن التضامن آليا عند المجتمعات القديمة و عضويا لدى المجتمعات الأكثر تطورا .
-        فسر دوركايم مفهوم الضمير الجمعي و اعتبره مجموع المعتقدات و العواطف بين معظم أفراد المجتمع ، كذلك استخدم دوركايم المنهج الإحصائي التحليلي من خلال دراسته عن الانتحار في اسبانيا عام 1897 و توصل إلى أسبابها مثلا (شعور الفرد بالعزلة ، تضحيته من أجل قومه ، عدم الإحساس بالأمان ، تغليب مصلحة المجتمع على المصلحة الفردية ،  .. )
-        قسم دوركايم علم الاجتماع إلى فروع بارزة : القانوني ن الأخلاقي ، العمالي ، الاقتصادي ، الديمغرافي ، اللغوي
-        أكد على ضرورة الدراسات المقارنة بإحداثه لعلم الاجتماع المقارن ، و حدد خطوات دراسة الظاهرة الاجتماعية      ( تحليل مكونات الظاهرة للتعرف على وظيفة الظاهرة ـ تحديد قوانين الظاهرة )
و عموما اعتمد دوركايم على منهج متميز للبحث السوسيولوجي امتزج في الإحصاء بالتاريخ و المقارنة .





سيموند فرويد ( 1856 – 1939 ) رائد مدرسة التحليل النفسي
تقديم حول نشأة علم النفس :
 إن الاهتمام بدراسة النفس الإنسانية قديم حيث تساءل فلاسفة و علماء الدين عن هذه النفس و ما تشتمل عليه من ميول و دوافع ، اندفاعات ، غرائز  .. و ما تبديه من قدرة على التعلم و الاستدلال و التفكير
و قد تميزت اهتمامات الأقدمين بالتأمل فقط في هذه النفس  حتى جاءت الدراسات الحديثة و استخدمت علم النفس الحديث      و المعاصر و هذا منذ 1879  ، حيث أنشأ الألماني غونت مخبرا ليعلم النفس في مدينة ليزك و تم التركيز على الدراسات التجريبية و الإحصائية .
تعريف علم النفس : هو دراسة سلوك الإنسان ( الحركة ، النطق ، تفسير الصور ،  الانفعالات ، الدافعية ، الإدراك ، التعلم التكيف ، .. ) باستخدام أدوات و مفاهيم و مقاييس و مناهج علمية .
أهداف علم النفس :
هناك من يدرس علم النفس لمعرفة الدلالة السيكولوجية للأحداث التاريخية الكبرى و آخرون لإيجاد حلول المشاكل الخاصة أو في العمل ، و آخرون لاكتساب قُدوة ، تفسير السلوك الإنساني المعقد ، كما يدرس علم النفس سلوك الإنسان عامة فضلا على السلوك الشاذ أو المنحرف ( مرضى العقول ، مرضى النفوس ) ، كما يدرس أصحاب الزعامات في التاريخ مثل : هتلر ، نابليون ، ...
ينقسم علم النفس إلى فروع مختلفة كعلم النفس العام ، الذي يدرس النظريات و الأسس و المبادئ لعلم النفس إضافة إلى علم النفس التطبيقي الذي يتفرع بدوره إلى الجنائي الحربي ، الطفل ، الشواذ ، الفيزيولوجي ، الصناعي ، التجاري ، التربوي ، القضائي ، الاجتماعي ، العيادي ، الأرطفوني ( نطاق ) ..
الغرائز و دورها في تفسير السلوك عند سيموند فرويد :
افترض كثير من مفسري السلوك الإنساني أنه يعود إلى دوافع فطرية سموها بالغرائز ( حب التملك ، السيطرة ، الخضوع ، المقاتلة و العدوان ، الاستغاثة ، الاستطلاع ، الشراب ، .. ) و قد حاول عدد من العلماء تفسير السلوك الفطري الغريزي عند الإنسان و منهم فرويد صاحب نظرية التحليل النفسي .
رأى فرويد أن دوافع الإنسان و رغباته يمكن ردها إلى غريزتين :
غريزة الحياة ( الجنسية ) ،  غريزة الموت ( العدوان و التدمير ) .
-        غريزة الحياة  ( الجنسية ) : و أطلقوا عليها لفظ الليبيدو ، و يقصد كل ما نقوم به من أعمال ايجابية للمحافظة على استمرار الحياة الإنسانية و تشمل الغرائز التالية : ( الجنس ، الطعام ، الشراب ، المحبة ، العطف ، الحنان ، بما فيه اللذة الجنسية و العاطفية )
-        غريزة الموت ( العدوان و التدمير ) : هي استعداد فطري في الإنسان يقوم على الاعتداء و التدمير ، مثلما يقوم به الطفل الصغير عند تحطيمه للأثاث و الألعاب و كذلك عند الإنسان في الحروب التي ينتج عنها الدمار و الكراهية .
و عموما فان فرويد فسر سلوك المساواة عند الطفل الصغير و عند الرأس الكبير و عند الشخص السوي و الشخص الشاذ اعتمادا على غريزتي الموت و الحياة و للمجتمع وظيفة هامة في تغليب وظيفة البناء على غريزة التهديم و التدمير











 مناهج البحث في العلوم الاجتماعية و الإنسانية
       مدخل : تتنوع مناهج البحث في العلوم الاجتماعية و الإنسانية . فما مفهوم المنهج و ما خصائصه ؟ و كيف نشأت المناهج ( علم ) ؟ و ما هي أسس تصنيف المناهج ؟ و ما هي أهم المناهج المستعملة ؟
       مفهوم المنهج : - لغة : هو النظام و الترتيب و طريقة إنجاز عمل ما ( Methode  )
                                 - اصطلاحا : مجموعة قواعد نضعها للوصول إلى حقيقة ما في علم من العلوم أو هو طريقة يتبعها الباحث في دراسة مشكلة ما لكشف الحقيقة ، أو فن التنظيم الصحيح لسلسلة الأفكار و الإجراءات لكشف حقيقة نجهلها أو نبرهن عليها .
       الخصائص العامة للمناهج :
1       المناهج هي طريقة تفكير و عمل منظم يقوم على الملاحظة و الحقائق العلمية .
2       الموضوعية : أي البعد عن التحيز و الميول الشخصي .
3       الديناميكية و المرونة أي قابلية التعديل و التغيير نظرا لما يطرأ من جديد في العلوم .
4       التعميم : إمكانية تعميم نتائج البحوث و الاستفادة منها في دراسة ظواهر أخرى مشابهة .
5       القدرة على التنبؤ : أي أن المناهج قادرة على وضع تصور لما يمكن أن تكون عليه ظواهر مدروسة مستقبلا .
       نشأة و تطور علم المناهج :
      يصعب تحديد بدايات اهتمام الإنسان بمناهج التفكير فقد قدم أرسطو ( 384 – 322 ق م  ) الشق الصوري للمنطق الصوري ، ثم جاء العرب المسلمون و أخذوا بالتجربة و الملاحظة و طوروا علوم الطبيعة و الكيمياء و الصيدلة و الرياضيات و الفلك و التاريخ و الجغرافيا و علم الاجتماع و خاصة خلال النصف الثاني من القرن 8 م و النصف الثاني من القرن 11 م .ثم جاء فرانسيس بيكون ( 1561 – 1626 م ) و أعاد صياغة المنهج التجريبي الذي طوره العرب المسلمون و رفع لواء منهج جديدي يعتمد على الحواس و التجريب ، ثم ظهرت عدة أسماء لامعة من الفلاسفة و العلماء المحدثين طوروا علم المناهج مثل ديكارت صاحب منهج الشك ( 1586 – 1650 م ) و كانط ( 1724 – 1807 م ) و هيغل( 1770 – 1830 م )و كلود برنار( 1813 – 1878 م ) و دوركايم ( 1858 – 1917 م ) .
       تصنيف المناهج :
هناك عدة طرق و مناهج مستخدمة حسب موضوع البحث و خصائصه ، فالبحث في الرياضيات (الكم المجرد ) لا يمكن أن يكون بالملاحظة و التجربة ، و البحث في المادة الحية أو الميتة لا يمكن أن يدرس بالاستدلال النظري وحده ، و موضع الأخلاق يختلف في طريقة بحثه عن علم المنطق الاستدلالي ، و هكذا تتنوع المناهج من علم لآخر ، و لا يمكن وضع تصنيف موحد لمختلف العلوم ، و إنما هناك عدة تصنيفات منها :
1 – تصنيف ماركيز : صنف المناهج إلى 6 كما يلي : التاريخي ، التجريبي ،  الفلسفي ، دراسة الحالة الأنتروبولوجي ( تطور علم الإنسان عبر التاريخ )  ، دراسات مسحية .
2 – تصنيف ويتني : صنف المناهج إلى 7 : التاريخي ، التجريبي ، الوصفي ، الفلسفي ، التنبؤي ، الاجتماعي  الإبداعي .
3 – تصنيف غود و سكاتس : صنف المناهج إلى 5 : التاريخي ،  التجريبي ، الوصفي ،  دراسة الحالة ، دراسة النمو و التطور

                                                     الباحث
                                          
                                         دراسة المشكلة                                                  المشكلة

           الماضي                                  الحاضـر                                  المستقبل
            
        المنهج التاريخي                            المنهج الوصفي                           المنهج التجريبي                        المنهج
                     
                           المسح      دراسة الحالة    المقارنة      دراسة النمو و التطور

                                                 الحلول و الحقائق                                                   الحل
         المنهج الوصفي
       تعريف
-        الوصف لغة : هو نقل صورة العالم الخارجي أو الداخلي بألفاظ و عبارات تقوم مقام اللون عند الرسام و النظم لدى الموسيقي .
-        الوصف علميا : هو ذكر خصائص ما هو كائن أو تفسير ظروف و علاقات قائمة بين وقائع أو ممارسات شائعة أو التعرف على معتقدات و اتجاهات عند أفراد أو جماعات ، و عليه فهو رصد حال أي شيء وصفا فيزيائيا أو بيان خصائص مادية أو معنوية للفرد أو الجماعات ، و قد يكون بالأرقام أو كيفيا أو يجمع بينهما .
       تعريف المنهج الوصفي
       منهج يصف الظواهر وصفا موضوعيا و دقيقا بصورة كمية أو كيفية بواسطة بيانات أو جمع معلومات عن المشكلة ثم تصنيفها و تحليلها .
نشا المنهج الوصفي في انجلترا و فرنسا التي اهتمت بالدراسات المسحية الاجتماعية و كذلك في الولايات المتحدة الأمريكية التي اهتمت بالدراسات الانتروبولوجية .
يقوم المنهج الوصفي على دراسة و تحليل الظاهرة و خصائصها ، أبعادها ، علاقاتها الداخلية بهدف وصف علمي دقيق ، كما يهتم بتحليل البيانات كميا ( خصائص الشيء ) و قياسها و تفسيرها كما يدرس حاضر الظواهر و ليس ماضيها .
       أهداف المنهج الوصفي :
-        جمع المعلومات الدقيقة عن الظاهرة
-        إجراء مقارنة مع ظواهر أخرى
و عموما فهم الحاضر لتوجيه المستقبل بوصف الحاضر وصفا دقيقا يساعد على التنبؤ للمستقبل و تجنب المفاجآت

       استخداماته و مجال تطبيقه
عموما يتلاءم المنهج الوصفي مع العلوم الاجتماعية و الإنسانية و يكثر استخدامه في المجالات العسكرية لأنه يزود الدارس بمعلومات حقيقية عن الوضع الراهن ، أما في المجال القانوني فيستخدم لتطوير المنظومة القانونية و دراسات المؤسسات العقابية و إجراء تحقيقات عن خفايا النزاعات القانونية و نمو السمات الإجرامية في المجتمع .
       مراحل البحث في المنهج الوصفي :
أ ) الاستكشاف و الصياغة :  يتم فيها استطلاع مجال محدد للبحث الاجتماعي و تحديد المفاهيم و الأولويات أو جمع المعلومات العامة عن المشكلة كاستشارة الأفراد ذوي الخبرة بالمشكلة و العودة على تراث العلوم الاجتماعية المتصلة بالمشكلة
ب ) التشخيص و الوصف المعمق : و فيه تحدد الخصائص و تجمع المعلومات بوصف دقيق لموضوع البحث .و عليه فالفرق بين الدراسة الاستطلاعية و الدراسة الوصفية المعمقة الأولى  يهتم فيها الباحث بدراسات سابقة حول المشكلة أما الثانية فتشخص الظاهرة مباشرة .
       خطوات المنهج الوصفي ( الخطوات العملية )  :
لا يختلف المنهج الوصفي في تطبيقه عن المناهج العلمية عامة فهو يبدأ بالمشكلة ( تحديدها ) و ينتهي بكتابة تقرير عنها وفق الخطوات التالية :
1       تحديد المشكلة و صياغتها
2       وضع فرضيات توضح أسس بنائها
3       -  اختبار العينة
4       -  جمع بيانات و معلومات بطريقة منظمة و دقيقة .
5       -  استخلاص النتائج و تنظيمها و تصنيفها
6       - تحليل النتائج و تفسيرها و استخلاص التعميمات
7       -  كتابة تقرير بحث حول المشكلة
       أساليب المنهج الوصفي :
يستخدم الباحث في المنهج الوصفي أساليب مختلفة مثل الدراسات المسحية ، دراسة الحالة ، تحليل المحتوى ، دراسة النمو و التطور .. الخ
أ ) أسلوب المسح : يتمثل في جمع البيانات و المعلومات عن عدد كبير من الأفراد ، على نطاق جغرافي كبير أو صغير ، و يكون شاملا ، أو بطريقة العينات للحصول على نتائج دقيقة ، و تصنف الدراسات المسحية إلى مسوح تعليمية ( التعليم ) و اجتماعية ، مسوح للرأي العام ، ..
ب ) دراسة الرأي العام   : تشكل الدراسات حول الرأي العام جانبا هاما من الدراسات القائمة على مناهج البحث العلمي ثم تطورت دراسات الرأي العام حتى أصبحت مؤشرا أساسيا لفهم أي ظاهرة
ج ) البحث السكاني ( الديمغرافي ) : و هو دراسات وصفية للسكان لفهم طبيعة وخصائص أي مجتمع تعتمد الإحصاء ، جمع العينات ، ... و تكشف عن متغيرات ديموغرافية للسكان ( العدد ، نسبة النمو ، التوزيع ، النشاطات ، الأجناس ، الأعمار ، ... ) مما يوفر مادة أولية و معطيات أساسية لأي سياسة اجتماعية
و عموما فإن المنهج الوصفي من أكثر المناهج ملاءمة للدراسات الاجتماعية لأنه يصف و يحلل الظواهر الاجتماعية من خلال بيانات يجمعها بأساليب تقنية منهجية .
-        حوصلة المنهج الوصفي :
المنهج الوصفي من أكر المناهج ملائمة للدراسات و الأبحاث الاجتماعية لأنه يصف و يشخص و يحلل الظواهر المدروسة وصف موضوعيا دقيقا من خلال البيانات و المعلومات التي يجمعها بالأساليب و التقنيات المنهجية .


         المنهج التاريخي
       لفظ التاريخ :
التأريخ : التعريف بالوقت
التاريخ Histoire  :كلمة يونانية تعني الرؤية أو النظر ، فالمؤرخ شاهد على الوقائع ، و قد عرف هيدوروت ( القرن 5 ق .م )التاريخ  بـ عرض للاستقصاء و المعرفة .
ثم جاء العرب و المسلمون و ركزوا على سرد الوقائع و الأخبار مثلا كتابات ابن الأثير ( الكامل في التاريخ )   ( ت 1332 م ) و السماوي ( المتوفي  1503 م ) و السيوطي ( ت 1505 م ) ثم جاء من بعدهم من أكمل التعريف العلمي للتاريخ المعتمد على النظرة العلمية .
       مدى علمية التاريخ :
منذ نهاية القرن 19 م ظهر نقاش حول علمية التاريخ خاصة بعد صدور كتاب ( المدخل للدراسات التاريخية ) للكاتبين لوم بلوا ، سيبوس نهاية 1898 في فرنسا  .
فهناك رأي ينكر علمية التاريخ لأن مادته غير ثابتة و غير قابلة للتجريب ، بينما هناك رأي يؤكد صفة العلمية للتاريخ اعتمادا على خصائص المادة التاريخية و طرق البحث فيها و التزام المنهج التاريخي و هذا ما صرح به الأستاذ جون باجنل بيوري بقوله (( التاريخ علم  ليس أكثر أو أقل )) History is science no more no less 
و عليه فإن علم التاريخ هو وصف الأحداث التاريخية بطريقة موضوعية في سياق زمني و مكاني باستخدام طريقة استقرائية يغلب عليها الطابع النقدي و التحليلي و الكشف عن العلاقات السببية للأحداث الماضية ، و قد اشتهر علماء كثيرون و طوروا علم التاريخ بمنهجية علمية من أمثال المؤرخين الألمان و الفرنسيين أشهرهم بيرنهايم ( كتابه حول منهجية البحث التاريخي 1894 )، فوستال دوكلارج (المدينة العتيقة 1830 – 1889 ) إضافة إلى رواد عرب مثل أسد رستم ( مصطلح التاريخ بيروت 1931 ) ، حسن عثمان ( منهج البحث التاريخي القاهرة 1943 )


       مفهوم الدراسات التاريخية :
تهتم بماضي مختلف الفروع العلمية لأن الباحث في أي مجال علمي مضطر إلى الدراسة التاريخية في تخصصه لأن لكل علم تاريخ ، و ذلك بتتبع الظاهرة المدروسة سابقا و ها ما أشار إليه ريكمان بقوله : إن المنهج التاريخي يعتمد أساسا على فهم التغيرات و المظاهر المختلفة للظاهرة من خلال النظر غليها في سياقها التاريخي .
       المنهج التاريخي :
-        تعريفه : هو قواعد و إجراءات يتبعها الباحث في جمع المادة التاريخية و دراستها و نقدها و تحليلها و استخلاص النتائج منها لفهم الحاضر و التنبؤ بالمستقبل
أهميته :
-        دراسة التاريخ العام للأمم و الخاص للأشخاص .
-        فهم الجوانب الايجابية و السلبية لحياة الناس لاستخلاص العبر .
-        اتساع مجالات استخدام المنهج التاريخي إذ يستخدم في مختلف العلوم و ليس في مجال التاريخ فقط
مآخذه  : رغم أهمية المنهج التاريخي إلا أن مصادره ليست موضوعية خاصة الأفراد الذين تضعف ذاكرتهم أو يميلون إلى التحيز أو المبالغة مما يصعب تطبيق المنهج التاريخي و رغم ذلك يبقى المنهج التاريخي قائما بأسلوب دقيق و منهجي و ضروري .
       المصادر التاريخية :
يستند المنهج التاريخي إلى عدة مصادر تختلف و تتنوع بطبيعة المادة التاريخية ، فهناك مصادر مادية و أخرى مكتوبة و ثالثة مصورة و رابعة شفوية .
أ ) المصادر المادية : مثل أنواع الفنون و العمارة و الزخرفة و المنحوتات ، المباني التذكارية ( الظاهرة أو المغمورة ) ، تعتبر هذه الشواهد كاشفة وصادقة عن النشاط الإنساني دون تحريف او تغيير ما عدا الظروف الطبيعية .
ب ) الوثائق المكتوبة : تتعدد بطرق تصنيفها من حيث النوع و القيمة
-        من حيث النوع : تنقسم إلى وثائق شخصية ( السير الذاتية ) ، المراسلات و الخطابات .. الخ
و وثائق رسمية ( المعاهدات ، العقود ، سجلات المحاكم ، ... ) تتضمنها دور المحفوظات و الأرشيف
-        من حيث القيمة : تصنف الوثائق إلى وثائق مكتوبة أولية تتضمنها دور الرشيف و أغلبها تقارير سرية ، معاهدات ، سجلات ، .. الخ  ، و أخرى ذات قيمة ثانوية و هي عبارة عن كتابات تاريخية منقولة تتضمنها المكتبات العامة ، و نتعامل معها بحذر .
ج ) الوثائق المصورة : تشمل الفنون ، الرسوم ، الصور ، الأشرطة السمعية البصرية ، الخرائط و غيرها .
د ) المصادر الشفوية : أقوال تؤخذ من شهود عيان ممن عايشوا الحدث أو حكم و أمثال و أغاني و أشعار .. تعتمد على الذاكرة و تخضع للتمحيص و النقد .
       خطوات المنهج التاريخي ( الخطوات العملية ) :
o       اختيار  الموضوع :
       و هي الخطوة الأولى و الهامة و تخضع لعدة معايير تتعلق بالموضوع و الباحث .و عند اختيار الموضوع لا بد من اعتماد المعايير التالية :
1       تحديد الإشكالية بطرح أسئلة فرعية أساسية تشمل الإطار الرماني و المكاني و النوعي للموضوع
2       وفرة الخبرة العلمية للباحث .
3       الابتعاد عن القضايا المتخصصة جدا خاصة بالنسبة للباحث المبتدئ .
4       التأكد من عدم معالجة الموضوع الدروس سابقا
5       وفرة الجاذبية و الجدية في الموضوع .
6       الاستعداد النفسي لإنجاز العمل للباحث
7       امتلاك الباحث لمؤهلات شخصية ( هدوء الأعصاب قوة الملاحظة ، الإبداع ، الشجاعة .. ) فضلا عن مؤهلات علمية و لغوية
       ضبط خطة الموضوع :
بعد اختيار الموضوع يضع الباحث تصميما أو ليا قابلا للتغيير حسب المادة الموفرة و تتضمن خطة العمل : مقدمة + متن عرض  + خاتمة  ( كتاب مناهج البحث العلمي لـ : عمار بوحوش )
أ ) المقدمة : تتضمن الإحاطة بالموضوع العام المعالج مع ضبط إطاره الزماني و المكاني و موقعه من تاريخه العام و المحلي إضافة إلى دواعي الاختيار و المشاكل المعترضة و النتائج المأمول الوصول إليها مع الإشارة للإشكالية و المنهج المتبع و كل ذلك في حدود 10 صفحات .
ب ) المتن ( العرض ) : يتضمن أقسام و فصول متسلسلة مرتبة زمنيا و نوعيا و كميا ، تتفرع إلى جزئيات أو أحداث أو أفكار رئيسية و ذلك حسب النقاط التالية :
-        كل فصل يبدأ بتمهيد يوضح الواقع التاريخي بالتحليل و المناقشة و عرض الأدلة و الشواهد التي تسبق تسجيل الحقائق في كل فصل .
-        تحديد المسائل الرئيسية في الفصول و عرض المشكلات الجزئية في الفقرات المؤلفة لكل فصل .
-        إخضاع السياق التاريخي للبحث لأسس منطقية و أفكار مترابطة
-        وضع أسئلة استفسارية ( استفهامية ) لكل نقطة في الفصل .
ج ) الخاتمة : خلاصة أفكار الموضوع و ما توصل إليه الباحث من أفكار و استنتاجات و تساؤلات لقضايا لم يتوصل فيها الباحث إلى جواب مقنع
1       التعرف على المصادر :
يتعرف الباحث على المادة البحثية بالرجوع إلى المراجع العامة مثل : دوائر المعارف ، قوام المراجع ( البيبلوغرافيا ) ، المدونات العامة ، الدوريات العلمية و الكتب العامة و الدراسات الحديثة
-        نماذج الموسوعات المساعدة : مثل الموسوعة الفرنسية الكبرى ، الموسوعة الإسلامية ، الموسوعة البريطانية ..
-        فهارس الكتب و المؤلفين منها : فهرست ابن النديم ( 1046 ) ، كشف الظنون عن أسامي الكتب و الفنون لحاجي خليفة ، كتاب جلبي ( 1656 ) ، هدية العارفين بأسماء المؤلفين و آثار المصنفين ( إسماعيل بغدادي 1920 ) معجم المؤلفين ( عمر الحال ) ، الأعلام ( خير الدين الزركلي )
2       نقد المصادر :
يتوجب على الباحث نقد الوثيقة التاريخية لأن الأصل في التاريخ الاتهام و عليه يكون النقد ظاهريا و باطنيا
أ ) النقد الظاهري ( الخارجي ) ينقد الباحث ظاهر الوثيقة بإثبات صحة الأصل و السلامة من التزييف و ينقسم إلى قسمين :
نقد تصحيحي للوثيقة و نقد يبحث عما أدخل على الوثيقة من إضافات .
-        نقد التصحيح : يهدف لإثبات صحة الأصل و يشمل المصدر المكتوب و الرواية الشفوية
أ - المصدر المكتوب : قد يجد الباحث عدة وثائق بعدة احتمالات
أ1 – وجود وثيقة أصلية : يقوم الباحث بإثبات صحتها بفحص الورق ، الخط ، الحبر ، الأختام ، طبيعة المفردات .
 أ2 – فقدان الأصل و وجود نسخة لها أخطاء: يتوجب على الباحث تصحيحها
( إكمال الجمل الناقصة و الحروف الساقطة و النقاط الناقصة ) .
أ3 – وجود نسخ عديدة لأصل ضاع : و هنا يجب المقارنة
ب ) الرواية الشفوية :  يواجه الباحث مشكل تعدد الروايات حسب الحالات التالية :
ب1 – روايات متعددة لحدث واحد : تستوجب التحليل و المقابلة و عرضها بنصها دون ترجيح .
ب2 – روايات متعددة احدث واحد : تتطلب الشواهد و الأدلة .
ب3 – روايات متفقة و وجود رواية واحدة مخالفة للحدث : لا يجوز الترجيح بالأغلبية فقد يكون الواحد صحيح بل يرجع الباحث إلى تحليل مصدر الروايات و إذا رجح إحداها فلا يعتبرها رأيا نهائيا
ب4 – روايات متفقة : على الباحث أن يعتمد التواتر كدليل على صحة الحدث .
ج ) النقد الباطني ( المحتوى ) :
هدفه حصول الباحث على معلومات صحيحة من الوثيقة و ينقسم :
ج 1 ـ النقد الباطني الايجابي : هو إدراك المدلول الحقيقي للنص و تحديد معانية الخفية من خلال شرح المصطلحات ، المفردات حسب الزمان و المكان ، و مستوى الثقافة و معرف أصل ، أي تحليل شامل للعملية اللغوية و التاريخية و الجغرافية لألفاظ الوثيقة ، مما يستوجب الاستعانة بعلوم اللغة ، المعاجم ، الأسماء .. الخ
ج 2 ـ النقد الباطني السلبي : معرفة ظروف كتابة النص من طرف الكاتب و مدى صحتها و مدى صدقه و الخلاصة بطرح الأسئلة التالية : هل كان يريد الكاتب منفعة مادية أم علمية عندما يقدم معلومات خاطئة ، هل انساق وراء غرور فردي أو جماعي بغية التمجيد و الفخر ؟ هل كان في موقف أرغمه الكذب ؟ و باختصار ما علاقة المؤلف بالحدث ؟
و هذا يستوجب على الباحث التعرف على عصر و بيئة و معارف لكاتب .
و الخلاصة هي أن النقد الظاهري و الباطني يؤكد صحة الوثيقة شكلا و مضمونا و لذلك قال أسد رستم في كتابه مصطلح التاريخ : إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها .
الصياغة :
بعد العمليات السابقة يشرع الباحث في تحليل المادة التاريخية و ترتيبها و إعادة إنشائها .
المنهج التجريبي :
مقدمة : هو منهج يفسر الوقائع الخارجة عن العقل أو النفس بالتجربة ، دون الاعتماد على قواعد المنطق الصورية ، و يقوم على نوعين من المتغيرات
-        المتغير المستقل : و هو العامل المؤثر في الظاهرة ( العامل التجريبي )
-        المتغير التابع : و هو الفعل الناتج أو نوع السلوك الناتج عن تأثير العامل المستقل في الظاهرة
و هذان المتغيران أساسيان في المنهج التجريبي
       خطوات المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية
1 ـ الملاحظة :  يعتمد على الحواس الموجهة للظاهرة لكشف خصائصها
2 – الفرضية : تفسير مؤقت محتمل للظاهرة
3 ـ التجربة : توفير شروط اصطناعية كفيلة بإحداث الظاهرة
       إذا كانت الخطوات السابقة تهم العلوم التجريبية فإن العلوم الاجتماعية  تعتمد الخطوات التالية :
1 ـ الشعور بالمشكلة
2 ـ مراجعة الدراسات السابقة حول الظاهرة
3 ـ تحديد معالم المشكلة
4 ـ صياغة فرضيات
5 ـ وضع تصميم منهجي حسب متغيرات الموضوع و أدوات التجربة كاختبار عينة البحث أو تصنيف المبحوثين إلى مجموعة أو مجموعات
6 ـ إجراء التجربة وقياس نتائجها
7 ـ كتابة تقرير حول النتائج النهائية
ـ طريقة التجريب في طريقة المجموعة الواحدة : تهدف إلى اختبار مدى تأثير المتغير المستقل لحث المتغير التابع ، فمثلا نجري اختبار على مجموعة طلبة للتأكد من مدى نجاعة تطبيق برنامج اللغة العربية مثلا
ـ طريقة المجموعتين المتكافئتين : نقسم الطلبة إلى مجوعتين لاختبار صحة برنامج ما فنخضع المجموعة الأولى لاختبار في البرنامج الجديد و الثانية لاختبار في برنامج قديم فإذا كانت نتائج المجموعة الأولى أحسن من الثانية  نتأكد بجدوى البرنامج الجديد .
       شروط التجربة الجيدة :
1 ـ دقة الفرضيات في ذهن الباحث
2 ـ التطبيق الدقيق للتجارب
3 ـ الملاحظة الدقيقة و الموضوعية
4 ـ تكرار التجربة بما يسمح بتعميم الظواهر 
عند تعذر التجربة يلجأ الباحث للإحصائيات و البيانات
       تطبيقات و استخدامات المنهج التجريبي
أولا : مع علم النفس :
اعتمد علم النفس على الملاحظة و القياس في دراسة سلوك الإنسان و توصل إلى عدة نتائج و قوانين مثل قانون  فيبر ( العلاقة بين المثير و الاستجابة ) ، أو قانون عالم الاجتماع الأمريكي وست وورد القائل : إن الإفراد يبحثون عن الكسب دون مجهود إضافة إلى تجربة التنويم المغناطيسي و تأثيره في مرضى الهستيريا
ثانيا مع علم الاجتماع :
استخدم علماء الاجتماع المنهج التجريبي في البحوث الميدانية مثل علم الاجتماع السياسي ، علم اجتماع الديمغرافيا ، علم الاجتماع الصناعي .
مصطلحين هامين هما :
ـ المتغير المستقل : العامل الخارجي للظاهرة .
ـ المتغير الثابت : النتيجة للمتغير
ثالثا : في الدراسات القانونية :
أجريت دراسات عن الجريمة و علاقتها بالذكاء و البيئة ، العلاقة بين القانون و الحياة الاجتماعية ، ... الخ
تقييم عام للمنهج التجريبي :  أ ) إيجابياته :
-        دقة النتائج
-        إمكانية تكرار التجربة
                                 ب ) سلبياته :
-        صعوبة التأكد من موضوعية أطراف التجربة خاصة في العلوم الاجتماعية
-        صعوبة إخضاع جميع الظواهر الاجتماعية للتجربة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق