الخميس، 13 أبريل، 2017

الفكر الأوروبي العالمي الحديث.

نشأت الحداثة الأوروبية ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي تقريبا، ومرت بعدة مراحل. بدأت بعصر الإصلاح الديني ثم عصر النهضة ثم عصر الأنوار ثم العصر الحديث. وكانت الحداثة الأوروبية معبرة في حقيقة الأمر عن ظهور نظرة جديدة إلى العالم مختلفة اختلافا جذريا عن النظرة الكلاسيكية القديمة التي سادت أوروبا منذ عصر أرسطو حتى بديات ظهور العصر الحديث.
وقد تميزت نظرة العصر الوسيط للعالم بنوع من التوفيق بين الفكر المسيحي، الكاثوليكي، وبين الفكر الأرسطي. فقد سيطر عليها الفكر الديني من الناحية الأخلاقية والسياسية، في حين سيطر عليها الفكر الأرسطي من الناحية الطبيعية. واتفق الإثنان على أهمية النظرة الغائية في الطبيعة ومركزية الإنسان في الكون. ذلك أن النظرة الغائية لها ارتباطها الواضح بالفكر الديني وبالإيمان بالإله الخالق للكون. في حين مثلت الغائية أحد أساسيات النظرة الطبيعية الأرسطية سواء على مستوى تفسير الحركة الطبيعية للأجسام غير الحية أو لتفسير حركة الأجسام الحية من نبات وحيوان[1].
وعلى النقيض من ذلك سيطرت بشكل تدريجي النظرة السببية الحتمية للكون على الفكر الأوروبي الحديث. وكان ذلك مرتبطا بشكل أساسي بظهور العلم التجريبي الحديث سواء على يد مؤسسي المنهج العلمي من أمثال فرانسيس بيكون وجون ستيوارت مل أو على يد العلماء الطبيعيين الأوائل من أمثال جاليليو جاليلي وإسحق نيوتن. وتبلور مفهوم السببية في أن البحث عن الأسباب المادية للتغير هو السبيل الوحيد لفهم الطبيعة والتعامل معها والسيطرة عليها لمصلحة الإنسان. أما الاعتماد على الغائية فلا يؤدي إلى اكتشاف الطبيعة لأن الغاية ليست في الطبيعة وإنما في ذهن الإنسان، ولا يمكن التحقق منها. فالاعتماد على السببية هو الأسلوب العلمي، أما الاعتماد على الغائية فهو في أفضل الأحوال نوع من الخرافات التي ورثها الإنسان من العصور البدائية[2].
ونتج عن ذلك أن تبلورت نظرة إلى العالم تسمى عادة بالنموذج الميكانيكي للعالم. ففي هذا النموذج العالم بما فيه من موجودات حية وغير حية مكون من مادة متناهية الصغر، هي الذرات، وهذه الذرات في حالة حركة. والتفاعل بين الذرات هو من خلال التلامس المباشر، بحيث تؤدي حركة جسم معين إلى اصطدامه بجسم آخر فتؤثر على كمية حركته واتجاهه. والصورة المثلى لهذا النموذج تظهر في القوانين التي تحكم حركة الأجسام الفيزيائية غير الحية، والتي مثلتها في هذا الوقت قوانين نيوتن الميكانيكية. وفي ظل هذا التصور تظل حركة الأجسام الحية بما فيها النبات والحيوان والعقل الإنساني، خاضعة من حيث المبدأ لنفس التصور الميكانيكي[3].
ولأن العقل الإنساني يخضع لنفس النموذج الميكانيكي فإن المجتمعات الإنسانية الناتجة أصلا عن تفاعل العقل الإنساني تخضع هي الأخرى لقانون السببية وللنموذج الميكانيكي. ولكن بدلا من استخدام القوانين الفيزيائية استخدمت قوانين سببية بديلة ناشئة عن طبيعة العقل الإنساني. فأصبحت اختيارات الإنسان التي يظن أنها اختيارات حرة مجرد رد فعل على المؤثرات الفيزيائية الخارجية. وأصبحت حركة المجتمع محكومة بنماذج احصائية تعبر عن النظرة المادية للظاهرة الاجتماعية[4].
ولأن النظرة إلى العالم والنموذج الذي يعبر عنها تشمل كل مستويات الطبيعة بما في ذلك الطبيعة الإنسانية فإن النظرة الميكانيكية حملت معها نموذجا معينا للإنسانية كمفهوم وللتبعات الأخلاقية المترتبة عليها. فقد أدت تلك النظرة إلى التعامل مع الطبيعة بمنطق الاستفادة والاستغلال، وإلى التعامل مع الإنسان "الآخر" أيضا بمنطق الموضوع المادي الطبيعي محل الاستغلال. وترتب عليها أيضا نظرة مادية براجماتية للأخلاق الإنسانية تعتمد على المنفعة واللذة المادية[5].

1.    ظهور تصورات بديلة

ومع نقد ما أسفر عنه فكر الحداثة يمكن القول بأنه مع منتصف القرن العشرين تقريبا انتهى مشروع الحداثة الأوروبية، وبدأ العالم الغربي في الدخول في مرحلة ما بعد الحداثة[6]. ومثلما حمل مشروع الحداثة معه نظرة جديدة إلى العالم، هي النظرة الميكانيكية، فإن فكر ما بعد الحداثة قد حمل معه أيضا تغيرات أساسية بالنسبة للنظرة الغربية إلى العالم.
ففكر ما بعد الحداثة يعبر بشكل أساسي عن نقض فكر الحداثة ومفاهيمه الأساسية من عقلانية ومنهجية وانتظام في الطبيعة. لذلك لم يكن مصادفة أن تظهر مفاهيم الفوضى المنظمة (الكاوس) "Chaos" والكلية "Holism" والأنظمة المعقدة "Complex  systems"، والتشابك "Entanglement"، واللاتحديد "Uncertainty"، والمنطق الغائم "Fuzzy Logic"، والغائية الجديدة "Neo-Teleology"..الخ[7]. لم يكن مصادفة أن تظهر تلك المفاهيم الجديدة، والتي تتناقض بشكل مباشر مع النموذج الميكانيكي للطبيعة، في الفكر العلمي والفلسفي المعاصر ابتداء من الربع الأخير من القرن العشرين في نفس الفترة التي ظهر فيها فكر ما بعد الحداثة.
وسواء كانت مشكلات النظرة الميكانيكية أحد أسباب ظهور ما بعد الحداثة أم أن فكر ما بعد الحداثة كان هو السبب في ظهور نظرة جديدة غير ميكانيكية إلى العالم. ايا كان الحال، فإن الواقع هو أنه بشكل تدريجي بدأت تتشكل عناصر مناقضة بشكل تام للعناصر المؤسسة للنظرة الميكانيكية إلى العالم. وقد ظهرت تلك العناصر المناقضة للنموذج الميكانيكي بأشكال مختلفة كلها جزئية لا تعبر عن تكامل فيما بينها لتكوين نموذج بديل. كما أن بعضها ظهر باعتباره تجديدا للمفاهيم المكونة للنموذج الكلاسيكي وإن كان بشكل مختلف. وبعضها الآخر ظهر باعتباره مناقضا بشكل تام للعناصر المقابلة له في هذا النموذج.
وإذا تأملنا الحالة الراهنة للتطور الحضاري سنجد أن الفكر الإنساني حاليا هو في مرحلة انتقالية. والسمة الأساسية لهذه المرحلة هي ظهور تصورات عديدة جديدة تحاول تقديم نظرة جديدة إلى العالم تستطيع أن تحل محل نظرة فكر الحداثة التي يتمثل جوهرها في مفهوم العقلانية الحداثية. ولأن الفكر الإنساني المعاصر لا يزال في حالة بحث أو تمهيد للنظرة الجديدة القادرة على أن تحل محل فكر الحداثة. ولأن ظهور نظرة جديدة إلى العالم يرتبط بظهور نموذج جديد للطبيعة. لذلك فإن الملاحظ للفكر العلمي والفلسفي المعاصر سيجد أن هذا الفكر حاليا في حالة بحث أو تمهيد للنموذج الجديد للطبيعة القادر على أن يحل محل النموذج الميكانيكي الذي أنتجه فكر الحداثة. 
ولسوف تكون مهمتنا الأساسية في هذا البحث إثبات أن الفكر العلمي والفلسفي المعاصر يقدم فعلا ما يمكن أن نسميه بملامح لنموذج جديد للطبيعة يمكن أن يحل محل النموذج الميكانيكي الذي ينتمي إلى مرحلة فكرية تجاوزها الفكر الإنساني حاليا. ولسوف نقوم بتحقيق ذلك من خلال وضع الأعمال التي تعبر عن مفاهيم جديدة تختلف مع النموذج الميكانيكي في إطار واحد يربطها نسميه النموذج اللاميكانيكي للطبيعة. ولكن حتى يتحقق ذلك من اللازم التفرقة بين ثلاثة مستويات من المفاهيم المكونة لهذا النموذج.

2.    ثلاثة مستويات لتصورات النموذج الجديد

وإذا كانت الحالة الراهنة للفكر الإنساني تنبئ بظهور نموذج جديد للطبيعة، فإنه من المهم بيان أن طرح نموذج للكيفية التي تعمل بها الطبيعة له عدة مستويات. أولا مستوى الافتراضات الأساسية عن طبيعة العالم التي يقوم عليها هذا النموذج. ثانيا، مستوى التصور العام للعلاقات بين الموجودات المختلفة في الطبيعة وكيفية تفاعلها وتآثرها مع بعضها البعض. ثالثا، مستوى القانون أو القوانين العامة التي تحكم الطبيعة في ظل هذا النموذج.
ويظهر ذلك بوضوح في النموذج الميكانيكي للعالم الذي ظهر بشكل تدريجي على المستويات الثلاث. فعلى المستوى الأول، وهو الفرضيات الأساسية عن طبيعة العالم، ظهرت فرضية أن العالم هو عالم مادي يتكون من الذرات المصمتة الدائمة الحركة. وعلى المستوى الثاني، وهو تصور العلاقات بين الموجودات، ظهر تصور الحتمية السببية. أما على المستوى الثالث، وهو القوانين التي تحكم العالم، فظهر تصور القوانين الميكانيكية الأساسية التي تبنى عليها كافة القوانين الطبيعية.
وبنفس القدر فظهور نموذج بديل جديد للنموذج الميكانيكي للطبيعة يستلزم تقديم العناصر التي تكون هذا النموذج على المستويات الثلاث. وعلى الرغم من أن مثل هذا الهدف، أي تقديم النموذج الجديد البديل، هو هدف ضخم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تضافر جهود العديد من المؤسسات البحثية. على الرغم من ذلك إلا أنه يمكننا اعتمادا على ما هو موجود مسبقا في أدبيات فلسفة العلم وفروعها التخصصية المختلفة من فلسفات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا وفلسفة الرياضيات وفلسفة العقل، يمكننا أن نقدم رصدا عاما للملامح الأساسية التي تشير إلى تكون عناصر النموذج الجديد الذي لم يستكمل شروط تشكله بعد[8].
وباستخدام هذه العناصر الموجودة مسبقا في الأدبيات، يصبح ممكنا بالنسبة لنا أن نقدم صياغة للنموذج الجديد على المستويات الثلاث. فعلى المستوى الأول يمكن القول بأن الابحاث المعاصرة في فلسفة العلم تتجه إلى أن الفرضيات الاساسية عن طبيعة العالم يمكن إيجازها في فرضيات ثلاث.
أنه ليس هناك في الطبيعة ما يمكن اعتباره الصورة النهائية للمادة وآنه هناك دائما جانبين للوجود، أحدهما يعبر عن المادة والآخر يعبر عن الفكر. وتختلف التفسيرات أو التعبيرات المعطاة لهذين الجانبين من تصور لآخر حتى الآن. وأن الطبيعة تتسم بالتعقيد، (Complexity theory). وأنها تتسم بالترابط الكلي المتشابك، (Holism).
 ثم انطلاقا من هذه الفرضيات الأساسية والتصورات المطروحة في عدد محدود من الأدبيات المعاصرة يمكننا، على المستوى الثاني، صياغة التصور المركزي لهذا النموذج الجديد، والذي هو مفهوم حرية الاختيار. ومفهوم حرية الاختيار، هو لدينا، البديل لمفهوم الحتمية السببية، الذي هو المفهوم الجوهري في النموذج الميكانيكي القديم.
ومفهومنا لحرية الاختيار في الطبيعة سوف يعتمد من ناحية على تحليلنا للطبيعة حسب ما وصل إليه العلم الحديث بشكل عام. ومن ناحية أخرى على ما توصلت إليه العديد من الأبحاث المعاصرة فيما يخص مفاهيم الوعي والغائية وحقائق الواقع على المستوى دون الذري والبيولوجي وعلوم المخ والأعصاب. وهي أعمال جميعها مطروحة في الإطار الأكاديمي، اي في إطار النموذج العلمي "Paradigm" القائم في عالم اليوم. ولكنها مع ذلك أعمال محدودة العدد لأن أغلب الآراء المطروحة تعبيرا عن مفهوم القدرة على الاختيار أو عن المفاهيم المرتبطة بها أو المفضية إليها، اليوم، هي من خارج الأكاديمية.
وهذا الأمر له دلالة، فقبول المجتمع العلمي، بشكل محدود، للأعمال التي ترتبط بتصور القدرة على الاختيار، كمثل كلية النفس أو الغائية، يعني أنها تصورات تستوفي الحد الأدنى من شروط البحث العلمي في عالم اليوم[9]. ولكنه يعني أيضا أن العقلية العلمية، حتى الآن، ليست متقبلة لفكرة التحول بشكل كامل عن النموذج الميكانيكي القديم. وإنما هي تحاول أن تعيد طرحه بصور جديدة تحافظ على الفكرة الجوهرية فيه وهي فكرة السببية.
وبهذا المعنى لا يكون طرحنا لفكرة القدرة على الاختيار خروجا على المعايير التي يشترطها البحث العلمي اليوم، وإن كان يعد بطبيعة الحال خروجا على النموذج العلمي الأساسي السائد الآن. والمعنى الذي يفيده ذلك هو أن النموذج القائم حاليا يعاني من صعوبات شديدة يمكن أن تكون مؤشرا قويا على عملية تحول جذرية في الفكر العلمي أو "ثورة" علمية بالمعنى الذي طرحه توماس كون في مؤلفه المشهور عن بنية الثورات العلمية.
ذلك أنه إذا قارنا الصورة التي استخلصها "كون" عن الطبيعة البنيوية التي تتميز بها التغيرات العلمية الجذرية (الثورات العلمية) بالحالة الراهنة اليوم سوف يمكننا أن نستخلص أننا نعيش في لحظات تتشكل فيها كافة الملامح البنيوية التي تحقق ثورة علمية. والثورة العلمية تكون عادة جزءا من تغير في النظرة الفلسفية إلى العالم وفي النموذج السائد للطبيعة المرتبط بها. لذلك يمكننا القول بأن هذا الموقف شبيه بتمسك الفكر المدرسي، الذي ساد أوروبا في العصر الوسيط، بنظرته إلى العالم ومقاومته لمبادئ العلم الحديث، على الرغم من ازدياد الأدلة التجريبية على ضعف التصور القديم وقوة التصورات الحديثة.
 ولأن طرح نموذج جديد للطبيعة يستلزم طرح تصور عن القوانين الطبيعية التي تحكم الطبيعة، وهو المستوى الثالث. لذا فإننا نقدم في نهاية البحث تصورا عاما عن الكيفية التي يمكن أن تنشأ بها قوانين الطبيعة انطلاقا من تصور القدرة على الاختيار. ولكن لأن موضوع هذا البحث يتركز على التأسيس لمفهوم القدرة على الاختيار في أدبيات فلسفة العلم المعاصرة فإن تناولنا لمشكلة القوانين الطبيعة في النموذج الجديد سوف يكون موجزا.


مواضيع ذات صلة

أ‌-         احل. بدأت بعصر الإصلاح الديني ثم عصر النهضة ثم عصر الأنوار ثم العصر
تعريف العصر الحديث
الفرق بين العصر الحديث والمعاصر
العصر الحديث في الادب
بداية العصر الحديث
العصر المعاصر
خصائص العصر الحديث
العصر الوسيط
اهم التطورات التي عرفتها القارة الأوروبية في القرن 18
أ‌-         عمليات بحث متعلقة بـ الفكر الأوروبي العالمي الحديث.
تعريف التيارات الفكرية
التيارات الفكرية في الوطن العربي
نشأة التيارات الفكرية
التيارات الفكرية المعاصرة
تاريخ الفكر الأوروبي
الفكر الأوروبي الحديث
تاريخ الفكر الاجتماعي في ايران
الفكر الأوروبى الحديث فرانكلين باومر
أ‌-         تاريخ فكري عالمي



1 الدين والعقل الحديث، ولتر ستيس، مكتبة مدبولي (1998) الصفحات 19- 44.
2 السابق صـ 117-119.
3 هذا هو التصور الميكانيكي للعالم كما طرح في القرن السابع عشر، والذي أضيفت إليه فرضية الجاذبية عن بعد كما وضعها نيوتن، والتي مثلت نوع من الخروج على هذا النموذج. وهو الأمر الذي تم تصحيحه لاحقا بواسطة نظرية النسبية العامة حيث يظهر تأثير كتلة الأجسام على هيئة انحناء لحركة الأجسام في "الزمان-مكان"، وبذلك يحتفظ مفهوم النظرة الميكانيكية للعالم بفكرة السببية المباشرة. وبعد اكتشاف مكونات الذرة أصبحت بعض الجسيمات الدقيقة هي المسئولة عن نقل القوى بين الأجسام على المستوى الكبري. بالنسبة لمناقشة تفصيلية لتطورات التصور الميكانيكي ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي انظر،
David Papineau, 2000. “The Rise of  Physicalism” in J. Wolff (ed) The Proper Ambition of Science. Pp. 174-208.  
4 بالنسبة للنظرة الميكانيكية للعقل الإنساني أنظر
"A Materialist Theory of The Mind", D.M. Armstrong, 1993

5 وهذه النظرة الميكانيكية للمجتمعات الإنسانية هي التي أنتجت نقد مدرسة فرانكفورت المعروف لما أسمته العقلانية الأداتية، وسقوط الرؤية العقلانية للعالم، راجع تفصيلات ذلك في، "نقد الحداثة"، آلان تورين، 1992، صـ206 وما بعدها.
6 يؤرخ لذلك عادة بنقد مارتن هيديجر "Marten Heidegger" للميتافيزيقا في أعماله في النصف الأول من القرن العشرين، في حين يرى آخرون أن مشروع الحداثة قد انتهى فعليا قبل ذلك بتأثير كتابات فريدريك نيتشه "Fredrick Nietzsche "  أواخر القرن التاسع عشر وأول القرن العشرين. في انتهاء الحداثة ونشأة ما بعد الحداثة وأسسها الفكرية انظر،
David Cooper, 1996, "World Philosophies, An Historical Introduction", Blckwell, Pp. 465-469.

7 سوف نقوم بإيضاح تلك المفاهيم وارتباطها بموضوع البحث في الأجزاء التالية منه.
8 هناك الآن كم هائل من الأدبيات في كل فروع المعرفة، سواء منها المعتمد على الفلسفة النظرية كمثل فلسفة العلم أو العلوم المعرفية، أو المعتمد على الأبحاث التجريبية كمثل ميكانيكا الكم والكيمياء العضوية وأبحاث المخ والأعصاب. وهي أبحاث تتناول بشكل أو بآخر المشكلات الجزئية الخاصة بالنموذج الميكانيكي للطبيعة. منها ما يلتزم التزاما صارما بهذا النموذج، وهو ما يعرف بالمادية الاستبعادية "Eliminative Materialism"، ومنها ما يطرح تصورات تجديدية أو تصحيحية لهذا النموذج، وأغلبها يعتمد على فكرة الأنظمة ذاتية التنظيم "Self-Organizing Systems". ومنها ما يحاول أن يطرح تصورات متعارضة بشكل تام مع النموذج الميكانيكي، وهذه تعتمد على فكرتي كلية النفس "Pan-psychism" والغائية "Teleology" بشكل أساسي. وهذه الأعمال هي في مجموعها تمثل ثروة من المعلومات يمكن إذا استخلصت مضامينها الحقيقية ووضعت بشكل متكامل مع بعضها البعض أن تنتج صورة متسقة مع ذاتها لنموذج للطبيعة يتفق مع الوقائع التجريبية وتطور الفكر الإنساني.
9 انظر، على سبيل المثال، رسالة دكتوراة لكريستوفر ميروس (Cristopher Miros) عام 2003 من قسم الفلسفة، جامعة نوتردام، الولايات المتحدة عنوانها "الغائية الأرسطية والميكانيكا الحديثة"، "Aristotle's Teleology and Modern Mechanics". يدافع فيها عن إمكانبة تفسير التطبيقات الميكانيكية التقليدية بشكل غائي حسب التصور الأرسطي. وكذلك رسالة دكتوراة لريتشارد كاميرون (Richard Cameron) عام 2000 من قسم الفلسفة جامعة كولورادو، الولايات المتحدة ، عنوانها "الغائية عند أرسطو وفلسفة البيولوجيا المعاصرة"
"Teleology  in Aristotle and Contemporary Philosophy of Biology: An Account of the Nature of Life"
يطرح فيها أن التصور الغائي الأرسطي لتفسير الحياة يستطيع أن يحل الكثير من المشكلات التي تواجهها البيولوجيا المعاصرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق