الأحد، 16 أبريل 2017

الأساليب السلوكية في الإدارة

الأساليب السلوكية في الإدارة

بدأ التركيز خلال عام 1920 على الجوانب الإنسانية يتنامى ويؤثر في الفكر الإداري، فظهرت عدة نظريات تبدو في واقعها ثورة حقيقية على النظريات التقليدية السابقة التي لم تتعرض للجانب الإنساني، وإذا تعرضت للجوانب الإنسانية فبهدف زيادة الكفاءة والإنتاجية وليس بهدف الإنسان وتلبية رغباته وتنميته أو حل مشاكله. من هنا بدأت نظريات أخرى تنحو منحى آخر نحو الاهتمام بالجوانب الإنسانية، ليس فقط من قبيل الجوانب المادية، وتلبية حاجات العامل المادية وإنما التركيز أيضا على الجوانب المعنوية في المشاركة والحرية وتقدير الفرد واحترامه. وهذه التوجهات تعتبر ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتمكين الإنسان ومنحه حرية ومشاركة أكبر، ولكن بالتأكيد فإن مفهوم التمكين بشكله المعاصر لم يتبلور إلا في وقت متأخر وفي العهد القريب. وما يمكن مراعاته هنا أن التمكين بشكله المعروف حاليا في أدبيات الإدارة هو نتاج تراكمي وتطوري لما تمخضت عنه هذه النظريات المختلفة عبر عقود مضت.
ومن أهم النظريات ذات التأثير الهام في الفكر الإداري الإنساني:

1-     دراسات هوثورن وحركة العلاقات الإنسانية.

2-     نظرية الحاجات لماسلو

3-     نظرية X and Y  ل دجلوس ماكقريقور (Douglas McGregor) .

4-     الشخصية البالغة لدى كرس آرقريس (خطوة هامة جدا تجاه التمكين).(Chris Argyris)

دراسات هوثورن وحركة العلاقات الإنسانية

بدأت دراسات هوثورن في عام 1924 في شركة ويسترين أليكتريك (Western Electric) في الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ الباحثون يدرسون أثر العوامل المادية مثل ظروف العمل ومستوى الإضاءة على إنتاجية العامل في تلك الشركة[i] واستمرت تلك الدراسات حتى عام 1932 عندما بدأ الركود الاقتصادي العظيم يعصف في البلاد، فتوقفت دراسات هوثورن التي ساهم بها Elton Mayo من جامعة هارفارد. وعلى الرغم من أن تلك الدراسات قد بدأت تحاول دراسة ظروف العمل المادية، (مستوى الإضاءة) وأثرها على إنتاجية العاملين، إلا أنها قد ظهرت، صدفة ونتيجة لخطأ في المنهجية المستخدمة، متغير آخر غير مقصود وهو أهمية التعاون والاهتمام بالإنسان و العامل على أنّها متغيرات تؤثر على الإنتاجية بدلا من الإضاءة أو ظروف العمل المادية التي قامت الدراسة أصلا من أجل قياسها وقياس أثرها. ورب ضارة نافعة، فالخطأ في المنهجية الذي سُّمي "أثر هوثورن" (Hawthorn Effect) كان من أهم الأسباب التي فجرت ثورة جديدة في الفكر الإداري، ومهد الطريق لما سمي فيما بعد بحركة العلاقات الإنسانية التي ظهرت خلال عام 1950-1960، وكانت وجهة نظر هذه الحركة تنطلق من أن معاملة العاملين معاملة إنسانية جيدة تؤدي إلى تحقيق إنتاجية أفضل، وحركة العلاقات الإنسانية هذه مهدت السبيل لما أصبح يعرف في الوقت الحاضر بدراسة السلوك التنظيمي.
وظهرت بعدها نظريات أسست لدور العامل والموظف في المنظمة وقعّدت لمساهماته الفاعلة وحاجاته التي تتجاوز الحاجات المادية المجردة إلى الحاجات والمطالب الإنسانية في قضايا الإبداع والابتكار والتفوق والتحدي والمشاركة في اتخاذ القرار وتمكين الموظف ومنحه حريات أكبر في العمل. ومن أهم هذه النظريات نظرية  Ibraham Maslow [ii] للحاجات ونظرية X and Y لصاحبها Douglas McGreoger  ونظرية الشخصية البالغة لصاحبها Chris Argyris وغيرها من النظريات التي بدت تمهد الطريق بشكل تدرجي نحو التمكين ورفع سوية العنصر البشري في منظمات الأعمال.
وظهرت مقدمات هامة جدا مثل إثراء العمل وتوسيع العمل وإشراك العامل في المشورة واتخاذ القرار؛ لتحسين صورة المنظمات التجارية بشكل خاص بعدما استغرقت لعدة عقود في عمليات الإنتاج والتسويق والربح وتحقيق أكبر حصة سوقية ممكنة، وقد ظل حجم الطلب يزيد عن حجم العرض لفترات زمنية طويلة.
فحان الوقت في بداية الخمسينات من القرن الماضي للتحول التدريجي نحو الاهتمام بالجوانب الإنسانية، أملا بتحقيق تميز ونمو في المنظمات من نواحي اقتصادية ونواحي إنسانية على حد سواء، فظهرت نظرية ماسلو الشهيرة في تقسيم حاجات الإنسان إلى خمسة أقسام، كما هو مبين في الشكل رقم واحد أعلاه.
إن متابعة وتقصي دوافع وحاجات وهموم العاملين أفضى إلى دراسة قضايا خاصة وأكثر تحديدا، تتعلق في مشاركة العاملين في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية وتدوير العمل (Job Rotation) وتفويض الصلاحيات وتوسيع العمل (Job Enlargement) و إثراء العمل (Job Enrichment) ، وغيرها من الأمور التي بدأت تظهر في أدبيات الإدارة، وفي مقدمة هذه المفاهيم المعاصرة في زماننا هذا مفهوم تمكين العاملين. ومن أهم المفاهيم التي ساهمت في تسريع الخطوات نحو التمكين نموذج الخصائص المحورية.
·         نموذج الخصائص المحورية[iii] (Core Characteristics Model) يحدد في هذا النموذج كل من Richard  Hackman و   Greg Oldham خمس خصائص هامة لوصف الوظيفة ذات المعنى والقيمة الكبيرة:
1.      تنوع المهام- عندما تحتوي الوظيفة على أنشطة متعددة وعندما تتطلب من العامل مهارات ومواهب مختلفة.
2.      هوية الوظيفة- عندما تتطلب الوظيفة من العامل القيام بمهام الوظيفة بالكامل، من ألفها إلى يائها دون القيام بعمل مبتور، أو بجزء من العمل.
3.      أهمية المهام-  عندما تترك الوظيفة أثراً على الآخرين داخل أو خارج المنظمة (أي أن يكون للوظيفة دور في التأثير في حياة الآخرين).
4.      الاستقلالية في العمل- عندما تمنح الوظيفة حرية للعامل واستقلالية في العمل وحرية في التصرف في تخطيط العمل وجدولته وتحديد إجراءات العمل.
5.      التغذية الراجعة- عندما يحصل العامل على معلومات بشكل مباشر وواضح عن نتائج عمله ونتائج أدائه.
تؤكد هذه النظرية التي جاءت لتعزز نظرية إثراء العمل، أنّ الأفراد الذين تتوافر عندهم الخصائص الخمس السابقة سيكون لديهم إثراء العمل كبيراً، وهذا يتطلب وجود حاجة عند هؤلاء للإنجاز والتميز. أما الأفراد الذين لا تتوافر عندهم تلك الحاجة أو تلك الرغبة فلن يكون بمقدورهم إثراء العمل؛ لأنهم لا يتمتعون بدرجة عالية من الخصائص الخمس المذكورة.

نظرية X and Y لصاحبها Douglas McGregor (خطوة هامه تجاه التمكين).

تأثر (Douglas McGregor) بأفكار Maslow ودراسات هوثورن، فقدم إضافة جديدة لحركة العلاقات الإنسانية من خلال كتاباته، وخاصة في كتابه "الوجه الإنساني من المشروع" (The Human Side of Enterprise)  ، من خلال نظريته التي سماها نظرية  X و Y. ولكل من X و Y افتراضات؛ ففي حين يفترض المدير الذي يتبنى نظرية X أن العامل كسول ويفتقد لروح المبادرة وتحمل المسؤولية، فإن المدير الذي يتبنى نظرية Y يحمل افتراضات مغايرة تماما، فيرى في مرؤوسيه حب العمل وروح المبادرة والرقابة الداخلية والقدرات الخلاقة وحب التميز[iv].
ما يميز نظرية ماكريقر أمر في غاية الأهمية، وهو السلوك بشكل يوافق توقعات الآخرين (Self-Fulfilling Prophecy) أي أن الفرد قد يتأثر مع مرور الوقت بتوقعات الآخرين تجاهه، فتنسجم وتتوافق سلوكياته مع توقعاتهم. فالمديرون من أنصار نظرية  X يتصرفون بطرق فيها مستويات عالية من السيطرة والإشراف المباشر، بشكل لا يدع لمرءوسيهم مجالا من حرية التصرف، أو الاستقلالية في العمل. وهذا النوع من القادة يخلق موظفين سلبيين واعتماديين ولا يعملون إلا بحسب ما يطلب منهم. أما المديرون من أصحاب نظرية Y فيتصرفون بطريقة أكثر ديموقراطية، ويمنحون مجالا أوسع للمشاركة وحرية التصرف مما يفتح المجال واسعًا أمام مرؤوسيهم نحو الإبداع والتفوق وتحقيق الذات، والشعور بالقيمة الحقيقية لقدراتهم ومواهبهم في العمل. ويتصرف الموظفون مع الزمن بروح المبادرة والمشاركة الفاعلة وحرية التصرف والتمكين، انسجاما مع توقعات مديريهم منهم. وهذا يشجع المديرين الذين يترددون في ممارسة أساليب مثل التمكين، أن لا يشككوا بانتماء مرؤوسيهم لأن ثقتهم بهم هي التي ستصنع ذلك الانتماء وعدم الثقة سيصنع غير ذلك.

الشخصية البالغة لدى كرس آرقريس (خطوة هامة جدا تجاه التمكين)

(Chris Argyris)

الدعوة إلى تمكين الفرد لم تكن دائما تحتاج إلى استخدام مصطلح "التمكين" “EMPOWERMENT” بشكل حرفي ومحدد، قام به كرس آرقريس (Chris Argyris) من جهود في نقض عرى النظريات التقليدية، هو في حد ذاته تعبير واضح منذ عام 1957 عن التوجه لفكر التمكين، وخاصة عندما وجه نقدا شديدا للنظريات الكلاسيكية في كتابه "المؤسسة والشخصية"  [v] “Personality and Organization” مؤكدا أنّ النظريات الكلاسيكية والممارسات الإدارية التقليدية لا تنسجم مع الإنسان؛ إذا نظرنا إليه على أنه بالغ وناضج وعاقل. ويرى آرقريس بأن الإدارة العلمية بمبادئها المحددة والمقيدة تمنع الفرد من تحقيق ذاته؛ لأن كل شيء محدد مسبقا ومقيد بطريقة محددة لا مجال فيه لأي اجتهاد من قبل الفرد.
كما يؤكد على أن مبادئ البيروقراطية لا تخلق سوى إنسان اعتمادي وسلبي يشعر أنه لا سيطرة لديه على مقومات العمل أو بيئة العمل التي يعمل بها، بسبب السلطة الهرمية والعمودية وسيطرة الإدارة العليا المطلقة لمختلف المستويات الإدارية وسيطرتها على جميع السلطات بشكل مركزي.
أما في رده على المبادئ الإدارية التي نادى بها هنري فايول؛ فيؤكد بأن هذه المبادئ لا تؤدي إلا إلى القصور الذاتي لدى العاملين؛ بسبب نظام وحدة الأمر ووحدة التوجيه الذي يفترض أن الكفاءة تزداد عندما يتم تخطيط وتحديد وتوجيه كل فرد بكل صغيرة وكبيرة من قبل المراقب أو المشرف.
لذلك لا يرى آرقريس أن هذه النظريات تتعامل مع العامل على أنه إنسان عاقل يمكنه أن يتحمل مسؤولياته كإنسان بالغ عاقل مدرك، وإنما تحاول أن تتعامل معه وكأنه طفل يحتاج دائما إلى التوجيه والإشراف والمساعدة. والحل من وجهة نظر كرس آرقريس هو في التعامل مع الناس على أنهم بالغون وناضجون دون وصاية عليهم، وهذا يتحقق من خلال توسيع نطاق صلاحياتهم ومنحهم حق المشاركة وتحمل المسؤولية في العمل، وتحسين شكل العلاقات بينهم وبين الإدارة. ويقر بأن أسباب التغيب ودوران العمل والكسل والنفور من العمل، يعود في مجمله لممارسات الإدارة التي أصبحت غير صالحة للاستخدام في الوقت الحاضر.


مواضيع ذات صلة
 

ناقش النظريات الإدارية الأساسية التي شكلت الفكر الإداري
فن إدارة السلوك في المنظمات ( إدارة السلوك التنظيمي )
طرق الإدارة
مدارس الفكر الإداري.
أنماط وأساليب القيادة الإدارية أنماط وأساليب القيادة الإدارية
الأساليب السلوكية في الإدارة
النظريات الادارية الحديثة
نظريات الادارة
نظريات الادارة الحديثة
نظريات الاداره
نظريات الادارة العامة
بحث حول نظريات الادارة العامة
نظريات الادارة الحديثة
مدارس الإدارة ونظرياتها



[i]    Schermerhorn, J (2002) Management, 7th ed. John Wiley & Sons, Inc.

[ii]    Maslow, A. (1970), Motivation and Personality, 2nd edition, New York: Harper & Row.
[iii]    Hackman, R., and Oldham, G. (1980), Work Redesign, Reading, MA: Addison-Wesley, p.90.
[iv] Macgregor, D. (1960), The Human Side of Enterprise, New York: McGraw-Hill.
[v]     Argyris, C. (1957), Personality and Organization, New York: Harbor and Row.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق