الجمعة، 14 أبريل 2017

سيميوطيقا التوتــــــر

سيميوطيقا التوتــــــر

يمكن الحديث عن مجموعة من التصورات السيميوطيقية التي انتعشت في الحقل الثقافي الغربي منذ الستينيات من القرن العشرين إلى غاية نهاية هذا القرن، إن تنظيرا وإن تطبيقا، منها: سيميوطيقا الأشياء أو العمل مع كريماص (Greimas) وجوزيف كورتيس(J. Courtes) وجماعة أنتروفيرن(G.Introuvernes)، وسيميوطيقا الأهواء مع جاك فونتاني (Fontanille) وكريماص(Greimas) ، وسيميوطيقا الذات مع جان كلود كوكي(J.C.Couquet)، وسيميوطيقا التوتر مع جاك فونتاني(Fontanille)  وزلبربيرج (Zilberberg)، وسيميولوجيا التلفظ مع إميل بنيفنست (E.Benveniste)، والسيميولوجيا البصرية مع رولان بارت(R.Barthes) وجماعة مو(Groupe µ)، وسيميولوجيا السينما والتلفزة    مع كريستيان ميتز (C.Metz)، والسيميوطيقا النصية مع أمبرطو إيكو(U.Eco)، وسيميولوجيا العلامات والرموز مع شارل سندرس بيرس(Peirce) وفرديناند دوسوسير (Ferdinand de Saussure) ورولان بارت(R.Barthes) ، والسيميولوجيا المادية مع جوليا كريستيفا (J.Krestiva)، والسيميولوجيا الاجتماعية المتعلقة بالوسائط الإعلامية مع إليزيو فيرون (Elisio Veron)، والأسلوبية السيميائية مع جورج مولينيي(Georges Molinié)، وسيميوطيقا الثقافات مع مدرسة تارتو(Tartu) التي يمثلها كل من: إيفانوف (Ivanov)، ولوتمان(Lotman)، وأوسبنسكي(Ouspenski)، وليكومنسيف (Lekomcev)
هذا، و تعد سيميوطيقا التوتر (Sémiotique tensive) من أهم المشاريع السيميوطيقية المعاصرة في تحليل الخطاب، وقد ظهرت  في أواخر سنوات التسعين من القرن الماضي (1998م) ضمن سياق ما بعد الحداثة الذي يؤمن بالانفتاح على الذات والعالم والغير والمتعدد.إذاً، ما سيميوطيقا التوتر؟ وما سياقها التاريخي؟ وما مصادرها المعرفية؟ وما تصوراتها النظرية والمنهجية؟ وما نقط قوتها وضعفها؟

المبحث الأول: تعريف سيميوطيقا التوتــــر

يقوم التوتر (Tension) على جدلية القوة والمدى . وأكثر من هذا، فهو مكان خيالي ناتج عن تفاعل حالات الذات والوجدان مع عالم الأشياء في امتداده الزماني والمكاني والكمي. ويعرف التوتر(Tension) أيضا  بكونه مكان تماثل بعدين هما: الشدة (Intensité) والمدى(Extensité) ، أو تماثل حالات الروح مع حالات الأشياء. ومن هنا، ترتبط هذه السيميوطيقا  بالذات والأهواء كل الارتباط، ويؤكد هذا تبعية محور المدى أو الامتداد والشساعة لمحور الشدة أو القوة أو الطاقة الذي ينتج عن تقاطعهما ما يسمى بالتوتر. ولا يعني هذا أن التوتر ناتج فقط عن تقاطع هذين البعدين الرئيسيين فحسب، بل هو ناتج أيضا عن تقاطع النغمة (الطابع) والإيقاع ( السرعة) مع الزمان والمكان.
علاوة على ذلك، تصف سيميوطيقا التوتر مجموعة من الظواهر المركبة في ضوء نماذج مركبة كذلك[1]. بمعنى أن هذه الظواهر تتميز بانسيابها في الزمان والديمومة والدلالة، مثل: الهوية، والزمان، والحساسية، والوجدان، والحضور... ويقصد بالنماذج المركبة وجود مفاهيم متداخلة مع مفاهيم أخرى، كتداخل الشدة مع الامتداد، وتداخل الحسي مع المعرفي، وتداخل المنظور الداخلي مع المنظور الخارجي... ومن ثم، تتحدد سيميوطيقا التوتر  بسيميوزيس التدرج والتطور والقياس.أي: تتكئ  هذه المقاربة على مفاهيم هندسية ورياضية عددية وكمية، تبين درجة الارتفاع والانخفاض عند الذات أو غيرها من الظواهر على مستوى الشدة أو المدى. ومن ثم، فهي تقيس الأهواء والانفعالات والمشاعر والأحاسيس سطحا وعمقا، وترصد درجة التوتر الدنيا والقصوى في مختلف تغيراتها الدلالية. وخير من يؤشر على هذا التوتر هندسيا ما يسمى بالخطاطة التوترية (Schema tensif) التي تتضمن محورين: محور أفقي للأفاصيل،  ومحور عمودي للأراتيب. فالمحور العمودي يتكون من القيم، والحساسية، والوجدان، والشدة، والطاقة، والقوة... في حين، يشتمل المحور الأفقي على الزمان، والمكان، والعدد، والكمية، والامتداد، والمسافة:

ويمكن القول أيضا : إن سيميوطيقا التوتر هي سيميائية هندسية وقياسية تقيس الشدة والامتداد، ويترتب عن تقاطعهما وتداخلهما ظاهرة التوتر. أي: إن موضوع هذه السيميوطيقا هو قياس الشدة والتوتر من جهة، وقياس الامتداد من جهة ثانية. علاوة على كونها تربط الداخل الذاتي الذي تم قياسه بما هو خارجي. فيحيل الخارج - هنا- على العالم والأشياء والأشكال والزمان والمكان. وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين كميتين: كمية معاشة  تم قياسها على مستوى الشدة أو القوة، وكمية إدراكية عددية تسجل على مستوى المدى ، وينتج عن تداخلهما وتشابكهما ما يسمى بفعل التوتر. وأكثر من هذا، يظهر التوتر جليا حينما تتحكم الشدة أو القوة في المدى أو مسافة الامتداد.
 وإجمالا، تدرس هذه السيميوطيقا  مختلف الفواصل والحدود الموجودة بين المستمر والمنقطع، بين المتناهي واللامتناهي، بين الوقفة والديمومة. ويعني هذا إذا كانت البنيوية اللسانية أو السيميائية تدرس ماهو ثابت وسانكروني، فإن سيميوطيقا التوتر تهتم بماهو متغير ومتحرك وحي ومتعاقب دياكرونيا. و ينضاف إلى ذلك، أنها دراسة دلالية ظاهراتية وتلفظية للذات الهووية (الأهواء) في حضورها وإدراكها الحسي. وعلى العموم، تعنى سيميوطيقا التوتر بتحليل مجموعة من الظواهر الخطابية التي تتميز بخاصية التدرج والديمومة والاستمرار والحيوية والوجدانية؛ مما يجعل هذا الأمر صعبا أمام مقاربة بنيوية كلاسيكية سردية ثابتة وثنائية . ويعني هذا أن سميوطيقا التوتر هي التي تتأرجح نصيا وخطابيا " بين سمات الديمومة والانتهاء، وينتج عنها دلالات التوتر والتطور كما في الأمثلة التالية: " تقريبا ... إلى حد ما..." أو " أكثر...أقل..."[2]
ويعني هذا أن سيميوطيقا التوتر هي التي تدرس النصوص والخطابات التي يحضر فيها التوتر عبر مستوياتها بشكل قوي أو أقل. كما تهتم بوصف عمليات الإدراك والحضور والحساسية والتلفظ. 
وللتنبيه، فسيميوطيقا التوتر هي في الحقيقة تكملة لسيميوطيقا الأهواء والذات والعمل، إذ تسعى جادة إلى التوفيق بين سيميوطيقا الأشياء لدى كريماص وسيميوطيقا الأهواء عند جاك فونتاني بالجمع  بين عالمين: عالم الأهواء والانفعالات والمشاعر من جهة، وعالم الأشياء والموضوعات الخارجية من جهة ثانية. أي: ترصد مختلف التحولات التي تخضع لها الذات والأشياء على حد سواء.
وبناء على ما سبق، فسيميوطيقا التوتر هي سيميوطيقا هندسية تطورية لقياس درجة الحسي أو الشعوري أو المدرك، وتعداد شدته وقوته وطاقته وعمقه في علاقة بالسياق الفضائي زمانا ومكانا ومسافة وكمية. وبتعبير آخر، هي إخضاع الوجداني والذاتي والانفعالي والجسدي لما هو خارجي، في ضوء معايير قياسية وكمية لمعرفة الشدة والمدى معا.

المبحث الثاني: السيـــاق التاريخــــي

لم تظهر سيميوطيقا التوتر(Sémiotique de Tension) إلا في سنة 1998م من القرن الماضي مع جاك فونتاني (Jaques Fontanille)  وكلود زلبربيرج (Claude Zilberberg)، بعد أن أصدرا معا كتابا مشتركا عنوانه ( التوتر والدلالة) [3]. ولم تتشكل هذه السيميوطيقا إلا بعد إنجاز مجموعة من الأبحاث في مجال سيميوطيقا الأشياء مع كريماص (Greimas)[4]، أو في مجال سيميوطيقا الذات مع جان كلود كوكي (J.C.Couquet)[5] ، أو في مجال سيميوطيقا الأهواء[6] مع جاك فونتاني (Fontanille) وكريماص(Greimas) [7]...
وعليه، فهناك ثلاث مقاربات توترية رئيسية هي[8]:
u مقاربة ظاهراتية (فينومنولوجية ) تركز على الإدراك باعتباره عنصرا مركزيا  كما في كتاب(  التوتر والدلالة ) لجاك فونتاني وكلود زلبربيرج (1998م). وقد اعتبر التوتر من الشروط القبلية للدلالة السيميائية، كما يتجلى ذلك واضحا في كتاب (سيميوطيقا الأهواء) لكريماص وفونتاني (1991) اللذين تمثلا  معا المقاربة الظاهراتية من ناحية أولى، ومفاهيم التلفظ عند بنيفينست من ناحية ثانية،  ومقومات السيميوطيقا الذاتية عند جان كلود كوكي من ناحية ثالثة. ومن أهم المفاهيم التي تم التركيز عليها: حقل الحضور، وحقل التموضع، وحقل الجسد...
v مقاربة بنيوية من جهة، وبلاغية من جهة أخرى، تجد منطلقاتها عند فرديناند دو سوسير، وهلمسليف، وزلبربيرج الذي أوجد بلاغة جديدة للتوتر (2002)، إذ أدخل التوتر الديناميكي ضمن سطح الخطاب باعتباره مجموعة معقدة من الانزياحات المختلفة.
w مقاربة ظاهراتية توليدية ترتبط بجاك فونتاني الذي كتب مقالا بعنوان ( هل السيميوطيقا توليدية؟)، حيث ركز فيه على التحويل التوتري ، بتعميم التوترية على مستويات الخطاب أو النص[9].
إذاً، فسيميوطيقا التوتر هي نوع من البنيوية التي تعنى بمجموعة من الظواهر الخطابية التي لها خاصية تدرجية مستمرة ديناميكية ووجدانية، في مقابل مقاربة بنيوية لسانية سردية تتسم بالثبات والمحدودية والثنائيات المتعارضة. وتكتشف هذه السيميوطيقا وحدة بين عالمي الذاتي والمعرفي أو بين الأهواء والأشياء. إنها بمثابة تعبير حي عن الحضور الشعوري للغير والعالم. إنه خطاب العواطف والأهواء مقابل عالم الأشياء المحدد بالزمان والمكان والتنوع والكمية. ومن هنا، فسيميوطيقا التسعينيات من القرن الماضي تختلف نظريا ومنهجيا عن سيميوطيقا السبعينيات؛ لأن السيميوطيقا البنيوية ساكنة وثابتة تهتم بالبنى السردية فقط. بينما الثانية تطورية ودياكرونية ومتغيرة منفتحة على الذات والموضوع معا.
وعليه، فلقد استفادت سيميوطيقا التوتر بالأعمال السيميائية النظرية والتطبيقية التي أنجزت داخل مدرسة باريس ، وقد تأثرت بشكل من الأشكال  بظاهراتية الإدراك لدى ميرلوبونتي (Maurice- Merleauponty) من جهة، كما تأثرت بالبنيوية السيميائية لدى كريماص وجاك فونتاني من جهة ثانية. علاوة على كونها وليدة سياق فلسفة ما بعد الحداثة التي كانت تؤمن بالذات، والتعددية، والمرجع، والاختلاف، والتفكيك...

المبحث الثالث: الخلفيـــات المعرفيــــة

ثمة مجموعة من المصادر والمراجع النظرية والفكرية التي ساعدت  سيميوطيقا التوتر على بناء مشروعها النظري والمنهجي والتطبيقي، وهذه الخلفيات المعرفية هي:

المطلب الأول: الظاهراتيـــة

ظهر التيار الفلسفي الظاهراتي أو الفينومينولوجي مع إدموند هوسرل (E.Husserl) . ويعنى بدراسة التجارب ومضامين الوعي.  ومن أهم الظاهراتيين: مارتن هايدجر(Heidegger)، وسارتر(Sartre)، و موريس ميرلو بونتي (Maurice Merleau-Ponty)، وبول ريكور(Paul Ricœur)... وقد ركزت الظاهراتية على القصدية في علاقتها بالوعي والموضوع. بمعنى أن كل وعي مرتبط بقصد ما أو تفكير في شيء ما، كأن يكون ذلك مثلا طاولة أو قلما...ومن ثم، يستحيل الفصل بين الذات والموضوع..  فما هو مدرك فهو موجود، وما ليس مدركا فهو غير موجود. فما ندركه - مثلا- عبر النافذة فهو موجود. وإذا أغلقنا النافذة فما لا نراه لا يعد موجودا، على الرغم من وجوده الحقيقي. وفي هذا السياق، نتحدث عن مدرك لذاته.
وما يهمنا في هذا التيار الفلسفي ما يقوله ميرلوبونتي عن الإدراك الذي بواسطته تنقل الذات الواعية  التجارب المعاشة في العالم.أي: إن الإدراك عبارة عن بعد حيوي إيجابي يساعد على انفتاح أساسي على العالم المعاش. ومن هنا، فكل وعي هو وعي إدراك. ويتم هذا الوعي عن طريق توظيف الجسد في التقاط تجارب هذا العالم المدرك. وهنا، يصبح الجسد المخالف للعقل جسدا مقصديا. ومن ثم، ينبني الإدراك على الذات المدركة والعالم الخارجي المدرك، ويكون الإدراك بمعطيات حسية. وغالبا، ما يدرك العالم في الزمان والمكان والأشكال والأشياء. ويشكل كل هذا ما يسمى بالعالم الخارجي. والدليل على تأثر سيميوطيقا التوتر بالظاهراتية وجود مصطلحات عدة، مثل: الإدراك، والحضور، والحقل، والناحية، والعمق، والقصدية، ...
وعليه، فالظاهراتية هي منهج في البحث والدراسة، ووصف للظواهر والتجارب المدركة أكثر مما هي فلسفة مدرسية.

المطلب الثاني: الخطاب الفلسفي

 لقد استفادت سيميوطيقا التوتر من مجموعة من الآراء الفلسفية الحديثة والمعاصرة ، ولاسيما فلسفات ما بعد الحداثة، مثل: تفكيكية جاك دريدا، وتأويلية بور ريكور،  علاوة على مجموعة من الفلسفات الأخرى كالفلسفة الظاهراتية،  وفلسفات كل من: ديكارت، وكانط، وفرنسيس بيكون، وهوسرل، وميرلوبونتي، وسارتر...
 هذا، ويقترب كانط كثيرا من سيميوطيقا التوتر، حينما يقول: إن الشعور أو الإحساس له مدى كبير. بمعنى أن الشعور مهما كان قليلا له درجة من الشدة والقوة قد ترتفع أو تنخفض[10]. وهناك تأثر واضح بشعرية كاستون باشلار  ومفاهيمه التخييلية والفلسفية، فضلا عن التأثر بفلسفتي جيل دولوز وإرنست كاسيرر صاحب فلسفة الأشكال الرمزية...

المطلب الثالث: السيميوطيقا البنيوية

 تستند البنيوية السيميوطيقية التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي إلى مجموعة من الثنائيات اللسانية المتعارضة. كما تستبعد الذات والمرجع والتعددية،  وهمها الوحيد هو اكتشاف المنطق الدلالي والتوليدي للنصوص والخطابات الكونية، بالمرور من البنية العميقة، حيث المربع السيميائي، إلى البنية السطحية وظاهر النص ، بعد استجلاء البنية التركيبية المبنية على التحولات في علاقتها بموضوع القيمة، وافتحاص البنية الخطابية القائمة على الحقول الدلالية والمعجمية،  مع استثمار  التشاكلين: الدلالي والسيميائي. في حين، تؤمن سيميوطيقا التوتر بالتعددية، وتركز كثيرا على الذات في علاقتها بالمرجع الموضوعي، مع توظيف الخطاطة التوترية القائمة على محوري: الشدة والامتداد.
المطلب الرابع: سيميوطيقا الأهواء
 ظهرت سيميائيات الأهواء لدراسة الذات والانفعالات الجسدية والنفسية، ووصف آليات اشتغال المعنى داخل النصوص والخطابات الاستهوائية. ولا يعني هذا أن ليس هناك دراسات للأهواء والانفعالات، بل على العكس من الأمر، فإننا نجد مجموعة من الدراسات الفلسفية والأخلاقية التي  تناولت الأهواء البشرية بالدرس والتحليل والتصنيف ، كما في الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وعند الفلاسفة المسلمين كما عند ابن مسكويه ، وفلاسفة الغرب، مثل: ديكارت، وكانط، وهيجل، وباسكال، ودافيد هيوم، وغيرهم. ونجد هذا التناول كذلك عند علماء النفس والشعراء والروائيين وكتاب المسرح واللسانيين. لكن هؤلاء لم يدرسوا الأهواء دراسة معجمية دلالية وتركيبية، ضمن مقاطع نصية كبرى وصغرى، باستقراء شكل المضمون بنيويا وسيميائيا.
هذا، وقد بدأت سيميائية الأهواء أو سيميائية الذات مع كريماص  بمقاله الذي خصصه لجهات الذات ، وكان تحت عنوان( جهات الذات)[11].  ويعني هذا بداية الشروع في التعامل مع سيميائية الانفعال، والاهتمام بالمشاعر الجسدية والأهواء الذاتية، بعد أن كان التعامل سابقا مع سيميائية الأفعال والأشياء. ومن جهة أخرى، يعنى المقال بدراسة تكييفات الذات الاستهوائية من خلال استحضار منطق الجهات: القدرة، والإرادة، والرغبة، والواجب[12]. وبعد ذلك، اهتم كريماص ومعاونه بدراسة هوى الذات داخل خطابات نصية بعيدا عن المقاربات الأخلاقية والفلسفية والنفسية، باحثين عن آثار المعنى داخل المقاطع النصية التي تتمظهر فيها صورة الهوى الذاتي، كما فعل كريماص حينما درس هوى الغضب، فتوصل إلى أن هذا الهوى يتكون من ثلاثة أجزاء مفصلية هي: الإحباط، والاستياء، والعدوانية[13].
ولم تشهد سيميائيات الأهواء التجديدات الأساسية والتقعيد النظري والتطبيقي إلا في سنوات التسعين من القرن الماضي، وبالضبط في سنتي1991و1994م، وستهم هذه التجديدات بالأساس ما يسمى بالتوتر (الضغط) وتجربة الإحساس الاستهوائي، كما يبدو ذلك جليا في كتاب(سيميائيات الأهواء ) عند كريماص وجاك فونتانيي سنة 1991م، حيث ركز الباحثان على مجموعة من المفاهيم التحليلية كالجسد، والكمية ، والامتداد، والكثافة، والإيقاع، والقوة، والضغط، والتوتر، والإحساس، والطاقة الشعورية، وثنائية الصالح والطالح، والانفصال والاتصال، والعالم الداخلي والخارجي... كما عمقت هذه المفاهيم أيضا في كتاب( التوتر والدلالة) الذي صدر سنة 1998م، وهو من تأليف جاك فونتانيي وكلود زلبيربيرج(Jacques Fontanille- Claude Zilberberg )[14]. و" شيئا فشيئا، بدأت تتضح الملاح العامة لسيميائيات الأهواء، ونظر إليها من الناحية النظرية، ربما بشكل مستقل، في علاقتها بسيميائيات الفعل، ونظر إليها، في علاقتها بالأبعاد الأخرى للخطاب (تداولي، ومعرفي، وأخلاقي...)."[15]
المطلب الخامس: علم النفـــس
 إذا كانت السيميوطيقا الكلاسيكية مع كريماص قد أقصت الذات والمرجع بالتركيز على البنية السردية الخطابية سطحا وعمقا، فإن سيميوطيقا الأهواء والتوتر قد أعادتا الاعتبار للذات والأهواء والانفعالات والحساسية. ومن ثم،  فقد اهتمت بالوعي الإدراكي في علاقته بالمقصدية. كما اهتمت بالجسد وهذا هو الذي يقرب هذه السيميوطيقا - فعلا - من السيكولوجيا الشعورية واللاشعورية.
المطلب السادس: مابعـــد الحداثـــة

 تمتد فترة مابعد الحداثة (Post modernism) من سنة 1970م إلى سنة 1990م. ويقصد بها النظريات والتيارات والمدارس الفلسفية والفكرية والأدبية والنقدية والفنية التي ظهرت ما بعد الحداثة البنيوية والسيميائية واللسانية. وقد جاءت مابعد الحداثة لتقويض الميتافيزيقا الغربية ، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت قديما وحديثا على الفكر الغربي، كاللغة، والهوية، والأصل، والصوت، والعقل...وقد استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب.
وتقترن ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام. وتتميز نظريات ما بعد الحداثة  عن الحداثة السابقة بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن اللوغوس والتقليد وماهو متعارف عليه، وممارسة كتابة الاختلاف والهدم والتشريح ، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة لغة البنية والانغلاق والانطواء، مع فضح المؤسسات الغربية المهيمنة، وتعرية الإيديولوجيا البيضاء، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالذات، والمرجع، والتعدد، والعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب ما بعد الاستعمار....


[1] - Nicolas Couégnas, François Laurent: (Exercice de sémantique tensive. ), 2010, http://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00708466/
[2] -Greimas et J.Courtès : Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Hachette, Paris, 1993, p : 388.
[3] - Fontanille Jacques, Zilberberg Claude, Tension et signification, Liège, P. Mardaga, 1998.

[4] - Greimas : Maupassant : la sémiotique de texte, Seuil, Paris, 1976.
[5] - J.C.Coquet : Le discours et son sujet, Tome 1, Paris, klincksiek, 1984.
[6] - Greimas Algirdas Julien, Jacques Fontanille : Sémiotique des passions, Paris, Seuil, 1991.

[7] -Vocabulaire des études sémiotiques et sémioloqiques, Sous la direction de Driss Ablali et de Dominique Ducard, PUF,Paris,2009,p:67.
[8] - Couégnas Nicolas : ) Sémiotique tensive (, dans Le Vocabulaire des études sémiotiques et sémiologiques. D. Ablali & D. Ducard (dir.), Presses universitaires de Franche-Comté et Garnier, 2009.
[9] - Fontanille Jacques : ) La sémiotique est-elle générative ?( Dans « Spécificité et histoire des discours sémiotiques », dir. Michel Arrivé et Sémir Badir, Lynx, Paris X - Nanterre, n° 44 /2001, pp. 107-132.

[10] -Emmanuel Kant : Critique de la raison pure, Paris, Flammarion, 1944, t. 1, p. 194.

[11] - A.J.Greimas :(De la modalisation de l’être), Actes sémiotiques, Bulletin9, p : 9-10.Repris dans Du Sens2, Paris, 1983, p : 93-102 ;
[12] - انظر: كريماص وجاك فونتنيي: سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس، :ترجمة: سعيد بنكراد، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:46.
[13] -J.Greimas:( De la colère,étude de la sémantique lexicale),Actes sémiotiques,Documents,27,p:9-24;Repris dans Du Sens2,op.cit,p:225-246.
[14] - Jacques Fontanille, Claude Zilberberg : Tension et signification, Liège-Mardaga, 1998.
[15] - كريماص وجاك فونتنيي: سيميائيات الأهواء: من حالات الأشياء إلى حالات النفس :ترجمة: سعيد بنكراد، ص:47.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق