الأربعاء، 12 أبريل 2017

بحث عن الايمان


أصناف الناس:
1.     المؤمن: يُصدّق بقلبه ويُقر بلسانه.
2.     الجاحد: يُصدق بقلبه ويُنكر بلسانه. وحكمه الكُفر، دنيا وآخرة.
3.     المنافق: ينكر بقلبه ويُصدّق بلسانه. ويُحكم عليه بالإسلام دنيوياً، وإن كان في حقيقته كافراً، "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار".(النساء: 145)
4.     الكافر: يُنكر بقلبه وبلسانه، وحكمه الكفر، دنيا وآخرة.

الإيمان والإسلام:
         الإيمان هو الجانب التصديقي، ولا يطّلع عليه إلا الله وحده، أما الإسلام فإنّه انقياد لأوامر الله تعالى واستسلام له. ويغلب أن يكون الاستسلام عن إيمان، فإذا كان الأمر كذلك، فإنّ لفظة الإسلام تعبّر عندها عن الإيمان والعمل، أي عن الدين بشقيه العقدي والتشريعي. وبما أنّ البشر لا يطّلعون على حقيقة القلوب فإنّهم يَحكُمون بإسلام كل من أعلن استسلامه لله تعالى ورضي بدينه. فوصف الإسلام إذن ينطبق على كل من ظهر منه القبول والرضى برسالة محمد، صلى الله عليه وسلم. جاء في الآية 14 من سورة الحجرات:"قالت الأعرابُ آمنّا قل: لم تؤمنوا ولكن قولوا: أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمانُ في قلوبكم"؛ فظاهر الأعراب كان يدل على استسلامهم وانقيادهم. ويبدو أنّ سلطان الدولة الإسلاميّة وهيبتها جعل الأعراب ينقادون ويقبلون الانتماء لدولة الإسلام، فجاء القرآن ليكشف لهم عن حقيقة أنّ هذا الإسلام الظاهري لا يقوم على أساس متين من الإيمان، ولكن استسلامهم هذا يقودهم شيئاً فشيئاً إلى الإيمان؛ فالإيمان يوشك أن يدخل قلوبهم:"... ولمّا يدخل الإيمانُ في قلوبكم". ولا شك أنّ الطاعة والعمل الصالح يُدخِل الإيمانَ في القلوب:" وإن تطيعوا الله ورسوله لا يَلِتْكُم من أعمالكم شيئا"، فالمطلوب الاستسلام والانقياد والعمل الصالح، وهذا هو طريق تقوية الإيمان وتثبيته في القلوب.

الإيمان يزيد وينقص:
الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي:
         جاء في الآية 2 من سورة الأنفال:"إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجِلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكّلون"، وجاء في الآية 173 من سورة آل عمران:" الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، وجاء في الآية 17 من سورة محمد:" والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم".
         في المقابل يمكن أن يزيد الكفر فيتدلى بالإنسان إلى دركات الضلال: جاء في الآية 90 من سورة آل عمران:" إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالّون"، وجاء في الآية 137 من سورة النساء:" إنّ الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهدِيَهم سبيلاً".
     وعليه فإنّ الإيمان درجات متفاوتة قوة وضعفاً، وهذا أمر ملحوظ في الناس، وكلما زاد الإيمان صلُح العمل، وكلما صَلُح العمل زاد الإيمان، وهكذا حتى يصل الإنسان أعلى الدرجات فيكون من المقربين.[1]
الإيمان:
مقال في الإيمان مقتبس من كتابنا: (من أسرار الأسماء في القرآن الكريم):
الإيمان: هو التصديق، ولكنّه التصديق الذي معه أَمْن. والإيمان بالدين يُحقق الأمن الفردي والجماعي، الدنيوي والأخروي. وأنّى لغير المؤمن أن يحس بالأمن!!  
يأخذ الإنسان المعرفة إمّا عن طريق العقل، كالمبادئ الرياضيّة، وإمّا عن طريق الحس، كالألوان، وإمّا عن طريق الخبر الصادق، كالمعارف التاريخيّة والوحي الرّباني، ولا يوجد طريق رابع معروف لأخذ المعرفة. أمّا الإلهام والرؤى الصادقة فهي من الخبر الصادق، وهو ما يُعرَف في الدين بلمَّة المَلَك. ويمكن إرجاع ما يُسمّى بالحاسّة السادسة والتّخاطُر إلى حاسّة مجهولة في الإنسان. وإذا ما استعرضنا أركان الإيمان في الإسلام نجد أنّ ركن الإيمان بالله تعالى يثبت عن طريق العقل فقط، وأمّا ركن الإيمان بالملائكة فيثبت عن طريق الخبر الصادق (الوحي)، وأمّا ركن الإيمان بالكتب فيثبت عن طريق العقل، هذا إذا كان المقصود القرآن الكريم، أمّا إيمان المسلم بالتوراة والإنجيل فيكون عن طريق الخبر الصادق. وكذلك الأمر في ركن الإيمان بالرسل؛ فإذا كان المقصود الإيمان برسالة محمد، صلى الله عليه وسلّم، فلا يكون ذلك إلا عن طريق العقل، ومن هنا كانت المعجزة، وأمّا الإيمان بباقي الرسل فيكون عن طريق الخبر الصادق وهو هنا الوحي الثابت بالعقل. أمّا ركن الإيمان باليوم الآخِر، وركن القضاء والقدر، فيثبتان عن طريق الخبر الصادق.
على ضوء ما سلف نجد أنّ أركان الإيمان في الإسلام لا تثبت إلا من طريقين؛ العقل والخبر الصادق. أمّا الحس فليس من طرق إثبات القضايا الإيمانيّة، لأنّ الإيمان يتعلق بالمسائل الغيبيّة ولا يتعلق بالمحسوسات، فالمعارف التي تؤخذ عن طريق الحس لا يتعلق بها إيمان، فلا نقول، مثلاً: نؤمن بوجود اللون الأحمر، ولا نقول: نؤمن بأنّ النار تحرق، وبأنّ الماء يروي …الخ. وبذلك يتبين لنا خطأ من ينكر بعض القضايا الإيمانيّة بذريعة أنها غير محسوسة، لأنّ الحس هو طريق واحد من ثلاث طرق تؤخذ بواسطتها المعرفة، وكل طريق منها يقودنا إلى معرفة تختلف تماماً عن المعارف التي تقودنا إليها الطرق الأخرى، فمعلوم أنّه يستحيل على الأعمى، مثلاً، أن يدرك حقيقة الألوان، ولكنه يؤمن بوجودها عن طريق الخبر الصادق. فالألوان بالنسبة للمبصر هي قضيّة حسيّة غير إيمانيّة، وهي بالنسبة للأعمى قضية إيمانيّة غير حسّية.
عُرّف الإيمان الديني بأنّه: "ما وقر في القلب وصدّقه العمل". وبهذا يظهر الفرق بين الإيمان الفلسفي والإيمان الديني؛ فالإيمان الفلسفي لا يستلزم سلوكا، ولا يوجب التزاما، أمّا الإيمان الديني فلا يصح حتى ينعكس سلوكاً، فالدين لا يقبل أن يكون الإيمان ترفاً فكرياً. بل إنّ الإيمان الذي لا يُصدّقه عمل يوشك أن يموت؛ فالفكرة كالجسد إذا لم تعمل تموت. ومن هنا ليس عجيباً أن نجد أشدَّ الناس إيماناً أشدّهم التزاماً، وأنّ قوة الإيمان تتجلى في الذين يتحركون بالفكرة.ا.هـ[2]
أركان الإيمان:
يقوم إيمان المسلم على الأركان الآتية:
1.     الإيمان بالله 2.  الإيمان بالملائكة 3.  الإيمان بالكتب 4.  الإيمان بالرسل 5.  الإيمان باليوم الآخر 6.  الإيمان بالقضاء والقدر.
الركن الأول: الإيمان بالله
الإيمان بوجود الله تعالى يكون عن طريق العقل. والعقول البشريّة مفطورة على إدراك وجوده سبحانه بمجرد النظر في الكون المخلوق. أما ما يكون من خروج على بدهيّات العقل عند بعض الملاحدة فإنه ناتج عن مرض القلب الذي ينتج عن الإفراط في المعصية.
مثال:
          مصطفى محمود مفكر مصري، تخرج من كليّة الطب ومارس الكتابة وبدأ مسيرته ملحداً، ثم ما لبث أن آمن وأصبح داعية إلى الله تعالى. وقد اشتهر عن طريق برامجه التلفزيونيّة التي يستعرض فيها مظاهر الخلق المختلفة الدالة على الخالق البديع. وتجده أحياناً يَعجب من الملحد الذي لا يرى الله في خلقه البديع!!
          لو سألنا الطبيب والأديب مصطفى محمود: لماذا لم تكن ترى الله في خلق الإنسان؛ في الدورة الدمويّة، في جهاز المناعة، في الجهاز البصري؟! لماذا لم تره وأنت تدرس في كلية الطب، ثم أنت الآن تعجب من الملحد الذي لا يرى ولا يعتبر ؟!
          نعم، إنّ وجود الله تعالى من البدهيّات العقليّة، أما الإلحاد فينتجُ عن ظلمات المعاصي وحُجُب الطغيان التي تُعمي العقل عن إبصار الحقيقة.
          أما صفاته سبحانه؛ فمنها صفات تعتبر بدهيات عقليّة، كصفتي القدرة والعلم. ومنها صفات يخبرنا بها الوحي، كصفتي الجبار والمنتقم. ومن يتدبر حقائق الوجود ومظاهره يمكنه أن يستنبط بعقله صفات الخالق العظيم، فمن يُشاهد، على سبيل المثال، أسداً يفترس ظبياً تخطر بباله صفة الجبروت، وعندما يشاهدُ الأسدَ يذل لصغاره تخطر بباله صفة الرحيم.
          تحتاج الغالبية العظمى من الناس إلى التذكير بعظمة خلق الله تعالى وإبداعه لهذا الخلق أكثر من حاجتهم إلى تقديم الأدلّة الفلسفيّة المعقدة.
لقد مضت الأيام التي كُنا نحتاج فيها أن نقدم للناس الدليل تلو الدليل على وجود الخالق. ولم نعد اليوم نشعر بوجود الملاحدة، وهذا من فضل الله على الناس. لقد مرّت العاصفة، وعاد الناس إلى رُشدهم، بل لقد انقضت عصور الإلحاد، وأصبح واضحاً أنّ الناس يستقبلون عصر الإيمان المستند إلى الوعي والفطرة السّويّة.
سألنا عدداً من الناس هذا السؤال:" كيف تُدلل على وجود فنان وراء اللوحة الفنيّة؟"،  فكان أن التقت الإجابات عند القول:" إنّ الأمر لا يحتاج إلى دليل، لأنّ اللوحة نفسها هي الدليل، فهي تخبرك أنّ الذي رسمها فنان". وما يقال في اللوحة يقال في القصر البديع، فهو يُخبرك بالمهندس الذي أشرف على البناء.
يُطلب الدليل عادةً في المسائل التي لا تُدرَك بداهة. أمّا الأمور البدهيّة فلا نحتاج فيها إلى دليل، بل الدليل ينتهي عند الأمور البدهيّة. ولولا البدهيّات لما أمكن تقديم الدليل، لأنّ الدليل يتسلسل حتى يستقرّ مستنداً إلى بدهيّة.
سألنا البعضَ: هل الريح مدركة عاقلة ؟ فكانت الإجابة لا؟  قلنا: كيف نعرف ذلك؟ قالوا: لم نر أثراً للريح يدل على أنّها مدركة. وهذا صحيح، فآثار الريح تُثبت أنها قوة، وليس لدينا أثرٌ يدل على أنّ هذه القوة مدركة ومريدة. وفي المقابل ليس لدينا دليل واحد على أنّها غير مدركة.
من ينظر إلى لوحة فنيّة بديعة يدرك على الفور أنّ وراء هذه اللوحة قوة مدركة ومريدة، فاللوحة تجعلك تجزم من غير تردد بأنّ وراءها قدرة وعلماً وإرادة. نعم، إنّ اللوحة تنطق بذلك، ولا مجال للزعم باحتمال فقدان صفة من الصفات الثلاث المذكورة، إذ لا مجال لخروج اللوحة إلى عالم الواقع من غير وجود قدرة، وكذلك لا مجال لأن تكون لوحة بديعة من غير وجود صفة العلم وصفة الإرادة، فلا بد من اجتماع الصفات الثلاث حتماً. وما يقال في اللوحة البديعة أو القصر المنيف، يقال في الكون والمخلوقات، فأي ناظر إلى الإنسان، مثلاً، يلحظ بداهةً وجود القدرة، والعلم، والإرادة، في خَلقه.
وعليه، فوجود الخالق هو من الأمور البدهيّة. ولا يصح أن ندلل على وجوده، لأنّ الدليل يُطلب في الأمور التي لا تدرك بداهة. ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم يدعو الإنسان إلى النظر والتدبر، ويلفت انتباه الغافل إلى دلالات الخلق على الخالق وصفاته بعيداً عن أسلوب الفلاسفة والمتحذلقين في إقامة الدليل على ما هو بدهي.[3]
الركن الثاني: الإيمان بالملائكة
جاء في الحديث الصحيح:"إنّ للشيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة". فالملائكة ذات أثر في حياة البشر، حيث إنّها قوى مُلْهِمة للخير في مقابل القوى الشيطانيّة الموسوسة بالشر. إنها قوى غيبيّة مدركة، شاء الله تعالى أن تلازمنا في حياتنا ليلاً نهاراً. وإيمان الإنسان بذلك يشعره بالأمن تجاه العوالم الغيبيّة، كما ويشعره بأهميته ومكانته، وكرامته على الله تعالى.[4]
الركن الثالث: الإيمان بالكتب
كلمة رسول تتضمن وجود: (مُرسِل، مُرسَل إليه، رسول، رسالة). وظاهر الأمر أنّ الإيمان بالرسل يُغني عن الإيمان بالكتب، لأنه يتضمن الإيمان بالرسالة، فلماذا كان الإيمان بالكتب ركناً متميزاً عن الإيمان بالرسل؟
تتلخص رسالة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالقرآن والسنة، وبذلك يظهر أنّ الرسالة هي أشمل من الكتاب، فالكتاب هو الجانب المكتوب من الرسالة الموحى بها، والقرآن الكريم يُركز كثيراً على المكتوب من الرسالات ، ولا بدّ لذلك من حكمة.
من يقرأ الأناجيل الأربعة لدى النصارى اليوم يلاحظ أنّها عبارة عن سيرة لحياة المسيح، عليه السلام، تُنسب روايتها إلى عدد من الأتباع. ومعلوم  في الأصل أنّ الإنجيل هو كتاب مُنزّل على المسيح، عليه السلام، وفرق بين الكتاب والسيرة الشخصيّة، فأين الإنجيل إذن؟! وما يُقال في الإنجيل المعاصر يُقال في التوراة المعاصرة.[5]
الركن الرابع: الإيمان بالرُسُل
جاء في الآية 47 من سورة يونس:" ولكل أمة رسول ..." وجاء في الآية 164 من سورة النساء:" ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ..." .

يُستفاد من الآيتين الآتي:
1.     اقتضت حكمة الله تعالى أن يرسل لكل أمّة من الأمم السابقة رسولاً أو أكثر. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في الآية 24 من سورة فاطر:"... وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" . وجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري:" وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة". واقتضى العدل الإلهي أن لا يؤاخذ الله تعالى من لم تبلغه رسالة، جاء في الآية 15 من سورة الإسراء:"... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا".
2.     لم يشأ الله تعالى أن يقص علينا أخبار كل الأنبياء والرسل. وقد صح أنّ عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر. وقد ذكر القرآن الكريم أسماء 25 من الأنبياء والرسل.
النبي والرسول:
         عندما يصطفي الله رجلاً ويشرّفه بالوحي ليقوم بواجب هداية الناس إلى الحق يكون قد أصبح نبياً. وعندما يُكلَّف هذا النبي بتبليغ رسالة محددة يكون قد أصبح رسولا. فإسحاق، عليه السلام، مثلاً، كان نبياً يتنزّل عليه الوحي فيرشد الناس ويردّهم إلى الحق ويقوم على مصالحهم الدينيّة، ولم يكن مُكلفاً برسالة خاصة بأمّة من الأمم، بل كان وارثاً لرسالة أبيه إبراهيم، عليه السلام. أما إسماعيل، عليه السلام، فقد كان نبياً مُرسَلاً إلى العرب ومُكلفاً برسالة خاصة بهم. ومن الأنبياء الذين لم يُنص على رسالتهم أنبياء بني إسرائيل؛ فقد كانوا مُشرّفين بوظيفة النبوة، ومكلّفين بشريعة موسى، عليه السلام. جاء في حق التوراة في الآية 44 من سورة المائدة:"... يَحكُم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ...". وخلاصة الأمر أنّ النبي يوحى له ويبلِّغ في إطار رسالة سابقة. أما الرسول فنبيٌّ يكلف بتبليغ رسالة جديدة.
         وتشير النصوص إلى أنّ آدم، عليه السلام، كان أول نبي، وأنّ نوحاً، عليه السلام، كان أول رسول.[6]

الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر
         الإيمان بالله الخالق لا يعني بالضرورة الإيمان بباقي الأركان، فهناك في الفلسفات الشرقيّة من يؤمن بالله الخالق، ولكنهم لا يؤمنون بالرسل وبالكتب، وبالتالي لا يؤمنون باليوم الآخر. ومن يؤمن بالملائكة ليس بالضرورة أن يؤمن بالكتب والرسل. ومن يؤمن بالرسل ليس بالضرورة أن يؤمن بالكتب. أما الذي يؤمن باليوم الآخر فلا بد أن يكون مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله، وعلى وجه الخصوص الإيمان بالله ورسله. فأهم أركان الإيمان إذن ثلاثة: الإيمان بالله، ورسله، واليوم الآخر. وعليه يكون ركن الإيمان باليوم الآخر قد تضمّن كل الأركان. من هنا نجد أنّ القرآن الكريم قد أفاض في الحديث عن اليوم الآخر. كيف لا، وثمرة الإيمان بالأركان الأخرى تظهر في اعتقاد وسلوك المؤمنين، وضمانة ذلك هو الإيمان باليوم الآخر. [7]

الآخـرة:
مقال مقتبس من كتابنا: (من أسرار الأسماء في القرآن الكريم):
" عندما تُؤمن المدرسة الوجوديّة بالعبثيّة، وعندما تَرفعُ شعاراً يقول:" لا شيء له معنى إلا الموت"، فإنها تكون قد عبّرت بوضوح عن الحقيقة التي يهرب من مواجهتها الماديّون. فهذه النتيجة لا بد أن يصل إليها كل من أنكر اليوم الآخر؛ فعظمة الكون، وإبداع الخلق، والهدفيّة المتجليّة في كل صغير وكبير من هذا الوجود، كل ذلك يفقد معناه عندما نؤمن بأنّ الدنيا هي نهاية المطاف.
إذا كان وجودي ينتهي بالموت، فلماذا أعيش ؟! هل يوجد في الحياة الدنيا ما يسوّغ الاستمرار فيها ؟! وماذا يعنى التزامنا بالمبادئ والقيم، وماذا يبقى من سلطة للإلزام بها إذا ما أقصينا الدين؟! وما مدى منطقية القول: هذا يجوز، وهذا لا يجوز؟! فبإمكانك أن تشكك في كل القيم، ويمكنك أن ترفض كل شيء، ويمكنك أن تفعل ما تشاء، لأنّ الدنيا هي نهاية المطاف. نعم، سيكتشف الناس أنّ إنكار اليوم الآخر يُفْرِغ الحياة الدنيا من معناها، وعندها لا بد أن تكون السيادة للفلسفة العبثيّة، وعندها سيكون الانتحار هو الشجاعة التي تستند إلى العقل والمنطق، وسيكون الاستمرار في الحياة هو الغباء.
حتى الآخرة تفقد معناها عندما يكون لها نهاية، ومن هنا كان الخلود من أكبر حقائق اليوم الآخر. بل إنّ الرغبة الملحة لدى الإنسان في البقاء والاستمرار لهي من أوضح حقائق النفس البشريّة، وكأنّه لا يصلح لعالم الخلود إلا من رُكِّب فيه الميل إلى الخلود. لقد جاء الدين منسجماً مع حقائق الخلق، فكانت الآخرة من حقائق الوجود، وكان الخلود من حقائق الآخرة، وبذلك يتحقق الانسجام الكامل في كل شيء. أما الفلسفة الماديّة المنكرة لحقيقة اليوم الآخر، فهي عارض مرضي وشذوذ تأباه الفطرة الإنسانيّة. لذا سيبقى الإلحاد استثناءً غير قابل لأن يكون القاعدة.
من يقرأ القرآن الكريم يجد أنّ قضية اليوم الآخر تكاد تكون القضية الأولى، حيث تحظى بمساحة ضخمة في كتاب الله العزيز. إنّ صلاح الدنيا لا يكون إلا بالايمان بالآخرة، وصلاحها هو المقدمة الضروريّة لصلاح الآخرة، ولا مجال للفصل بين العالمين. بل لقد باءت كل محاولات الفصل، عبر التاريخ البشري، بالإخفاق الذريع. وأبرز علامات هذا الإخفاق الإيمان بالعبثيّة، والشعور بفقدان الهدفيّة، وانهيار القيم الأخلاقيّة. وليس عجيباً بعد ذلك أن نسمع أنّ أعلى نسبة للانتحار في العالم هي في البلاد الاسكندنافيّة، والتي هي الأولى في مستوى الرفاه المادّي. وليس غريباً أن نجد الجموح والتمرد يسودان في المجتمعات الغربيّة، التي أقامت حضارتها على أسس ماديّة.
تكرر (اليوم الآخر) في القرآن الكريم 26 مرّة، وتكررت كلمة الآخرة بمعنى اليوم الآخر 113 مرّة، وتكرر ( يوم الدين) 11 مرّة، وتكرر ( يوم القيامة) 70 مرّة. فكيف بنا إذا أحصينا أيضاً: يوم الحساب، ويوم التغابن، والصاخّة، والحاقة، والجنة، والنّار،... وغير ذلك، من الألفاظ الدالّة على اليوم الآخر!! " ا.هـ[8]
العلامات الكبرى للساعة:
تحديد زمن قيام الساعة غير ممكن لأنّه من الغيوب التي استاثر الله تعالى بعلمها. ولكنّه سبحانه أطلعنا على بعض مؤشرات قرب زمانها. والمؤشرات التي تأتي أولاً تُسمّى (العلامات الصغرى)، والمؤشرات القريبة من زمان وقوعها تسمى (العلامات الكبرى). والإيمان بالعلامات الصغرى والكبرى يجعل الأمة الإسلاميّة معصومة من عبث العابثين، فلا مجال للزعم باقتراب الساعة قبل ظهور علاماتها. ومن يدرس تاريخ الأمم الغربيّة في القرون الأخيرة يجد أنّ هناك عدداً من الكهان والمشعوذين قد عبثوا بهذه الأمم وأوهموها، أكثر من مرّة، بأنّ الساعة على وشك الوقوع. والغريب أنّ جماعات متدينة كانت تستقبل هذا القرب المزعوم بالانتحار. وكان آخر ما شهدنا من صور العبث ما حصل في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، حيث انتشرت الأنباء باقتراب زمن القيامة، وتوجّست الشعوب الغربيّة من هذا الحدث المحتمل، وأصبح الحديث حول هذه المسألة الشغل الشاغل للإعلام الغربي، إلى درجة أنّ إسرائيل قامت بمنع بعض الجماعات الأمريكيّة من الحضور إلى القدس لاحتمال قيامها بانتحارات جماعيّة في الأرض المقدّسة.
أما في البلاد الإسلامية فلم تؤثر مثل هذه الأخبار في الناس، لأنّ الشعوب لديها الإيمان بأنّ القيامة لا تقوم حتى تظهر علامات، وعلى وجه الخصوص الكبرى منها، وهذه العلامات هي:

1.     طلوع الشمس من المغرب:
جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وأبو داود:"إنّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدّابة على الناس ضُحى، وأيهما ما كانت قَبلَ صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً".
ويبدو أنّ هذه العلامة هي إعلان ببداية التغيير الذي يُحدثه الله تعالى في نظام الكون. وقد صح في الحديث أنه لا يُقبل إيمان الكافر بعد ظهورها

2.     خروج الدّابة:
جاء في الآية 82 من سورة النمل:" وإذا وقع القولُ عليهم أخرجنا لهم دابةً من الأرض تكلمهم أنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون". ولم يصح في وصف الدّابة شيء، وكل ما ذُكِر في بعض كتب التفسير حول تحديد نوع الدابة وأوصافها لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة.
3.     ظهور الدّجال:
واضح من الاسم أنّ الرّجل كثير الكذب، ومن أعظم كذبه ادعاء الألوهيّة. ويكون قادراً على الإتيان ببعض الأعاجيب، مما يجعل فتنته أعظم فتنة عرفها البشر، لذا لم يأت نبي إلا وحذّر أمّته من فتنة الدّجال. جاء في صحيح مسلم:"... فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف ...". وهو رجل أعور ممسوح العين، ولذلك يُسمّى المسيح الدّجال. ومدة لبثه في الأرض          14 شهراً ونصف، كما جاء في الأحاديث، ثم ينزل المسيح، عليه السلام، فيقتله بالقرب من مدينة اللد في فلسطين.

شبهة:
إذا كان الدّجال قادراً على الإتيان بالخوارق فإنّ ذلك يعني أنّ من يتّبعه ويؤمن به من الناس فإنّه معذور، لأنّ الإتيان بالخوارق هو دليل على صدق الادعاء.

نقول: إنّ التحذير المُسبَق من الدّجال، وإنّ ذكر أوصافه والأعمال التي يقوم بها قبل وجوده بقرون متطاولة، كل ذلك يُبطل حُجّته. فكُل من يراه يعلم عندها صدق الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويستيقن أنّ ما يفعله الدّجال هو أوهام يسيطر فيها على البشر، وقد يكون ذلك ناتجاً عن قدرات علميّة يصل إليها جماعات من البشر يكون الدّجال قائداً لهم عندما يزحفون من الشرق باتجاه فلسطين.

4.     نزول عيسى، عليه السلام:
وقد ثبت نزوله بالأحاديث المتواترة،وبعد نزوله، عليه السلام، يقتل الدّجال، ويحكم بشريعة الإسلام، ويمكث في الأرض أربعين عاماً، ثم يموت، عليه السلام.

قضية للبحث والمناقشة:
اللافت أنّ المسيح، عليه السلام، هو الذي يقتل المسيح الدّجال، وهذا يعني أنّه قبل نهاية الحياة على الأرض يلتقي مسيح حق ومسيح باطل، فتكون نهاية الثاني على يد الأول. ولا بد لهذا الحدث المستقبلي من حكمة مخبوءة.

5.     ظهور يأجوج ومأجوج:
ونستطيع أن نقدر من مجمل النصوص أنهم أمة كثيرة العدد، تزحف من الشرق باتجاه فلسطين، وتُعيث في الأرض فساداً. ويُذكّر إفسادهم بإفساد أجدادهم الذين ذكرهم القرآن الكريم في سورة الكهف. وعندما يصلون فلسطين ويسيطرون على أجزاء منها تكون نهايتهم فيها، ويكون ذلك في زمن حكم المسيح، عليه السلام، الذي يأمره الله تعالى، وحياً، بأن لا يقف في وجوههم لعظم قوتهم، فتكون المعجزة بإبادتهم بأسباب سماويّة. ويدوم حكم المسيح، عليه السلام، بعدها سنوات يعيش الناس فيها في رفاهية وأمان لم تعرف الأرض لهما مثيلاً.[9]
يأجوج ومأجوج:

مقال مقتبس من كتابنا: (نظرات في كتاب الله الحكيم):
" جاء في الآية 13 من سورة الحجرات:"..وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..."، وهذا يعني أنّ انقسام البشر إلى قبائل وشعوب وأمم هو أمر صحّي وإيجابي، بغض النظر عن العوارض السلبية لهذا الانقسام. والذي يهمنا هنا هو الإشارة إلى ماضي البشرية الذي ساعد على تشكّل الشعوب والأمم، إلى درجة أن نجد اليوم الأسود والأبيض والأصفر وغيرهم، بحيث يسهل التمييز، وذلك لاختلاف الأشكال والألوان والصور واللغات. ويبدو أنّ الانعدام النسبي لوسائل الاتصال في القديم ساعد على عزل الناس بعضهم عن بعض، وبالتالي ساعد على تشكّل الخواص المميزة للأمم والشعوب. وهذا يعني أننا نسير اليوم في الاتجاه المعاكس، نظراً لتطور وسائل الاتصال، وسقوط الحواجز بين البشر شيئاً فشيئاً.
مرحلة العزل:
يتحدث القرآن الكريم، في خواتيم سورة الكهف، عن قصة ذي القرنين، ذلك الحاكم القوي التقي العادل، الذي يجوب الأرض حاملاً رسالة الخير إلى الناس. وهو على خلاف ما عهدته البشرية من حكم الجبابرة والمتسلطين. ويجدر أن نلفت الانتباه هنا إلى أنّ ذا القرنين المذكور في القرآن الكريم ليس هو الإسكندر المقدوني، بل هو عبد صالح،  يُرجّح البعض أنه كورش الفارسي. وما يهمنا هنا أن نلفت الانتباه إلى ما قام به من ردم عظيم فصل به بين أُمّتين، ويكون بذلك قد أعان الأمّة الضعيفة على النمو بعيداً عن إفساد أمّة يأجوج وأمّة مأجوج. وقد ساعد هذا الفصل والعزل على تشكّل وتبلور شخصيّة أكثر من أمّة. واعتبر ذلك في حينه رحمة؛ جاء في الآية 98 من سورة الكهف:"قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي". ولكن مشيئة الله وحكمته أن لا يدوم هذا العزل:" فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ، وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ".
مرحلة الموج:
عندما يأتي وعد الله باندكاك الردم الحاجز تُترك الأمم ليختلط بعضها في بعض، جاء في الآية 99 سورة الكهف:"وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ"، أي يُترك الناس في زمن معين ليختلط بعضهم في بعض، في صيغة موجات، أي يتمّ التداخل بين الأمم ولكن بعد أن يكون لكل أمّة شخصيتها المتميزة، أي مع احتفاظ كل أمّة بأسس شخصيتها التي تميّزها عن غيرها، فالتنوّع في الأمم هو من أسرار التحضّر البشري، وهو من أسس اللقاء الإيجابي والمثمر بين الناس.
إذن في البداية كان الناس أمّة واحدة، ثم كان الانفصال والانعزال والاختلاف، فتبلورت شخصيات الأمم، ثم عاد الناس إلى الاختلاط والتعارف، وسقطت الحواجز. ويبدو أنّ هذا الاتجاه سيستمر إلى يوم القيامة، حيث جاء في الآية 99 من سورة الكهف "..وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً". ويبدو أنّ المقصود هنا مجموع البشر. على ضوء ذلك يمكن تلخيص تاريخ البشريّة في مراحل ثلاث:
‌أ.        مرحلة الأمّة الواحدة، وهذا في فجر البشريّة.
‌ب.    مرحلة الاختلاف والتفرق والانعزال وتبلور شخصيّات الأمم.
‌ج.    مرحلة العالميّة، والتي تعني سقوط الحواجز، والتقاء الأمم. وتستمر هذه المرحلة، على ما يبدو، إلى بدايات مرحلة التمهيد لعالم الآخرة.
جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري :"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثتُ إلى الناس عامّة فالمرحلة الأولى والثانية تقتضيان أن يكون لكل أمّة رسول، أمّا المرحلة الثالثة فاقتضت الرسالة العالميّة العامّة، وذلك ببعثة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ونزول الرسالة الإسلاميّة، التي تستمر إلى قُبيل نهاية التاريخ البشري على الأرض، ثم تظهر العلامات الكبرى لبداية النهاية وقيام الساعة. ومن هذه العلامات انفتاح وانتشار شرور يأجوج ومأجوج، وذلك في صورة زحف يتجه من الشرق إلى الغرب حتى يصل فلسطين الأرض المقدسة، والتي شاء الله تعالى أن تتطهر، بين الحين والآخر، مما يلابسها من دنس وشر، فلا يُعمَّر فيها ظالم.
جاء في الآية 96 من سورة الأنبياء:"حتى إذا فُتِحَت يأجوج ومأجوج..."، كلمة فُتحت لا تحتمل لغة أن يكون ما سيفتح هو السدّ، كما توهّم الكثير من أهل التفسير، مُحكّمين فهمهم في حقيقة اللغة. وقد قالوا ذلك على الرُّغم من أنّ السدّ لم يرد ذكرهُ في سياق الآيات من سورة الأنبياء. وما يشير إليه ظاهر الآية الكريمة أنّ قبائل يأجوج ومأجوج هي التي ستنفتح بالشر.
هناك احتمال أن يكون زمان ذي القرنين مُغرقاً في القِدم. ويبدو أنّ مهمّتهُ كانت تتعلق بدفع تطور الأمم المختلفة، والتي هي في مرحلة التبلور. وليس هناك ما يدل على اقتصار مهمّتهُ على الأمم الثلاث التي أشير إليها في سورة الكهف. ويتّضح لمن يتدبر الآيات الكريمة أنّ كل أمّة من هذه الأمم كانت تختلف عن الأخرى؛ فالأولى بلغت من النضوج مبلغاً يجعلها مؤاخذة بأعمالها، والثالثة لا تكاد تفقه قولاً، وهي مستضعفة ومعتدى عليها من قبل أُمّتين أصلهما واحد، بدلالة تقارب الاسمين، (يأجوج ومأجوج وبدلالة تحالفهما في العدوان على هذه الأمّة الضعيفة. إنّها أمّة تحسُّ بضرورة وجود حاجز يحفظها من عدوان الأقوياء، ويتيح لها أن تُبلور شخصيتها بعيداً عن الآخرين. جاء في الآية 94 من سورة الكهف:"قالوا يا ذا القرنينِ إنّ يأجوجَ ومأجوجَ مفسدونَ في الأرض، فهل نجعلُ لك خََرْجاً على أنْ تجعلَ بيننا وبينهم سدّاً".
قام ذو القرنين بإيجاد الحل الناجح والناجع والمحقق لبعض أهداف تجوالهِ وجَوبِه في الأرض. ومن هذه الأهداف عزل الأمم عن بعضها البعض فيساعد هذا العزل على بلورت شخصيّات هذه الأمم. وهذا في حينه كان رحمة من الله تعالى بالناس:"قال هذا رحمةٌ من ربيّ...". وبعد انقضاء هذه المرحلة تأتي مرحلة اختلاط الأمم.
كان الردم الذي شيده ذو القرنين حاجزاً يفصل بين أمتين فيساعد الأمة المستضعفة على بلورت شخصيتها بعيداً عن تأثير الأمة الأقوى والمتسلطة. وفي الوقت الذي يفقد فيه هذا الحاجز وظيفته لا بدّ أن يزول:"..فإذا جاء وعد ربّي جعلهُ دكاءَ..". وهذا لا بدّ أن يحصل، لأنّهُ تقدير ربّ الناس ومربّيهم:"..وكان وعد ربّي حقّاً". وسيكون هذا الاندكاك متزامناً مع بدايات المرحلة الأخيرة، والتي هي مرحلة اختلاط الأمم وموج بعضها في بعض، كما ألمحنا سابقاً.
جاء في صحيح مسلم أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، استيقظ من نومهِ فزعاً وقال:" ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج...". وهذا يشير إلى تزامن بدايات انهيار السدّ مع بداية مرحلة العالميّة واختلاط الأمم، والتي جاء الإسلام ليحققها. ويشير إلى ذلك قوله تعالى في الآية 99 من سورة الكهف: "وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ": لا شك أنّ كلمة (يختلط) لا تفي هنا بالغرض، بل (يموج)، لأنّ الاختلاط لا يدل على الكثرة الهائلة، ولا يشير إلى التداخل مع الاحتفاظ بالخصائص المُميّزة، وكل ذلك بعض إيحاءات كلمة يموج. أما كلمة (تركنا) فتوحي بالمنع السابق الذي هو مرحلة العزل.
تستمر مرحلة موج الأمم في بعضها إلى يوم القيامة:" وتركنا بعضهم يومئذٍ يموجُ في بعض، ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً". ولكنّ هذا الموج لا يذهب بخصوصيّات الأمم وتميّزها، بدليل أنّ يأجوج ومأجوج الذين أفسدوا في مرحلة تبلور شخصيّات الأمم سيعاودون الكرّة، فيكون إفسادهم من العلامات الكبرى لقيام الساعة، وبدليل وجود العرب الذين يصيبهم البلاء الشديد عند خروج يأجوج ومأجوج، كما جاء في الحديث الشريف. وفي الوقت الذي تقترب فيه وظيفة الدين الدنيويّة من نهايتها تقترب نهاية وظيفة العرب أيضاً.
 خلاصة الأمر أنّ الأمم التي تبلورت قديماً ستبقى متميّزة، على الرغم من اتجاه البشرية نحو العولمة، فاختلاط الناس إلى يوم القيامة لن يَذهب بالخصائص المميزة لشخصيّات الأمم العريقة. وسيبقى التميّز والتنوّع من أهم أسس التحضّر البشري. وستبقى الأمم هي المحضن الذي ُيلهم قيم الانتماء، ويؤسس في النفوس معاني الالتزام. وستخفق كل مخططات الشر التي تريد أن تجعل من العولمة وسيلة لإفساد الناس، ومسوغاً للاعتداء على خصوصيّات الأمم، من أجل تحويل البشريّة إلى قطعان يسهل السيطرة عليها واستغلالها. وصدق الله العظيم:"..إنّ كيدَ الشيطانِ كانَ ضعيفاً". ا.هـ[10]
الركن السادس:  القضاء والقدر
القضاء: علم الله السابق وإرادته بوجود الأشياء قبل وجودها.
القدر: وجود الأشياء في الواقع وفق العلم والإرادة السابقين الأزليين.
وبذلك يتبين أنّ القضاء يتعلق بعلم الله وإرادته الأزليين. جاء في الآية 22 من سورة الحديد:" ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إنّ ذلك على الله يسير"، فكل حادث في عالم الوجود معلوم لله قبل حدوثه، ولا يحدث إلا بإرادة الله وإذنه.  
الايمان
معنى الإيمان
تعريف الإيمان
مفهوم الايمان
الايمان والصحة النفسية
ما هو الايمان
بحث عن الايمان
مسلسل الايمان
تعريف الايمان واركانه
 
[1]. للمتابعة: (يتبع)
1.       الثقافة الإسلامية، عزمي طه السيد وزملاؤه، دار المناهج، عمان، ط1، 1996م
2.       تعريف عام بدين الإسلام، علي الطنطاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1980م
3.       دراسات في العقيدة الإسلامية، محمد الخطيب و محمد الهزايمة، دار عمار، عمان، ط1، 1990م
[2]. من أسرار الأسماء في القرآن الكريم، بسام جرار، ص27-29، مركز نون للدراسات، البيرة، فلسطين، ط1، 2003م.
[3]. للمتابعة:
1.       كبرى اليقينيات الكونية، البوطي، دار الفكر، بيروت، ط1، 1969م
2.       الله، سعيد حوى، دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، 1979م
3.       العقائد الإسلامية، سيد سابق، دار الفكر، بيروت، 1978م
4.       العقيدة الإسلامية، عبد الرحمن حبنكة، دار القلم، دمشق، ط2، 1979م
5.       عقيدة المسلم، عبد الحميد السائح، منشورات وزارة الأوقاف، عمان، ط2، 1983م
[4]. للمتابعة:
1.       الإيمان، محمد نعيم ياسين، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1978م
2.       تبسيط العقائد الإسلامية، حسن أيوب، مكتبة الثقافة العربية، 1971م
3.       حقائق الإيمان بالملائكة والجان، خالد بن محمد علي الحاج، دار المنار، الزرقاء، ط1، 1987م
4.       عالم الملائكة الأبرار، عمر سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت، ط3، 1985م
[5]. للمتابعة:
1.       العقائد الإسلامية، سيد سابق، دار الفكر، بيروت، 1978م
2.       العقيدة الإسلامية، محمد أبو زهرة، مجمع البحوث الإسلامية، القاهرة
3.       العقيدة الإسلامية من الكتاب والسنة، يوسف بن محمد العتيق، دار الصميعي، الرياض، ط1، 1999م
4.       الإيمان، محمد نعيم ياسين، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1978م
[6]. للمتابعة:
1.       مباحث المفاضلة في العقيدة، محمد بن عبد الرحمن الشظيفي، دار ابن القيم، الدمام و دار ابن عفان، القاهرة، ط1، 2003
2.       الرسل والرسالات، عمر سليمان الأشقر، مكتبة الفلاح، الكويت، ط3، 1985م
3.       تعريف عام بدين الإسلام، علي الطنطاوي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1980م
4.       دراسات في العقيدة الإسلامية، محمد الخطيب و محمد الهزايمة، دار عمار، عمان، ط1، 1990م
[7]. للمتابعة:
1.       اليوم الآخر، عمر الأشقر، مكتبة الفلاح ودار النفائس،  الكويت، ط3، 1990م
2.       شرح العقائد النسفية، التفتازاني، مطبعة محمد علي صبح، ط2، 1939م
3.       شرح العقيدة الطحاوية، زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط6، 1400م
[8]. من أسرار الأسماء في القرآن الكريم، بسام جرار، ص36-38، مركز نون للدراسات، البيرة، فلسطين، ط1، 2003م
[9]. للمتابعة:
1.       الإيمان، محمد نعيم ياسين، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1978م
2.       للمتابعة: عقيدة المسلم، عبد الحميد السائح، منشورات وزارة الأوقاف، عمان، ط2، 1983م
3.       الإرشاد إلى صحيح الإعتقاد، صالح الفوزان، شركة النور، بيرنبالا، فلسطين، ط8، 1423هـ
4.       القبسات السنية، صلاح الخالدي، دار القلم، دمشق، ط1، 2000م
[10]. نظرات في كتاب الله الحكيم، بسام جرار، ص39-44، مركز نون للدراسات القرآنية، البيرة، فلسطين، ط1، 2004م.
[11] . للمتابعة:
1.       شرح العقيدة الطحاوية، زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط6، 1400م
2.       تعريف عام بدين الإسلام، علي الطنطاوي، ص149-162، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط9، 1980م
3.       العقائد الإسلامية، سيد سابق، دار الفكر، بيروت، 1978م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق