الأحد، 16 أبريل، 2017

أسس الثقة بالنفس

الثقة بالنفس (Confidence)

الثقة قد تكون بالنفس وقد تكون بالغير، وهنا نتحدث عن الثقة بالنفس وكيف يمكن للقائد مثلا أن يصنع الثقة بمرؤوسيه. ومن المهم أن يكون لدى القادة ثقة بالنفس وثقة بالآخرين وخلق الظروف والبيئة المناسبة للثقة بالمرؤوسين؛ لكي يقوموا بأعمالهم بكفاءة عالية واقتدار.
والثقة بالناس لا تتحقق بالكلام والخطابات، ولا يمكن خلق الثقة بالناس من خلال أن نربت على أكتافهم، ونثني عليهم أثناء قيامهم بالعمل. فهي ترتبط بالنجاح فعندما تتوقع أنك ستنجح فهنا تتولد الثقة التي تدعم الجهد اللازم لتحقيق النجاح. حتى على المستوى العام في اقتصاديات الدول فإن الثقة في الذات (الطاقة والإيمان والولاء والانتماء) هي التي تجذب الاستثمار.وتؤكد Kanter (2004)  أن الذي يصنع الفروقات الحقيقية هو الجهد الذي يقوم به الأفراد وبشكل خاص ذلك الجهد الإضافي الذي يقدمه هؤلاء الأفراد. وعندما تتكون الثقة في النفس يتكون عندها الاستعداد لبذل جهد من أجل تحقيق ما هو مطلوب. وقد يشاهد المرء مثالا حياً وواقعيا لطبيعة الحماس والثقة بالنفس في الألعاب والمباريات الرياضية؛ فقد يكون الفائز في الخلف وقد يتقدم أحيانا إلى الأمام وقد يسقط أحيانا أخرى على الأرض وقد يفقد في بعض الأحيان السيطرة على الكرة، ولكنه يثابر ويتعلم من أخطائه ومن تجاربه، وهذا هو نتاج الثقة بالنفس (Kanter ,2004).

أسس الثقة بالنفس

تعتمد الثقة بالنفس على ثلاثة أركان أساسية كما تقول Kanter (2004) [i]  المساءلة: قد لا تبدو للوهلة الأولى العلاقة واضحة بين المساءلة والثقة، ولكن المتمعن في ما تطرحه Kanter (2004) يرى تلك العلاقة، ففتح باب المساءلة على مصراعيه في أي مؤسسة، يجّنب الأفراد أي مجال للشك في ممارستهم وفي نشاطاتهم. وهذا الأمر يساهم بشكل جلي في رفع مستوى ثقة القادة بأنفسهم، وكذلك المرؤوسين من خلال تحمّل المسؤولية الشخصية ومعرفة حدود تلك المسؤولية بجدارة ومواجهة الحقائق بصدق وأمانة، والاعتراف بالأخطاء بسرعة ومعالجتها فورا. فالمساءلة تنبثق من مواجهة الإنسان للحقائق بصدق وأمانة وهي تعد حجر الأساس للثقة. فمثلا ستكون ثقة الأفراد بالقيادة عالية إذا كانت القيادة صادقة وتقول الحقائق. فإذا تحملت القيادة مسؤولياتها بصدق وأمانة فهذا سيساهم كما تقول Kanter بتشجيع الأفراد على تحمل مسؤولياتهم بصدق وأمانة واقتدار. فالقادة ينبغي أن يصنعوا ثقافة المساءلة من خلال الآخرين وبواسطتهم ومعهم والقائد يضع الحقائق واضحة أمام الجميع ويضع المحاسبة والمساءلة أساسا للحقائق وتحديد الأداء المطلوب ضمن تلك الحقائق.
1.   التعاضد والتكاتف: هي القاعدة الثانية من قواعد الثقة بالنفس. وتُبنى الثقة عندما يشعر الفرد أن بمقدوره الاعتماد على من حوله وبمقدورهم هم أيضا الاعتماد عليه، وهذا ما يسمى بالاعتماد المتبادل(Interdependency) . وهذه تتجاوز موضوع التعاون إلى مستوى معرفة الآخر ومعرفة ما يتوافر لديه من مواطن قوة لمحاولة التعاون من خلالها. ويزداد احترام الإنسان للآخرين كلما علم نقاط القوة المتاحة لديهم، فيثق أن باستطاعته الاعتماد عليهم وهم كذلك. فالثقة في الآخرين تزداد وتترعرع عندما يعلم الإنسان بأنهم سيقومون بما هو مطلوب منهم بكفاءة ومهنية عالية، ولكن عندما يعلم غير ذلك فإنه سيقول لنفسه: " حسنا، سأقوم بهذا الأمر بنفسي فليس باستطاعتي الاعتماد على غيري في إنجاز هذا العمل، لا أثق بهم ولا يمكنني احترامهم". عندما يتردد مثل هذا القول وعندما تنشأ ظاهرة "فك الارتباط" بين الناس فيما بينهم تكون المحصلة تدهور في الأداء. وهنا يأتي دور القيادة في محاولة تأسيس التعاون وتأصيله في المنظمة.
قد يبدو هذا الحديث كأنه وعظ وإرشاد نتيجة لتكراره في كثير من الكتب والأدبيات التي تتحدث عن المنظمات وتنميتها. فنقرأ في كثير من كتب الإدارة عن مواضيع تتعلق بروح الفريق وبناء الفريق وأهمية عمل الفريق وغيرها، ولكن كانتر (Rosabeth Kanter) تؤكد في كتابها "الثقة" حول دور الثقة الجوهري على كل الأصعدة الاجتماعية: مثل ثقة المواطن بالدولة وثقة الدولة بالمواطن وثقة المستثمر في النظام القانوني وتشريعات الاستثمار والنظام الاقتصادي. وثقة العامل برب العمل وثقة المدير بالمرؤوس وثقة الأب بابنه وثقة الأب بأبيه.
فالثقة تصنع المعجزات في الظروف الصعبة كما حدث في شركة كونتنانتال للطيران، وهي التي تمكنت من إبقاء طائراتها تعمل دون توقف عندما توقفت شبكة الكهرباء عن العمل في شهر 8 عام 2003 عندما كانت أمريكيا تواجه ظلاما دامسا كان الأسوأ في تاريخها وبشكل خاص في شبكة الطاقة الشمالية الشرقية من أمريكيا، فتمكنت الشركة من تنسيق جهودها بطريقة معقدة وتمكنت من تحريك طائراتها في الجو على الرغم من الكارثة. وقد كان سر ذلك يكمن في ثلاثة أمور: المساءلة والتعاون والمبادرة. وكان مفتاح الأمر في نوعية التعاون ومستواه الراقي على الرغم من أن الأفراد لم يتعاونوا في حل المشكلة وجها لوجه، إلا أنهم تمكنوا من تنسيق جهودهم وتحمل المسؤولية وعلموا أن غيرهم في مواقع أخرى سيتحملون مسؤولياتهم بكفاءة وفاعلية. كان لديهم احترام كبير متبادل، وقد تُرجم ذلك الاحترام إلى صورة من أجمل صور التنسيق والتعاون في حل المشكلات. لم يكن ذلك كلاما نظريا فمنهم من لم يرَ الآخر من قبل ولكن كان رائد هذا التعاون هو الثقة بقدرات الآخر ومواطن القوة التي يمتلكها الطرف الآخر لأن الشركة لا تمتلك غير المواهب الذكية والقدرات الخلاقة.
2.   روح المبادرة: الركن الثالث من أركان الثقة هو روح المبادرة. فلو لم تتوافر لشركة كونتننتال روح المبادرة لما أقدم العاملون على حل المشكلة عند الانقطاع الكبير للتيار الكهربائي الذي حدث في تلك الفترة، وقد كان هنالك ثقة وتشجيع لأخذ زمام المبادرة ومعرفة أكيدة بأن مبادراتهم ستصنع الفرق وتحل المشكلة. دون ذلك لا يوجد شيء أسمه ثقة بالنفس وثقة بالنظام وثقة الواحد بالآخر. فالقادة وحدهم لا يمكنهم فعل كل ما حصل في تلك الشركة.
في كثير من الحالات تجد روح المبادرة موجودة في أنفس العاملين، ولكن تجد أنها مكبوتة أو مصادرة بسبب ممارسات القيادة التي لا تعمل على تشجيع العاملين على روح المبادرة. وفي أول محاولة للمبادرة تجد المدير يقول للمبادر: نحن لسنا بحاجة لأفكار جديدة ولا داعي لأن تُتعب نفسك ولا يوجد مجال أو استخدام لتلك الأفكار. مثل هذه الردود تؤدي إلى قتل روح المبادرة ووأد الثقة بالنفس في مهدها. عندما يحصل هذا الرد من قبل ألإدارة نحو الأفراد فهي في الحقيقة لا تقّدر عواقب ذلك الرد وآثاره في نفوس المرؤوسين وأذهانهم، ولا تقوّم حجم الضرر الذي يحدث هنا لمعنويات العاملين، فضلا عن التدهور الذي قد يحدث للثقة بالنفس والثقة بالقيادة.

دعم روح المبادرة وتشجيعها

دعم وتشجيع روح المبادرة في غاية الأهمية، ولكن هنالك من يقول من المديرين بأن طبيعة عمل المنظمة روتيني ولا يتطلب روح المبادرة، فتقول Kanter: على الرغم من ذلك فإن روح المبادرة مهمة حتى في المنظمات البيروقراطية التي يحكمها قواعد عمل محددة وقوانين صارمة. وتشّبه ذلك بالمباريات الرياضية حيث الفريق الفائز عادة تكون لديه مبادرة أكبر وأسرع من الفريق الخاسر. وتلاحظ بأن الفريق الفائز ربما فعل أشياء تتجاوز القواعد التي حددها له المدرب وعادة لسان حالهم يقول " لا تقلق يا مدربنا فنحن سنتولى الأمر بعناية كبيرة ولن نعدم الفرصة والحيلة في الوقت المناسب" . عند التمعن والتحليل بهذا الرد من الفريق نحو المدرب نجده تعبيرا عن تجاوز القواعد، ولا يعني ذلك عدم الالتزام بها وإنما يعني أنها لن توفر لهم الحل السحري والفوز على الخصم دون توافر نوع من المبادرة والتكيف وتحمل المسؤولية. والمبادرة تقود إلى الإبداع وخلق أفكار جديدة وهي مهمة لكل المنظمات في هذا الوقت، وهي مهمة أولا وأخيرا للثقة بالنفس.
إنه ذلك الشعور بالقدرة على الفعل والتأثير وكل ما يحتاجه العامل لتقوية هذه الحالة هو الدعم من الإدارة والدعم من القيادة في أي مساهمة أو نشاط لكي تتعزز هذه الروح وتستمر. فالعملية لا تتم بيوم وليلة وإنما تحتاج إلى تشجيع على الأعمال الصغيرة حتى نصل للمبادرات الكبيرة والمؤثرة. المهم هو قيام القيادة ببناء المناخ والبيئة المناسبة لتشجيع العاملين على أن يبدأوا بخطوات بسيطة، وأن يشعروا بأن هذه الخطوات لها أهمية ومساهمة، وهذا مهم في خلق نظام منتج وثقة بالنفس. فالناس لا يستطيعون الجلوس والانتظار للقيام بالمبادرات العظيمة، فهي لا تأتي بشكل دائم ومستمر وإن جاءت فهي قد تأتي من القمة لا من القاعدة. وهذا لا يكفي لبناء مناخ عام من الثقة فلا بد من مشاركة الجميع في المبادرة حتى يعلو صرح الثقة في المنظمة. ولا مانع أن تكون المبادرات صغيرة أو كبيرة فالمهم أن تأخذ صفة الشمولية على مستوى المنظمة كلها.

يشعر المرء أحيانا بأنه واقع بين أحد أمرين، فإما الفشل، أو النجاح، وإما الازدهار، أو الانهيار، فإن كانت الحالة هي حالة ازدهار، يتبادر للذهن أنها ستبقى كذلك، ويشعر الناس هنا بأنهم سينجحون في أي شيء يجربونه، وستكون الأمور على ما يرام. وفي الحالة الثانية، وهي حالة الفشل والتجارب الفاشلة، وفيها يتبادر للذهن بأنها حالة دائمة يصعب الخلاص منها وكأن الفشل دائم ومستمر ولن يتغير. لهذا السبب يجد من يفشل صعوبة في فهم فرص النجاح. والمؤسسات التي تتدهور الأمور فيها أيضا تجد صعوبة في التحول من الفشل إلى النجاح وحتى الدول التي يسيطر على اقتصادها الكساد تجد الإصلاح والتحول إلى الازدهار من ضروب المستحيل. وهذا هو السبب وراء بقاء منظمات أو دول لسنوات طويلة في الفشل والتراجع.
فأي شخص أو مجموعة أو منظمة معرضة للانزلاق في أحد القطبين فإما في دورة الفشل أو في دورة النجاح والازدهار. والسر في حقيقة الأمر الذي يؤدي بهم إلى الازدهار أو السقوط هو غالبا الثقة بالذات. فالثقة بالنفس تشكّل الجسر الذي يربط بين الآمال والتوقعات من جهة، وبين الأداء من جهة أخرى. وهو الجسر الذي يربط بين الاستثمار والنتائج. فمن أهم المصطلحات المتداولة في الأسواق مثلا، "ثقة المستهلك في الاقتصاد وثقة الجماهير في القادة وثقة المستثمرين في الاقتصاد والثقة في مجالس الشعب والنواب والثقة في الحكومة وثقة الرياضيين في الفوز في المباريات الرياضية" وهكذا.
ولكن الثقة بالنفس بالنسبة للقيادة ليس هو السر، وإنما ثقة القيادة بالآخرين هي السر الحقيقي للقيادة. فالقيادة الناجحة هي التي تعمل ليل نهار في سبيل خلق مناخ تمنح وتخلق من خلاله الثقة بالموظفين وتخلق ثقة عالية بأنفسهم وبمصادر قوتهم. فالقيادة هي التي تحفز العاملين لبذل أفضل ما لديهم من جهد وتوجيه ذلك الجهد في اتجاه صحيح ومنتج. والقادة عليهم أن يدركوا ويعتقدوا بأنهم قادرون على الاعتماد على غيرهم في القيام بواجباتهم بالشكل الصحيح. فإذا كان فعلا قد قام العاملون بتولي مهام عملهم وتحمل مسؤولياتهم بجدارة كأبطال؛ فلا حاجة عندها لمن يأتي ليتولى تلك المهام ويقول بأن العاملين لم يقوموا بها. فالتركيز على نقاط ضعف العاملين يقوض ثقتهم بأنفسهم، ويحطم معنوياتهم، ويؤدي إلى تلاشي بريق الثقة في نفوسهم. بالمقابل فإن الإيمان بهم يؤدي إلى ازدهار الثقة وبنائها، والفوز عندها يصبح أقرب من أي وقت من الأوقات.
فثقة القيادة بنفسها هي من ثقة القيادة بتابعيها، وتتمثل بكيفية بناء القائد للثقة في كل فرد من أفراد المنظمة. فالقادة يعززون الثقة في نفوس العاملين باعتناقهم لمعايير عالية تتبلور في الرسائل والمعلومات التي يتبادلونها مع الآخرين ويتمثلون تلك المعايير في تصرفاتهم وفي أفعالهم لكي يكونوا قدوة للآخرين ومثلاً يحتذى في المنظمة.
إن بناء الثقة كما تقول كانتر يحتاج إلى معايير وقيم ورؤى يتمثلها وينشرها القادة ويرى القائد صداها في سلوك المرؤوسين. وهنا يحتاج القائد إلى بذل جهد خاص في تعزيز تلك القيم وترسيخها، من خلال الاتصال والاحتكاك المستمر مع الآخرين وتشجيع كل صاحب قرار في المنظمة أن يقوم بنفس الدور في بناء الثقة في مرؤوسيه؛ لكي تساهم تلك الثقة في تعزيز المسؤولية والمشاركة والولاء للعمل والشعور بملكية العمل والمهام التي يقوم بها كل واحد في مكانه. فالثقة بالنفس بناء هام في تكوين الفرد المتمكّن القادر على العمل بنفس المسؤولية التي يحملها صاحب العمل وبروح المبادة الكاملة. ومن هنا فإن الثقة بالنفس والتمكين صنوان لا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر.
كما يحتاج بناء الثقة إلى نماذج قيادية تتمثل ما تقول وتضرب مثلا يقتدي به الآخرون، فعلى القيادة الناجحة أن تضع أسساً وقواعد رسمية لبناء تلك الثقة، من خلال قوانين وإجراءات إدارية تعزز الثقة بالنفس والثقة بالآخر والثقة بالنظام. وهناك ممارسات تدمر وتقوض الثقة بالنفس. والخوف يعتبر من أهم هذه الممارسات التي تدمر ثقة الفرد بنفسه كما تبين ذلك الفقرات القادمة.

مواضيع ذات صلة
عشرة طرق لتقوّية الثقة بالنفس
أهم أسس النجاح
أسـس تـطـويـر الذات
اسس التعامل مع الاخرين وزيـادت الثقة بالنفـس
برنامج الثقة بالنفس م - مهارات النجاح للتنمية
ما هي حقيقة الثقة بالنفس؟ - كيف تنشأ الثقة بالنفس؟ وكيف تتكون؟ إن الثقة بالنفس العادات الإيجابية في نفسك.
تقبل الذات من أهم أساسيات الثقة بالنفس
تنمية الثقة بالنفس ، أساسيات الثقة بالنفس ، الواثق بنفسه
خطوات تعزيز الثقة بالنفس
أسس الثقة بالنفس
خطوات تعزيز الثقة بالنفس
ورش عمل جاهزة للطالبات
الثقه بالنفس
تطوير الذات وبناء الشخصية


[i]     Kanter, R.(2004), Confidence: How Winning Streak and Losing Streaks Begin and End, Crown Business, pp. 402.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق