الأحد، 16 أبريل، 2017

الثقة بالقيادة والتمكين

الثقة بالقيادة والتمكين

الثقة سلاح قوي وهي رأس مال هام جدا وكما يقول فرانسيس فوكوياما بأن الثقة هي أهم رأس مال اجتماعي وأن العجز في رأس المال هذا، "الثقة" يعد أخطر من العجز في ميزان مدفوعات الدول[i]. والثقة شعور متبادل بين القائد والمرؤوسين، وثقة الناس في القائد هي دليل على نجاحه وهي إحدى أهم نتائج التمكين وهذا ما يعرف بالتبادل المثمر للطاقة. فالثقة يجب أن تكتسب ولهذا السبب تعد القيادة صناعة ينبغي إعادة اختراعها،[ii] واكتساب الثقة يتحقق من خلال الاهتمام بالآخرين، وأن تكون إلى صفهم في ما يحدث لهم من خير أو شر وتشاركهم همومهم ومشاكلهم حتى تحظى بثقتهم تلك الثقة التي قد تبنى كالبناء من خلال استمرار الاهتمام والتواصل والعلاقة القائمة على الربح المتبادل وسياسة "أنا أربح وأنت تربح".
إن الاهتمام والصدق والصراحة من أهم المقومات التي تؤدي إلى تكوين التمكين الذي يجعل المرؤوسين يتصرفون وكأنهم أصحاب المؤسسة أو على الأقل كأنهم شركاء فيها. والتمكين بدوره يشكل دافعا نحو بذل طاقة غير عادية من أجل التغيير والتطوير نحو الأفضل. وهذا بطبيعة الحال يقود نحو دافع من نوع آخر وهو تطوير الذات من خلال اكتساب العلم والمعرفة واستمرارية التعلم. وتبين الدراسات بأن المرؤوسين الممكّنين تتكون لديهم رغبات ودوافع أكبر نحو اكتساب معارف جديدة من خلال الإقبال على دورات الحاسوب واللغة وتكنولوجيا المعلومات وغيرها من التقنيات وذلك بشكل يفوق أقرانهم ممن لا يتوافر لهم قدر مماثل من الصلاحيات أو التمكين [iii]Rothstein et al. (1995).
والثقة بين بني البشر هي مشكلة المشاكل وتكاد تكون غاية في الصعوبة والتطبيق بسبب عوامل متعددة ومتداخلة. فالثقة الحقيقية صعبة حتى بين الناس الذين ارتبطوا معا لسنوات طويلة، كالأزواج مثلاً على الرغم من انتقائهم واختيارهم بعضهم لبعض. والأمر أصعب بكثير عندما لا يكون للإنسان خيار في انتقاء زملاء العمل، والأمر في غاية الصعوبة في المؤسسات الكبيرة، وبالتأكيد فإن الثقة بين المدير والمرؤوس صعبة أيضاَ، وخاصة عندما يكون لكل طرف حق إنهاء العلاقة مع الطرف الآخر بمحض إرادته،.وعندما نبحث في أسباب ودوافع المنظمات في وضع القوانين والتعليمات الصارمة والقيود فإننا نجد أنها تعود لأحد أمرين، الأول: من أجل تأمين سير الأمور بشكل منتظم تلافيا للفوضى، والأمر الآخر: بطبيعة الحال يكون تلافيا لاستغلال النظام والإساءة له من قبل الآخرين، أي عدم الثقة. ومهما تكن الأمور فالثقة بين أعضاء المنظمة، عاملين أم مديرين تعد في غاية الأهمية لمؤسسات القرن الواحد والعشرون. فما هي يا ترى العوامل التي يمكن توفيرها من أجل ضمان الثقة بين أعضاء المؤسسة والفرقاء المهتمين والمتأثرين بنتائج عمل المؤسسة (Stakeholders) مثل المساهمين والزبائن والمنظمات الأخرى؟. إنّ أهم العوامل والمقومات التي يمكن أن تدعم الثقة وتعززها بين أفراد المؤسسة يتمثل بما يأتي:

الكفاءة:
 يثق بعضنا ببعض من خلال ما نتمتع به من كفاءة ومهارة. وأحيانا نستبدل كلمة الثقة بكلمة كفاءة أو مهارة فنقول: الطبيب الفلاني يتمتع بكفاءة عالية، فنثق بتشخيصه للمرض كما نثق بالعلاج الذي يقدمه لنا فنسمح له بإجراء ما يلزم من تشخيص وعلاج. إذن "أمنحك ثقتي عندما أؤمن بكفاءتك وقدرتك، وتتوقف ثقتي بك عندما أشك في مهارتك".وهذا ينسحب على مهن ووظائف مختلفة مثل المعماري والميكانيكي ورجل الصيانة وغيرها من مهن بنسب مختلفة وهذا ما ينسحب أيضاَ على علاقات العمل في المؤسسات التي نعمل بها. وهذه الثقة أصبحت ضرورية في منظمات الأعمال والمؤسسات المختلفة أكثر من أي وقت مضى، إذا ما أراد المديرون التحول عن المنظمات التقليدية الهرمية والوظيفية المتخصصة، فبحكم التخصص كان المدير يعلم ويعرف وعلى مهارة أكبر من أي موظف في القسم أو في الدائرة، ولكن الآن ليس شرطاً لازماَ أن يكون المدير أعلم أو أكفأ من مرؤوسيه فوظيفته تنسيق مهاراتهم أكثر من إتقانها. إذن وظيفة مدير القرن الواحد والعشرون وظيفة تنسيقية كما يؤكد ذلك بيتر دركر، هي تنسيقية للتخصصات المختلفة، ودور الثقة مهم فتزداد ثقته بهذه التخصصات التي يعمل على تنسيقها بمقدار كفاءة المتخصصين فيها، ومن هنا فهو يمنحهم ثقته التي بطبيعة الحال يتبعها منحهم حرية في التصرف وتمكيناَ واستقلاليةً ومناخاَ مناسباَ للإبداع والابتكار والتميز والتعُلم الدائم ([iv] (Stewart, 2001.

العمل الجماعي والجماعة Community and Teamwork  .

العنصر الثاني الداعم والمعزز للثقة هو الجماعة والعمل الجماعي، بشرط توافر عوامل مشتركة بين الجماعة من التعاون والمساواة والتعاضد والتكامل والهموم والطموحات والآمال المشتركة، يتضمنها علاقة وتعارف وصلات، وقد تحيا الجماعة حياة مشتركة وفقاَ لنظام خاص. والجماعة قد تُشكّل كفرق عمل من أجل إنجاز مشروع ما أو حل مشكلة ما. ففرق العمل أو جماعات العمل تدعم الثقة وتعزّزها لأنها تعزز الكفاءة، كما أن فرق العمل التي تقوم بالعمل الجماعي تقوم بأعمالها بشكل غير رسمي، والثقة هي من أهم مقومات التنظيم غير الرسمي(Stewart, 2001). والتنظيم غير الرسمي هو التنظيم العفوي الذي ينشأ عن الثقة بين أعضاء التنظيم.
وتجارب عمل الفرق في مؤسسات الدول العربية يشوبها الكثير من المشاكل والعيوب من خلال المنافسة بين ألأعضاء ونتيجة للصراعات ووجود التكتل والتحيز والشللية. وإذا تم التخلص من هذه العيوب وعمل الفريق بشكل متجانس ومتّحد ومتوافق ومتعاون ومتكامل، فإن ذلك سيؤدي إلى الثقة المتبادلة بين أعضاء الفريق، وكذلك بين الإدارة والفريق وبين الفرق المختلفة وهذا بدوره يؤدي إلى تفعيل عملية التعّلم والتجديد وإنتاج المعرفة والمشاركة في المعلومات وتداول المعرفة وانسياب المعلومات، بشكل حر يؤدي إلى تحقيق ميزة تنافسية للمؤسسة، ومن ثم يؤدي إلى تشجيع الإدارة على التخلي عن بعض صلاحياتها للفرق ومنحها مزيدا من التمكين بعد الثقة التي تؤدي إلى التمكين ومنح الأفراد مزيدا من الحرية والاستقلالية.

الانتماء
يعد الانتماء من العوامل المساندة للنقطتين السابقتين؛ الكفاءة والجماعة. والثقة هنا تعتمد على مدى استعداد العاملين في المؤسسة للوقوف خلف أهداف المؤسسة وغاياتها. والانتماء لأهداف المؤسسة وغاياتها لن يتحقق دون رؤية مشتركة لأهمية هذه الأهداف من وجهة نظر العاملين، والمشكلة أن كثيرا من المؤسسات تعاني وتتذمر فيها الإدارات من عدم ولاء المرؤوسين وانتمائهم. والمشكلة التي تقع فيها الإدارات أنها تتجاهل عدم فهم واستيعاب وقناعة العاملين بأهداف أو غايات المؤسسة ببساطه، لأن هذه الأهداف والغايات من وجهة نظر العاملين هي فقط تخدم المديرين أو المساهمين على حساب العاملين، فلا تتحقق الرؤية المشتركة التي تعدّ متطلباً أساسياً لانتماء العاملين ووقوفهم خلف غايات المؤسسة مدافعين عنها.
إن الانتماء المشترك لغايات وأهداف المؤسسة ورسالتها ينسجم ويتماشى مع وجود أفراد بموصفات الريادة ومؤسسات بأشكال منبسطة أفقية في هيكلها التنظيمي ومديرين يشرفون على عدد أكبر من ذي قبل، بسبب توافر الموظف والعامل صاحب المعرفة والخبرة، وبتوفير برامج التمكين التي تؤدي إلى تحقيق نتائج عالية في مستويات الأداء.

الاتصال
موضوع الاتصال يتكرر هنا لأهميته وعلاقته مع محور الثقة، ذات العلاقة الوثيقة بالتواصل والاتصال بين أفراد المنظمة، لبناء جو من الثقة. فالاتصال هو بمنزلة أداة أو آلية لتنشيط وتكريس الثقة بين الأفراد بتبادل المعلومات والتغذية الراجعة وتبادل المشورة والنصيحة. فلا يمكن تحقيق الثقة بين الناس دون اتصال ودون رسائل متبادلة بين الأطراف المتبادلة. وهناك وسائل متعددة لتفعيل عملية الاتصال في المؤسسة من خلال عدد من الوسائل منها: سياسة الباب المفتوح، والإدارة بالتجوال والإدارة على المكشوف، وحلقات الجودة التي تم الحديث عنها بشكل مفصل في البند السابق، إضافة إلى تفعيل أشكال الاتصال الأفقي والعمودي والقطري بين مختلف المستويات في المؤسسة. وهناك مقولة حديثة في الاتصال مفادها " نحن لا يوجد لدينا أي أسرار" وهذا الشعار أو المقولة تؤكد الشفافية والوضوح إضافة إلى تدريب الموظفين على فهم المعلومة والرقم وأهميتهما.
وبوداع المديرين للأنظمة البيروقراطية فإن عليهم استقبال موضوع في غاية الأهمية وهو موضوع الثقة، فالثقة ليست ضرورة للعاملين في المؤسسة فحسب، بل هي في غاية الأهمية أيضا لزبائن المؤسسة. وعلى القادة فهم وإدراك أن الثقة لن تأتي بعصا سحرية ولكن تحتاج إلى جهد مضنٍ في بنائها والمحافظة عليها ومأسستها؛ لأن ذلك سيحقق نتائج مبهرة في تعاون الجميع نحو تحقيق هدف مشترك. والثقة قد تكون أيضا في النفس (Confidence) إضافة إلى الثقة بالآخر. وبناء الثقة بالنفس قد يكون نتيجة ومحصلة طبيعية لثقة الناس فيما بينهم.
والثقة بالآخر هي الثقة بقدراته، وتأخذ شكلا عاما؛ كأن يثق المعلم بقدرات تلميذه دون أن تؤثر تلك الثقة على مصلحة المعلم بشكل مباشر، وهناك الثقة بين الأطراف المختلفة من خلال التعاقد، ينجم على هذا النوع من الثقة تأثير قد يكون ايجابياً أو سلبياً من حيث نتائج الأداء في الربح والخسارة. فهناك خسارة لطرف وربح لآخر وهناك ربح مشترك وقد يكون هنالك خسارة للطرفين.


[i] Fukuyama, F.(1995), Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity, London: Hamish Hamilton.
[ii] Bennis, W. and Townsend, R. (1995), Reinventing Leadership, William Morrow, New York, US.
[iii]    Rothstein, L. R. Hackman, J. R. Pascual, E.G. Mary, V. (1995), The Empowerment Effort That Came Undone, Harvard Business Review, 73 (1), 20-31.
[iv]    Stewart, T.A., (2001) Trust Me On This: Organizational Support for Trust in a World Without Hierarchies, Chapter in a Book, The Future of Leadership, Jossy-Bass, CA. pp. 67- 77.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق